مقالات

ما بعد الحداثة

عرابي عبد الحي عرابي


سنحاول هذا المقال توضيح الملامح التي يشير إليها مصطلح “ما بعد الحداثة”، والتعريف بأهم التيارات المندرجة تحته ومقولاتها الفكرية المتأسسة عليها، فمن خلال نظرة سريعة على حقبة “الحداثة” يتضح لنا أن مصطلح الحداثة لم يندرج تحت تعريف “حَدّي” يُخرج ما ليس منه، وكذا الحال مع مصطلح “ما بعدالحداثة”، إلا أن افتراقات كثيرة -بين الحقبيتن- توضح معالمهما، ولعل أشملها حركة التطورات الفلسفية الغربية في النصف الثاني من القرن العشرين، والتي هدفت إلى نقد أنساق الفكر الفلسفي ومقولاته الكبرى المبنيّة على قواعد الحداثة، ومن ثَمَّ تجاوزها لتأسيس حقبة “ما بعد الحداثة” التي تقدّم مقولات جديدة لا تتصف بالحتمية في نقد الفكر المجتمع والثقافة والسلطة.

إن مبدأ “التجاوز” الذي اعتمدته الحداثة أساساً في التعريف بذاتها كان حجر الأساس في تداعي سلطة الكنيسة ورسوخ مبدأ سلطة الشعب، وانتقال تقرير الفكر من كواليس اللاهوت (المسيحي) إلى قواعد العقل، وبذلك تأسست تيارات عديدة تدعي قدرتها على تفسير الوجود الإنساني وإيضاح سبل تقدمه كالبراغماتية والماركسية والليبرالية، وأثَّرت بشكل واضح في الاقتصاد والسياسة والأدب، إلا أن هذا المبدأ بذاته غدا السبب في انهيار سطوة “الحداثة” العقلية والعلمية؛ فقد اعتمده منظرو حقبة “ما بعد الحداثة” لتجاوز مقولاتها الكبرى.

مقدمة تاريخية
لا يمكن اختصار “ما بعد الحداثة” في تيار واحد، وإنما يجدر التأكيد على أن هناك “ما بعد حداثات” متعددة تشترك في أسس واحدة، وقد بدأت ملامح الرؤية “ما بعد الحداثية” في الفضاء الغربي إبَّان التذمُّر المتلاحق من سطوة التيارات الحداثية الكبرى، وعدم قدرتها على تفسير الواقع بمآلاته الجديدة سياسيًّا ونفسيًّا واقتصاديًّا ولغويًّا واجتماعيًّا وفلسفيًّا.

وهكذا نشأت تيَّارات جديدة مضادّة تنادي بموت النظريات الكبرى ونهاية الميتافيزيقا (عالم الغيب وما وراء الطبيعة)، وتطالب بالخروج عن الضوابط الحتمية، وترسيخ مبدأي الانتماء الفردي والثقافة السلعية الاستهلاكية، إضافة للدعوة إلى رفض فرضيات عصر التنوير (القرن الثامن عشر)  وخطاب الحداثة المتمثل في الإيمان المطلق بالعقلانية الشمولية.

ولم يتفق منظرو “ما بعد الحداثة” على تعبير واحد تُعرَّف به فالفيلسوف الفرنسي جان ليوتار (ت 1988م)على سبيل المثال يفضِّل اصطلاح “حالة ما بعد الحداثة” لتوضيح الحالة النقدية الجديدة [في معنى ما بعد الحداثة، جان فرانسوا ليوتار، ص7] أما الناقد المريكي من أصل مصري إيهاب حسن (ت 2015م) فيفضِّل مصطلح “ما بعد الحداثة” [سؤال ما بعد الحداثة، إيهاب حسن، ص12].

جاك دريدا

وعلى الرغم من أن هذا المصطلح قد استخدم في عام 1870 بصيغة “الرسم ما بعد الحداثي”، وفي عام 1917 في مصطلح “ما بعد الحداثة” [دليل الناقد الأدبي، د.سعد البازعي وميجان الرويلي، ص138]، وفي الثلاثينات من القرن الماضي في ديوان شعر إسباني، إلا أنه استقرّ أدبيَّا وفلسفيًّا عبر مراجعات نقدية عديدة في الدراسات الفكرية والأدبية -في الغرب عموماً وفرنسا خصوصًا- كما في أعمال الفيلسوف الماركسي الفرنسي لويس ألتوسير (ت 1990م) والفيلسوف جاك دريدا (ت 2004م) والناقد الفرنسي ميشيل فوكو (ت 1984م) وغيرهم ضمن هذه التيارات، حيث اشتغلوا في حقول عديدة كالفلسفة واللغة والسلطة والتحليل النفسي والتاريخ والأدب والعمارة [ما بعد الحداثة، كريستوفر باتلر، ص11-12]، ثم انتقل المصطلح إلى الدراسات النقدية في أمريكا فظهر تدريجًا فيما بين عامي 1963و1967 في كتابات النقّاد الأمريكيين، مثل سوزان سونتاج، كما في مقالها الشهير “ضد التأويل” عام  1964، وليزي فيدلر في مقالته “السلالة الجديدة” عام 1965.

ويمكن القول إن الحقبة التاريخية لما بعد الحداثة بدأت مع تنفيذ أشكال تصميمية لبعض المهندسين المعماريين، فاستعارت حقول الفنون والآداب المصطلح إثر ذلك وأسقطت معانيه على مفرداتها، وتطوّرت الدعوة في النقد من “المعالجة” إلى “التجاوز” لقواعد الحداثة وفلسفاتها، مقترحةً أن لا يستند الفهم الجمالي والأداء الفني -مثلاً- إلى السببية أو المعاني التقليدية، بل إن الإنسان ذاته لم يعد مقياسًا تعرَف به الأشياء.

بدأ المشروع “ما بعد الحداثي” الذي ينظِّر له الأمريكيون في سبعينات القرن الماضي بالتطابق مع مشروع “ما بعد البنيوية” الذي يقوده الأوروبيون، وفي عام 1979 صدر كتاب جان فرانسوا ليوتار “الوضع ما بعد الحداثي” الذي يعدُّ من أهم النصوص المؤسسة لحركة “ما بعد الحداثة” فلسفيًّا.

رفض منظرو المشروع ما بعد الحداثي مقولة تمثيل اللغة للواقع، مفترضين أن اللغة تنشئ الواقع منتجةً بذلك تحريف المعرفة، فبحسب ليوتار “أصبحت المعرفة سلعة من بين سلع عديدة، وأُجبر العلم على التخلي عن وظيفته الأصلية التي أعطيت له في زمن الحداثة فصار أداةً في يد القوة، لقد أصبح العلم ما بعد الحديث أداتيًّا” يخدم توجهات القواعد الكبرى لا حقيقة المعرفة، خاصة في المجتمعات المتقدمة تكنولوجيا.

لقد كان الانتقال  “الما بعد حداثي” لدى ليوتار سببًا في رفضه أهم مبادئ الحداثة، كمبدأ تحرير العقل، ومفهوم خلق الثروة وحتميَّة التقدّم، ومن ثَمَّ فإن نظريات كبرى مثل الماركسية والتقدم والإجماع العقلاني والعلم الموحد فقدت شرعيتها في مجتمع “ما بعد الحداثة”.

وقد استمر ظهور نتاج منظري التيَّار الجديد في الثمانينات بقوة عند ميشيل فوكو، والمفكر الفرنسي جيل دولوز (ت 1995)، وفرانسوا  ليوتار وجاك دريدا وإيهاب حسن، ثم انتقل إلى علم الاجتماع في فرنسا مع جان بودريار (ت2007م)، وفي بريطانيا لدى سكوت لاش  (وُ 1945م) وأنتوني جيدنز (وُ1938م)، حيث اقترح الأخير مفهوم “الحداثة الجذرية” بديلاً  لمصطلح “ما بعد الحداثة”، إلا أن تطوُّر التيار ومصطلحاته لم يتوقف، بل تعدَّى حقل الفلسفة إلى مجالات أخرى كما في مصطلح “ما بعد التصنيع” و”ما بعد الاستعمار “.

وبالمقابل فقد وجّه نقَّاد عدة طاقاتهم لمناهضة فلسفة التيَّار الجديد كالفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (وُ1929م)، الذي أصدر  أهم كتبه في الدفاع عنها “الحداثة مشروع لم يكتمل” معتمدًا على أطروحته في أن تصحيح مسار  الحداثة لا يقتضي ردم أفكارها بل تدعيمها وإخراجها من القبضة التسلطية، إضافة لتيري إيجلتون الذي أصدر كتابه “أوهام ما بعد الحداثة”، وديفيد هارفي صاحب كتاب “حالة ما بعد الحداثة”.

وعلى الرغم من ذلك يرى إيهاب حسن أننا كلما ظننّا أننا تخلصنا من “ما بعد الحداثة” نهض شبحها مرة أخرى، فأفكارها ما تزال حاضرة في خطاب الهندسة المعمارية والفنون والعلوم الإنسانية، كما أنها انتقلت إلى عوالم السياسة والاقتصاد والإعلام وصناعات الترفيه [سؤال ما بعد الحداثة، ص8].

أسس ما بعد الحداثة
اتسمت تيارات الحداثة بتنوعها واعتمادها المطلق على مبادئ عامة شديدة الوثوقية كالعلم والتقدم والحرية والحتمية، وكان مفهوم العقلانية أساس انطلاقها نحو تحرير الإنسان من التفسير “الغيبي” للكون.

فرويد

وطرأت على مسيرة الحداثة لحظات فكرية أفرزت مفكرين ينعون على الحداثة الغربية قيمها ويشككون في جدواها، وكانت بمجملها مستندة إلى فلسفة الألماني فريدرك نيتشه (ت 1900م) التي شكلت –بالإضافة لنقد ماركس وفرويد- نقطة مفصلية في تغيير مسار الحداثة إلى “ما بعد الحداثة”.

وليس مستغربًا من مفكِّر على طراز نيتشه أن يهاجم الفلسفة الغربية، خاصة وأن التنوير الأوربي فقد قدرته على التحرر بين نزعتي العقلانية والتجريبية، فبدأ بالبحث عن الأصول التي تمكن الإنسان من فهم المعرفة “والتي اتخذت عند جاك دريدا مظهر التفكيك فيما بعد، ومظهر الحفريات عند ميشيل فوكو” [نيتشه وجذور ما بعد الحداثة، ص145].

لم يكن النقد “النيتشوي” للفلسفة الغربية بنَّاءً بل عدمياً يرفض وجود المعنى والحقيقة والإله، فكانت مغامرة نيتشه أشبه برحلة في غابات الأمازون المجهولة، لكنها كشفت عن مفاهيم جديدة، فـمن أجل لبناء معبد لا بد من هدم معبدٍ آخر، لذا كانت أُسُس “معبد” نيتشه هي “موت الإله” و”الإنسان الخارق” و”إرادة القوة” و”العَود الأبدي” حيث لا يفنى الإنسان بل يتجدد جيلا بعد جيل.

وهذه المقولات مترابطة، فمن أجل التسليم بسلطة الإنسان المطلقة لابد من إنكار وجود الإله، ومن أجل بناء شخصية (السوبرمان) لابد من هدم عالم الغيبيات، ولأجل الوصول إلى مرحلة القوة اللامتناهية لابد من تخطي الخطوط الحمراء التي وضعتها جميع مدارس اللاهوت والمعرفة، ومن أجل تطبيق فرضية العَود الأبدي لابد من إزاحة مظاهر الضعف والقيم الأخلاقية.

نيتشه

لقد اشتهر عن نيتشه القول بأن الإنسان هو من يضع القيمَ ويجب أن ينقلب على القيم التي تضعها الديانات، فهي قيم غيبية، ولا يمكن أن تكون الحياة مرتَهَنَةً إلى الغيب أو السلطة أو القواعد الكبرى التي صنعتها العقلانية الغربية كالعقل واليقين العلمي، فهي  تخلق للإنسان عالمًا وهميًّا.

ومع أن نقد نيتشه اللاذع أخرج الإنسان من سجن الكُلِّيات (النظريات الكبرى)، إلا أنه قاده إلى سجن الشك والريبة والعدمية والعبثية وضياع المعنى والتفكيكية والتعدد اللا متناهي للتأويلات، فالنزعة النسبية الأخلاقية والمعرفية في عالم ما بعد الحداثة تجد “تصميمها” الأفضل في فكر “نيتشه” العدمي .

وهكذا انتقل النقد الفلسفي للحداثة اعتمادًا على مقولات نيتشه إلى طور جديد على يد الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر (ت1976م)، والذي فتح باب التأويلات من خلال السؤال عن كيفية تكوُّن الموجودات والقيم -لا عن أصلها-، بغية الوصول إلى القيمة التي وضَعَت لها المعاني المرتبطة بها، وبذلك نفهم سر اختفاء المفهوم الثابت، فتنتهي وحدة التاريخ وتنشأ مسارات متعددة لا نهاية لها.

تيارات ما بعد الحداثة

1-العدميَّة

آرثر شوبنهاور

من الأهمية بمكان البَدء بالعدمية Nihilism التي كانت مثالاً صارخاً لبدء خلخلة النظام العقلي الواحد الذي كان يسيطر على الفكر الغربي، ويبتدئ تأثير العدمية كنزعة سوداوية لا ترى للعالم أي معنى على يد الفيلسوف المتشائم آرثر شوبنهاور (ت1860م)، الذي كان الذي يرى في أهم قناعاته أنه لا بد من الاستسلام لليأس، والامتناع عن فعل أي شيء لتختفي الحياة، وإلى جانب هذه التشاؤمية جرَّدت عدمية نيتشه معول الهدم معلنةً الحكم على “الإله” بالموت، ليزداد تأثير العدمية في تيارات الفلسفة الغربية “ما بعد الحداثية” التي لحقت بهما، فورثت مقولة الموت التي أعلنها نيتشه وانطلقت لتغيِّر مشهد الفكر على  أسس “أسطورية الدين” و”وهمية المفاهيم والقيم”، وتهديم الأسس المعيارية أو القانونية أو العقلية للفهم والتفسير.

تشير الكاتبة الكندية نانسي هيوستن في كتابها “أساتذة اليأس” إلى أن تطوّر الفكر الأوروبي منذ نحو قرنين تفرع في اتجاهين متضادّين ظاهرياً: الطوباوية (المثالية الحالمة) والعدميّة، أو  الموقف الثوري والموقف الانهزامي، فإذا كان المرء مثقفًا كان عليه أن يضع ذكاءه في خدمة الثورة من أجل عالم أفضل برأي الحداثيين، أما العدميّون فيرون أن الأولى به الانتحار على الفور؛ لأن كل أفعال الإنسان عبثية وفاشلة، و إلا فالحل هو اللجوء إلى الكتابة ليشعر بالأمان [أساتذة اليأس، نانسي هيوستن، ص17].

وكأن الجماعة الأولى تقول: لصناعة العجّة لابد من تكسير البيض، بينما يؤكد العدميون أنه ما من شيء يستحق العناء، لا البيض ولا العجّة، إذ لا أحد يشعر بالجوع ولا معنى للجوع أو الشبع أصلاً.

كانت لفظة “عدمي” تطلق في أواسط القرن التاسع عشر الميلادي في روسيا على المتمردين المناوئين لحكم القيصر، ثم استعمِل هذا الوصف في رواية إيفان تورجنيف “الآباء والأبناء” عام 1862 لمدحِ الشخصية التي تؤمن بالعقل وبالتصور العلمي الذي يقدمه عن الكون، مع التأكيد على رفض المعتقدات الدينية والقيم الأخلاقية.

وترجع العدمية في أفكارها إلى الأساطير الإغريقية التي تصور صراع الإنسان مع الآلهة وكأنه صراع ضد فكرة العدم، وارتبط تطور العدمية فلسفيَّا مع إبعاد “الإله” عن الساحة الفكرية وزيادة الكشوفات العلمية التي وضحت أن الكوكب الأرضي ليس أكثر من ذرة غبار في كون يحوي مئات المليارات من المجرات، فإن لم يكن الإنسان مركزًا لهذا الوجود، فما معنى وجوده، ما هو العالم، من نحن؟ هذا هو السؤال الذي ترتكز عليه العدمية في طورها الأول.

وتعرّف الموسوعة الفلسفية ليودين ورزونتال العدمية بالإنكار المطلق [ص294] ، ويقول قاموس أكسفورد إنها إنكار كل فكر إيجابي، كالقيم الأخلاقية والمبادئ الدينية، أو هي الاعتقاد بأنه ليس ثمة شيء ذو قيمة، فالمبادئ الدينية والأخلاقية عديمة القيمة، والأديب العدمي يرى أن العالم عديم القيمة وخال من أي مضمون أو معنى حقيقي، فينحصر عمل هذا الأديب في تذكير الإنسان بحدوده حتى يستغل حياته استغلالًا عدميًا، وبذلك “ينضج” فكر الإنسان فيرتفع من مرتبة الحيوان الذي لا يدرك معنى العدم إلى مرتبة الأديب المدرك له. [النزعة العدمية وصلتها بالإباحية، ص1].

2013 Pablo Saborío

تركت العدمية بصمتها على الفن التشكيلي بوضوح، كما في هذه اللوحة للفنان المعاصر بابلو سابوريو التي تحمل عنوان “صورة لرجل ينتظر الجواب”، في إشارة واضحة لغياب المعنى وتشتت الإنسان.

أما العدميَّة السياسيَّة فهي مرتبطة بالاعتقاد بأن إلغاء القيود السياسية والاجتماعية والدينية كافة شرط لازم لأي تطور مستقبلي.
وأما العدميَّة الأخلاقيَّة فهي مذهب نظري يرفض إمكانية وجود قيم أخلاقية مطلقة، فالخير والشر أمران ضبابيان، والقيم التي تحاكيهما ما هي إلا نتاج الضغوط الاجتماعية والعاطفية.

ويرى أصحاب العدميَّة الوجوديَّة أن الحياة بلا قيمة، وهذا هو المفهوم الأعم والأكثر استعمالاً للكلمة هذا اليوم. وقد يصل الأمر إلى اعتناق العدميَّة المطلقة التي تنكر أي قيمةٍ أو وجود لأي شيء، بينما ترى العدمية الفلسفية النقديَّة أن العقل غير قادر على الوصول إلى الحقيقة، وهي في كلا الحالتين مرادفة لنزعة الشكية أو الريبية [انظر الشك الفلسفي في مقال مصادر المعرفة]. ومن البدهي ألا تدافع العدمية عن الوجود الإلهي فوجوده وعدمه سواء في رأي أصحابها.

وبإيجاز، ترى نانسي هيوستن أن للعدمية ثلاث خصائص، هي:

1- النخبوية والأنانية: فهي ترى أن البشر كتلة متجانسة من الأفعال والأديان والثقافات، ويشكلون قطعانا لا إرادة لها وتفكر بالطريقة ذاتها، إلا العدميَّ الذي يرى نفسه متفرِّدًا ورافعًا صوته بالشكوى المستمر، كما أنه لا يريد أن يكون ممتنًّا لأحد أو مدينًا لإنسان.

2- الاشمئزاز من الأنثى: ترى أبرز الشخصيّات العدمية أن الرجل وحده يمكن أن يكون فنَّاناً؛ لأن المرأة ليست قادرة على الكتابة والإبداع، والشيء الوحيد الذي يمكن أن تقدمه المرأة هو “الولادة” التي تخرجنا بها الأم إلى الحياة، وفي المقابل فإن المرأة تقيد حرية الرجل، وهي كالأخطبوط تصيد الرجل وتأخذه إلى حيث تريد، إلى التناسل “المقزز” الذي لا ينبع من إرادة الفرد بل إرادة الجنس البشري.

3- احتقار الحياة: فالشيء الوحيد الذي ينقذ الإنسان من الفناء انعزالُه عن كل شيء، وغالبًا ما يبتعد العدمي عن اتخاذ أي موقف سياسي، ويتمنى لو أنه لم يكن موجودًا ويحلم بالانتحار إلا أنه يخشى الموت [أساتذة اليأس، ص19-20]، وبناء على ذلك فالعدمي لا يتمنى الموت فقط في أسرع وقت، بل يودّ لو أنه لم يولد من الأساس كما قال شوبنهاور، فخطيئة الإنسان الكبرى مولِدُه وخروجه إلى الوجود ولا يمكن مغفرة هذه الخطيئة إلا بالموت، ومن ثم فلا عجب في ألا ينجب فلاسفة العدمية أطفالاً، كما أن شوبنهاور يرى أنه لا بد من الاستسلام لليأس، والامتناع عن فعل أي شيء لتختفي الحياة [أساتذة اليأس، ص51-64].

لقد كانت لكلمات شوبنهاور وأفكاره أعمق الآثار في أوروبا إبَّان وفاته، فعلى رؤاه التشاؤمية تربَّى مفكرون وأدباء كبار مثل نيتشه والمفكر اللغوي لودفيغ فتغنشتاين (ت1951م) والكاتب التشيكي فرانس كافكا (ت1924م)، ثم ظهرت حركة النقد النيتشوي لتدفع العالم إلى الهاوية العدمية قسرًا. ومع نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914 واشتداد الأزمات وصولاً إلى الحرب العالمية الثانية عام 1939، كان الغرب قد وصل إلى شتات معرفي وروحي، بين وعود اشتراكية اقتصادية جامحة في الخيال، وبين تغوُّل رأسمالي يريد تحويل العالم إلى شركة استثمارية.

إحدى معارك الحرب العالمية الثانية

وهكذا وصل الفرد الأوروبي إلى قناعات مفادها أن السوداوية تخيم على كل شئ، وأن الإنسان بات مُخيراً بين الحياة العدمية وبين الثورة والتمرد، وسرعان ما انعكس ذلك على الأدب والفن، وظهرت تيارات اللاوعي الناشئة عن العدمية كالسريالية والعبثية، وحركة اللامعقول، ومسرح العبثية والتمرد.

وخلال الأربعينات والخمسينات توسعت الحركة العدمية الملحدة في الوعي العام، وزعم أصحابها أننا حين نهجر الأوهام نكتشف أن الحياة بلا معنى أو جدوى، فزعم الأديب الفرنسي ألبير كامو (ت1960م) أن مأزق “سيزيف”، المحكوم بالعذاب الأبدي، هو تعبير مجازي عن الوجود الإنساني، وفي روايته “الغريب” يرفض على لسان “ميرسو” الافتراضات الوجودية التي يعتمد عليها الضعفاء، أما روايته “الطاعون” فحملت إصرار كامو على استعراض تفاهة الحياة، مطالبا بعدم محاولة تحسين العالم.

2- علم نفس “ما بعد الحداثة”
استنادًا إلى ثلاثية فرويد “ثورة كوبرنيكوس في الفلك، وثورة داروين في علم الأحياء، وثورة التحليل النفسي” ، فإن تحكُّم الإنسان بنفسه أو محيطه أصبح “خرافة”، وعلى هذا لم يعد بمقدور الإنسان امتلاك مفردة “الذات”،  بل أصبح الإنسان عبارة عن علاقات وسياقات مختلفة [البنيوية فلسفة موت الإنسان، روجيه غارودي، ص12-14].

وإذا كانت تيارات الحداثة تدرس الظواهر لاستنباط القوانين الشمولية التي تنطبق على البشر في كل الأمكنة والأزمنة، فإن علم نفس “ما بعد الحداثة” يفصل بتعسف واضح بين “الذاتي” و”الموضوعي”، ويزعم أن دراسة أي ظاهرة نفسية لا تخضع لمبادئ ثابتة، لذا صار مجال البحث النفسي في ما بعد الحداثة متخصصا بالفرعي والهامشي في الحياة اليومية [علم نفس ما بعد الحداثة، د. إبراهيم الحيدري].

وسنوجز دراستنا لتطور هذا العلم “المابعد حداثي” في المرحلتين الآتيتين:

1- فرويد وبَدء التحليل النفسي:
ابتدأت المرحلة المتطورة من علم النفس باختراع طبيب النفس النمساوي اليهودي سيغموند فرويد لطريقة “التحليل النفسي” في معالجة مرضاه، فصارت هذه الممارسة بداية علم النفس الحديث، وشملت وجهي الممارسة التحليلية (الشعور/ اللاشعور) [المعجم الفلسفي، جميل صليبا].

تمتلئ النصوص “الفرويدية” بمصطلحات شديدة الوضوح أحيانًا وشديدة التعقيدة أحياناً أخرى، كالحياة والموت واللذة والأنا والهو، ولذلك كان عمل فرويد تأويليًّا  [خمسون مفكرا أساسيًّا معاصرًا، 57]، ومن الجدير ذكره أن فرويد يقيم نظريته بناء على بطلان مفهوم الطبيعة العاقلة للإنسان ونقض اعتباره كائنًا متميزًا بالعقل واللغة؛ فنظريته لم تنطلق من العقل بل من الدوافع البشرية، وإذا كان السلوك الإنساني غرائزيا فإن سلوكه الاجتماعي والحضاري لن يُفهم من منظور “التسامي الذاتي” وإنما من مبدأ الرغبة والاحتياج المكبوت.

لقد كانت نظرية “الدوافع” جوهرية في نظرية فرويد، فلفهم الإنسان لا بد من فهم دوافعه، إلا أن التفسير غالبًا ما يكون ناقصًا لأن هناك أسبابا مخفية تسبّب الدوافع، وهذه الأسباب غير واعية وتعمل في داخلنا ونحن على غير معرفة بها، فحين يزل اللسان أو يرى شخص حلمًا فمن الطبيعي ألا نهتم لما خلف ذلك، إلا أن فرويد رأى أن خلف هذه الزلة وتلك الأحلام دوافع تكشف عن المعنى الكامل لهذه الأحداث التي تبدو عشوائية.

وتستند هذه الفرضية إلى أساسين مهمين:

أولهما: الأعمال الغريزية التي رأى فرويد أنها تظهر الحقيقة النفسية، كغريزة السلوك الجنسي التي تحكم الأشياء المحببة للإنسان، وغريزة الهدم التي تقود إلى الإجرام والعدوان، فزعم فرويد أن السلوك البشري نتيجة للصراع بين هاتين الغريزتين أو التعاون بينهما [فرويد بين الحداثة وما بعد الحداثة 1-2، د. إبراهيم الحيدري].

والثاني: العمليات النفسية، فهناك أعمال شعورية “واعية”، وأعمال لا شعورية “غير واعية” أو ما قبل الشعورية، ويولي فرويد أهمية كبيرة لمبدأ “اللاشعور” في فهم دوافع الإنسان ونفسيته، فهو الذي يختزن القيم والمثل والعادات والميول والرغبات المكبوتة. كما أن من مهامه توجيه أفعال الإنسان السلوكية دون أن يعيها، وينقسم اللاشعور عنده إلى “لاشعور شخصي” وهو المكبوتات، ولا شعور جمعي” وهو الأفعال والأعراف الجماعية، كتفضيل نوع من الممارسات على غيرها أو الاعتقاد بأساطير خاصة.

وأعطى فرويد مفهوم اللاوعي بُعدًا كونيًا فجعله المحرّك والمفسر للنفس الإنسانية، ومن هنا ظهرت الحركة السريالية في الفن التي يتعمد من خلالها الفنان رسم لوحاته وهو في حالة سُكر أو غيبوبة لاستخراج الأفكار والرؤى الباطنية [أثر نظرية فرويد على السريالية (سلفادور دالي أنموذجاً) د. فاطمة عمران راجي، ص115].

لوحة “إصرار الذاكرة” للفنان سلفادور دالي (1931) تعد من أشهر اللوحات السريالية في العصر الحديث

2- جاك لاكان وتصحيح الفرويدية:
على الرغم من تعدُّد مدارس علم النفس التي ظهرت بعد مدرسة التحليل النفسي، إلا أنَّ مدرسة فرويد ظلت أكثرها شهرةً وتأثيراً في الحقول الإنسانيَّة، ومع أنَّ العديد من تلامذة فرويد عارضوا نظرية “الدافع الجنسي”، إلا أنهم التزموا بتصحيح رؤيته لا نقضها، ومن ثم فإن نظرية علم نفس ما بعد الحداثة للمحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان تعد صيحة العودة إلى الفرويدية، بغية إعادة قراءتها من جديد.

جاك لاكان

لقد صبّت قراءة لاكان لنظرية فرويد في مصلحة دعم تيارات “ما بعد الحداثة”، خاصة “التفكيكية” و”ما بعد البنيوية”، فارتكزت أعماله على محاولة فهم نظرية فرويد وإعادة صياغة مفاهيمها بالجمع بين الإنثروبولوجيا (علم الإنسان) وعلم اللسانيات والفلسفة والرياضيات.

استطاع لاكان اختزال مقولات فرويد كلها في مصطلح “اللاوعي”، واللاوعي هو فضاء هلاميٌّ مبني على الرموز، وقد اشتُهر عند فرويد ومن بعده على أنّه جزء لا ينفصل عن الغرائز، إلا أن لاكان قدّم طرحا جديدا هو “لغوية اللاوعي”، وهذه اللغة تختلف مع علامات اللغة الكتابية في فهم الأشياء ضمن حالة الوعي، ما يعني إمكانية قراءة الأحلام وتفسيرها وإدراكها على أنّها مجموعة لغوية تتشكل من علامات واسعة.

تكمن خصوصية لاكان في نقده لمبدأ ديكارت التي يعتبر أساس العقلانية الحداثية، وهو “أنا أفكر إذن أنا موجود”، فاستعاض عنه بالأنا اللاواعية المتشكلة عن حاجات جسدية ونفسية والتي يكشفها اللاوعي ويقدمها على هيئة صورة رمزية حُلمية، مستعينا بأفكار سارتر الوجودية حول العلاقة بين الفرد والعالم.

ثم جاء التيار النقدي “ما بعد البنيوي” واستفاد من رؤية لاكان من خلال نقد التصور الديكارتي للذات الموحدة وللكاتب بوصفه سلطة لتثبيت الدلالة والحقيقة، وهكذا لم يعد للذات وعي موحد وإنما هي تشكل قسري بواسطة البنية اللغوية، وامتدت هذه التحليلات –بطبيعة الحال- لنقد الغيبيات.

3-الوجودية
تتقاطع مفاهيم الوجودية مع معطيات العدمية والعبثية، لكن هناك فروق دقيقة بينها، فللوجودية معنيان، أحدهما عام يتجسد بإبراز قيمة الوجود الفردي، ويمثله مذهب هايدغر وياسبرز وكيركيجارد، أما المعنى الخاص فهو ما يعلنه جان بول سارتر (ت1980م) بأن الوجود متقدم على المعنى أو الماهية -وهو بالضبط ضد رأي كل من سبقه من الفلاسفة- لذلك فالإنسان حسب رأيه يصنع نفسه بنفسه، وذلك من خلال حريته المطلقة في الاختيار.

سارتر

أما العدمية فهي الاعتقاد بعدم وجود أي معنى جوهري في الكون، وأنهُ من غير المجدي محاولة فهمه أو البحث عن القيمة والحقيقة واليقين فيه، وترتبط العدمية -غالبًا- بتشاؤم شوبنهاور المفرط والشك الجذري عند نيتشه.

وأما العبثية فهي الوجه المتمرد للوجودية، لأنها ترى أن جهود الإنسان لإدراك المعنى تنتهي بالفشل الحتمي لأن المعنى غير موجود، ولذا يجب على المرء أن يتمرد ضد هذا الحال مع وجوب الإقرار به في آن واحد، وقد خرجت الحركة “العبثية” من رحم الوجودية عندما نشر الأديب الفرنسي كامو كتابه “أسطورة سيزيف”.

وبذلك يمكن أن نعرف الوجودية بأنها الاعتقاد بأنه بتحقق الوعي ومسؤولية الشخص مع إرادته الحرة يمكن بناء المعنى ضمن العالم الذي في جوهرهِ لا يمتلك أي معنى.

ظهرت الفلسفة الوجودية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث خيمت السوداوية على الأدب والشعر والفن والرؤية الفلسفية، فمثلت “الوجودية” للفكر الأوروبي ملاذاً لأزمات الإنسان ومعاناته، ومع أن الوجودية تؤمن بوجود مقولات “كبرى”، كالوجود والماهية فهي مصنفة ضمن تيارات “ما بعد الحداثة”، وذلك لأنها مذهب لا عقلاني، فهي ترى أن الإنسان لا يمكن فهمه إلا في المواقف التي يختارها لنفسه، وأن أسباب هذه المواقف ليست كلها خارجية بل ربما تكون كانة في مزاجه أو انفعالاته أو الكبت المترسخ فيه.

ألبير كامو

اتسمت الوجودية بالتعالي أولاً، وإهمال واقعية الإنسان ثانياً، ومحاولة رفع الفرد عن مشاكله بالتسامي الروحي ثالثاً. وبعد أن جمعت الماركسية بين تقديم بديل للكنيسة وبين رسم تطلعات متفائلة للمستقبل، جاءت الوجودية لتجمع بين جانبين متناقضين، فقدمت رؤيتين كنسية ولا كنسية للوجود في آن واحد، فالرؤية الأولى هي الوجودية المؤمنة لدى الدانمركي سورين كيركجارد (ت1855م)، والثانية هي الوجودية الملحدة عند آلبير كامو وسارتر، ثم سعت الوجودية لرسم تطلعات جديدة لمستقبل اجتماعي.

ولم تستطع الوجودية غالبا أن تتخلص من تأثير الأفكار السابقة عليها، وأهمها فلسفة نيتشه التي تزعم “موت الإله” وتسليم مهامه للإنسان، ومع ذلك اقتنع بعض الفلاسفة الوجوديين بالقيم الكنسية الروحية وآمنوا بالإله، مشترطين مع ذلك حرية الكلمة والاختيار مثل كيركيجارد وكارل ياسبرز (ت1969م).

ويكن القول إن الفلسفة الوجودية رسمت هدفها البعيد في رفع درجة الوعي البشري عن طريق عنصرين هما “الحرية والاختيار”، وباتساع القاعدة الفلسفية للوجودية وسعيها لتحقيق السعادة فإنها استطاعت تقديم حلول عجزت عن تقديمها الفلسفة الماركسية والسلطة الكنسية، كما في مبدأي الحرية والاختيار، اللذان لم تعط الماركسية أحدًا منهما للناس.

لذا أصبحت الوجودية في ستينات القرن العشرين العقيدة الجديدة للمثقفين والأدباء والنقاد، وأوصلت الشباب المتمرد إلى درجة الشعور بالتألُّه عندما يستطيع أن يُبدع، ومن ثم أصبحت حقيقة الدين تعني ما يدِين به الإنسان لا ما يُفرض عليه، وما يمكن أن يطلق عليه الدين هو الذي يمتلك عناصر بقائه، في إحالة تذكرنا بصراع البقاء في نظرية الانتخاب الطبيعي لدى داروين.

كما استطاعت “الوجودية” أن تبتدئ عصر الفلسفة غير النسقية، وهذه الفلسفة هي سمة المذاهب التي تسعى إلى تكسير “النسق”، وتتسم بأنَها نقدية ولا نهائية، ومثالها: القراءات الفلسفية التي بُنيت عليها الطروحات النقدية الحديثة لما بعد البنيوية.

4- التفكيكيَّة
ظهرت هذه النزعة على يد الفيلسوف الفرنسي “جاك دريدا”، وهي طرح فلسفي يصعب تعريفه، لأن التفكيكية بحد ذاتها ضد التعريف [الكتابة والاختلاف، جاك دريدا، ص57-65]، بل ضد امتلاك الفهم الثابت والحقيقة.

قدّم دريدا في عام 1966 بحثا باسم “البنية والعلامة واللعب في خطاب العلوم الإنسانية”، حيث وضع كل مسلَّمات الفلسفة الغربية منذ عهد أفلاطون إلى يومه موضعَ سؤالٍ وشكٍّ [النظرية الأدبية، رامان سلدان،  ص134، 135].

ترتكز استخدامات اللغة في بيان المعاني والأفكار على اللفظ “الدالّ” والمعنى “المدلول”، وترى جمهرة علماء اللسانيات أن ارتباط دوالّ الألفاظ اللغوية بمدلولاتها في الاستخدام الأوّل كان ارتباطًا اعتباطيًّا إلا أن التلازم في الاستخدام اللغوي بين المفردات ومعانيها جعل هذا الارتباط متسقًا في التداول، مما ضمن استقرار الدلالة أثناء التخاطب والكتابة، إلا أن “التفكيكية” تتجاوز كل “نسق” أو “ثابت” أو”كُلِّي” أو “قطعي” وتجعل من مهمة الفهم الثابت أمرًا مستحيلاً، فالتفكيكية تسعى إلى تفتيت النصوص من المعاني الثابتة وتحويلها إلى تفاعل لا نهائي مع المعنى؛ فلا تستقر  الدلالة على معنى حتى يُهدَم ثم يُفترض معنى آخر ثم يهدَم -وهكذا دواليك- إلى ما لا نهاية، عبر لعبة المراوغة المستمرة.

ويظهر التفكيك في عدة مظاهر، فهو موقف فلسفي أصلا، وقد يكون رؤية سياسيَّة، وربما يظهر في طريقة القراءة الأدبية.

لقد جاء “دريدا” بمفهوم “تقويض اللوغوس” أي المرجع الذي تستند إليه المعاني في الخطاب اللغوي، أو المفهوم الكلي الذي يتحكم بقضايا الوجود وثنائياته، كالماهية والوجود والخير والشر والنهاية والبداية والإنسان والوعي، وهدف دريدا هو هدم مفهوم “المركزية” التي يستند إليها المعنى والاستدلال [الكتابة والاختلاف: ص58]، وللوصول إلى هذا الهدف لا بد من “هدم الميتافيزيقيا (الغيبيات) التي يفترض المؤمنون بها أنها أسست لوعي ديني تتجسد فيه الحقيقة” [صيدلية أفلاطون، جاك دريدا، ص5]، ولذلك يؤكد “التفكيك” على التعدد والاختلاف.

وقد قامت تفكيكية دريدا على أربعة تيارات:

1- هدميّة نيتشه
إذا كانت التفكيكية قائمة على التقويض فإنها متفقة تمامًا مع مضامين الفلسفة النيتشوية التي زعمت تمكنها من تقويض كل الحقائق المطلقة، فقد أسَّس نيتشه الأرضيّة اللازمة للتيارات النسبية التي اتسمت بها مرحلة “ما بعد الحداثة” من خلال تبني منظريها لأهم مقولاته، لا سيما جاك دريدا الذي استمد أهم أسس نظريته التفكيكية من الهدم النيتشوي أولاً.

فإعلان “موت الإله” مثَّل بداية الإطاحة بالمفاهيم المطلقة [نيتشه فيلسوف العلمانية الأكبر، المسيري، ص172]، بغية التخلص من الهيمنة التي تفرضها “المرجعية” والوصول إلى تحطيم المركزية العقلية وفهم كيفية صنع الإنسان القيمة والمعنى،

وبذلك يلغي نيتشه حضور الميتافيزيقيا؛ فالأجدر بالإنسان -حسب نيتشه –الإعلان عن الإلحاد وجحد الإله، “فجحود الإله ينقذ العالم” [أفول الأصنام، نيتشه، ص56].

وكانت غاية “دريدا” تأسيس “ممارسة فلسفية ونقدية تتحدى ارتباط المدلول (المعنى) بالدال (اللفظ) المحدَّد والصريح” [التأويل، إمبيرتو إيكو، ص124]، ولذلك اتفق دريدا مع نيتشه في نفي الحقيقة الثابتة، فكلاهما يطالب بتفكيك المعرفة المنطقية والمفاهيم الخاصة بها.

2- نزعة الشك الهايدغري

هايدغر

يقول دريدا “إن دَيني لهايدغر هو من الكِبَر بحيث يصعب التحدث عنه، إن بمفردات تقويمية أو كمية، أوجز المسألة بالقول: إنه من قرع نواقيس نهاية الميتافيزيقا” [الكتابة والاختلاف، جاك دريدا، ص47]. وتبدو هذه العبارة مشيدة بفضل الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، أهم الفلاسفة الأوروبيين المعدودين بوزن أفلاطون وأرسطو في العصر الحاضر، واعتراف دريدا بهذا الفضل جدير بالملاحظة، “فالفكر –بتعبير هايدغر- لن يبدأ حقًّا إلا عندما نتعلم أن العقل هو العدو اللدود له” [موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر، الزواوي بغورة، ص70] وبذا فإن هايدغر يعبر عن إرادة تفكيك النزعة العقلية وتجاوز الفلسفة الذاتية حتى يمكن للإنسان تحرير ذاته، حسب رأيه.

لقد حرصت الفلسفة الغربية –برأي هايدغر- على إظهار الحاضر في كل زمان، لكنها لم تظهر الوجود بحقيقته، وإنما أظهرت صفات طارئة على الموجود، ولذا لا بد من إنهاء هذه المنظومة والتركيز على قضية “الكينونة” الحقيقية للوجود، وبذلك فتح باب التأويلات من خلال السؤال عن الكيفية التي تتكوّن بها الموجودات والقيم لا عن أصلها، لأن الحياة ليست محض بقاء وإنما تغيُّر مستمر، فلا يوجد تاريخ واحد للكينونة وإنما مسارات لا نهاية لها.

وعلى الرغم من استعارة دريدا لمفهوم “الهدم” الهايدغري إلا أنه ينتقد منهجيته بأنّها ما تزال “حبيسة الرؤية الميتافيزيقية”، لاستمرارها بالتمركز حول “المرجعية”، إلا أن النقاط المشتركة بينهما عديدة، كنقد مركزية الفلسفة الغربية، والدعوة للشك العدمي، والبحث المستمر عن تعدد المعاني.

3- فرويد واللاشعور
ينقل الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي في كتابه “البنيوية: فلسفة موت الإنسان” عن فرويد قوله إن نظريته في التحليل النفسي ألحقت بكبرياء البشرية ثالث “إذلال كبير” لها بعد الثورات العلمية على يد كوبرنيكوس التي أنهت كون النص الديني المركز الذي تقاس إليه الأمور، ورؤية داروين التي حولت الإنسان إلى حيوان بيولوجي يصارع من أجل البقاء [البنيوية فلسفة موت الإنسان، روجيه غارودي، ص12-14]، فكان فرويد يسعى لإطلاق ثورة نفسية تقيد الإنسان باللاوعي ودوافع اللاشعور.

إن أحد أهم الأمور التي لفتت انتباه دريدا لأعمال فرويد هو تقويضه لمفهوم الأب و دراسته المفهومات الثنائية، كالعقل والجنون والواقع والخيال والشعور والللاشعور، وإظهارها بمظهر المجني عليه، فالطرف الأول من هذه الثنائيات هو الذي يحظى بالتقدير والاحترام، أما الثاني فالمجتمع يسعى لتفنيده ونفيه، إلا أن فرويد قلب هذه التقابلات وجعل الثاني منها شرطا للأول، فأعجِبَ دريدا بهذا القَلب وقال عن عمل فرويد: “إنه يقول شيئًا مبهجًا… فلا أحد حلل المبدأ الأبوي أو البطريركي كما فعل”، وكما أنّ فرويد درس الأحلام وهفوات اللسان ليعيد لهما الاعتبار  بدلاً من عدّهما وهمًا لا طائل منه، درس دريدا كذلك الفجوات والفراغات والهوامش داخل النصوص مع دراسة الاستطرادات والتناقضات والغمـوض… إلخ. [ما بعد البنيوية، 2134].

لقد تعامل فرويد مع المناطق الغائبة في النفس الإنسانية بمنطق التعامل مع الأسطورة، وأرجع معظم تصرفات الإنسان إلى دوافع مخفية في اللاشعور ناتجة عن أزمات الطفولة والكبت، ثم جاء دور دريدا في دراسة المناطق الباطنة في ميدان الدلالة اللغوية، لأنه يرى أن المعنى المخفيَّ متعدد ولا نهائي.

4- جهود رولان بارت النقدية

رولان بارت

شغلت دراسات رولان بارت (ت1980م) مساحة واسعة من النقد العالمي، خاصة وأنها وافقت عصر الدعوات لتحطيم الأصنام النقدية المتوارثة التي لا تقبل التغيير، وتأتي شهرته الواسعة لأسلوبه التحليلي ولمعالجته جميع مظاهر الحداثة الغربية وربطه إياها بأسسها الفلسفية، كمظاهر الأكل والشرب والكلام، فضلاً عن صيحات الأزياء وتنوع السلوكيات الجنسية، وأشكال قصات الشعر… إلخ، مبيِّنًا خصوصية هذه الأشياء أولاً، ثم علاقتها بالحياة اليومية ثانياً، ودور المؤسسات السياسية والاقتصادية في تفعيلها إيجاباً أو سلباً ثالثاً، فضلاً عن تحويل كل تلك المظاهر والأشياء عند دراستها إلى لغة تنتمي برأيه إلى ثقافة بورجوازية تُشعِل بصورة دائمة معركة الأنساق اللغوية [هسهسة اللغة، رولان بارت، ص133،486].

ويمكن تلخيص تأثير “بارت” في “دريدا” من خلال نظريته في قراءة النصوص الأدبية المبنية –في أصلها- على عناصر تجاوزية و”تفكيكية” في حقيقتها إن جاز التعبير، كمقولات “خيانة اللغة” و”موت المؤلف” و”التحليل النصي” المستمر.

فمقولة “خيانة اللغة” من الطروحات ذات الخصوصية عند “بارت” لأن النص -حين نزيح مؤلفه معلنين موته- لن يتبقى له إلا المراوغة مع اللغة وخيانتها، وهذه الخيانة تسمح لنا بإدراك اللغة خارج سيطرة المؤلف “القاصد لمعنى ما”، وقد أراد بارت من هذا التوجه الانفلات من فاشية اللسان وتسلط اللغة وقانونها، لكنه في ذات الوقت وقع في الاعتداء على اللغة عن طريق التلاعب بها وتحويل مسارها في المعنى، بتقديم المعنى البعيد والتلاعب بحقيقة النص وفقاً لرغبات القارئ والناقد.

ولعل دعوة “بارت” إلى إعلان “موت المؤلف” تحيلنا إلى دعوة نيتشه لإعلان “موت الإله”، وبذلك يستثمر موته لتجنب مركزيته ومقاصده التي يقدمها في نصه، والاكتفاء بالنص وحده دون اللجوء إلى مؤلفه [ما بعد البنيوية، ص93، 94].

لقد استفاد دريدا من هذه المعطيات، فغياب “المؤلف” يقود إلى لا نهائية “الدالّ” فيستمر التوليد الدائم المستمر داخل النص، فالنص لا ينشأ عن رصف كلمات وحيدة المعنى، وإنّما هو فضاء متعدد الأبعاد تتمازج فيه المعاني وتتعارض.

وعلى الرغم من أن الهدف هو نقد الحضارة الغربية وإنشاء بدائل فكرية لقواعد الحداثة الكبرى، إلا أن هذا السعي أدى لتفتيت التواصل والتفاعل الحضاري، فالقاعدة الأولى لهذه الفلسفة هي “امتناع التعريف” و”انغلاق المفاهيم” حتى أصبح كل نص أو عقيدة يحتمل ما لاينتهي من الافتراضات والتأويلات، فهل يتحقق التنوع بهذا الفعل أم أنه سبيل مؤكد لإفناء الهوية والخصائص البشرية؟!

يمكن اختصار مرتكزات نظرية دريدا بوجوب الاختلاف، ورفض التمركز، ونظرية اللعب اللغوي (اللغة المراوغة التي لا تثبت على معنى) [ما بعد البنيوية، محمد سالم سعد الله، ص107-108].

ولنسلِّم -مبدئيًّا- لدريدا بتفكيكيته، ونقدم له السؤال الآتي: ما البديل؟ فالتفكيك لا يقدم بديلاً، فهو “ليس فلسفةً ولا منهجاً ولا تحليلاً ولا نقداً” [الكتابة والاختلاف: ص60، 61] بل هو عملية تقويض مستمرة، لأنه يفترض أنّ كلّ نصٍ يقبل تأويلات متناقضة يلغي بعضها بعضاً، ومن ثمَّ فالتفكيكية ذاتها قابلة للتفكيك.

علاوة على ذلك، هل يجب على كل نص أن يكون متعدِّد المعاني، أو أن يكون قابلاً للخضوع للتفكيك؟ ألا توجد نصوص سطحية يمكن اعتبارُ ممارسةِ التأويل عليها هو محاولة لتحميله ما لا يستطيع احتماله؛ فتصبح عملية توليد المعاني فاقدةً للدقة والمعقولية؛ كما أن التفكيكية تحاول القضاء على السلطة واليقين، فتقع بنفسها فيما أرادت تحطيمه لأن ادعاءها امتلاك سلطة الإلغاء والرفض لباقي النظريات يجعلها تسقط في تناقض كبير [تفكيكية دريدا والاحتفاء بالاعتبارات الهامشية].

أهم سمات ما بعد الحداثة

1- إخراج “العقلانية” من مركز الاهتمام لتصبح مقولات “اللاوعي” أو “اللاعقلانية” هي أصل الأشياء، إلى أن أعلن دريدا عن خلخلة كل المراكز وانهيار منظومة المعاني تماماً.

2- هدم مرتكزات الفكر الغربي، كالدال والمدول، واللسان والكلام، والحضور والغياب،إلى جانب انتقاد مفاهيم الجوهر، والحقيقة، والعقل، والوجود، والهوية،.. إلخ باستعمال لغة الاختلاف والتضاد والتناقض.

3- التشكيك، فهذه الفلسفات لا تؤمن بالمعارف اليقينية أو بوجود حقيقة ثابتة، حيث ينكر نيتشه وليوتار ودريدا -مثلاً- وجود مسمى “الحقيقة” لأن المعرفة حسب رأيهم تعتمد على ألاعيب اللغة التي هي دائما ذات صلة بسياقات محددة [هذا هو الإنسان، نيتشه، 163]، وقد أصبح التشكيك آلية للطعن في الفلسفة الغربية المبنية على العقل والحضور، فتفكيكية دريدا هي في الحقيقة تشكيك في الميتافيزيقا الغربية منذ أفلاطون وحتى الفلسفة الحديثة.

4- العدمية والعبثية، فهي تبحث عن تغييب المعنى لتتمكن من تقويض العقل والمنطق والنظام والانسجام، فهي فلسفات لا تقدم بدائل عملية، بل تدعو إلى التعددية والاختلاف واللانظام فقط [مدخل إلى مفهوم ما بعد الحداثة، د.جميل حمداوي].

خصائص الحداثة وفروق “ما بعد الحداثة” عنها
يجمل الناقد الأمريكي من أصل عربي إيهاب حسن أهمَّ سمات الحداثة وما بعدها في الآتي:

الحداثة ما بعد الحداثة
الهدف

التصميم

الهرمية “الترتيب الصاعد أو النازل”

الإبداع

الحتمية

التمركز  “الاستناد إلى قواعد معروفة”

التأويل

النمط أو “الشكل النسقي الواحد”

اللعب

الصدفة

الفوضى “لا علامات ولا ترتيب”

اللا إبداع، التفكيك

اللاحتمية

التبعثر “لا استناد على أي مرجعية”

ضد التأويل

التحوُّل “ليست هناك نمطية معينة”

وفي هذا السياق، يبدو رفض أنصار “ما بعد الحداثة” مفاهيم العقل والذات والعقلانية والمنطق والحقيقة، لأنها لا تشير إلى شيء حقيقي وإنما تدل على وهم، فهي مرتهنة لمعايير العقل والمنطق.

آثار تيارات ما بعد الحداثة
سنلخص فيما يلي أبرز آثار “ما بعد الحداثة” تجاه الإنسان المعاصر من أربعة زوايا، وهي الدين، والوجود ، والمعرفة، والأخلاق.

1- الدين
سادت المركزية “الإلهية” في مرجعيات الإنسان منذ بدء التاريخ وحتى بداية عصر التنوير، ثم حلت مكانها مركزية الإنسان في الغرب، إلا أن هذه الأخيرة احتوت عناصر تفكيكها من البداية فانتهى الحال برفض المركزية مطلقًا في حقبة ما بعد الحداثة؛ لذا من البدهي القول: إن العقائد الدينية والغيبية على حدٍ سواء لا قَبول لها في فلسفة ما بعد الحداثة، فجميعها لا تملك المعنى ولا تعرف الحقيقة، لكنها تسمح بالدين الفردي الذي يصوغه الإنسان لنفسه، حتى لو كان في منتهى الشذوذ، فهو الذي يمكن أن تعتبره ما بعد الحداثة نتاجًا يستحق الحياة، فلا ميتافيزيقا هنا، ولا مقولات كبرى. [العقل المسلم وتحديات ما بعد الحداثة، د. مسفر بن علي القحطاني].

وقد بدأ رفض الدين بإعلان نيتشه عن “موت الإله” الذي اخترعه الإنسان ليقيّد نفسه به، وذلك للحطّ من قيمة الميتافيزيقيا وإحلال الخيال والتحرر من القيم والأخلاق مكانها، وهكذا أصبح الدين في نظر “ما بعد الحداثة” متاحا للتفسير والبحث بناء على الهدم والتفكيك اللانهائي، فلا يمكن حسب رأيهم الإيمان بالوحي مصدرًا للمعرفة ولا تأويل النصوص الدينية بقواعد محددة، بل هي نصوص مفتوحة المعنى يمكن تأويلها حسب ما يريد حامل مبضع التفكيك.

2- الوجود (الأنطولوجيا)
يرى دعاة ما بعد الحداثة (دريدا مثلاً) أن الأنطولوجيا الغربية بدأت مع أفلاطون وظلت أفلاطونية لإيمانها بالمُثُل المجردة: كالحق المطلق والحقائق الثابتة من جهة، ومن جهة أخرى عالم المادة والتغير، وعلى الرغم من أن عالم المادة يحجب عالم المُثُل فإن المنظومة الأفلاطونية تذهب إلى أن بإمكاننا التوصل إلى معرفة إنسانية من خلال الحواس والعقل ويمكننا توصيلها من خلال اللغة. ولكن كل ما نصل إليه من معنى هو ظلال للعالم الحقيقي، أي أن المعنى الذي نصل إليه يستند إلى ميتافيزيقا الغيب، فثمة علاقة وثيقة بين “الحقيقة” و”الميتافيزيقا”.

أما أنصار ما بعد الحداثة فيعتبرون مجرد استخدام كلمات مثل “يقين” أو “حق” سقوطاً في الميتافيزيقا، وذلك باعتبار أن مثل هذه الكلمات تتضمن إشارة إلى حقائق، فما بعد الحداثة لا تعترف بثنائية الذات والموضوع.

وهكذا أصبح الوجود في “عالم ما بعد الحداثة” نظاما لا مركز له، بل هو مُكوَّن من أنظمة صغيرة مغلقة، يدور كل منها حول مركزه وحول نفسه ويأخذ شكل صور متجاورة لكلٍّ منها معناها المستقل لا يربطها رابط، فكل إنسان يدرك الصورة القريبة منه والمعنى الذي يروق له.

وهذا يعني أنه ما من طبيعة مادية موضوعية ولا طبيعة بشرية “ذاتية”، ولا وجود لمبادئ متجاوزة، بل هو عالم متبعثر مفتت إلى ما لانهاية.

وعالم ما بعد الحداثة هو عصر “البعديات”، حيث ظهرت فيه مصطلحات ما بعد التاريخ وما بعد الإنسانية وما بعد السببية وما بعد الميتافيزيقا وما بعد التفسير وما بعد التجاوز. والبعدية تعني “النهاية”. [موسوعة اليهود والصهيونية واليهودية، المسيري، ج1، ص292-294].

3- المعرفة
لا توجد في عالم ما بعد الحداثة مرجعية شاملة يمكن التفسير من خلالها، ولذا فإنه يتسم بالتعددية والاختلاف وغياب السببية وظهور الاحتمالية والنسبية الكاملة والتغير الكامل والمستمر، وهذا يجعل المعرفة الكلية مستحيلة، فليس هناك أساس إنساني أو طبيعي أو إلهي لها، ولذا فإن المعرفة في “ما بعد الحداثة” لا يمكنها التمييز بين الحقيقي والزائف.

ويرفض كل أنصار ما بعد الحداثة فكرة الحقيقة الكلية، فهي حسب رأيهم من مخلفات عصر الاستنارة الذي افترض وجود نظام وقواعد ومنطق. ويعتبرون أن السؤال عن الحقيقة سؤال ميتافيزيقي غيبي مثل السؤال عن الإله، ولذا فإن الحقيقة تعددية دائماً حسب رأيهم.

كان هدف الفلسفة في عصر الحداثة هو محاولة التوصل إلى الحقيقة الكبرى الكامنة في حركة الطبيعة وقوانينها وتجريدها والوصول إلى نماذج مادية تفسيرية تتسم بالشمول. بينما يرى أنصار ما بعد الحداثة أن المعرفة قابعة في القصص الصغرى المرتبطة بظروفها والمحددة بزمنيتها، وأن هناك عنصراً فعالاً واحداً هو اللغة أو القوة، فاللغة ليست أداة لمعرفة الحقيقة بل أداة لإنتاجها.

ولذا، يسـتحيل معـرفة الواقع خارج نطاق الخطاب المستخدَم ويستحيل التعبير عنه. والنص -أدبياً كان أم فلسفياً- مُعبَّأ بالصور المجازية التي تحجب الرؤية؛ ومن ثم فإن النصوص الفلسفية والعلمية ما هي إلا نصوص بلاغية مجازية مكتفية بذاتها ولا تشير إلى أي شيء خارجها “فلا يُوجَد شيء خارج النص”، بل النص شيء منفتح تماماً مرتبط بالنصوص الأخرى، ولكنه منعزل تماماً عن أي واقع موضوعي خارجه. [موسوعة اليهود والصهيونية واليهودية، ج1ص294-295].

إن حقيقة مشروع ما بعد الحداثة المعرفي تكمن في نفي الكائن الإنساني وتذويبه في بنيات نفسية أو اقتصادية متحكمة فيه، ونجد أوضح مثال لهذا التغييب في نظريات الأدب، إذ ارتفعت دعوات متتالية من موت النقد إلى موت المؤلف إلى موت النص وربما نشهد موتاً للقارئ عما قريب[ما بعد الحداثة وموت الإنسان، د. الطيب بوعزة].

يذكر الناقد الفرنسي شاتليه أن المسار النقدي العالمي اليوم آيلٌ إلى العدمية واللاشيء وإفراغ الإرادة من كل جوهر، وتحويل القدسية إلى سلسلة من الإجراءات، والحكومة إلى نظام من التهديدات، والفلسفة إلى مجمل من البيانات، والأخلاق والعلم إلى شبكة من المعتقدات النسبية، وإن عمليات التحول هذه -برأيه- ليست بريئة، بل هي مقترنة بتنظيم معين لإخضاع الإنسان، وإحلال قيم تقود إلى استعباد الفرد [ما بعد البنيوية، ص49].

4- الأخلاق
حسنٌ، إن كان الواقع بلا اتجاه، وكانت الحقائق عدمية، والأمور نسبية، والقيمة منفيّة، في أفق ما بعد الحداثة فالأولى أن لا تكون ثمة إمكانية لقيام أية معيارية، بل لا يمكن تأسيس أي نظم أخلاقية بشكل عمومي، وكل ما يمكن التوصل إليه هو الاتفاق على أخلاقيات براغماتية (عملية) تأخذ شكل فلسفة القوة والهيمنة “للأقوياء” وفلسفة الإذعان والتكيف “للضعفاء”، إذ لا تُوجَد معايير متجاوزة للإنسان ولا تُوجَد وسيلة لتعريف الظلم والعدل، وبناء على ذلك فالأخلاق نسبية، وما يعد خُلقًا فاضلًا في ثقافة ما قد يكون ظلمًا في ثقافة أخرى، والعكس صحيح أيضًا، ومن ثمَّ فلا إمكانية لنقد خلق بمعنى التقويم والتصحيح، وإنما بمعنى البحث الدائم عن المعنى اللانهائي، فإن كانت السلوكيات الجنسية الشاذة  -كالمثلية الجنسية- أمرًا مرغوبًا لدى جماعة فإنه لا ينبغي تخطئتهم أو لومهم بل يجب احترام رغبتهم، مع الحرص الشديد على وسم رفض “الشذوذ” بأنه نتاج صنع الثقافات “الجائرة” التي تريد أن تفرض “حقائقها” على الآخر لأنها حقائق مطلقة، ولذا فإن ما بعد الحداثيين يرون في المنظومة الأخلاقية –أيا كانت- نتاجاً لتحالف الدين والسلطة أو المعرفة والقوة فهي مؤدلجة بطبيعتها لتفرض رأي الأغلبية.

أصبحت مظاهرات الشواذ جنسيا أمرا معتادا في كبرى مدن العالم، مثل هذه المظاهرة التي احتشد فيها نصف مليون إنسان بمدريد عام 2007

الإسلام “وما بعد الحداثة”
بعد هذه الرحلة في مراحل تطور ما بعد الحداثة، والتي عادت بالحضارة إلى انتكاسة السفسطة الأولى في بلاد الإغريق [انظر مقال مصادر المعرفة]، نتساءل في سياق التلخيص والنقد: ما الفكرة المحورية التي يمكن أن نختصر فيها مشروع “ما بعد الحداثة”؟

بكل تأكيد قدمت تيارات ما بعد الحداثة إيضاحاً مهمًا لفهم علاقة السلطة الغربية الحاكمة بالمعرفة التي تنشرها، وفككت مقولات الفلسفات الوثوقية المبنية على نتاج العقل وحده، وكان لها إسهام في إظهار مكانة اللغة في سلم المعرفة، إلا أنها سعت أيضا إلى فرض التغييب والهدم، ولذا فإن الفكرة التي يمكن أن تلخِّص “ما بعد الحداثة” هي “العبثية” و”التقويض المستمر” وموت كل “المرجعيات”.

إن تنظيرات هذا التيار  بمجملها تصبُّ في محاولة نفي إمكانية وجود مقابل لهذا الواقع الذي نعيشه، فالحياة أحادية الجانب، وليست هناك آخرة، ولا معنى للموت، ولا يمكن التفكير بوجود مرجعية للإنسان، فلا كَوْن خاص بالإنسان ولا لغة ثابتة الاستعمال، وذلك كله في إطار تسويغ عدم وجود “الكلي”، وقد تكون هذه النظرة صحيحة في إطار الوجود المادي فقط، إلا أن هذ أمر لا يتسق مع الوحي المنزل من قبل الله والذي يؤكد أن هذه الحياة الدنيا كلها ليست سوى جسر يعبر عليه الوجود البشري والمادي نحو المصير الأخروي الخالد [“لا تحديدية” دريدا؛ التفكيكية من منطلق إسلامي، د. مطيع عبدالسلام عز الدين السروري].

مع ذلك، تلتقي ما بعد الحداثة مع الإسلام في رفض المركزية القائمة على الأفضلية والعرقية والتنوع البيولوجي، فالله تعالى يقيم التفاضل في كتابه على أساس التقوى فقط، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات:13]، وكما تحتفي ما بعد الحداثة بالاختلاف، فإن القرآن يشير إلى فطرية الاختلاف في النفس البشري، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 118،119]، {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} [الروم:22]، وعلى الرغم من هذه التوافقات، إلا أنه يجب التنبُّه إلى أن أساس الاتفاق والاختلاف مفترق بين الإسلام وما بعد الحداثة، لذا فالاتفاق في التعددية مثلاً لا يؤدي نفس النتيجة في الرؤيتين.

إن أبرز ما يفترق به الإسلام عن تيارات ما بعد الحداثة إيمانه اليقيني والمطلق بوجود الله واعتقاده بالقرآن مصدرًا دينياً أوحي به إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأن العقيدة الإسلامية تشكل مرجعيته الإيمانية وغائيته والقيمة الكبرى التي تحملها رسالته.

إن العبثية أمر مرفوض في الإسلام، بل إن محض التفكر بها أمر يجر الخيبة على المسلم، فخلق الله للبشرية لم يتَّأتَ عن عبث -وإن غفلنا عن الحكمة الكاملة لكل موقف في الحياة- {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]، [انظر مقال الأسئلة الوجودية الكبرى]، كما يرفض الإسلام مقولات الشذوذ الجنسي واليأس المطلق والتفكيك الهدمي المبني على تقويض وجود الله والحقائق المطلقة ومرجعيات الإسلام الكبرى.


أهم المراجع

  1. أثر نظرية فرويد على السريالية (سلفادور دالي أنموذجاً) د. فاطمة عمران راجي، جامعة بابل، مجلة كلية التربية، العدد 16، حزيران، 2014.
  2. أساتذة اليأس، نانسي هيوستن، ترجمة وليد السويركي، هيئة أبو ظبي للثقافة، (كلمة) ط1، 2012.
  3. أُفول الأصنام، نيتشه، ترجمة: حسّان بورقية ومحمد الناجي. دار أفريقيا الشرق، المغرب، 2008، ط2.
  4. الإيديولوجية، ديفيد هوكس، ترجمة: إبراهيم فتحي، المجلس الأعلى للثقافة، العدد159، 2000.
  5. البنيوية فلسفة موت الإنسان، روجيه غارودي، ترجمة: جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة، ط3، 1979.
  6. التأويل، إمبيرتو إيكو، ترجمة: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، المغرب – لبنان، ط2، 2004.
  7. حالة ما بعد الحداثة، ديفيد هارفي، ترجمة: د. محمد شيا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2005.
  8. الحداثة وما بعد الحداثة، عبدالوهاب المسيري، فتحي التريكي، دار الفكر، دمشق، ط1، 2003.
  9. دليل الناقد الأدبي، د.سعد البازعي وميجان الرويلي، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ط2، 2000م.
  10. سؤال ما بعد الحداثة، إيهاب حسن، ترجمة: بدر الدين مصطفى أحمد، نشر على موقع مؤمنون بلا حدود، ط1، 2016. وله ترجمة أخرى بدر الدين مصطفى، وترجمة قام بها صبحي حديدي نشرت في مجلة الكرمل، العدد 51، 1997، وأعيد نشرها في سلسلة دفاتر فلسفية 13، ما بعد الحداثة (تحديدات)، نصوص من اختيار: عبد السلام بنعبد العالي، محمد سبيلا، دار طوبقال للنشر.
  11. صيدلية أفلاطون، جاك دريدا، ترجمة: كاظم جهاد، دار الجنوب، تونس، 1988.
  12. عصر السريالية، دالاس فاولي، ترجمة: خالدة سعيد، نيويورك: مؤسسة فرانكلين. بيروت.
  13. فلسفة الحضور والغياب عند جاك دريدا، حبيبة دباش، رسالة ماجستير ، جامعة منتوري، كلية الآداب، قسم الفلسفة، 2009.
  14. في معنى ما بعد الحداثة، جان فرانسوا ليوتار، المركز الثقافي العربي، ترجمة السعيد لبيب، بيروت، ط1، 2016.
  15. الكتابة والاختلاف، جاك دريدا، ترجمة: كاظم جهاد، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط2، 2005
  16. ما بعد البنيوية، د. محمد سالم سعد الله، رسالة دكتوراة، مخطوط.
  17. ما بعد الحداثة، مقدمة قصيرة، كريستوفر باتلر، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ط1، 2016
  18. المعجم الفلسفي، د. جميل صليبا، دار الكتاب اللبناني، 1982م.
  19. المعجم الفلسفي، د. مصطفى حسيبة، دار أسامة، عمَّان، ط1، 2009.
  20. معجم مصطلحات الفلسفة، جلال الدين السعيد، دار الجنوب، تونس، ط1، 2004.
  21. معرفة الآخر، عبدالله إبراهيم، سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، المغرب، لبنان، ط2، 1996
  22. مقاربات ما بين الحداثة وما بعد الحداثة، ياسر الطائي، د. محمد الشيخ، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1996.
  23. موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر، “هايدغر، ليفي شتراوس، ميشال فوكو” الزواوي بغورة، دار الطليعة، بيروت، لبنان، ط1، 1992.
  24. الموسوعة الفلسفية، يودين، روزنتال، ترجمة: سمير كرم، دار الطليعة، بيروت.
  25. النزعة العدمية وصلتها بالإباحية، د. عرفات ستوني، ورقة علمية مقدمة لمؤتمر رابطة العالم الإسلامي.
  26. النظرية الأدبية، رامان سلدان، ترجمة: جابر عصفور، دار قباء، القاهرة، 1998.
  27. نقد الحداثة، آلان تورين، ترجمة: أنور مغيث، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1997.
  28. نهاية الحداثة، جياني فاتيمو، ترجمة نجم بو فاضل، المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2014.
  29. نيتشه فيلسوف العلمانية الأكبر، عبد الوهاب المسيري، ضمن كتاب نيتشه وجذور ما بعد الحداثة.
  30. نيتشه وجذور ما بعد الحداثة، ترتيب وتنسيق: د. أحمد عبد الحليم عطية، دار الفارابي، لبنان، ط1، 2010.
  31. هذا هو الإنسان، نيتشه، ترجمة: علي مصباح، منشورات الجمل، بغداد، ط2، 2006.
  32. هسهسة اللغة، رولان بارت، ترجمة: منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري، حلب، ط1، 1999.
  33. الوجودية، جون ماكوري، ترجمة: د. إمام عبد الفتاح، سلسلة عالم المعرفة، العدد 58.

المقالات:

  1. الأسس النظرية لما بعد الحداثة، فخري صالح، موقع مجلة نزوى، http://www.nizwa.com/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9/
  2. تفكيكية دريدا والاحتفاء بالاعتبارات الهامشية، غزلان هاشمي، مقال منشور على موقع “الألوكة” http://www.alukah.net/culture/0/44407/#_ftnref7
  3. د.محمد أندلسي (العدمية كانحطاط، والعدمية كأفق) منشور في موقع مجلة محمد عابد الجابري، http://www.aljabriabed.net/n52_02andalousi.htm#_edn5
  4. العقل المسلم وتحديات ما بعد الحداثة، د. مسفر بن علي القحطاني http://www.islamtoday.net/nawafeth/artshow-40-10005.htm
  5. علم نفس ما بعد الحداثة، د. إبراهيم الحيدري، مقال منشور على موقع إيلاف بتاريخ 24، آذار، 2012، http://elaph.com/Web/opinion/2012/3/723453.html
  6. فرويد بين الحداثة وما بعد الحداثة1-2، د. إبراهيم الحيدري، مقال منشور على موقع إيلاف، http://elaph.com/Web/opinion/2012/2/715863.html
  7. لا تحديدية دريدا؛ التفكيكية من منطلق إسلامي، د. مطيع عبدالسلام عز الدين السروري، مقال منشور على شبكة الألوكة بتاريخ 1/10/2012، عبر الرابط http://www.alukah.net/culture/0/44773/#_ftn1
  8. ما بعد الحداثة وموت الإنسان، د. الطيب بوعزة، موقع مقالات الرأي (الجزيرة)، http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2006/2/18/%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D9%88%D9%85%D9%88%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86
  9. مدخل إلى مفهوم ما بعد الحداثة، منشور على موقع الألوكة، http://www.alukah.net/publications_competitions/0/38509/#ixzz4xOeqp0bW
  10. مقال (ما العدمية) إبراهيم جركس، منشور على موقع الحوار المتمدن http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=192301
  11. الموسوعة العربية ttps://www.arab-ency.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D9%88%D8%AB/%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9

الليبرالية

أحمد دعدوش


ترجّح معظم الموسوعات العالمية أن مصطلح الليبرالية مشتق من الكلمة اللاتينية liber والتي تعني “الحُر”، ويصعب على الباحثين اليوم وضع تعريف جامع ومانع لهذا المصطلح، إذ تعترف موسوعة لالاند الفلسفية بالالتباس الحاصل في هذا المصطلح ولا سيما مع تشعب المفاهيم المتداولة له بين الأحزاب والحركات السياسية، كما تقرّ الموسوعة العربية العالمية بغموض هذا المصطلح لتبدل معناه بصورة ملحوظة مع مرور الزمن.

ويمكن القول إن الليبرالية تيار فكري ينطلق من مبدأ الحرية وتحقيق الفرد لذاته في المجالات المختلفة، وحسب موسوعة لالاند فإن الليبرالية تدل على العقائد التي تعتبر ازدياد الحرية الفردية من مُثلها. وعليه فإن جميع التعريفات التي وُضعت لهذا المصطلح تتخذ من المذهب الفردي الذي يرى أن الحرية الفردية هدف وغاية ينبغي تحقيقها، ثم تتنوع هذه التعريفات بحسب المجال التي تعرَّف من خلاله.

ففي السياسة ترتكز الرؤية الليبرالية على مفاهيم المواطنة وحماية الحريات السياسية والمدنية وتأييد النظم الديمقراطية البرلمانية، وفي المجال الاجتماعي والثقافي تؤيد الليبرالية الحرية في الاعتقاد والتعبير وقضايا الأحوال الشخصية والممارسة الجنسية، أما في الاقتصاد فتؤكد المدرسة الليبرالية (الرأسمالية) على المنافسة الحرة وحرية التملك والعمل والاستثمار.

الليبرالية الكلاسيكية
بدأت بوادر الليبرالية بالظهور في عصر النهضة الأوروبية بالقرن الخامس عشر الميلادي، وذلك تزامنا مع حركة العلمنة التي دعت لتحرير العقل العلمي من سلطان الكنيسة ولإعفائه من الالتزام بالولاء لما يتناقض مع أولى بديهياته، كما نادت بإطلاق حرية العقل في التجريب والملاحظة بعيداً عن المسلّمات الأولية المتناقضة في النصوص اليهودية-المسيحية. وتأثر رواد هذه الحركة الأوائل بالمنهج العلمي النقدي في فلسفة العالم الأندلسي ابن رشد وفي ما تُرجم عن المنهج العلمي التجريبي لعلماء مسلمين آخرين مثل جابر بن حيان والحسن بن الهيثم، كما تأثروا بنزعة “الحرية الفردية” عند الإغريق.

توماس هوبز

ويعد الفلاسفة الإنجليز والفرنسيون أبرز رواد الليبرالية الكلاسيكية، ففي بدايات القرن السابع عشر طرح توماس هوبز أفكاره عن الحقوق الفردية والمساواة بين المواطنين وعن الشخصية الاعتبارية للنظام السياسي، كما تحدث عن ضرورة تمثيل جميع القوى السياسية في السلطة.

وكان هوبز يؤمن بفكرة “ذئبية” الإنسان، بمعنى أن البشر يميلون للتوحش والتغلب على الآخرين وسلب حقوقهم في الحالة الطبيعية، ولكن حاجتهم لتأسيس المجتمعات دفعتهم لوضع “عقد اجتماعي” يتفق فيه المواطن مع السلطة (بشكل غير معلن) على الالتزام بالقوانين المشتركة في مقابل حصوله على الحماية من السلطة، وبهذا فقد قيّد هوبز الحرية الفردية بالقدر الذي يتطلبه قيام المجتمع.

جون لوك

وفي منتصف القرن السابع عشر، عرض الفيلسوف الإنجليزي جون لوك نظريته الليبرالية التي مال فيها لمزيد من التحرر الفردي قياسا إلى هوبز، حيث أعطى للفرد حق مقاومة السلطة “الغاشمة”، انطلاقا من مبدأ الدفاع عن النفس، كما تميز لوك عن غيره من فلاسفة العقد الاجتماعي بتقييد السلطة بقبول الأفراد لها، ما يعني منح المواطنين حق سحب الثقة منها.

ووضع لوك أفكاره في كتاب “رسالتان في الحكم”، وقال فيه إن الوظيفة العليا للدولة هي حماية الثروة والحرية، وإنه يجب على الشعب تغيير الحكومة عند تقصيرها في ذلك. وساهم كتابه هذا في تحريك الأميركيين للقيام بالثورة.

جان جاك روسو

أما الفيلسوف السويسري الفرنسي جان جاك روسو فخالف سابقيه هوبز ولوك في افتراضهما كون الحالة الأصلية للمجتمع البشري قائمة على  التوحش، بل توقع أن الناس كانوا في تلك الحالة يعيشون حالة اكتفاء ذاتي وسلام، ويحتكمون إلى مبادئ أخلاقية فطرية. ورأى أن تأسيس المجتمعات جاء لعوامل اقتصادية مما دعا لإنشاء قيم اجتماعية جديدة وعلى رأسها الجشع والمنافسة وحب التملك، والتي أدت بدورها لنشوء قيمة الملكية الخاصة.

وعند هذه المرحلة انقسم الناس -حسب روسو- إلى مالكين وعمّال، ثم رأى المالكون أنه لا بد من تأسيس حكومة لحماية أملاكهم، وذلك على أساس عقد اجتماعي ينص على توفير المساواة والحماية للجميع بالرغم من أن الهدف غير المعلن هو تكريس “اللامساواة”.

وبما أنه من الصعب العودة إلى المجتمعات الفطرية البسيطة، ينصح روسو بإقامة أنظمة ديمقراطية يشارك فيها كافة المواطنين، بحيث تعبر القوانين عن الإرادة العامة للشعب، ولا تكتسب السلطة شرعيتها دون إجماع النظام الاجتماعي عليها. وكان لروسو فضل في التأكيد على أهمية احتفاظ المجتمع بالمعايير الأخلاقية لكبح عجلة التدهور والانهيار، وقد تأثر زعماء الثورة الفرنسية بأفكاره السياسية.

فولتير

في عام 1725، نُفي الكاتب الفرنسي المتمرد فولتير إلى إنجلترا ليعيش فيها ثلاث سنوات، فتأثر هناك بالنظام الملكي الدستوري الذي يحد من سلطات الملك وبالمستوى المرتفع نسبيا لحرية التعبير والاعتقاد، وعاد إلى بلاده ليحمل هذه الأفكار ويروج لها بقوة.

وشارك فولتير في المشروع الضخم الذي قاده دالامبير لكتابة أضخم موسوعة (دائرة معارف) في ذلك العصر، فكانت موسوعة “الإنسكلوبيديا” الفرنسية منبرا فكريا وعلميا ضخما لصياغة شتى أنواع المعارف من المنظور العلماني الليبرالي، وتم على أساسها بناء الفكر الحداثي للقارة الأوروبية ولشعوب العالم التي خضعت لها عسكريا وثقافيا.

الإنسكلوبيديا

وكان مونتيسكيو من أهم كتاب الموسوعة، وهو صاحب نظرية فصل السلطات في الأنظمة الديمقراطية، وقد كان لكتابه “روح القوانين” دور مهم في التشجيع على الانتقال من الحكم الملكي إلى الأنظمة الجمهورية، وساهمت أفكاره في صياغة الدساتير الغربية وإعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا.

وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر وضع الإنجليزي جون ستيوارت ملْ كتابين مهمين أسماهما “في الحرية” و”أسس اللبرالية السياسية”، وأوضح فيهما أن الليبرالية لا تتناول نظريات حرية الإرادة من الناحية الفلسفية بل تبحث في الحرية المدنية الاجتماعية.

ودعا ملْ لحرية الفكر والاعتقاد، كما أيد تقييد الحرية الفردية بضوابط القانون والأخلاق، مشيرا إلى أن “ما يخص الفرد وحده هو من حقوقه, وأن ما يخص المجتمع فهو حق للمجتمع”، كما رأى أنه إذا تمكن كل مواطن من أن يعرف قدر ما يستطيع ولم يتوفر له في المقابل من السلطة إلا قدرا محدودا فسنتجنب حينئذ السقوط في دولة استبدادية “تمسخ مواطنيها”.

وانتقد ملْ الديمقراطية نفسها معتبرا أنها تكرس هيمنة الأكثرية لتسلب حرية الأقلية، ولو كانت الأقلية فرداً واحداً، ورأى أنه بقدر ما تزداد الحكومة ديمقراطية فإنها تنتقص من الحرية الفردية. كما أيد حق المواطن في الاعتراض والاحتجاج، وانتقد تناول المبادئ على أنها مسلمات لا تحتمل النقد، كما اعتبر أن المجتمع الديني مؤسس على الإجماع في الرأي وعلى تحريم النقد والنقاش وأن نظامه السياسي مؤسس على الاستبداد.

وتابع ملْ تطبيق رؤيته لحرية الفرد ليصل بها إلى درجة اعتراضه على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يُعد من فروض الكفاية في المجتمع الإسلامي، إذ كان يعتبرها بمثابة القيام بمهام الإله، وقال إن من يقوم بهذا العمل فإنه “يعتقد أن الله لا يكره فقط من يعصي أوامره، بل سيعاقب أيضاً من لم ينتقم في الحال من ذلك العاصي”، مع أن النهي عن المنكر في المفهوم الإسلامي ليس انتقاما ممن يمارسه. لكن ملْ لم يطبق مفهومه هذا عندما يتعلق الأمر ببيع المواد الضارة كالسموم مثلا أو عند مناقشته لمسائل تحديد النسل وضرورة التعليم، بل طلب من الدولة التدخل كي لا يبقى المواطن جاهلا ولا يسمم الآخرين، معترفا في النهاية بأن الإنسان قد لا يعرف مصلحته بنفسه دائما وأن ممارسته للحرية الفردية يجب أن تكون مقيدة.

آدم سميث

الليبرالية الاقتصادية
ارتبط الفكر الليبرالي منذ نشأته بالطبقة الوسطى (البورجوازية) الصاعدة في أوروبا، والتي كانت تحشد قواها للتمرد على النظام الإقطاعي حيث كانت طبقة النبلاء الحاكمة تتحالف مع رجال الكنيسة لتكريس واقع طبقي مجحف، فطالب جون لوك مبكرا بمنح كل المواطنين الحق في تملك الأرض ووسائل الإنتاج معتبرا الملكية الخاصة من أبسط حقوق الإنسان، وكانت هذه بداية التوجه نحو الاقتصاد الرأسمالي، والذي سنخصص له لاحقا مقالا مستقلا.

وفي القرن الثامن عشر، بدأ الفيلسوف الاسكتلندي آدم سميث بوضع أسس علم جديد هو الاقتصاد السياسي، وأقام نظريته على فكرة “اليد الخفية” التي تدعو إلى ترك الأفراد يسعون لتحقيق مصالحهم الاقتصادية الخاصة دون أي تدخل من السلطة، فتقوم يد خفية بتحقيق المصلحة العامة للمجتمع تلقائيا، بينما يجب أن يقتصر دور الدولة على حماية الحقوق الفردية بالقانون دون تدخل. وكان يقول إن الفرد عندما يسعى لتحقيق مصالحه الخاصة فهو غالباً ما يحقق مصالح الجماعة بشكل أكثر فاعلية مما يمكن تحقيقه عندما يعمل باسم المصلحة العامة. وأصبح شعار هذه المرحلة هو “دعه يعمل، دعه يمر”.

أما الفرنسي جان باتيست ساي فوضع قانونا للأسواق زعم فيه أن عرض السلع يخلق في المقابل طلباً موازياً له، وقال إن الطلب إذا قل عن العرض في سلعة ما فسيتم تعويض الخلل في السلع الأخرى بحيث يبقى التوازن قائما بالمجمل، وبهذا قام النظام الرأسمالي على الإنتاج الصناعي المتسارع وتحرير التجارة من القيود وفتح الأبواب أمام الاستثمار في الديون والمضاربات. ويمكن لنا ملاحظة التشابه بين مفاهيم الحرية المختلفة في كل من المجالات الاقتصادية والسياسية والفكرية تحت مظلة الفكر الليبرالي، حيث أصبحت حرية الفرد مفهوما شبه مقدس يسعى الجميع لتبريره وإثبات عدم تعارضه مع المصالح العامة.

عاطلون عن العمل ينتظرون دورهم للحصول على حساء مجاني في شيكاغو

لكن نظرية ساي فشلت لاحقا، فسرعان ما ظهرت الأزمات في النظام الرأسمالي وكانت أبرزها أزمة الكساد العظيم عام 1929، حيث انتشرت البطالة وعجزت الحكومات عن تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها، فاضطر الاقتصاديون –وعلى رأسهم جون ماينارد كينز- إلى ابتكار مفهوم الليبرالية الاجتماعية، حيث أصبح من واجب الدولة توفير فرص العمل وتقديم الرعاية الصحية والتعليم مع الحقوق المدنية للمواطنين، ووضع حد أدنى للأجور وتوفير معاشات للمتقاعدين، فضلا عن ضرورة تدخل الدولة لإحداث نوع من التوازن ما بين العرض والطلب.

وفي ستينيات القرن العشرين، ظهرت مدرسة شيكاغو لتعيد الدعوة إلى تطبيق الليبرالية الكلاسيكية تحت مسمى النيوليبرالية، وفي الثمانينيات تبنت هذه السياسة كل من إدارة رونالد ريغان الأميركية وحكومة مارغريت تاتشر البريطانية، فتراجع دور الدولة مجددا وأفسح المجال لرجال الأعمال للسيطرة على الاقتصاد، فتضخمت الشركات العابرة للقارات وتغوّلت ظاهرة العولمة، حيث أصبحت ميزانيات بعض الشركات تعادل ميزانيات عدة دول مجتمعة، وتضاعف حجم الهوة بين فقراء العالم وأغنيائه ليصل إلى أرقام لم يعرفها التاريخ من قبل، وتكرر ظهور الأزمات المالية العالمية حتى كانت الأخيرة عام 2008، حيث طالب الكثير من الاقتصاديين في العالم بإلجام ما أسموه “الليبرالية المتوحشة”، بل دعا بعضهم للاستفادة من الاقتصاد الإسلامي عندما ظهر أن المصارف الإسلامية هي الوحيدة التي لم تتعرض لخطر الإفلاس. وسيأتي بيان هذه المراحل مفصلا في مقال الرأسمالية.

الليبرالية الثقافية
تستند الليبرالية في جانبها الثقافي إلى العلمانية الدنيوية التي مهدت لظهور الليبرالية في أوروبا قبل نحو خمسة قرون، فالعلمانية أسقطت القدسية عن الإله في البداية، ثم سمحت بإحلال الإنسان مكانه كما فعل التيار الإنساني (الهيوماني) أو برفع العقل لمرتبة التقديس كما فعل التيار (العقلاني)، وفي كلتي الحالتين صعد الفكر الليبرالي للمناداة بفردية الإنسان واحترام حريته.

ونظرا لقوة تأثير المد الليبرالي في أوروبا إبان عصر النهضة، تأثر المتدينون أنفسهم من البروتستانت بمبادئ الحرية، فانشقوا عن الكنيسة الكاثوليكية لتأسيس مذهبهم الإصلاحي متبنين بعض الأفكار الليبرالية مثل التخلص من طبقة الكهنوت الكنسية والإعلاء من قيمة الفرد الذي أصبح بإمكانه التعبد بدون واسطة رجال الكنيسة ممن اعتادوا منح صكوك الغفران للتائبين.

جون ملتون

وفي منتصف القرن السابع عشر، وضع الشاعر البريطاني جون ملتون رسالة تعد من أوائل الكتابات التي دافعت عن حرية التعبير والصحافة وحملت اسم “أريوباجيتكيا”، واستند في كتابتها إلى المنظور البروتستانتي التطهري، حيث يريد الرب أن تكون للناس صحافة حرة ليتمكنوا عبرها من الاطلاع على الحقيقة. وكان ملتون ليبراليا معتدلا حيث اكتفى بالدعوة إلى التحرر من سلطة الحكومة وطالب بتقييد النقد الموجه للمقدسات الدينية، لكن الجيل التالي من الليبراليين أخذ يطالب بالتحرر من كل القيود ومناقشة كل المسائل مهما كانت حساسة، كما رأى أن يخضع كل شيء للنقد سواء كان نظام الحكم أو العقيدة الدينية. وبهذا تجاوز الليبراليون مفهوم ملتون للحقيقة التي كان يختصرها في إرادة الرب لتصبح الحقيقة نسبية.

تطور الأمر لاحقا على يد جون ستيوارت ملْ الذي يعد من مؤسسي مدرسة النفعية، وهي مدرسة فكرية تحدد القيمة الأخلاقية للفعل بمقدار إسهامه في النفع الشخصي أو العام، وبما أن ملْ كان من رواد الليبرالية أيضا فقد طرح مفهومه لحرية التعبير من منطلق المنفعة، حيث رأى أن الأصل في حرية التعبير هي كونها أمرا نافعا للمجتمع الإنساني مما يستلزم الدفاع عنها.

ويقدم الليبراليون حججا عقلية لدعم موقفهم المؤيد لحرية الفكر والتعبير، وأولها أن الإنسان ليس معصوما عن الخطأ، فليس لأحد الحق في ادعاء صواب موقفه دون تمحيص وعرض على الآراء الأخرى، كما لا يمكن التحقق من صحة أي رأي فردي طالما ظل مقتصرا على صاحبه، فقد يكون الحق مع شخص واحد فقط وسيكون من المفيد للمجتمع أن يُعرض هذا الرأي ويُعلن في الصحافة والبرلمان ليُستفاد منه.

وترتبط حرية الرأي والفكر والتعبير في الليبرالية بقاعدة أساسية هي نسبية الحقيقة، حيث تُنزع القداسة عن كل رأي أو مذهب وتوضع كل القناعات والعقائد والآراء على طاولة النقد بالتساوي. وقد يكون هذا المنهج النقدي سليما ومنطقيا عندما يكون منطلَقا للبحث عن صحة أي دين أو رأي، بحيث يصل الباحث في مرحلة تالية إلى الحقيقة ويتمسك بها، لكن الليبراليين يصرون على أنه لا يمكن الوصول للحقيقة أصلا، وعلى أن كل الآراء والعقائد المطروحة ستظل نسبية وقابلة للصواب والخطأ، وهذا أمر غير منطقي ويتنافى مع الواقع، فهناك حقائق في هذا الكون لا يمكن نفيها، وأولها وأبسطها وأكثرها بداهة هو وجود الإنسان نفسه، كما أن الافتراض المسبق بأن التوصل للحقيقة سيؤدي للتعصب ولاضطهاد الآخرين والتحقير من شأن معتقداتهم هو افتراض غير واقعي، وحتى في حال صحته فهو ليس مبررا لنفي إمكان التوصل للحقيقة، ويؤكد خصوم الليبرالية أن هذا المبدأ الليبرالي ليس سوى ردة فعل على التعصب الكنسي الذي كان سائدا في القرون الوسطى، ثم أصبح ردة فعل أقوى على الحماس الأعمى الذي تبناه البروتستانت أيضا.

أصبحت فلورنسا الإيطالية معقل الليبرالية في عصر النهضة فور وصول عائلة مديتشي للحكم واحتوائها للجمعيات السرية

الليبرالية والماسونية
تعد المطالب الليبرالية من الأفكار الأثيرة لدى الماسونية، حيث تجهر الماسونية منذ انطلاق عملها المنظم في القرون الثلاثة الأخيرة بإشاعة حرية التعبير وعلمنة التشريعات ومساواة الأديان من منظور دنيوي، وقد كان الكثير من رواد الفكر الليبرالي أعضاء في المحافل الماسونية.

شعار محفل الشرق الفرنسي الأعظم

وعلى سبيل المثال، كان فولتير عضوا في منظمة النور البافارية (الإليوميناتي) التابعة للماسونية، وعضوا في محفل الأخوات التسع في باريس، ومن أشهر أقواله التي تعد شعارا لليبراليين “قد أختلف معك في الرأي إلا أني على استعداد للموت دفاعا عن حقك في أن تعبر عن رأيك”.

ويجد الباحثون تقاطعا كبيرا بين المبادئ الماسونية والأفكار التي بثها رواد الليبرالية، ففي المؤتمر الماسوني العالمي الذي انعقد في نابولي الإيطالية عام 1869 تم الإعلان عن مجموعة من المبادئ وأهمها “حرية العقل ضد السلطة الدينية واستقلال الإنسان ضد الكنيسة والدولة” إضافة إلى “ضرورة محو الأديان وكل سلطة دينية” [State Secrets: A Documentation of the Secret Revolutionary Mainspring Governing Anglo-American Politics, Léon de Poncins, 1972].

أما نشرة الشرق الأعظم الفرنسي الصادرة عام 1923 فنصت على أنه ينبغي ألا يتردد الماسون في شن حرب على جميع الأديان، وأن سلاحهم في ذلك “فكرة حرية العقيدة”، ونجد هذا الهدف مجسدا في شعار نوادي الروتاري المنبثقة عن الماسونية “الأديان تفرقنا والروتاري يوحدنا”، كما نجده في إحدى الدوريات الصادرة عن محفل هولندا الأعظم عام 1823 حيث نصت على أن الماسونية تسعى “لعبادة الإنسانية” بحيث يصبح “كل إنسان إله نفسه”، مشيرة إلى أن تسويق هذا الهدف سيتم تحت شعار توحيد البشر وضمهم في عائلة واحدة.

الحرية والإخاء والمساواة على عملة فرنسية من عام 1851

وإذا كانت الثورة الفرنسية التي انطلقت عام 1789 قد رفعت شعارات ليبرالية تتلخص في الحرية والإخاء والمساواة، فقد أقر الماسون في مواقف ووثائق كثيرة أن هذه الشعارات كانت من وضعهم، ففي مؤتمر الشرق الأعظم الفرنسي الذي انعقد سنة 1904 قال الماسوني بونيه إن الكتّاب والفلاسفة الذين كتبوا موسوعة “الإنسكلوبيديا” الفرنسية في القرن الثامن عشر كان يؤلفون هذا العمل الضخم في المحافل الماسونية مستلهمين شعارها الذي لم يكن معروفاً عند عموم الناس آنذاك وهو الحرية والإخاء والمساواة، ثم أثنى على كل من دالامبير وديدرو وهلفتيوس وفولتير وكوندروسيه ودولباخ، باعتبارهم من الماسون العظام الذين وضعوا أسس المعرفة الجديدة لعصر التنوير في تلك الموسوعة، ومازال مثقفو العالم الليبراليون ينظرون إليها بصفتها منارة للتنوير العالمي دون التفات لأصلها الماسوني [اليهود والماسون في الثورات والدساتير، بهاء الأمير، 58].

نجحت الماسونية عقب الثورة الفرنسية في التدخل بصياغة التشريعات والقوانين والدساتير في الدول الغربية بما يحقق مصالحها تحت مسمى الليبرالية، ففي محفل اتحاد الشعوب خطب الماسوني الفرنسي بيبر دوفاي عام 1891 بين زملائه قائلا “أؤكد لكم أن القوانين التي شرعت وأقرت منذ عشرين سنة، وأيضا تلك التي ستشرع وتقر قريباً في مجلس الدولة، كلها قد تمت صياغتها وإقرارها مسبقا في محافلنا، كقوانين الزواج والطلاق، والقوانين الخاصة بعلمنة التعليم، وقوانين فصل الكنيسة عن الدولة”، وقد أقر النائب الماسوني لافار بذلك في خطبة له داخل البرلمان الفرنسي عام 1904، حيث قال “إننا نفاخر بينكم بالقول إن كل القوانين الاجتماعية والاقتصادية، بل وكل القوانين السياسية التي ازدانت بها الجمهورية قد سبقت دراستها دراسة وافية في المحافل الماسونية” [اليهود والماسون في الثورات والدساتير، بهاء الأمير، 66].

الليبرالية في العالم الإسلامي
تسللت الأفكار الليبرالية إلى العالم الإسلامي من خلال الجمعيات الماسونية والإرساليات التبشيرية في أواخر العصر العثماني، وذلك بالتزامن مع ضغط الدول الأوروبية، وكان الحكم العثماني يعاني آنذاك من عوامل التخلف بسبب الفساد الاقتصادي والإداري وعقلية الخمول المنسوبة للتصوف والإرجاء، فاستورد الإصلاحيون الليبرالية من باب الإصلاح والإنقاذ، وكان على رأسهم الكاتبان ضياء باشا ونامق كمال اللذان حاولا في منتصف القرن التاسع عشر إيجاد الروابط بين الفكر الليبرالي والإسلام.

الطهطاوي

وفي العالم العربي، تأثر المصري الأزهري رفاعة الطهطاوي بالفكر الليبرالي أثناء رحلته إلى باريس عام 1826، فترجم أعمال المفكرين الليبراليين وساهم في نشرها بين العرب، ثم سطع نجم مفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده الذي ساهم في تحديث التعليم الأزهري، كما ينسب إليه تلاميذه إبداع مدرسة تجديدية في الفقه الحنفي والعقيدة الأشعرية، بينما يراه خصومه من رواد التغيير نحو الليبرالية في مطلع القرن العشرين، ويستشهدون بالدعم الذي لقيه من الحاكم الإنجليزي لمصر كرومر.

وشهدت تلك المرحلة تأسيس الكثير من الجمعيات والأحزاب الليبرالية على يد أتباع الأقليات الدينية من اليهود والمسيحيين والنصيريين (العلويين) والإسماعيليين، ومن أهمها جمعية الاتحاد والترقي التي يُنسب تأسيسها ليهود الدونمة الأتراك في سلانيك, كما ساهمت المحافل الماسونية في دعمها بشدة، وكان لها دور جوهري لاحقا في إسقاط الخلافة.

شعار حزب الوفد يجمع الهلال والصليب

وفي مصر، تأسس حزب الوفد عام 1918 على يد سعد زغلول وعبد العزيز فهمي وعلي شعراوي وأحمد لطفي السيد، حيث سعى مؤسسوه لإعلان استقلال مصر عن الاحتلال البريطاني وتأسيس دولة ديمقراطية حديثة. أما في سورية فتعود جذور التيار الليبرالي إلى فجر الاستقلال، وكما هو الحال في مصر فإن رواده هم طلائع البورجوازية المتنفذة والطبقة المثقفة التي تلقت تعليمها على يد الغرب والكثير من أبناء الأقليات الدينية، وقد تلقى هذا التيار ضربات موجعة منذ أواخر الخمسينيات عندما اشترط جمال عبد الناصر حل الأحزاب السياسية للانضواء تحت حكومة الوحدة بصيغتها الاشتراكية.

وفي منطقة المغرب العربي، كانت تونس تشهد مخاضا فكريا منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث سار خير الدين التونسي على النهج التوفيقي للطهطاوي باحثا عن جذور الليبرالية في الإسلام، وفي عام 1934 رفع الحبيب بورقيبة شعارات ليبرالية عند تأسيس الحزب الحر الدستوري الذي تولى مهمة تأسيس الدولة المستقلة مع جلاء المستعمر، لكنه لم يلبث أن تخلى عن شعارات الحرية والديمقراطية باستيلائه على السلطة واكتفى بتطبيق العلمانية بالقوة.

وخلال النصف الثاني من القرن العشرين، انتشرت الليبرالية بسرعة في معظم الدول العربية، وظهر دورها في الإعلام والجمعيات والأحزاب السياسية بالرغم من منافسة التيارات القومية اليسارية ومن الرفض الذي أبداه علماء الدين، وقد ظلت معظم هذه الأفكار مقتصرة على الجانب العلماني، مع بعض التأثير على الجانب الاقتصادي، دون أن تؤثر كثيرا على  الجوانب السياسية ومجال حرية التعبير والإعلام. وقد أدى انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي في مطلع التسعينيات إلى تزايد النفوذ الليبرالي في العالم العربي، وإلى درجة انقلاب الكثير من اليساريين إلى المدرسة الليبرالية.

وفي الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، تسببت هجمات نيويورك وما تلاها من أحداث في ارتفاع أصوات الليبراليين بقوة في المملكة العربية السعودية للمطالبة بإصلاحات سياسية وثقافية ودينية كعلاج للتطرف، ثم أعلن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش عام 2004 عن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يشمل المنطقة العربية مع دول إقليمية أخرى بما فيها الكيان الصهيوني، وتُرفع من خلاله الشعارات الليبرالية المعروفة كإطار إصلاحي ضروري لإخراج المنطقة من أزماتها الخانقة، وهو مشروع لقي رفضا واسعا من قبل الكثير من المثقفين العرب، بينما أيده الليبراليون الجدد في وسائل الإعلام التي تخضع لنفوذهم.

وقد حظيت الليبرالية بدفعة أخرى مع اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، حيث رفع الكثير من الشباب الناشطين شعارات التحرر والديمقراطية وحرية التعبير، ومع أنها تواجه تحديات من قبل خصومها الإسلاميين واليساريين، إلا أنها لم تعد حبيسة أوساط النخب المثقفة بل أصبحت شعاراتها متداولة على ألسنة الكثير من الشباب، وهي تتغلغل عبر أفكار بعض خصومها التقليديين أنفسهم الذين يعملون على إعادة صياغتها ومراجعتها، حيث يتزايد الحديث عن تيار “الإسلام الليبرالي”، وعن يسار جديد يخلط الاشتراكية بحرية السوق وينادي بالمزيد من حرية التعبير.

موقف الإسلام من الليبرالية
كما هو الحال مع تيارات فكرية أخرى، حاول الكثير من الإسلاميين في العصر الحديث البحث عن نقاط مشتركة بين الليبرالية والإسلام، فكانت البداية كما أسلفنا مع ضياء باشا ونامق كمال، وتبلورت أكثر مع رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، ثم تواصلت هذه الجهود إلى أن برز تيار إسلامي يُسمى بالإسلام الليبرالي، وهو ليس تيارا جديدا في الإسلام أو خارجا عنه، بل يسعى رواده لمحاولة التوفيق بين مبادئ الليبرالية وما جاء في الوحي، حتى لو اضطروا في سبيل ذلك إلى الأخذ بالآراء المرجوحة والنصوص الضعيفة، ويجدون في هذه العملية طريقا لتقريب الإسلام إلى ثقافة العصر.

وعلى سبيل المثال، يشدد هؤلاء الباحثون على ما أقره القرآن الكريم من حرية الاعتقاد في قوله {لا إكراه في الدين} و{من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}، كما يؤكدون على ما تضمنه الإسلام من احترام عقائد الآخرين عندما أوصى القرآن النبي صلى الله عليه وسلم بالرد على خصومه بقوله {لكم دينكم ولي دين}.

ويشيرون أيضا إلى قيمة العقل في الإسلام، وإلى حث القرآن على نبذ التقليد والتبعية للآخرين، كما يستشهدون بالآيات القرآنية التي تنفي الكهنوت عن الإسلام وتجعل الإيمان قرارا فرديا محضا، ليؤكدوا بذلك على أن “الحرية الفردية” التي تقوم عليها الليبرالية كلها ليست سوى إحدى أهم مبادئ الإسلام، بل يستنتج بعضهم أن الليبرالية ليست إلا وسيلة لتحقيق إحدى غايات الإسلام المتمثلة في محاربة التسلط الكهنوتي على فردية الإنسان وعقله وإرادته.

في المقابل، يرى فريق من العلماء المسلمين أنه لا يمكن الجمع بين الإسلام والليبرالية، كما يؤكد بعضهم أن تبني الليبرالية على الطريقة الغربية كفر مُخرج عن الملة، وذلك بناء على الأدلة الآتية:

1- أن الليبرالية تقوم الاستحلال، أي الاعتقاد بإباحة المحرمات، مثل القول بأن ممارسة الجنس خارج إطار الزواج لا يعدو كونه حرية شخصية، وكذلك العلاقات المثلية بين الشواذ والسحاقيات، فالاعتقاد بإباحة هذه المحرمات يتناقض مع الإسلام حتى دون ممارستها، وحتى لو كان الذي يعتقد بإباحتها يمارس كل أركان الإسلام دون تقصير، حيث أجمع العلماء على أن المستحل لما حرمه الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة ومتواتر هو كافر وخارج عن الإسلام.

2- أن الليبرالية تشترط نفي الحقيقة وتمييعها بذريعة نبذ التعصب والمساواة بين جميع المعتقدات، وهذا موقف مسبق وغير عادل، وهو مغالطة منطقية تسمى “الاحتكام إلى النتيجة” [انظر المغالطات المنطقية]، كما أن الشك بالحقائق الكبرى التي تشكل أركان الإيمان يُخرج الإنسان عن دين الإسلام حتى لو كان ممارسا لشعائره، حيث يقول القرآن في سورة الحجرات {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا}.

3- أن الليبرالية تتناقض مع العبودية لله والاستسلام له، فهي تفترض مسبقا التجرد عن التبعية لأي مصدر تشريعي أو عقائدي (أيديولوجي)، وترفع من قيمة الحرية الفردية والعقل والحكم الديمقراطي إلى درجة تأليه الإنسان وتقديس القانون البشري، وعليه فإن الأنظمة الليبرالية لا تحكم بالشريعة ولا تقيم حدودها، بينما ينص القرآن الكريم على وجوب تحكيم الشريعة في عدة آيات، ومنها: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [انظر: حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها، عبد الرحيم بن صمايل السلمي].


أهم المراجع
عن الحرية، جون ستيوارت ملْ، ترجمة عبد الله أمين غيث، المكتبة الأهلية، عمان، 2012.

أسس اللبرالية السياسية، جون ستيوارت ملْ، ترجمة وتحقيق إمام عبد الفتاح إمام وميشيل متياس، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1996.

تطور الفكر السياسي، جورج سباين، ترجمة راشد البراوي، دار المعارف، القاهرة، 1971.

حقيقة الليبرالية وموقف الإسلام منها، عبد الرحيم بن صمايل السلمي، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، جدة، 2010.

اليهود والماسون في الثورات والدساتير، بهاء الأمير، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2012.

الليبرالية المتوحشة: ملاحظات حول التوجهات الجديدة للرأسمالية المعاصرة، رمزي زكي، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1993.

Guide to Classical Liberal Scholarship, http://mason.gmu.edu.