مقالات

سر فرض الصيام في شهر مدارسة القرآن

 مثل كل طفل يعيش في مجتمعات المسلمين شدَّتْني منذ الصغر بعض المظاهر الرمضانية التي لا تراها إلا في هذا الشهر المبارك لاسيما إقبال المسلمين على تلاوة القرآن، في حلقات المساجد أو في البيوت أو في المواصلات العامة، حتى الباعةُ في محلاتهم تجد البائع مع كثرة أشغاله يقتنص الدقائق الفارغة ليمسك بمصحفه ويجلس ساكنًا يتلو كتاب ربه. وكنت أتساءل مستفهمًا أو مستنكرًا لماذا فقط في رمضان؟ وكانت الإجابة الحاضرة دائمًا أن رمضان شهر ابتداء نزول القرآن لهذا من الطبيعي أن تجد هذا الاحتفال بالقرآن في شهر القرآن، زد إلى ذلك الثواب الذي ينتظره كل مسلم ومسلمة من تلاوة كل حرف في كتاب الله، أليس ذلك كافيًا أن يتسابق الناس إلى تلاوة القرآن والاستزادة منه في هذا الشهر الكريم؟!

 لكن إذا علمنا أن الله فرض الصيام على أمة الإسلام في العام الثاني من الهجرة، في حين أن نزول القرآن كان قبل ذلك بزمان طويل يقترب من أربعة عشر عامًا، فإن ذلك يؤكد لنا أن الله اختار الشهر الذي أنزل فيه القرآن ليفرض فيه الصيام! ففي سورة البقرة يقول الله تعالى: }شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ{ [البقرة: 185].

هنا ينبغي لنا أن نتساءل ما سر هذا الاختيار الإلهي؟ وما فائدة الجمع بين الصيام والقرآن في شهر واحد؟ هل يمكننا تلمّس حكمةٍ مَّا وراء ذلك؟

 من أهم فوائد ذلك -في تقديري- جمعُ أهم أدوات التغيير وأشدها تأثيرًا في النفس، حيث تتعاقب وتتجاور في مدة زمنية محدودة، حتى تكون أشد أثرًا في تهذيب النفس الإنسانية وصقلها وتغييرها إلى الأحسن عامًا بعد عام، تغييرًا يطول أمدُه ويقوى في النفس والمجتمع أثرُه.

القرآن وشهر الصيام

 وتفسير ذلك أن الإنسان إذا ارتكب ما يضره في دينه أو في دنياه من أمر حقير أو خطير فإنما يفعله لواحد من سببين: إما أنه يجهل طبيعة ما فعل وعاقبته، أو أنه خائر العزم أمامه مسلوب الإرادة في مواجهته.

فالإثم الديني أو الخطأ الدنيوي ينشأ إذن عن نوعين من الضعف: ضعف معرفة أو ضعف إرادة، وانفراد أحدهما كافٍ للوقوع في الخطأ، وقد يجتمع السببان فيكون الأمر أخطر والعلاج أصعب!

 وقد جمع الله في رمضان ما يعالج الأمرين معًا، فتلاوة القرآن تعالج الضعف المعرفي، والصيام يعالج ضعف العزم والإرادة والنكوص عن الاستمرار حتى التمام.

 لذلك كان من سنته صلى الله عليه وسلم مدارسة القرآن كل ليلة من ليالي الشهر الكريم مع جبريل -عليه السلام- ففي صحيح البخاري تقول السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أباها أسرَّ إليها (أنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي القُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلاَ أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي). [صحيح البخاري، رقم: 3624]

 هذه المعارضة هي التي سماها ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ مُدَارَسَة. ‏قَالَ عنها: (‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ ‏جِبْرِيلُ،‏ ‏وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ؛ فَلَرَسُولُ اللَّهِ ‏صلى الله عليه وسلم ‏أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ ‏ ‏الْمُرْسَلَةِ). [صحيح البخاري، رقم: 6]

 والمدارسة لا تعني مجرد التلاوة بل تعني كذلك التفهّم والتدبّر والمراجعة للحفظ والتثبّت من التأويل. وهذا للبديهة يثبت خطأ ما يفعله كثير من المسلمين اليوم إذا جاء رمضان، فيكون همُّ أحدهم أن يجيب عن سؤال: كم ختمة تلوت؟ وليس كم آية فهمت؟! فهي تلاوة حروف وكلمات وليست مدارسة معان وعظات.

إن المدارَسة لكتاب الله ولو كانت مرة واحدة في الشهر كله تورث المعرفة الحقة والعلم النافع، فما بالك إذا كانت مع عالم متخصص أو فقيهٍ متبحر! بهذه المدارسة المتعمقة يخطو الإنسان خطوة واسعة في سبيل التغيير نحو الأفضل، إذ المعرفة هي أول خطوة في تاريخ التغيير الطويل الشاق، وإلا فالجاهل متخبط لا يعرف أين يقف ولا يدري أين ينبغي أن يكون!

إرادة التغيير

 ثم تأتي الخطوة الثانية وهي تقوية الإرادة وشحذ العزيمة، فالتغيير الواعي الهادف ليس شيئًا سهلًا فهو يتطلب تغييرَ قناعات استقرت في الذهن، وهجرَ عادات تطبّعت بها النفس، ويتطلّب مفارقة أصدقاء الضلالة، والقطيعة بينك وبين أخلّاء الغواية، بل قد يتطلّب ما هو أخطر من ذلك من هجر البلدان ومفارقة الأوطان.

 إنك في رحلة تغيير كهذه تصعد ضدّ الجاذبية لا تهبط موافقًا لها؛ ولذلك كان الصيام.

إنه الوسيلة الأوثق التي ستصحبك في الجزء الثاني من الرحلة يومًا بعد يوم وعامًا بعد عام، إنه الدواء الناجع لضعف الإرادة وخوَر العزيمة وتذبذب النية.

  إنه ليس امتناعًا عن الطعام والشراب والشهوة فقط، بل إنه حفظ الأوقات ومخالفة العادات ومراقبة الخلوات. إنه رقابة ذاتية على كل خلجة من خلجات النفس وخطرة من خطرات الفكر وعلى كل حركة من حركات الجوارح.

 هذه الرقابة وهذا الانضباط يستمر يوميًّا ساعات طوال تصل في بعض البلدان إلى ثمان عشرة ساعة أو تزيد، ثم تتكررهذه الرقابة الصارمة طيلة ثلاثين يومًا هي أيام الشهر المبارك، إذا أحسن المسلم استغلالها وفهم المعنى الحقيقي للصوم فيها، فبأي إرادة ماضية يخرج بها من شهر كهذا!

في مقال بعنوان: كم تحتاج من الوقت لتغيير عادةٍ مَّا ـ العلم يخبرك ـ (How Long Does It Take to Break a Habit? Science Will Tell You)، وهو منشور بالإنجليزية على موقع Lifehack يقول الكاتب ما ملخصه:

تنشأ العادة من عملية تتألف من التحفيز والفعل والمكافأة. والزمن اللازم لتكوين العادة الجديدة يستغرق واحدًا أو ثمانية وعشرين يومًا أو شهرًا أو اثني عشر أسبوعًا. ثم يخلص إلى قول مستخلص من إحدى الدراسات يؤكد أن العادات تتفاوت في المدة اللازمة لتغييرها واستبدال أخرى بها، وأن المدة تتراوح بين 18 إلى 254 يومًا، على حسَب تأصل العادة في الإنسان ومدى صلابة إرادته وعزيمته ثم قوة العوامل المحفزة له على تغييرها. ( 1)

فرصة لا تعوّض

في رمضان نجد العوامل الثلاثة ـ بل وأكثر منها ـ مجتمعة: التحفيز والفعل والمكافأة. وزيادة على ذلك الوعي والمعرفة التي ينبغي أن تسبق كل فعل وذلك بمدارسة القرآن. وفيه المحفّز الدنيوي والأخروي، فهذه جموع المسلمين تصوم معًا وتفطِر معًا، إذا دعاه أحدهم إلى معصية أو عامله بسوء خلق قال له بسهولة ويسر شديدين: إني صائم. 

ثم فيه من الإحسان ما يسد حاجة المحتاج فهو خير انطلاقة لشحيح الموارد وقليل ذات اليد للارتقاء في الدين والدنيا معًا! وفي رمضان يوجد الفعل والعمل أيضًا وهما هنا التعبّد لله بالصيام بما تشتمل عليه من جميل الآداب وكريم الخصال. وفي رمضان أيضًا توجد المكافأة وأَعْظِمْ بها من مكافأة! فهي فرحة عند الفطر وفرحة عند لقاء الرب، وهو باب الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، وهو ثواب هائل لا يعلم عظمه إلا الله فالصيام له سبحانه وهو يجزي به.

 فانظر من عاداتك أشدَّها إرهاقًا لكاهلك وتأثيرًا على حاضرك ومستقبلك واعزم على تغييرها لأفضل منها الآن، نعم الآن، فهذا أوان ذلك!

 أعدَّ برنامجك الرمضاني واجعل فيه مدارسة القرآن ليلًا عادة لك فهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، مع عالم مُجيد إن استطعت، أو مع صديقك، أو أهل بيتك، أو وحدَك ليكون أنيسُك فقط كتاب الله ففيه كل الخير.

وحاول أن تستخلص درسًا عمليًّا تطبقه نهارًا حتى تكون ممن إذا علموا عملوا، واعزم على ذلك حتى ختام الشهر الكريم لتتكون لديك –كذلك- عادات عديدة عميقة الأثر في النفس والحياة، منها حسن التعامل مع كتاب الله والحرص على فهمه لا مجرد تلاوته، ثم عادة الانتفاع بالمعرفة وتحويلها إلى عمل نافع، ثم أمورًا لا تحصيها يصلِحُها القرآن في نفسك وقلبك وحياتك وواقعك، ويشد الصيام في سبيل ذلك من أزرك، فتقوى على مواصلة الطريق إلى هدفك المنشود مهما كثرت في سبيل ذلك المعوقات وتكاثرت العقبات. 


الهوامش:

انظر المقال كاملًا على الرابط التالي:

http://www.lifehack.org/667495/how-long-does-it-take-to-break-a-habit

حساسية الشعور عن كثب

في حياتنا اليومية نصادف أنماطًا متنوّعة من الناس، بينهم شديد التأثُّر سريعُه بالمواقف المختلفة، وبينهم من لا يلقي بالاً لكثيرٍ من المؤثرات، فيمضي دون أن يتأثر بها، وهذا من تنوّع خلق الله، إلا أننا هنا نتساءل عن تلك النظرة السلبيّة التي تثار حول الشخص الحسّاس، فهل حقًّا أن الشخص الذي نطلق عليه وصف “حسّاس” مبالِغٌ كما قد يصفه البعض؟ ولماذا نتفاوت في ردود الفعل، وما هي الأبواب التي قد تكون على ارتباط وثيق بمفهوم حساسيّة الشعور؟

حساسية المستقبلات من المنظور المادي
جرت العادة في علم الصيدلة قبل أن تُدرَس كيميائية الدواء أن يُدرَس مستقبله في الجسم (Drug receptor)، حيث إن كل نوع من الدواء له نوع مستقبل يرتبط به ليعطي التأثير المفروض.

حساسية هذه المستقبلات تعني أنّ نفس الجرعة من الدواء قد تعطي تأثيراً أقل أو أعلى تبعاً لحساسية هذا المستقبل ويدخل في هذا عوامل كثيرة ومعقدة. [1]، وقد تكون العوامل جينية أو بيئية (polymorphisms) في بعض الأحيان، فيكون مستقبل هذا الدواء في جسمٍ ما حسّاساً أكثر منه في جسم غيره والعكس صحيح، وهذا ما تتجه كثير من الدراسات الدوائية لأخذه بعين الاعتبار عن طريق دراسة الخرائط الجينية لكل فرد على حدة في بعض الحالات. [2]

إضافة إلى ذلك فإنّ هناك أدوية تستخدم مثلاً لزيادة حساسية أو تحفيز مستقبل معيّن لمادة في الجسم، تدعى (receptor agonists) وأدوية أخرى لتثبيط تفاعله مع بعض المواد تدعى بـ (antagonists)، ليصبح ارتباط المستقبل بتلك المادة أقل أو معدومًا، عندما يُراد تقليل أو إزالة تأثير مادة معيّنة.

ومثل ذلك في علوم أخرى، كعلم الهندسة والحساسات بالذات (sensors)، تعرف حساسيّة الحساس (sensor sensitivity) بأنّها أقل كمية من مُدخَل مادي يكون الحسّاس قادرًا على رصده ليتفاعل بناءً عليه، ومنطقياً فإنه كلّما كان الحساس أقدرَ على التفاعل مع كمية أقل، فإن حساسيته تعَدّ أعلى وأقدر على الاستجابة [3].

الإسقاط النفسي للمستقبلات
قد تتساءل: ما علاقة ما تقدّم بالحساسيّة النفسية؟

إلى الآن لا علاقة للحساسية النفسية بالأمر أعلم ذلك.

لقد كان الغرض من هذا العرض جذب الانتباه لمفهوم المستقِبل من حيث إنه تصوير مادّي، وكذلك الحال بالنسبة للمستقبلات النفسية أيضاً التي قد يغيب عن بالنا وجودها، فإن استقبال أحدنا لمدخلٍ شعوريٍّ ما وتفاعله معه، يختلف عن تفاعل شخصٍ آخر بدرجته من ناحية، وحتى بشكله في بعض الأحيان.

إن الأمر شبيهٌ بالمثال الماديّ المضروب سالفاً إلى حدٍّ كبير، حيث إنّ كمية قليلة من مدخل معين قد يستقبلها شخص بحساسية عالية فيتفاعل معها قدر تفاعل شخص آخر مع كمية أكبر بكثير! وهذا ليس مبالغةً ما دام خارج حيّز الاضطرابات النفسية، بل إن حديثنا عن المواقف وطبيعة المشاعر في التعامل مع المواقف اليومية، التي قد نعايشها نحن أو من نعرف.

قد يكون مستقبِل الحزن لدى بعض الناس حساسًا مثلاً أكثر من غيرهم، فتجده قد ضاقَ وعانى من كلمةٍ أو مشهدٍ عابر، فحزن لدرجةٍ يصلها شخص آخر عند تعرضه لأمرٍ أشدَّ مأساةً بعشرة أضعاف مثلاً.. فلا الأول مبالِغ، ولا الثاني بليد، لأنّ الشعور يقبع ضمن منظومةٍ كاملة تعبر عن ردة فعل الشخص وطبيعة شخصيته، ولا يمكن الحكم إلا إذا فُهمت هذه المنظومة كاملةً.

وقد يتجه مثلاً الشخص الثاني للفعل، أو للمحاولات، أو للتغيير مباشرةً دون إعطاء مساحة الشعور حيزاً كبيراً. وقد يكون سبب قلّة تأثره وجود قسوة في طبعه مثلاً، أو سوء خلق، أو ظروفٍ عوّدته على ذلك.

على الجانب الآخر، قد تكون دوافع ذاك الذي تحسّس من المُدخل الحزين بشدّةٍ لرقّة قلبه، أو تذكّر مأساةٍ معينة مرت به، وقد يكون السبب أنّ موقفاً ما انتهك مبدأ مهماً في حياته -لا يدري عنه أحد- كان يلتزم به منذ حينٍ بعيد. كلّ هذه الاحتمالات لشعورٍ واحدٍ ضُرِب كمثال، والمشاعر كثيرة لا نهائية، ولذلك فإن احتمالاتها لا تنتهي أيضاً.

كلُّ ذلك يصبّ في بحيرةٍ واحدةٍ مشوبةٍ بالضباب، هي النفس الإنسانية المعقدة، ولم تكن مدخلات أحدنا كمدخلات الآخر يوماً ما، بل يستحيل ذلك! إذ لكلٍّ منّا شعورٌ وموقف، حافز ومثبّط، صفعةٌ ورفعة عاشها وحده، وشعر بها وحده، وترتّبت في نفسه بهيئةٍ معيّنة، تظهر في سلوكه بأشكال مختلفة خاصة به وحده أيضاً.

لذلك فإنَّ الحكم بالمبالغة أو البلادة ينافي المنطق قبل أن ينافي حسن الخلق، ويطعن في منظومةِ حياةٍ كاملة شكّلت هذه الكينونة، لا موقفٍ عابرٍ فحسب.

عناية الإسلام بحيثيّات الشعور
ربّما هذا التحليلُ والتفكير، يضعنا على مسافةٍ أقرب من فهمِ اعتناء الإسلام بأغوار النفس والشعور، وخصائص القلوب. {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88-89]، وذلك يقرّبنا أكثر من قوله صلى الله عليه وسلم لأحاديثَ كثيرةٍ تتعلق بالعناية بشعورنا وشعور الآخرين، تعاملنا معها كدرسٍ في مرحلةِ الابتدائية عشناه فيها وهجرناه! قال ﷺ: (..وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ! ..” [صحيح مسلم: 2564].

وكلّما اقترب المرء من نفسه وحاول تزكيتَها وجد الشعورَ عنده يزدادُ حساسيةً ولمعاناً حتى إنّ أصغر حادثٍ يستثيره للاتّقاد ولا ينجمُ الاتّقادُ إلا من فهمٍ وإدراك. تتبادر في هذا السياق الكثير من الآيات التي تتحدّث عن المؤمن ذي القلبِ الشفيف الرقراق، الذي تستدعي الآياتُ والمواقف أفكاره وإدراكه وخشيته، فتجده قد تفاعل معها بهيئاتٍ تصف أعلى ما في النفس الإنسانية من شعور. {.. إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩} [مريم:58]. كما وصف تعالى حالَ أولئك الذين لم يستطيعوا المشاركة في الغزوة لأن الرسول ﷺ لم يجد ما يحملهم عليه أدقّ الوصفِ وأبلغه {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إذا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة:92].

وأكثر ما يؤكد على ارتباط حساسية الشعور بالإدراك، الآية التي أنزلت في فئة من النصارى حين أدركوا أن ما يسمعونه هو الحق {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة:83]، فقد ربط الله جلَّ وتبارك الدمع الذي لا يصدر إلا عن شعورٍ صادق، مع المعرفة والإدراك، وأتبع ذلك بما بدر عنهم من فعلٍ بأن يكتبهم الله في زمرة الموحدين. لتمثّل هذه الآية الكريمة منظومةً كاملةً تحوي القلب والعقل وعمل الجوارح استجابةً لذلك في أبدع صورة.

جهاد المشاعر
كما أنّ هناكَ تفصيلاً لطيفاً يصعب إغفال التطرق إليه، وهو عناية هذا الدين بانتقاء المشاعر ودرجات الحساسيّة التي ينبغي علينا الجهاد لبلوغ كلٍّ منها. فتجده يحث على زيادة الشعور بالرحمة والرأفة والرضا والصبر والعطف واللطف. ويحثّ من جهةٍ أخرى على إخماد الإحساس بالغضب العشوائي كحديثه ﷺ بأن ليس الشديد بالصرعة وإنما من يملك نفسه عند الغضب. وإخماد كل شعورٍ سيء من حسدٍ أو غيره وفي هذا نعمةٌ من اللهِ ورفعة.

كل ذلك يؤكد لنا أنّ الشعورَ عطاءٌ مميّزٌ غامض، حبا به الله هذه البشريّةَ ليكونَ عنصرَها المختلف عن باقي المخلوقات، ولا حكمَ لأحد أفرادها على شعور الآخر من استهانةٍ أو تقليل، إذ إن لكلّ منا تجربته الخاصة التي يعيشها.

إن من أطيب ما يهلُّ على القلبِ إدراك هذا -أي- جمالُ الآيات والوحي الإلهي الذي ينتشلنا كَيَدٍ حانيةٍ كلما سَحَبَتْنا الدنيا، ليرشدنا إلى ما فيه صلاحُ شعورنا، وصلاحُ عنايتنا بشعور الآخرين، فالحمدُ للرحمٰن الرحيم مدداً.


[1] https://www.sciencedirect.com/topics/medicine-and-dentistry/receptor-sensitivity

 [2] https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/12972951/

[3] https://www.ni.com/en-lb/innovations/white-papers/13/sensor-terminology.html

هديُ الإسلام في التخلّص من الحسد

لو أراد أحدنا استقصاء جميع جرائم القتل والسرقة عبر التاريخ ثم نظر في أسبابها لأدرك أن المحرّك الرئيسيّ لمعظمها كان “الحسد”، ولو أننا راقبنا المعاصي الأولى التي ارتُكِبَت بعد خلق آدم لعرفنا أن محرّكها كان الحسَد من مقامِه لدى الله والتكبّر المتجذّرِ في النفس، فمعصية الشيطان بعدم السجود لآدم جاءت من هنا، وكذلك جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل تحرّكت بفعل الحسد، ثم إذا وضعنا التاريخ أمام أعيننا لنبحث في صفحاته عن رسالة الأنبياء إلى أقوامهم، وعن سبب كفرهم بها ونكرانهم لها رغم كل المعجزات الحسية والمعنوية التي رافقتها لعلمنا أن الحسد كان في مقدمتها، وآخر تلك الرسائل كانت رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم التي نزلت على رجل قد عاش أربعين سنة في قومه، ولم يرَ أحدٌ منه سوى الصدق والأمانة والإخلاص، ثم لما جاءهم بدعوة النبوّة ورسالة الإسلام وكتاب الله البليغ متحديًا إياهُم بالإتيان بمثله، وهو الذي لم يعرِف طريق الدراسة والعلم بل لم يعرف طريق القراءة والكتابة وإنما العمل والتجارة، فما كان منهم إلا أن كذبوه.

لقد أعلنها طلحة النميري صراحة حين قال لمسيلمة الكذّاب: “أشهد أنك كذاب وأن محمداً صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر” أي أنه يفضّل أن يقوده كذاب منافق من قومه على أن يترأّسهم نبي صادق في الوحي إليه من غير قومهم.

لقد عرض القرآن الكريم اعتراضات الحاسدين وكلماتهم، وفنّدها بأنه لا وجه منطقي فيها وأن حججهم ومنبع اعتراضاتهم تدور على الحسد فلا هو فاسدٌ أو كاذب أو ساحر، وإنما يقولون: {لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 3] وهذا الموقف يشبه موقف اليهود عندما أعطى الله الملك لطالوت فخرجوا معترضين قائلين أنّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه!

علاج الحسد

أنواع الحسد ودرجاته
وإذا جئنا إلى الحسد الذي هو مراتبٌ أعلاها الإضرار باليد ثم العين فاللسان، فإن منبع الحسد الأساسي هو ألّا يكون لهذا الحاسد عملاً في هذه الحياة إلا النظر في ِنعَم غيره وإحصائها وتعظيمها وتجميلها ثم إدخالها إلى قلبه، والشعور بحبّه لها والخوف من فقدانها وحرمانه منها، إذ يجري مقارنات بين ما يملك غيره وما يملك هو متحسّراً على ما فاته مغتمّاً بما معه، والأسوأ من ذلك أنه لا ينظر إلى ما آتاه الله من فضله وما حرم به غيره، فذلك ليس من منهجه في الحياة.

إذن فالنظر في نعم الآخرين هو منطلَق الحسد، وقد تشعّب وتفرّع في وقتنا هذا مثله مثل جميع الطباع والأخلاق السيئة التي وجدت تربةً خصبةً لها فنبتت، ثم ماءً متدفّقاً فنمت، ثم سماداً كثيراً فقويت، وهنا فإني أقصد به وسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات الفيديوهات التي لا يترك روادها نعمةً آتاهم الله إياها إلا أعلنوها، بل ويدّعون وجود نعمٍ لم يحصلوا عليها للتكبّر على غيرهم وإغاظتهم، وفي الإطار ذاته انتشرت بكثرة حسابات لأشخاص هدفهم الأساسي هو تصوير أنفسهم وهم يسافرون حول بلدان العالم ويأكلون ألذ الطعام ويزورون أجمل الأمكنة والعجيب أن متابعيهم يقدّرون بعشرات الملايين ولا تجدهم إلا متحسّرين على أنفسهم أن قد كتب الله لهؤلاء السعادة والسفر والتجوال ولم يكتبها لنا!

أين الخلل، وما العلاج؟
المشكلة الحقيقية أن المحصي لنعم غيره تجده معمياً عن مصائب أو نقائص غيره كما هو معمي عن النعم التي أسدلها الله عليه، جاهلاً أن الحياة لم تكمل لأحد وأنها ما زادت لأحد في جانب إلا نقصت له في جانبٍ آخر، وأنها طبعت على الأكدار والهموم فهي توزع منها بالتساوي على بني البشر، ولا يكون الاختلاف إلا بالأشكال التي تأتي بها، فذلك تأتيه على شكل فقر، وذاك على شكل مرض، وهذا على شكل جهل، وتلك على شكل عقم، إذ كما قال مصطفى محمود: “لو دخل كل منا قلب الآخر لأشفق عليه ولَرَأَى عدل الموازين الباطنيّة برغم اختلال الموازين الظاهريّة ولما شعر بحسد ولا بحقد ولا بزهو ولا بغرور”.

مظاهر الفروقات الطبقية والمؤدية أحيانًا إلى الحسد

مرض اليوم الذي يبحث معظم الناس عن علاجه هو الشعور بالنقص والدونيّة وعدم الرضى عن النفس والذي يولَد بدوره اضطراباً وحزناً وغماً، ولا يتطلّب علاجه أكثر من أن يكون الإنسان راضياً بما آتاه الله من فضله شاكراً لهذه النعم مقدّراً لها عالماً بأنّ الكثير من خلق الله قد حرم منها، واضعاً كلام نبيّنا محمّد عليه الصلاة والسلام نصب عينيه الذي كان بمثابة علاج لهذه الاضطرابات ألا وهو الحديث الشريف:

“انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم” [رواه مسلم]، كلمات قلائل أعلمنا بها نبينا محمد عليه الصلاة والسلام تمثل علاجاً لواحد من أعظم أمراض هذا العصر الذي أدى إلى الانتحار في بعض الحالات وإلى نوبات من الاكتئاب في حالات أخرى.

وفي الوقت الذي وضع لنا ديننا علاجاً لهذا المرض، حثنا في الوقت نفسه على أن نتخذ من الرضى والقناعة والصبر منهجاً لنا في حياتنا، إذ لا بد للإنسان من منغصاتٍ تعترضه بين حين وآخر فإن لم يقابلها العبد بالرضى أو الصبر فقد شق طريقه نحو الضيق والضجر، والرضى هو أن ينظر العبد في المصيبة فلا يبحث إلا عن جوانب الخير فيها، أما الصبر فهو النظر بالمصيبة مع عدم الانتباه إلى ما تشتمل عليه من خير فيصبر الإنسان عليها منتظراً فرجاً من الله، وقد وضعها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه دستوراً لنا، فقال موصياً أبي موسى الأشعري: “أما بعد، فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر”

الإعجاز التشريعي للقرآن الكريم

إذا شئت أن تصل إلى يقينٍ تامٍّ بأن التشريع الذي يحمله القرآن الكريم بين دفتيه يصل إلى حد الإعجاز، فانظر إلى المجتمعات النائية واقترب من أهلها، فإنك ستجدُ أن قوانيناً بسيطةً تحكمها، إذ لن تجد حياتهم تعقيدات تستلزمُ تشريعاً كاملاً مفصِّلاً لا يدعُ مسألةً صغيرةً أو كبيرةً قائمةً أو لم تولد بعد إلا ويشرِّعها، وهذا ينبئك بأن القرآن الكريم معجزٌ في تشريعه قادمٌ من السماء.

تبدأ المجتمعات بطلب العلم والحث عليه ونشره بين أفرادها، فتشكّل به ثقافةً، وتحقق بها ازدهارا، فتكثرُ مسائلها وتتشعبُ أمورها، وهذا من ثمرة التقدم والتطور، فتجدُ حينها بأنها محتاجةٌ إلى تشريعٍ كاملٍ لا يترك مسألةً إلا ويجد لها حلاً عادلاً يرضي صاحب الحق ويقنع المطالَبُ بأداء الحق.

وهذا ما لم يحدث في الجزيرة العربية إذ كانت البداوة والبساطة يحكمانها، فلا علم ولا ازدهار ولا تقدم، بل جهلٌ وتخلفٌ وقبليةٌ، حتى وصف حالها كسرى يزدجرد مخاطباً النعمان بن مقرن قائلاً: “إني لا أعلمُ أمةً في الأرض كانت أشقى منكم ولا أقلَّ عدداً، ولا أشدَّ فُرقَةً، ولا أسوأ حالاً. وقد كُنَّا نكلُ أمركم إلى ولاة الضواحي فيأخذون لنا الطاعةَ منكم”.

وفجأةً ظهر فيهم تشريعٌ كاملٌ يضعُ حلولاً لمسائلَ واجهتهم ولمسائل أخرى لم يخطر ببالهم أن تواجههم، من الحقوق المدنية إلى الأحوال الشخصية مروراً برسم العلاقات الدولية وليس انتهاءً بوضع نظام السلم والحرب، وقد أشار إلى هذا المعنى الشيخ سعيد البوطي في كتابه من روائع القرآن.

أفيعقل أن يأتي بهذا التشريع أحدٌ من هذه القبائل المتناحرة؟ أم يُظن أن يكون مستمدا من الشرائع اليهودية، وأحبارها كانوا حريصين على ألا يتسرب شيءٌ منها؟ ألا فلينحي الجميع أهواءه جانباً وليقر بهذه الحقيقة التي لا تحتاج إلى إطالة فكر ونظر، ألا وهي أن هذا التشريع وحيٌ من السماء نزل به الروح الأمين على قلب من جاء رحمةً للعالمين.

وإذا كنتَ متعطشاً إلى مزيدٍ من اليقين فاعلم أنه ما من حكيمٍ أو فيلسوفٍ أو مصلحٍ اجتماعي قد أسس منظومةً محدودةً غرضها أن يحتكم الناس إليها إلا وأثبتت الأيام أنها تنطوي على شيءٍ من النقص والقصور أو الظلم والجور، ثم قارن هذا الواقع بالواقع الذي يخبرك بأن رجلاً أمياً لم يسافر في طلب العلم، بل ولم يشتهر قومه بالالتفات إلى علمٍ أو معرفةٍ قد جاءَ بمنظومةٍ تشريعيةٍ كاملةٍ قلبت المجتمع الذي حكَّمها رأساً على عقب وإليكم صورة ذلك على لسان النعمان بن مقرن في خطابه ليزدجرد: “إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا الشر وينهانا عنه. ووعدنا -إن أجبناه إلى ما دعانا إليه- أن يعطينا الله خيري الدنيا والآخرة. فما هو إلا قليل حتى بدَّل الله ضيقنا سعةً، وذلتنا عزة، وعداواتنا إخاءً ومرحمةً. وقد أمرنا أن ندعو الناس إلى ما فيه خيرهم وأن نبدأ بمن يجاورنا.

فنحن ندعوكم إلى الدخول في ديننا، وهو دينٌ حسَّن الحسن كلَّه وحضَّ عليه، وقبَّح القبيح كله وحذَّر منه. وهو ينقل معتنقيه من ظلام الكفر وجوره إلى نور الإيمان وعدله”.

ومن صور هذا التشريع والفوائد المرافقة له ما ذكره د. مصطفى مسلم في كتابه مباحث في إعجاز القرآن: “ففي الصلاة تربية الفرد على النظام وتلقي الأوامر من الرئيس المباشر (الإمام)، ولعل هذا المعنى أثر في نفس عدو الله رستم في القادسية عندما كان يراقب الجيش الإسلامي وهو يؤدي صلاة الجماعة صفوفاً خلف الإمام حيث قال: (لقد مزق عمر كبدي، يُعلِّم الأعراب النظام!).

وفي الزكاة قضاء على الحقد والبغضاء بين الطبقات وإشعار بتكافل المسلمين وتضامنهم.

وفي الصوم إشعار بوحدة الأمة وتعويد لها على الصبر وقوة الإرادة وتنمية مراقبة الله تعالى في السر والعلن.

وفي الحج إبراز المساواة بين الناس وتذكيرهم بالموقف الأكبر وإظهار للمساواة بين المسلمين، ووحدة أمتهم الإسلامية على اختلاف ألوانها وأجناسها وتحقيق لقوله تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} [الأنبياء: 92].

إلى جانب تقوية صلة الفرد بالله سبحانه وتعالى وتزكية روحه والتسامي على الأهواء والنزوات المنحطة”. [مباحث في إعجاز القرآن: ص258].

ولقد تكلمنا بدايةً عن وجه الإعجاز الأول من كون التشريع سابقاً لكل تقدمٍ يأتي به، ومرافقاً لبداوةٍ وبساطةٍ وحياةٍ قبليةٍ لا تستلزمه، وعن الوجه الآخر له بأن جاء به فردٌ واحدٌ أميٌّ لم يشتهر بطلب علمٍ ولا بدراسة كتبٍ، أما عن كون هذا التشريع أهلاً للأخذ به أم ليس بأهل فذلك تحدده إجابةُ سؤال: من أتى به؟ أما وقد كان الجواب اليقين الحق الذي لا يقبلُ شكاً الله، واتبع هذا الجواب شيءٌ من فكرٍ قليل، فحينها سمعاً وطاعةً.

ومحور هذا الفكر أن الله الذي أتى به هو خالقنا من العدم، العالمُ بما يصلحنا وما يشقينا، فهو أدرى بالشكل الأمثل الذي ينبغي للأسر أن تسير عليه، ومن ثم النظام الأكمل الذي يجدر بالمجتمع أن يخضع له. وإذا أردت أن تنظر إلى صدق ما أقول، فاقرأ في كتب التاريخ الواصفة لمجتمع الصحابة والتابعين، وإن نظرت إلى كلامي بازدراءٍ، فإني أحيلك إلى ما كتبه المستشرقون المنصفون الذين لم يدينوا بالإسلام ولكن لم يجدوا من قول الحق مهرباً. وإن كنت من الذين لا يصدّقون إلا ما يرونه بأعينهم ناسفين علم التاريخ، فانظر في الأسر التي تطبق الإسلام بحذافيره، بما جاء فيه من أحكامٍ صغيرها وكبيرها، فإنك ستجدُ أسرةً تعيش حياةً هانئةً مطمئنةً، ثم قارنها بالأسر التي لا تعلم من الإسلام إلا اسمه أو تلك التي لا تعلم من الإسلامِ شيئاً، وفي هذا تذكرةٌ وبلاغٌ لمن أراد.

الدروس المستفادة من حوار إبراهيم مع أبيه وقومه في القرآن الكريم

الخلاف في هذا الكون سنة الله في خلقه، خلاف الآراء، والعقائد، والأفكار، والأذواق، قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118، 119].

ولأنَّ الخلاف منتشرٌ في كلِّ الأزمنة والأماكن كان لابد من وسيلة لنبذه أو التقليل منه، وهذا لا يكون إلا بالحوار، فالمتدبِّر للقصص القرآنية يرى أنَّ الحوار هيمن عليها، وهذا دليلٌ على أهمِّيَّة الحوار وفاعليَّته في الخطاب بين الناس.

فالحوار هو (مراجعة الكلام وتداوله بين طرفين، وعرَّفه بعضهم: بأنه نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين يتمُّ فيه تداول الكلام بينهما بطريقة متكافِئَةٍ، فلا يتأثُّر أحدهما دون الآخر، ويغلب عليه الهدوء والبعد عن الخصومة والتعصُّب)[1] .

فالأسلوب الجيد والأنفع لقبول الأفكار هو الحوار والجدال بالتي هي أحسن، قال سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ} [النحل: 125].

فلذلك أولى الإسلام الحوار أهميًّة فريدة، فترى القرآن الكريم حافلاً بالحوارات، إمَّا بين الله تعالى وبين عباده مثل حواره مع الملائكة، أو بين نبيٍّ وكافر مثل حوار إبراهيم مع أبيه، وغير ذلك من الحوارات.

نشأة إبراهيم عليه السلام
يروى عن ابن عبَّاس أن إبراهيم نشأ بغوطة دمشق، ولكنَّ الصحيح أنَّه نشأ في بابل في العراق وهذه الرواية الأصح[2]. وكان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام، وكان أبوه أيضًا مشركًا، وهذا ما ذكره القرآن الكريم، قال تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 52، 53].

وكان إبراهيم قد أوتي رشداً منذ صغره، قال سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء: 51]. وقد أوتي أسلوبًا بليغًا في الدعوة، وهذا ما ظهر في حواره مع قومه وأبيه، حين دعاهم إلى فطرة التوحيد ونبذ عبادة الأوثان، وتوجَّه إليهم بالبرهان السَّاطع، والحجَّة البالغة.

 دعوة إبراهيم لقومه
حتى تنال الدَّعوة القَبول يجب ان تبنى على أسس صحيحة ومتينة، ولا شكَّ أنَّ إبراهيم قد امتلك أدوات الحوار اللَّازمة، وهذا مهم لكل داعية (فبمقدار ما يكون الدَّاعية متمكناً من الحوار محيطاً بآدابه وأساليبه، يكون أقدر للنجاح في دعوته، ولذلك لا بدَّ من دراسة هذا الموضوع والعناية به وتأصيله، ومن ثمَّ الرجوع إليه بين الحين والآخر، ليحاكم الداعية طريقته في النقاش وأسلوبه في عرض الدعوة فيحسن أداءه ويصلح أخطاءه)[3] .

وفي خطاب إبراهيم لقومه تظهر أسسٌ عدَّة أقام حواره معهم على أساسها:

١-المحاججة وإقامة البينة: لا بدَّ لمن أراد الدعوة أن يقيم الحجَّة بالبرهان والبيِّنة، (يقول ابن القيم: إنَّ البينة ليست محصورة في شهادة الشهود بل هي إحدى أنواع البينة، فالبينة هي كل ما يبين الحق)[4].

وإبراهيم جاء قومه بالبينة والحجة المقنعة، ويتجلى خطاب الحجاج في سورة الشعراء: {إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون، قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين} [الشعراء ٧٠-٧١]، فسألهم سؤال المستنكر عليهم، ثم أتاهم بالبينة الصارمة: {قال هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون}[الشعراء ٧٢-٧٤]. فحينها بُهِتوا واقتنعوا بكلامه، وأقرُّوا بأنَّ الأصنام التي يعبدونها لا تسمع ولا تبصر، واحتجُّوا بأنَّهم وجدوا آباءهم يعكفون عليها، وبأنَّهم ظلُّوا على كفرهم كبرًا وعنادًا حتى مع إقامة الحجة عليهم، فحينها لجأ إبراهيم لأسلوب أخر لعله ينفع.

٢-الشدة والإنكار عليهم: بعد أن لقي إبراهيم من قومه الغلظة والتكذيب كان لابدَّ من الشدة عليهم، وهذا ما أخبر عنه القرآن على لسان إبراهيم: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} [ الشعراء ٧٥-٧٧]. حينها ظهرت العداوة بين إبراهيم وقومه، فلم تنفع الشدة معهم، فانتقل لأسلوب جديد.

3-تغيير المنكر باليد: بعد أن صدَّ القوم عن دعوته قام إبراهيم متسلِّلًا إلى معابدهم فكسر الأصنام وأبقى الكبير فيهم، وبعد أن علموا بالأمر جاؤوا إليه واتَّهموه بذلك، ولكنَّه استثمر الموقف وأقام الحجَّة عليهم جميعًا، وهذا ما يصوِّره القرآن: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 62 – 65].

وهنا تظهر قوَّة الخطاب الإقناعي، وكيف استطاع إبراهيم أن يبهت القوم ويحاججهم، فكانت النتيجة أن عاقبه قومه وطالبوا بتحريقه ونصر الآلهة، {قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين} [الأنبياء ٦٨].

وبذلك يكون الحوار قد وصل إلى طريقٍ مسدود، لأنَّهم عاندوا إبراهيم، ورفضوا ما أتاهم به من الحق، لا لأنَّهم لم يقتنعوا بكلامه، بل بسبب كبرهم واستعلائهم على الحق.

دعوته لأبيه
بعد أن دعا إبراهيم قومه كان لابد من دعوة أبيه بِرًّاً به وإقامةً للحجَّة عليه، ولكن لابد من اختلاف أسس الدعوة معه.

كان والد إبراهيم في مقدمة عابدي الأصنام، بل كان ينحتها ويصنعها لقومه، فعزَّ ذلك على إبراهيم لأنَّه كان يحبُّه ويرغب بهدايته، وقرَّر مخاطبة أبيه بتلطُّفٍ وتتودُّدٍ، {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 42 -45].

فيتوجَّه له مشفِقًا عليه، ويحاول بما اصطفاه الله أن يبلِّغ ما أمره ربُّه بتبليغه، فقد جمع الله بإبراهيم الصديقية والنبوة، فهو الصادق في أقواله وأفعاله وأحواله وهو أفضل الأنبياء كلهم بعد محمد صلى الله عليه وسلم.

{يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم ٤٢]. ففي هذا إنكارٌ على أبيه وهو في الوقت نفسه إعلان ببطلان عبادة الأصنام العاجزة.

ثم توجَّه له قائلًأ: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [مريم ٤٣] وفي ذلك إعلامٌ بالنبوَّة التي خصَّه الله بها، فهو موحى إليه من ربِّه، ولا يتكلَّم بهوى نفسه.

ثم ينتقل في خطابه إلى النَّهي عن الشرك وعن اتباع الشيطان: {يا أبتِ لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا} [مريم٤٤]، فهو لم يعبد الشيطان بل عبد الأصنام، ولكن بعبادته لها كان قد استجاب لأمر الشيطان، وذلك كان في الخطاب نوع من التهويل والمبالغة لغرض التحذير والتخويف: {يا أبت إني أخاف أن يمسَّك عذاب من الرحمن}[مريم ٤٥]،وهنا تكمن البلاغة في أسلوبه الخطابي فلم يقل: سيصيبك عذاب من الله ولكن أشعره أنه خائف عليه ليستميل قلبه، فهو يستعمل الخطاب العاطفي مع الخطاب العقلي لغرض التأثير والإقناع.

فماذا كان جواب آزر بعد هذا الخطاب البليغ؟

ما كان منه إلا أن غضب وقال: {أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنتهِ لأرجمنك واهجرني مَليا} [مريم ٤٦].

فقد رد عليه بغلظة وأجابه إجابةُ فظَّة بسبب الكبر الذي أعمى قلبه، ولكن لم يترك إبراهيم الدعوة مع كل هذه الظروف بل صبر، وأراد تغيير الواقع بآلية أخرى تمهِّد لحوار جديد، وهي تحطيم الأصنام كما تمَّ ذكره سابقًا، حيث كانت خطوة مهمة، لأنَّ الهدم أوَّل خطوة للبناء، فكان لا بدَّ أن يهدم معتقدهم ليقيم لهم معتقدًا آخر صحيحًا.

بعض الدروس والعبر
تجلَّت في حوار إبراهيم مع أبيه وقومه في القرآن الكريم دروسٌ كثيرة، من الأهمِّيَّة عرض بعضها، ومن ذلك:

١-ضرورة الصدع بالحق: فما النفع إن كان الإنسان يعلم الحق ويخفيه؟ فهذا إبراهيم صدع بالحق ووقف بوجه قومه وأبيه.

٢- اتخاذ الأساليب يكون حسب رؤية الداعية : فأسلوب إبراهيم اختلف بين قومه وأبيه، فهو مع قومه كان في العموم أشدَّ منه مع أبيه، حيث رقَّق في بعض المواقف خطابه لأبيه تألُّفًا له وتليينًا لقلبه.

٣-كل من يحمل دعوة فإنه معرّض للخطر والإيذاء، فهذا إبراهيم قد حاربه قومه وآذوه وشتموه وانتهى بهم المطاف لرميه في النَّار.

٤-الصبر على الدعوة، فلا ينبغي للداعية ترك الدعوة إن رأى قومه لا يستجيبون له، وهذا ما قام به إبراهيم حين هدَّده أبوه فأجابه إبراهيم: {سلام عليك سأستغفر لك ربي}.

٥-الهداية من عند الله تعالى، فعلى الداعية أن يدعوَ إلى الله، وعلى الله الهداية، فرغم كلِّ محاولات إبراهيم لهداية أبيه إلا أنَّ أباه رفض دعوته، وتكبَّر عليها.

٦-جاهزيّة الداعية للرَّدِّ على دعوات المبطلين وشبهاتهم بما يتوفَّر له من أدوات وطرق للإقناع، فإبراهيم حاول التوجُّه بخطاب عقلاني للقوم، ثم بعد التكذيب حاول تغيير الواقع بيده عبر تكسير الأصنام، قال تعالى: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 80].

7- دِينُ المسلم أعظم من الأرحام والأحباب والمكاسب، فإن خُيِّر المسلم بين دينه ودنياه فعليه اختيار الدِّين لأنَّ فيه صلاح دنياه وآخرته، وهذا ما فعله إبراهيم.

خاتمة
وهكذا كان إبراهيم بدعوته مدرسة في الحوار، ورمزاً من رموز الخطاب، فصحيح أنه لم يستجب له إلا القليل من قومه ولكنَّ الله أثنى عليه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [النحل: 120] لأنَّه واجه الباطل وحده، وحطَّمه بيده، وتبرأ منه ومن أصحابه، وعلى الداعية أن يتدبَّر الأساليب الدعوية التي توخَّاها إبراهيم ليحاجج قومه، حتَّى يكون على نهجه وطريقته.


[1] الحوار آدابه وضوابطه في ضوء الكتاب والسُّنَّة، يحيى بن محمَّد حسن بن أحمد زمزمي، دار التَّربية والتُّراث، مكَّة المكرَّمة، ط1، 1414هـ-1994م، ص22.

[2] قصص الأنبياء، ابن كثير، تح: مصطفى عبد الواحد، مكتبة الطالب الجامعي، مكَّة المكرَّمة، ط3، 1408هـ-1988م، ص156.

[3] الحوار آدابه وضوابطه في ضوء الكتاب والسُّنَّة، ص32.

[4] الحصانة كأساس لرفض البيِّنة المقبولة في الإثبات، أسماء الحمزة، تح: حافظ الشيخ الزاكي، جامعة الخرطوم، د.ط، 1425هـ-2004م، ص14.

الحوار القرآني

لقد تعددت وتنوعت أشكال الحوار في القرآن الكريم، واختلفت مواضيعها وحملت عبراً كثيرة، فمنذ بدء الخليقة يحاور الله ملائكته الكرام عليهم السلام، ويحاور إبليس الذي كان يتوعد بإضلال البشرية، وكذلك نجد الأنبياء يحاورون أقوامهم ويقدمون أحكم الحجج المنطقية والعقلية في سبيل إقناعهم برسالتهم وصدق دعوتهم.

والقرآن الكريم كتاب رباني لهداية البشر من الضلال إلى النور ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ويعتمد على الحوار بشكل أساسي للإقناع، ولوضع الحجة على الرقاب، ثم يُحاسب البشر عما فرطوا فيه وأنكروا، وهذا أكبر دليل على حرية التفكير البشري.

 وبالإضافة إلى ذلك فإنه يحاور قارئه أيضاً فيسأله التأمل والتمعن في عظمة خلق الله في الكون كما في قوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ(21)} [الذاريات:20]، وفي حين آخر يستفزه ويثيره بالأسئلة عن حقيقة وجوده وكيانه: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ(35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ(36)} [الطور:34-35]، وينكر على أهل الضلال أقوالهم ودعاويهم الباطلة فيقول: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111].

بطريقة ما هذا القرآن الذي كتبه [المؤلف حيث يتحدث عن مرحلة ما قبل إسلامه] فيه أسلوب من نوع مختلف يجرك لحوار مع النص.   جيفري لانغ

منهج الحوار القرآني
1.الاستناد إلى العلم
العلم في المصطلح القرآني والفلسفة الإسلامية هو ما يعرفه العلماء بأنه “إدراك الشيء على ما هو عليه بدليل منضبط بقواعد المنطق وأصوله”[1]. والاستناد إلى العلم يعني اعتماد المنهج التوثيقي المنبثق من كل واقع مصحوبا بأدلته الدامغة المسكتة أو “المخرسة” أحياناً.

ويتجلى هذا المعنى في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف:81]، و”إن” هنا شرطية، أي إن تحقق الافتراض الأول يتحقق الثاني، ولكن الافتراض الأول وهو أن يكون لله ولد محال، أي أنني كنت قد اتفقت معك بالإيمان بالشرك لو توافرت الأدلة العلمية على ذلك، ولكن الأمر أنه لا ولد له ولا بنت ولا ملاك ولا شيء، واحد أحد فرد صمد يقيناً لا ظناً، وفي هذا السبك بلاغة عظيمة، لأنه لا يلجم الخصم فقط بل يعلمه أسس التفكير الصحيح وعدم الانحياز لجهة معينة فقط بسبب انتمائه إليها.

وقد كثرت الشواهد على هذا المعنى في القرآن الكريم، فنلحظ أن الله دائماً يطلب من المخالفين إظهار البراهين العلمية وعدم الركون إلى الأمور الظنية: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام:148]، ويردد دائماً على كل من يزعم ويدعي معتقدات باطلة {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}.

2.إيجاد نقاط الاتفاق
يقول تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]. يقول الزحيلي في تفسير هذه الآية: “قل يا محمد: يا أهل الكتاب -وهم اليهود والنصارى جميعاً- أقبلوا وهلموا إلى كلمةٍ عادلة وسطى سواء بين الفريقين اتفقت عليها جميع الشرائع والرسل والكتب التي أنزلت إليهم، فأمرت بها الصحف والكتب الأربعة: التوراة والزبور والإنجيل والقرآن وهي كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وعبادة الله وتفويض سلطة التشريع والتحليل والتحريم إليه، وعدم الشرك به شيئاً، وعدم اتخاذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ، كالوثن والصليب والصنم والطاغوت والنار”[2].

فالبحث عن نقاط الاتفاق يسهل لنا الحوار ويمكِّننا من تحديد نقاط الاختلاف، فعند النقاش مثلاً في مسألة العلمانية، يفيد جداً معرفة ما إذا كنت تؤمن بالله أم لا، وما إن كانت للقرآن حجية عندك، وهذا يجعل من الحوار أكثر دقة وأغزر فائدة.

3.الابتعاد عن مجاملة الخصوم
حيث نذكر هذا هنا في محاولة لوصف ما اعترى أسلوب التفكير الإسلامي الحديث بسبب الشعور العارم بالهزيمة أمام الحضارة الغربية، فأي إعجاز علمي -بغض النظر عن صحته- صار مقبولاً، أي عالم غربي أو حتى مغنية يؤمن، يصبح من كبريات الحجج الإسلامية، بل صار البعض يخجل حتى من ذكر أسماء علماء السلف ويحاول ليَّ عنق النصوص لتناسب أهواءه، وأيضاً هناك الحالة النفسية التي تصيب البعض عندما لا يستطيع هداية أحدهم، من حزن وتحسر أو حتى خوف على خلوده في جهنم، وهذا غالباً ما يحدث مع الآباء عندما يرتد أبناؤهم فيصيبهم الاكتئاب وفقدان الثقة بالنفس وأحياناً التخلي عن العمل الدعوي، وقد كثرت الآيات التي تنبه على عدم نحو هذا السلوك، لأنه لا يورث في صدر الآخرين إلا الشعور بضعف وانهزامية هذا الدين وحتى استحقاراً لمن يدعو إليه، فيقول تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء} [القصص:56]، وفي موضع آخر: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6]، و”باخع نفسك” تعني قاتلها ومهلكها أو مجهدها”[3]، والآثار جمع أثر أي على إثر توليهم وإعراضهم[4]. فالجميع يمتلك حرية الاختيار التي مهما تأثرت بالمؤثرات الخارجية لا تنعدم، فنبوة نوح عليه السلام لم تمنع كفر ابنه ولا ادعاء فرعون الألوهية منع إيمان امرأته.

ومن هنا يجب علينا عدم دخول الحوار بنفس خائرة فاقدة الثقة بتاريخها وحضارتها وثقافتها، وأن لا نجامل أحداً في ديننا بل نكون واضحين وصادقين معه، ونظل حريصين مع ذلك على هدايته وإخراجه من الظلمات إلى النور، ولكن يبقى شعارنا في هذا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 105].   

نماذج من الحوار القرآني
1.مناظرة إبراهيم الخليل عليه السلام مع الملك:

قال تعالى: {ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258].

يذكر الله تعالى مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي ادعى لنفسه الربوبية، فأبطل الخليل عليه دليله، وبين كثرة جهله وقلة عقله، وألجمه الحجة، وأوضح له طريق المحاججة[5].

ولربما يكون هذا الحوار الأكثر ملاءمة لما نعيشه نحن أبناء القرن الواحد والعشرين، فقد صار باب طرح الأفكار مفتوحاً على مصراعيه لمن هو مؤهل ولمن ليس بأهل، بل صار إنكار البديهيات والمسلمات من أهم شعارات ما بعد الحداثة، التي ما هي إلا انتكاسة الفطرة إلى السفسطة.

فهنا يبدأ الحوار بقول إبراهيم: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}، متحدثاً عما أجمعت عليه البشرية بتفرد الله وحده بقدرة الإحياء والإماتة، فيرد عليه الملك بكل عجب ووقاحة: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}، يعني إذا أتي بالرجلين قد تحتم قتلهما، فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر فكأنه قد أحيا أحدهما وعفا عن الآخر[6].

وهذه قمة السفسطة وانعدام المنطق، فمن الواضح أن الإحياء والإماتة ليس بهذا الشكل، وردُّ إبراهيم عليه السلام لم يكن بإعادة شرح معنى الحياة والموت والدخول في تفاصيل كلامية ستجعل النقاش ضبابياً غير واضح، بل انتقل إلى دليل هو أكثر سطوعاً وقوة، حيث قال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، فقدرة الله واسعة لا تنحصر بالإحياء والإماتة، والظالم لنفسه وللآخرين، لن يكون منه إلا الكفر والضلال والتكبر على الحق ورفضه، ومثل هذا لا ينال الهداية بحال من الأحوال.

2.حوار قابيل وهابيل:
قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ(28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ(29)} [المائدة:27-29].

وفي هذا الحوار بين قابيل وأخيه هابيل نتعلم معاني التريث والهدوء، فرغم مصارحة قابيل أخاه بالقتل، لم يهتج لهذا وسارع مباشرة لتهديده بالمثل، بل أجابه بأن الله يتقبل لمن يتقيه ويخشاه، ونجد أن هابيل عوضاً عن أن يغضب ويتوعد، يحاول أن يحذر أخاه وينبهه ويرشده بطريقة غير مباشرة، وإن كان يتحدث بضمير المتكلم لا المخاطب، فالكلمات التي قالها له فيها استثارة لعواطف قابيل وفطرته، ودعوة له للتفكر جيداً قبل الإقدام على هذه الخطوة، التي ستكلفه دخول جهنم والخسارة في الدنيا والآخرة.

يقول الله تعالى بعد ذلك: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة:30]، فلربما تشير هذه الآية إلى أن قابيل قد حادث نفسه بالفعل جراء ما سمع، ولكنها مع ذلك  سوغت له فعلته وطاوعته على قتل أخيه، وبهذا فإنه سن سنة القتل وصار ذنب كل من قتل من بعده في عنقه، ويا لعظم هذا من خسارة.

يوم الفصل
لقد تعددت الآراء و المذاهب والأفكار والمعتقدات التي آمن بها البشر، وتنوعت طبائعها وخصائصها، وكلهم يرون أنهم أهل الحق وأصحابه والباقي أهل الضلال، ولهذا كان الحوار وسيلة من وسائل الوصول للحقيقة، ولا يعني هذا أن الناس سيصبحون على ملة واحدة بذلك، فالله سيفصل بيننا بالحق بعد كل هذا النقاش والجدال، وأن هذا ما هو إلا بلاء منه، فهو القائل: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة:48]، ونجد في موضع آخر أن الله سيسأل الناس عن البراهين التي سوغت شركهم بالله عز وجل فيقول: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون:117]، فهناك كما يبدو نوع من الحوار النهائي يوم القيامة، وبعد ذلك لن يعذب الله  كل من لم تقم عليه الحجة أو تبلغه الرسالة: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15].


الهوامش

[1] البوطي، محمد سعيد رمضان(سنة النشر غير معروفة).أدب الحوار في كتاب الله عز وجل. (مكان النشر غير معروف): نحو القمة للطباعة والنشر.

[2] الزحيلي، وهبة(2009). التفسير المنير ج2 ط10 ص275. دمشق، سوريا: دار الفكر.

[3] مخلوف، حسنين محمد (سنة النشر غير معروفة). وتفسير وبيان كلمات القرآن ص127. دمشق، سوريا: مكتبة دار الإحسان.

[4] الزحيلي، وهبة(2009). التفسير المنير ج 8 ط10 ص222. دمشق، سوريا: دار الفكر.

[5] ابن كثير، إسماعيل (2001)، قصص الأنبياء ط1 ص146. دمشق، سوريا: دار الفيحاء.

[6] ابن كثير. قصص الأنبياء ص147. مرجع سابق.

المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
وهبة الزحيلي، التفسير المنير، دار الفكر:2009.
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار الكتب العلمية: 1998.
معن محمود عثمان ضمرة، الحوار في القرآن الكريم، جامعة النجاح الوطنية: 2005.
محمد متولي الشعراوي، قصص الأنبياء، دار القدس: 2006.
عبد الرحمن حبنكة، فقه الدعوة إلى الله، دار القلم:1996.
عبد الرحمن حبنكة، ضوابط المعرفة، دار القلم: 1993.
محمد سعيد رمضان البوطي، أدب الحوار في كتاب الله عز وجل، نحو القمة للطباعة والنشر.
ابن كثير، قصص الأنبياء، دار الفيحاء: 2001.
حسنين محمد مخلوف، تفسير وبيان كلمات القرآن، مكتبة دار الإحسان.

بلاغة الحوار في قصة إبراهيم عليه السلام

تتعانق الكلمات في قصيدة وتجلس بود في قطعة نثرية وتصطف بتجهم في رسالة أكاديمية، وتتسامى وتتخاصم، وما بين أسمال الزور وكساء الحق تظهر عوراتها أو تسدد لحاجاتها، فإن ارتقت مرتقى الرأي الحكيم والحوار السديد، سبقت حد الظباة، وأسنة الرماح، فبالكلمة انتصر ابن عباس رضي الله عنه على فئة الحرورية التي إن قوتلت استبسلت، ففصاحة العربي وقوة حجته ورجاحة عقله لا بد أن تستقي من نبع عظيم: {قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ}[1].

القرآن الكريم الذي تصغر أمامه كل الكلمات وتتماهى في حضرته جميع الحوارات، الفصاحة والصرامة، اللين والشدة، القول الذي يعقبه الفعل، وللرافعي إحساس عظيم بمكنونات كتاب كريم حيث قال واصفاً القرآن الكريم: “ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، تذكر الدنيا فمنها عمادها ونظامها، وتصف الآخرة فمنها جنتها وضرامها”[2].

فما بين الوصف اللغوي، والبنية المتناسقة تتجلى الحوارات القرآنية التي اختصت بالبلاغة والوضوح، وسلامة السبك ودقة التعبير، وعمق الفكرة، وحلاوة الإقناع لمن كان له لب حكيم، حيث أن الباطل يزهو وهو صغير، والحق يعلو وهو كبير، ومابين هذا وذاك تكون الحكمة والعقل الرشيد، ومن أوتي الرشد فقد أوتي الخير الكثير: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل}[3].

خليل الله وأبو الأنبياء عليه السلام، الذي أمسك جمرة فؤاده واطمأن أنها على هدى ولم يبالِ بعدها بشيء! {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هذه التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}[4]، إثارة الشك وطرح التساؤل وبيان الاستنكار، منهج النبي الكريم في قلب ميزان الكافرين على ذواتهم المختبأة تحت ظل تمثال! وفيء حجارة! بأسُ الروح الخاوية وجلدُ الباطل الواهي! وانطفاء البصيرة وتحسس آثار من سبق حتى ولو كانوا يمضون إلى الهاوية، لجأ سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى استنزاف الحجة وربط المنطق بواقع الحال واستفزاز صحوة القلوب، وصوت العقول.

وللإمام ابن كثير تفسير واضح وتأويل جميل، فيقول في معنى الآية الكريمة “إن الرشد الذي أوتي لسيدنا إبراهيم تمثل جلياً بالإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله عز وجل، حيث أنهم اعتكفوا لعبادتها واجتمعوا على حجارة لا تضر ولا تنفع”[5].

{قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ}[6]، الحجة السقيمة، التي تلعب على أوتار الزمن بلا تعب، كلما آن لها أن تموت لبى نداءها طائفة من ضعاف العقول فنصروها بقولهم هكذا كان آباؤنا وأجدادنا فاعلين، يعز عليهم كسر صنم الاعتياد، بفأس الحقيقة وساعد الإيمان، عبودية الطين للحجارة أي خواء هذا! بل أي عبادة تلك؟

{قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}، يقول الإمام السعدي رحمه في تفسير الآية الكريمة “من المعلوم أن فعل أحد من الخلق سوى الرسل، ليس بحجة، ولا تجوز به القدوة، خصوصاً في أصل الدين، وتوحيد رب العالمين، ولهذا قال لهم إبراهيم مضللاً الجميع، أي ضلال بين واضح وأي ضلال أبلغ من ضلالهم في الشرك وترك التوحيد وللتوضيح اللفظي أن ليس ما قلتم يصلح للتمسك به وقد اشتركتم مع من سبقكم في الضلال البين”[7].

 {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ}[8]، هكذا قال قوم إبراهيم -لما دعاهم إلى التوحيد- فهم يدركون أن الدين الحق لا يجتمع مع اللعب والباطل؛ وهذا ما يريده بعض المنهزمين أن تعيش الأمة بدين ملفق يجمع أنواعًا من اللعب والباطل مع شيء من الحق، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ}[9]، الحق أبلج والباطل لجلج، وهيهات أن يصبغوا حقنا بباطلهم وأن يدنسوا توحيدنا بشركهم، أراد قوم إبراهيم المفاصلة، فإما توكيد لدعوة الإيمان أو عودة لأهل الأوثان، ولم يعلموا بأن تلك المفاصلة لن تنجب سوى النصر.

{قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمٰوٰتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلٰى ذٰلِكُم مِّنَ الشّٰهِدِينَ}[10]، العقيدة التي انتصر لها سعد ففداه النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم “ارم سعد، فداك أبي وأمي”، التوحيد الذي ذاق حلاوته عمر بصدق الولاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم “الآن يا عمر”، الإسلام الذي أحبته سمية فنالت لقبا ناضل دونه الرجال، هذه الومضات تعلمنا أن خالق السماوات والأرض يهب الإيمان لقلوب حية، لأفئدة تنبض بعزة التوحيد والإسلام، ألقى خليل الله بحقيقة التوحيد أمام أعين المشركين وشهد لهم بذلك، فهل تعشى الأبصار ؟

{وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنٰمَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذٰذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)}[11]، بفأس الحق وساعد الإيمان، بهمة أمة، حُطمت الأصنام واساقطت حجارة الضلال، وتهاوى الباطل في ضعف، وبقي الفأس رمز الحرية من براثن الطغاة، أيقونة المؤمن القوي، الذي اهتدى فآمن فغيّر الفأس الذي ما كان لولا {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}[12].

أبقى خليل الله برهان حجته، كي يعلم من في قلبه حبة خردل من نور أن لا إله إلا الله، وأن لا حول ولا قوة بحجارة لا تدفع عن نفسها ولا عن أمثالها نفعا أوأذى.

{قَالُوا مَن فَعَلَ هٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ الظّٰلِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبْرٰهِيمُ (60)}[13]، يقول الإمام السعدي في تفسير الآيات “فحين رأوا ما حل بأصنامهم من الإهانة والخزي {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ْ} فرموا إبراهيم بالظلم الذي هم أولى به حيث كسرها ولم يدروا أن تكسيره لها من أفضل مناقبه ومن عدله وتوحيده، وإنما الظالم من اتخذها آلهة، وقد رأى ما يفعل بها )[14]، الفتى بعين قومه كان أمة كاملة، المقياس هُنَا أهمية الفرد وإمكانية تغييره لمعادلة الواقع وتبديل المعطيات المحسوسة بإدراك المرء ضرورة إحداث التغيير، بدءاً من هدم طواغيت الذات التي جُعلت أرباباً تُعبد من دون الله بالباطل، فمن غلب هوى نفسه وأمسك جمرة فؤاده يقلبها في كفه كيفما شاء، جُعلت الدنيا أمامه يُغالبها فيغلبُها، فتطوعُ له سيداً عليها قد كفر بأصنامها فأمسى حُراً يُمسك فأس حقه بيمناه، وفسيلة مجده بيسراه، لتطيح أوثان العبودية على وقع هُتاف فردٍ أصبح أُمَّة، وأما من عبدَ وركع وسجد لوحش ذاته الذي اقتات على بقية إنسانيته المتمثلة بحريته ونال من بصيص روحه الذي بهت وخفت فاختفى لأن النور لا يليق بالعبيد، هذا العبد لن تسوؤه عبوديته فهومن ينصب صنماً ويزينه لنفسه ومن ثم يبدأ بعبادته.

{قالوا ءَأَنتَ فَعَلْتَ هٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يٰٓإِبْرٰهِيمُ}[15]، أراد القوم التيقن والتثبت من الأمر، فسألوا النبي الكريم، وهنا كانت حلاوة الإجابة وبرهان الحق إذ قال: {بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ}[16].

المؤمن القوي الذي جمع الحجة والعمل، وضحى بروحه، في سبيل أن يهتدوا، أن يعلموا أن لا إله إلا الله، ما أثمن هذا الكلمات التي تراق على جنباتها الدماء الزكية التي تعبق إيمانا وتنفح توحيداً، أقام الحجة الواضحة، وألقى بالبرهان الجلي ولكنها تعمى القلوب التي في الصدور.

{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوٓا ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فٰعِلِينَ}[17]، ما كل مجادل يبحث عن الحق أويقبله، فإن إبراهيم أقام لقومه أقوى الحجج والبراهين على بطلان أصنامهم، ومع ذلك اتفقوا عناداً “حرقوه وانصروا آلهتكم”.

{قُلْنَا يٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلٰمًا عَلٰىٓ إِبْرٰهِيمَ}[18]، النداء الإلهي، الذي ربت على روح إبراهيم، حتى النار بشدتها وقسوة ملامحها غدت برداً عليه وسلاماً على روحه المنهكة من مقارعة أهل الباطل والجدال، الطمأنينة التي تنساب من ثنايا الآية الكريمة تجعل كل الخيبات والشتات في محراب المناجاة تضيء منها بواعث الاهتداء، يقول المفكر الشهيد سيد قطب “أنتم الأعلون اعتقادا وتصورا للحياة وأنتم الأعلون ارتباطا وصلة بالعلي الأعلى، وأنتم الأعلون منهجا وهدفا وغاية، وأنتم الأعلون قدوة ومكانا ونصرا”[19].

إن حقيقة التوحيد تكمن في كونه درب لا يعبّد إلا بالتضحيات، ففي كل مرة تغرقنا البلايا، وتتصرم من حولنا حبال الخلق السرابية، لن ينتشلنا سوى حبل الحق الممتد للسماء، لنعلم ونوقن أن الله يعلو ولا يعلى عليه.


الهوامش

[1] سورة غافر الآية 28

[2] تاريخ آداب العرب الصفحة 281

[3] سورة الأنبياء الآية 51

[4] سورة الأنبياء الآية 52

[5] تفسير ابن كثير الصفحة 326

[6] سورة الأنبياء الاية 53

[7] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان الصفحة 326

[8] سورة الأنبياء الاية 55

[9] سورة يونس الاية 32

[10] سورة الأنبياء الاية 56

[11] سورة الأنبياء الاية 57 والاية 58

[12] سورة النحل الاية 121

[13] سورة الأنبياء الاية 59 والاية 60

[14] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للامام السعدي الصفحة 327

[15] سورة الأنبياء الاية 62

[16] سورة الأنبياء الاية 63

[17] سورة الأنبياء الاية 68

[18] سورة الأنبياء الاية 69

[19] ظلال القرآن للأستاذ الشهيد سيد قطب في تفسير آية  ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون)

القرآن الكريم في الفكر الحداثي

يمثل الفكر الحداثي أحد الأفكار التي بدأت بالتأثير على الساحة العربية المعاصرة، فهو الفكر الذي أعاد دراسة التراث العربي والإسلامي على أنه مادة قابلة للدراسة الموضوعية بعيداً عن المبادئ والمقدسات الإسلامية، أو الأصول الدينية التي تنظم الحياة الفكرية للمسلمين.

وينظر الحداثيون إلى التراث الإسلامي على أنه تراث مقلوب يمشي على رأسه، ولابد من تعديله لكي يسير على قدميه، وأعلنوا عن نظريتهم المبتدعة في دراسة جديدة للتراث الإسلامي، وهم يحاولون جاهدين نزع الجانب المقدس والإلهي (اللاهوتي) في التراث الإسلامي.

وأن يُنزع التقديس من بعض الأقوال الفقهية للعلماء المسلمين قد يفهم، ومن يفعل ذلك قد يجد له سلفا من علماء الأمة الإسلامية الذين دعوا إلى التحرر من التقليد الأعمى، أما أن يسعى الحداثيون إلى نزع القدسية عن القرآن الكريم فهذا يشكل انقلاباً على المفاهيم الإسلامية، فبناءً على ذلك يكون النص القرآني كأي نص في جريدة أو مادة قانونية وضعت من قبل البشر، فلابد من تسليط الضوء على موقفهم من القرآن الكريم.

تعريف القرآن عند الحداثيين
عرف الحداثيون القرآن الكريم تعريفات متعددة، فعرفه حسن حنفي في كتابه دراسات فلسفية بأنه تجارب الأمم والشعوب على مدى التاريخ، التراكم المعرفي الإنساني الشامل المتحقق مع مراجعة العقل والفطرة وكما تبدو في الحكم والأمثال والمأثورات والآداب الشعبية [ص 103].

وعرفه كذلك في كتابه “دراسات إسلامية” بأنه “مجموعة من المواقف التي طرأت على الواقع الإسلامي الأول والتي استدعت حلولاً وكل موقف يمثل نمطاً مثالياً يمكن أن يتكرر في كل زمان ومكان” [ص 408].

وتناول حنفي القرآن الكريم ضمن مشروعه العلمي الذي وسمه بالتراث والتجديد، فكان لا يتناوله على أنه كتاب منزل من عند الله تعالى، بل على أنه تراث وتاريخ لأمة من الأمم؛ ويقصد بهذا التعريف أن الكتاب وتأويل ما جاء به من أحكام وغيرها ليست ثابتة ومستمرة بل متغيرة حسب الزمان والمكان، وتواكب التطور التشريعي الذي حصل في المجتمعات.

علي حرب

أهمية التأويل المنفلت
القضية الأساسية التي يسعى الحداثيون إلى ترسيخها في أذهان الناس أن كل شيء في النصوص القرآنية يحتمل التأويل، ومن الممكن صرفه عن ظاهره إلى المجاز، وبالتالي نستطيع أن نجعل من الإسلام ديناً مرناً نسقط الكثير من أصوله التي توارثها المسلمون عبر الأجيال، ويستطيع المسلمون من خلال التأويل في كل عصر أن يفصِّلوا إسلاماً يناسب مصالحهم.

يقول علي حرب في كتابه نقد النص: “مع أن مبرر كل مفكر جدير بلقبه أن يمارس التفكير بطريقة مغايرة للذين سبقوه إذا لم يشأ أن يكون مجرد شارح مبسط، أو تابع مقلد، أو حارس مدافع عن العقيدة والحقيقة، والتفكير بصورة مغايرة، يعني: أن نبدل وننسخ، أو نحرف ونحور، أو نزحزح ونقلب، أو ننقب ونكشف، أو نحفر ونفكك، أو نرمم ونطعِّم، أو نفسر ونؤول، فهذه وجوه للتفكير وللقراءة في النصوص لا أزعم أني أقوم بحصرها واستقصائها” [ص 133].

وعلي حرب بهذا النص يهدم كل الضوابط التي وضعها العلماء لاستنباط الأحكام أو تفسير القرآن، وبالتالي لا يوجد نص مقدس منزه عن التأويل، إذ ينظر إلى القرآن على أن التاريخ هو من أسبغ عليه صفة القدسية، لا تنزيله من قبل الله تعالى.

ووضح الحداثيون أنه من خلال التأويل يتم اختراق النص بأفق اجتهادي تجديدي، ومن خلاله نقيم التوازن بين القرآن وبين الواقع المتغير.

وقد استدل نصر حامد أبو زيد على ضرورة التأويل في كتابه “[مفهوم النص، ص 256] وجعله أصلاً، أنه مرادف للتفسير، وأن من السلف من استعملهما بذات المعنى، فالنص القرآني عنده وعند غيره من الحداثيين لا يمكن أن يحتمل معنى واحداً فقط، فهذا النص الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً لا وجود له في الأرض، وقد يكون موجوداً في السماء، فكل نص قابل للتأويل إلى أكثر من معنى، وفق فهم القارئ له.

محمد أركون

أنسنة القرآن ونزع قدسيته
صرح الحداثيون بأن الحديث عن القرآن الكريم وعن غيره من النصوص متساو، فلا استثناء للقرآن، ولا قدسية للنص القرآني، وقد بنوا على ذلك أنه لا توجد لألفاظ القرآن الكريم معان ثابتة، ولا دلالات ذاتية من الممكن الكشف عنها من خلال اللغة واحتمالاتها، بل التاريخ والواقع الاجتماعي هما من يكشف عن معنى النص، فالنص في نظرهم عبارة عن فضاء دلالي، وإمكان تأويلي، ومأزق القراءة في العقل العربي والإسلامي مرجعه إلى النظرة الأحادية لمعنى ألفاظ القرآن الكريم، فلا حقيقة ثابتة للنص، وبالتالي دراسة القرآن الكريم لابد أن تكون إنسانية تاريخية لا إلهية مقدسة (!)، وما دام النص القرآني إنساني فلا يجوز لإنسان احتكار المعنى الحق أو الصواب، فلكلٍ صوابه وحقه، وهذا ما يعني ضياع المعنى بين المؤولين أياً كانوا!

يقول محمد أركون في كتابه “القرآن من التفسير” إن “التقديس للكتب المقدسة خلع عليها وأسدل بواسطة عدد من الشعائر والطقوس والتلاعبات الفكرية الاستدلالية، ومناهج التفسير المتعلقة بكثير من الظروف المحسوسة المعروفة أو تمكن معرفتها، وأقصد الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية” [ص 26].

وهو لا يستثني القرآن من هذا الكلام، بل يعممه على جميع الكتب المقدسة، إلا أنه يستثنيه في قضية فرعية، وهي أن أسباب تقديس القرآن غطت عليها الظروف السياسية والثقافية والتربوية، بحيث لم تكتشف بعد، ولم يحرف، أو يتلاعب بألفاظه، أو معانيه، على عكس الكتب المقدسة الأخرى، فالنص القرآني قدسيته تاريخية لا إلهية!

نقد النظرة الحداثية
لا شك أن الحداثيين يخالفون جمهور المسلمين وعلماءهم الذين يرون القرآن الكريم كلام الله تعالى المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمعجز بنفسه، والمتعبد بتلاوته، المبدوء بالفاتحة والمختوم بسورة الناس، وأنه نص مقدس لا يجوز التعدي عليه بزيادة أو نقصان أبداً.

وما زال علماء الأمة يركزون على قدسية النص القرآني، ويفهمونه ضمن الضوابط التي وضعها علماء التفسير واللغة، فتفسير الحداثيين للقرآن الكريم يؤصل للتفسير الباطني والمنحرف، والذي يؤدي بدوره إلى ضياع الأحكام الشرعية، حيث يتم تفسيرها تفسيرات بعيدة عن حقيقتها المرادة، فمثل هذه التفاسير هي التي جرأت الفرق الباطنية كالإسماعيلية والدرزية والقاديانية لتحريف معاني القرآن وصرفها عن حقيقتها.

قال المفسر أبو حيان في مقدمته لتفسيره (1/104) مبيناً منهجه المتبع: “وتركتُ أقوال الملحدين الباطنية، المخرجين الألفاظ العربية عن مدلولاتها في اللغة، إلى هذيان افتروه على الله، وعلى علىٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وعلى ذُرِّيته، ويسمونه علم التأويل”.

وقد بين محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون (4/49) خطأ هذا المنهج الذي اتبعه الحداثيون اليوم، واتبعه قبله الفرق الباطنية حيث قال: “ومن هنا بدأ الخروج عن دائرة الرأي المحمود إلى دائرة الرأي المذموم، واستفحل الأمر إلى حد جعل القوم يتسعون في حماية عقائدهم، والترويج لمذاهبهم، بما أخرجوه للناس من تفاسير حملوا فيها كلام الله على وفق أهوائهم، ومقتضى نزعاتهم ونحلهم”.

وفي كلام الحداثيين المنقول مغالطة كبيرة وفهم أعوج، فالتفسير وفي مقابله التأويل لهما ضوابط فصلت في كتب علوم القرآن والتفسير، ولا يجوز لأي قارئ ان يطرح رأيه ويفسر القرآن الكريم على هواه، ولذلك نجد الكثير من العلماء اتبعوا التفسير بالمأثور، ففسروا النص بالنص، ومن عمد إلى التفسير بالرأي فإنه فسره وفق الضوابط والرؤية الإسلامية للنص، ووفق مقاصد الشرع وحدوده، فتأويل الإسلام ينبغي أن يكون تأويلاً منضبطاً لا تأويلاً منفلتاً فوضوياً.


المراجع والمصادر

مفهوم النص، نصر حامد أبو زيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993م.

قضايا في نقد العقل الديني، آركون، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط:1، 1998م.

نقد النص، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

نقد الحقيقة، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

دراسات فلسفية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

دراسات إسلامية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

منهج حسن حنفي، فهد بن محمد السرحاني القرشي، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ط: 1.

التراث والتجديد، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر، ط: 3، 1987م.

تفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت، 1422 هـ، 2001م، ط: الأولى، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض.

التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، مكتبة وهبة، القاهرة، د/ط.

الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم (1 من 2)

في كل زمانٍ ومكانٍ يدّعي أناسٌ النبوة، وقد قيل: “إن مدعي الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم”، وهذا أول ما يدل على صدقه في دعواه للنبوة، ثم يأتي بالمعجزة، والتي تتحدى القوم فيما نبغوا فيه.

وفي هذا لجوابٌ عن سؤال: لِمَ لم تكن معجزة النبي موسى في الطب ومعجزة النبي عيسى في السحر! والجوابُ أن قومَ موسى برعوا في السحر فجاءت معجزته أن انقلبت عصاه إلى حيةٍ فإذا هي تلقف ما يأفكون، وبرع قوم عيسى بالطب فجاءت معجزته بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله.

والأمر ذاته بالنسبة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام فقد جاء قومه بمعجزة القرآن الكريم متحدياً لهم بالإتيان بسورةٍ واحدة مثله في عصرٍ كانت العرب فيه أمة البلاغة والفصاحة، فكان التحدي حجة عليهم. وهذا المعنى -مجيء المعجزة بما نبغ فيه القوم- أشار إليه الشيخ الشعراوي رحمه الله.

وقد انبهر مشركو قريش ببلاغة القرآن الكريم وأسلوبه، لكن استكبارهم واعتراضهم على كون حامل القرآن فقيرٌ يتيمٌ ليس بسيِّدٍ ولا بارزٍ في قومه جعلهم يرفضون الإيمان به.

ويلتمس بلاغة القرآن كل من قرأه، فهو بليغ الكلامِ، عظيم الوقعِ في النفس، لا فيه حشوٌ مملٌ ولا نقصٌ معيب، ولكن القليل من يُدرك وجوه هذا الإعجاز، فسأركز في هذا المقال على صورتين منه:

خطاب العامة وخطاب الخاصة
إن أشق ما يعانيه الخطيبُ هو أن يوكل إليه مهمة إلقاء حديثٍ إلى جمهورٍ نصفه من العوام ونصفه الآخر من المثقفين، فلا يعلمُ أيُضَمِّن حديثه بالسهل البسيط الذي يألفه العوام ويمقته المثقفون، أم بالبليغ المعقّد الذي يهواه المثقفون وتعجزه عقول البسطاء، إذ لكل فئةٍ خطابٌ يناسبها، وإن أي خطيبٍ يريد التواصل مع جمهوره أو مؤسسةٍ تريد التواصل مع عملائها، فإن أول خطوةٍ يخطوانها هي دراسة الجمهور بالنسبة للخطيب ودراسة العملاء بالنسبة للمؤسسة فيحددان عمر الجمهور/العملاء وجنسهم ومستواهم الثقافي والاقتصادي وجميع ما يتعلق بهم، ليختاروا بعد ذلك الحديث الذي يأتي على مقاسهم فيأثر بهم ويحدث ردة فعل إيجابيةٍ عندهم.    

“فأما أن جملة واحدة تُلقَى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك، فيراها كل منهم مقَدَّرة على مقياس عقله وعلى وفق حاجته فذلك ما لا تجده على أتمِّه إلا في القرآن الكريم. فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم، لا يلتوى على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء. مُيسَّرٌ لكل من أراد {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدَّكر} [القمر: 22]” [النبأ العظيم: 143].

“انظر إلى قوله تعالى، وهو يلفت النظر إلى النار وفوائدها في حياة الإنسان: {أفرأيتم النار التي تورون، أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون، نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين} [الواقعة: 70-73].

فإن “مقوين” التي هي جمع مقوٍ تأتي بمعنى النازل في القواء، أي الصحراء، وتأتي بمعنى الجائع، وتأتي بمعنى المستمتع.

فأما الأعرابي الذي يعيش في البيداء فيتبادر إلى ذهنه المعنى الأول، ذلك أن النار تعتبر متعة كبرى للمقيمين في الصحراء، إذ بها تتعارف منازلهم، ويضيئون ما حولهم. ومن حولها يتكامل ناديهم. وأما الرجل العادي من أهل المدينة فيتبادر إلى فكره المعنى الثاني، إذ إن أعظم فوائدها عندهم يتمثل في كونها وسيلة لا بد منها لإنضاج الطعام وتحضيره، فهي متاع ضروري هام للمقوين أي الجائعين. وأما المعنى الثالث فهو عبارة عن بطاقة مفتوحة مع تطورات العصر والأزمنة، فما من لون من ألوان المتعة والفائدة التي تهتدي إليها المدنية أو العلم من النار وخصائصها إلا ويستوعبه قوله تعالى في وصفها: {متاعاً للمقوين} وهذا المعنى مما يمكن أن يفهمه الرجل العصري للآية دون أي تكلف في فهمها أو تأويل.” [أبحاث في القمة، محمد سعيد البوطي، ص229، 230].

إقناع العقل وإمتاع العاطفة
إنك إذا أردت علماً تغذي به عقلك ويرشدك إلى الحق فحينها تلجأ إلى الكتب، وإذا أردت مشاعراً تغذي بها روحك وتحرك بها عواطفك فحينها تلجأ إلى الشعر والروايات.

إما إذا أردت كلاماً يتضمن علماً تنتفع به ومشاعراً تملؤ بها قلبك فهذا ما لا تجده على أتمه عند أي بَشرٍ كان، فإذا وجدت حكيماً يأتيك بالجملة العلمية المتضمنة المشاعر العميقة فإنك ستجده بجملٍ أخرى يلقي إليك الحكمة ولا يبالي أمتضمنةً مشاعراً أم غير متضمنة، وكذلك الأمر إذا وجدت شاعراً يعطيك البيت العاطفيّ المتضمن حكمة عظيمة فإنه سيلحقه بأبياتٍ كثرٍ مليئةٍ بالعواطف لا يبالي أفيها حكمةٌ أم لا سبيل لها إلى عقلك.

“أَمَا إنَّ أسلوباً واحداً يتجه اتجاهاً واحداً ويجمع في يديك هذين الطرفين معاً، كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقاً وأزهاراً وأثماراً معاً، أو كما يسري الروح في الجسد والماء في العود الأخضر، فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر، ولا هو من سنن الله في النفس الإنسانية.

فمن لك إذاً بهذا الكلام الواحد الذي يجيء من الحقيقة البرهانية الصارمة بما يرضي حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين. ومن المتعة الوجدانية الطيبة بما يرضي حتى هؤلاء الشعراء المرحين؟

ذلك الله رب العالين. فهو الذي لا يشغله شأن عن شأن. وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معاً بلسان. وأن يمزج الحق والجمال معاً يلتقيان ولا يبغيان. وأن يخرج من بينهما شراباً خالصاً سائغاً للشاربين، وهذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت:

  • ألا تراه في فسحة قصصه وأخباره لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة؟
  • أوَ لا تراه في معمعة براهينه وأحكامه لا ينسى حظ القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، وتهويل وتعجيب، وتبكيت وتأنيب؟

أقرأ مثلاً قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى: الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: 178] وانظر:

  • الاستدراج إلى الطاعة في افتتاح الآية بقوله: {يا أيها الذين آمنوا}.
  • وترقيق العاطفة بين الواترين والموتورين في قوله “أخيه” وقوله: “بالمعروف” وقوله “بإحسان”.
  • والامتنان في قوله: “تخفيف من ربكم ورحمة”.
  • والتهديد في ختام الآية.

ثم انظر في أي شأن يتكلم؟ أليس في فريضة مفصلة وفي مسألة دموية؟ وتتبع هذا المعنى في سائر آيات الأحكام حتى أحكام الإيلاء والظهار. ففي أي كتاب من كتب التشريع تجد مثل هذا الروح؟ بل في أي لسان تجد هذا المزاج العجيب؟ تالله لو أن أحداً حاول أن يجمع في بيانه بين هذين الطرفين ففرق همه ووزع أجزاء نفسه، لجاء بالأضداد المتنافرة.” [النبأ العظيم: ص143، 145، 146].

هذان وجهان من وجوه بلاغة القرآن الكريم. وهي المعجزة التي أُلفت فيها كتبٌ ومجلداتٌ، فقد كتب فيها مصطفى صادق الرافعي ومحمد الغزالي ومحمد دراز وسعيد رمضان البوطي وسيد قطب ومحمد الشعراوي، وقد سبقهم في ذلك الإمام الخطابي وفخر الدين الرازي وابن أبي الأصبع، أما أول من ألف في ذلك فقد كان الجاحظ في كتابه “نظم القرآن”.

وقد عجز المقال عن أن يتضمن أكثر من وجهين من وجوه بلاغة القرآن الكريم، لذلك سأتبعه بآخر يتطرق إلى وجهين آخرين من هذا الإعجاز.

البروفيسور جيفري لانغ.. من الإلحاد إلى الإسلام

ولد جيفري لانغ عام 1954 لأسرة مسيحية كاثوليكية، وقد عُمِّد وتلقى تعليمه في مدرسة كاثوليكية، ومُنح تثبيتًا دينيًّا على أنه كاثوليكي[1]، ترعرع مع أخوته الأربعة، بين يدي أم رؤوم، ممرِّضة كاثوليكيَّة ملتزمة، عرفها أبناؤها بالقوَّة والصَّبر والإرادة، ووُصفت بأنها قدِّيسة حقًا، وأبّ مدمن خمر عصبيّ فظّ، أشبع الجو العائلي بالعنف والضياع النفسي، وزرع الأسى في قلب طفل عاش طفولته رعبًا من أنَّ أباه سيقتل أمَّه ضربًا يومًا ما.

كان جيفري يعيش في شَرَك عقدٍ من الذنوب من جهات مختلفة، ذنب كراهيَّته لأبيه بسبب عنفه مع أمه، وذنب أنه ربما هو سبب هذا الغضب الموجَّه ضد أمه، وأقسى ذنب على الإطلاق هو ضعفه أمام أبيه حيال إيذائه لأمه.

وفي السنوات الست الأخيرة من عمرها، أصيبت أمه بانهيارٍ عصبي، وماتت في المستشفى، ثم توفي والده بعدها بعام.. وهنا لا بدَّ أن نذكر أنَّ شكَّه بوجود الله بدأ منذ حداثة سنِّه، عندما كان يصلِّي لكي يزيح الله والده من حياتهم، إلَّا أنَّ والده ظلَّ موجودًا.[2]

كان جيفري متوقد الذكاء، كثير الشك والجدل، فالشَّك من روح العصر الذي يعيش فيه، حتى طال المؤسّسات الدِّينيَّة، فلم يستطع مدرس التَّربية الدِّينيَّة، رغم أنَّه كان كاهنًا متمرِّسًا حقًّا أن يقنع طلابه بأنَّ الله موجود حقًّا، وبما أنَّ جيفري كان مولعًا بالرياضيَّات والمنطق، كان جدله في  فكرة بسيطة تتمثَّل في أنَّ مناقشة علم الوجود ليست برهانًا كافيًا على الوجود، فكان جزاؤه الطَّرد من الفصل ورسوبه في المادَّة، وأصبح ملحدًا في نظر جميع المحيطين به. ومع سيادة روح الشَّكِّ والفوضى والحرب والموت والدَّمار؛ فاغتيال كينيدي ومارتن لوثر كنغ ومخزى الرئيس نيكسون والشَّغب العرقي، ومذبحة فيتنام الغريبَّة، وكل الشغب والفوضى آنذاك، كان يعزِّز الشَّكَّ والتَّساؤل لديه.

وكان يتساءل: لماذا خلق الله هذا العالم العنيف النَّاقص؟ لماذا جعلنا نزَّاعين للإجرام قابلين للفساد؟ لماذا لم يضعنا في السماء منذ البداية بطبيعة غير قابلة للغواية؟ لماذا يعذِّب الأقوياء الضُّعفاء؟[3]

كان الإلحاد أقل رعبًا من كل تلك الأفكار التي تلاحقه حول عقوبة الله للجميع إلا فئة قليلة، وفكرة الخطيئة الموروثة، وإحساسه بغياب العدل الإلهي، وهكذا أصبح جيفري ملحدًا بشكل صريح في عمر الثَّامنة عشرة[4]، ولم يستطع أحد إقناعه بوجود إله، واستمر على ذلك فترة اثنتي عشرة سنة تقريبًا، مع حفاظه على معتقدات الآخرين، لم يكن يعتبر نفسه باحثًا في تلك الفترة من حياته، بالرَّغم من أنَّه كان يبحث دون أن يعي ذلك.[5]

أمَّا عن حياته الاجتماعيَّة، فقد انساق في بداية دراسته الجامعيَّة وراء أصدقاء من اتِّجاهات مختلفة، “ملحدين، يهود، بروتستانت”، ثمَّ بدأ يتجه في السَّنوات الأخيرة إلى “الهندوس والبوذيين”، وبدا له فيما بعد أنَّ تلك الصداقات كانت نموذجًا محددًا في صداقاته، يتطلَّع إلى أفكارهم بشأن الدِّين، وكان إصغاؤه أكثر من كلامه، فلم يضع معتقداته عقبة في طريق صداقاته.

وأمَّا عن حياته العلميَّة والمهنيَّة والعائليَّة؛ فقد أكمل دراسته الجامعيَّة في قسم الرياضيَّات في جامعة كونيتيكت، ثمَّ تزوج بعدها زواجًا نفعيًّا، حيث اتَّفقا على أنَّه يمكن إنهاؤه في أيّ فترة، ورحل مع زوجه إلى لافاييت الغربيَّة (إنديانا) لكي يتابعا دراستهما في جامعة بردوPurdue University [6]، وتمَّ طلاقهما بعد ثلاث سنوات بناءً على طلبها. ثمَّ تابع دراسته إلى أن تخرَّج سنة 1981م، وبقي في نفس الكليَّة محاضرًا حيث درَّس فيها فصلًا واحدًا.[7]

انتقل عام 1982م إلى مدينة سان فرانسيسكو الكبيرة، للتَّدريس في جامعتها، وهي أقدم جامعة يسوعيَّة في أمريكا[8]. وفي أولى محاضراته في هذه الجامعة تعرَّف على شاب وسيم أنيق وثري اسمه محمود قنديل، من أصل سعودي، وتوطَّدت علاقته به بأن عرَّفه على عائلته؛ أخوته (عمر وراجية قنديل)، واتَّخذوه صديقًا مقرَّبًا لها، عاش معهم أوقاتًا سعيدة جدًا، وكان جيفري يناقشهم في بعض الأحيان في الدِّين فيجيبون عن تساؤلاته، فوجد أنَّ أفكارهم الدِّينية تتبع ميثولوجيا محدَّدة وأساساً منطقيًّا معينًّا، وفي يوم أهدوه نسخة من القرآن الكريم مع بعض الكتب عن الإسلام، وبعد أن وجد في القرآن ما وجد، شعر بالانقياد إلى طريق واحد لا ثاني له، فاتَّجه إلى مسجد الكلية ليسأل بعض الأسئلة[9]، وإذ به يسلم وينطق بالشَّهادتين.[10]

تزوَّج من راجية قنديل أخت صديقه محمود، وعاش مع عائلته وبناته الثَّلاث (جميلة وسارة وفاتن) في كنساس، حيث عمل أستاذًا في قسم الرِّياضيَّات في جامعتها، إلى أن استقال مؤخرًا من عمله[11]، ومازال يرفل في سلام وسكينة الإسلام.

عانى في الفترة الأخيرة من أزمات قلبيَّة جعلته ينقطع عن العمل وعن التَّواصل مع النَّاس[12]، وقدَّم الكثير من المحاضرات واللقاءات عن الإسلام، وكانت له عدَّة مؤلفات، ساهمت في تكوين حصيلة من الأدبيَّات الإسلاميَّة المهمَّة في المجتمع الغربيّ.


الهوامش

الكاتبة مساعد العميد في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر.

[1] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 22.

[2] جيفري لانغ. ضياع ديني، ص: 31-33.

[3] المرجع نفسه، ص: 33-34.

[4] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 24. ورد في كتاب ضياع ديني أنه أصبح ملحدًا في سن السادسة عشرة من عمره. انظر: كتاب ضياع ديني، ص: 34.

[5] جيفري لانغ. ضياع ديني، ص: 34.

[6] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 26.

[7] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 28.

[8] المرجع السابق، ص: 30.

[9] المرجع نفسه، ص: 33-34.

[10] المرجع نفسه، ص: 43.

[11] زغلول النجار. قصة إسلام العالم الأمريكي جيفري لانغ، برنامج أفلا يعقلون، سلسلة الإعجاز العلمي، 22 سبتمبر 2012، رابط المقال:

https://www.youtube.com/watch?v=2LU0x9qG-CE

[12] في رسالة الكترونية أرسلها جيفري لانغ إلي بتاريخ 23 مارس 2017، أخبرني فيها أنه تعرض في ديسمبر 2016، إلى ثلاث عمليات جراحية في القلب خلال أربع وعشرين ساعة، اثنتان منها كانتا حالات حرجة.

Portfolio Items