مقالات

القرآن الكريم في الفكر الحداثي

عبد اللطيف المحيمد *


يمثل الفكر الحداثي أحد الأفكار التي بدأت بالتأثير على الساحة العربية المعاصرة، فهو الفكر الذي أعاد دراسة التراث العربي والإسلامي على أنه مادة قابلة للدراسة الموضوعية بعيداً عن المبادئ والمقدسات الإسلامية، أو الأصول الدينية التي تنظم الحياة الفكرية للمسلمين.

وينظر الحداثيون إلى التراث الإسلامي على أنه تراث مقلوب يمشي على رأسه، ولابد من تعديله لكي يسير على قدميه، وأعلنوا عن نظريتهم المبتدعة في دراسة جديدة للتراث الإسلامي، وهم يحاولون جاهدين نزع الجانب المقدس والإلهي (اللاهوتي) في التراث الإسلامي.

وأن يُنزع التقديس من بعض الأقوال الفقهية للعلماء المسلمين قد يفهم، ومن يفعل ذلك قد يجد له سلفا من علماء الأمة الإسلامية الذين دعوا إلى التحرر من التقليد الأعمى، أما أن يسعى الحداثيون إلى نزع القدسية عن القرآن الكريم فهذا يشكل انقلاباً على المفاهيم الإسلامية، فبناءً على ذلك يكون النص القرآني كأي نص في جريدة أو مادة قانونية وضعت من قبل البشر، فلابد من تسليط الضوء على موقفهم من القرآن الكريم.

تعريف القرآن عند الحداثيين
عرف الحداثيون القرآن الكريم تعريفات متعددة، فعرفه حسن حنفي في كتابه دراسات فلسفية بأنه تجارب الأمم والشعوب على مدى التاريخ، التراكم المعرفي الإنساني الشامل المتحقق مع مراجعة العقل والفطرة وكما تبدو في الحكم والأمثال والمأثورات والآداب الشعبية [ص 103].

وعرفه كذلك في كتابه “دراسات إسلامية” بأنه “مجموعة من المواقف التي طرأت على الواقع الإسلامي الأول والتي استدعت حلولاً وكل موقف يمثل نمطاً مثالياً يمكن أن يتكرر في كل زمان ومكان” [ص 408].

وتناول حنفي القرآن الكريم ضمن مشروعه العلمي الذي وسمه بالتراث والتجديد، فكان لا يتناوله على أنه كتاب منزل من عند الله تعالى، بل على أنه تراث وتاريخ لأمة من الأمم؛ ويقصد بهذا التعريف أن الكتاب وتأويل ما جاء به من أحكام وغيرها ليست ثابتة ومستمرة بل متغيرة حسب الزمان والمكان، وتواكب التطور التشريعي الذي حصل في المجتمعات.

علي حرب

أهمية التأويل المنفلت
القضية الأساسية التي يسعى الحداثيون إلى ترسيخها في أذهان الناس أن كل شيء في النصوص القرآنية يحتمل التأويل، ومن الممكن صرفه عن ظاهره إلى المجاز، وبالتالي نستطيع أن نجعل من الإسلام ديناً مرناً نسقط الكثير من أصوله التي توارثها المسلمون عبر الأجيال، ويستطيع المسلمون من خلال التأويل في كل عصر أن يفصِّلوا إسلاماً يناسب مصالحهم.

يقول علي حرب في كتابه نقد النص: “مع أن مبرر كل مفكر جدير بلقبه أن يمارس التفكير بطريقة مغايرة للذين سبقوه إذا لم يشأ أن يكون مجرد شارح مبسط، أو تابع مقلد، أو حارس مدافع عن العقيدة والحقيقة، والتفكير بصورة مغايرة، يعني: أن نبدل وننسخ، أو نحرف ونحور، أو نزحزح ونقلب، أو ننقب ونكشف، أو نحفر ونفكك، أو نرمم ونطعِّم، أو نفسر ونؤول، فهذه وجوه للتفكير وللقراءة في النصوص لا أزعم أني أقوم بحصرها واستقصائها” [ص 133].

وعلي حرب بهذا النص يهدم كل الضوابط التي وضعها العلماء لاستنباط الأحكام أو تفسير القرآن، وبالتالي لا يوجد نص مقدس منزه عن التأويل، إذ ينظر إلى القرآن على أن التاريخ هو من أسبغ عليه صفة القدسية، لا تنزيله من قبل الله تعالى.

ووضح الحداثيون أنه من خلال التأويل يتم اختراق النص بأفق اجتهادي تجديدي، ومن خلاله نقيم التوازن بين القرآن وبين الواقع المتغير.

وقد استدل نصر حامد أبو زيد على ضرورة التأويل في كتابه “[مفهوم النص، ص 256] وجعله أصلاً، أنه مرادف للتفسير، وأن من السلف من استعملهما بذات المعنى، فالنص القرآني عنده وعند غيره من الحداثيين لا يمكن أن يحتمل معنى واحداً فقط، فهذا النص الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً لا وجود له في الأرض، وقد يكون موجوداً في السماء، فكل نص قابل للتأويل إلى أكثر من معنى، وفق فهم القارئ له.

محمد أركون

أنسنة القرآن ونزع قدسيته
صرح الحداثيون بأن الحديث عن القرآن الكريم وعن غيره من النصوص متساو، فلا استثناء للقرآن، ولا قدسية للنص القرآني، وقد بنوا على ذلك أنه لا توجد لألفاظ القرآن الكريم معان ثابتة، ولا دلالات ذاتية من الممكن الكشف عنها من خلال اللغة واحتمالاتها، بل التاريخ والواقع الاجتماعي هما من يكشف عن معنى النص، فالنص في نظرهم عبارة عن فضاء دلالي، وإمكان تأويلي، ومأزق القراءة في العقل العربي والإسلامي مرجعه إلى النظرة الأحادية لمعنى ألفاظ القرآن الكريم، فلا حقيقة ثابتة للنص، وبالتالي دراسة القرآن الكريم لابد أن تكون إنسانية تاريخية لا إلهية مقدسة (!)، وما دام النص القرآني إنساني فلا يجوز لإنسان احتكار المعنى الحق أو الصواب، فلكلٍ صوابه وحقه، وهذا ما يعني ضياع المعنى بين المؤولين أياً كانوا!

يقول محمد أركون في كتابه “القرآن من التفسير” إن “التقديس للكتب المقدسة خلع عليها وأسدل بواسطة عدد من الشعائر والطقوس والتلاعبات الفكرية الاستدلالية، ومناهج التفسير المتعلقة بكثير من الظروف المحسوسة المعروفة أو تمكن معرفتها، وأقصد الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية” [ص 26].

وهو لا يستثني القرآن من هذا الكلام، بل يعممه على جميع الكتب المقدسة، إلا أنه يستثنيه في قضية فرعية، وهي أن أسباب تقديس القرآن غطت عليها الظروف السياسية والثقافية والتربوية، بحيث لم تكتشف بعد، ولم يحرف، أو يتلاعب بألفاظه، أو معانيه، على عكس الكتب المقدسة الأخرى، فالنص القرآني قدسيته تاريخية لا إلهية!

نقد النظرة الحداثية
لا شك أن الحداثيين يخالفون جمهور المسلمين وعلماءهم الذين يرون القرآن الكريم كلام الله تعالى المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمعجز بنفسه، والمتعبد بتلاوته، المبدوء بالفاتحة والمختوم بسورة الناس، وأنه نص مقدس لا يجوز التعدي عليه بزيادة أو نقصان أبداً.

وما زال علماء الأمة يركزون على قدسية النص القرآني، ويفهمونه ضمن الضوابط التي وضعها علماء التفسير واللغة، فتفسير الحداثيين للقرآن الكريم يؤصل للتفسير الباطني والمنحرف، والذي يؤدي بدوره إلى ضياع الأحكام الشرعية، حيث يتم تفسيرها تفسيرات بعيدة عن حقيقتها المرادة، فمثل هذه التفاسير هي التي جرأت الفرق الباطنية كالإسماعيلية والدرزية والقاديانية لتحريف معاني القرآن وصرفها عن حقيقتها.

قال المفسر أبو حيان في مقدمته لتفسيره (1/104) مبيناً منهجه المتبع: “وتركتُ أقوال الملحدين الباطنية، المخرجين الألفاظ العربية عن مدلولاتها في اللغة، إلى هذيان افتروه على الله، وعلى علىٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وعلى ذُرِّيته، ويسمونه علم التأويل”.

وقد بين محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون (4/49) خطأ هذا المنهج الذي اتبعه الحداثيون اليوم، واتبعه قبله الفرق الباطنية حيث قال: “ومن هنا بدأ الخروج عن دائرة الرأي المحمود إلى دائرة الرأي المذموم، واستفحل الأمر إلى حد جعل القوم يتسعون في حماية عقائدهم، والترويج لمذاهبهم، بما أخرجوه للناس من تفاسير حملوا فيها كلام الله على وفق أهوائهم، ومقتضى نزعاتهم ونحلهم”.

وفي كلام الحداثيين المنقول مغالطة كبيرة وفهم أعوج، فالتفسير وفي مقابله التأويل لهما ضوابط فصلت في كتب علوم القرآن والتفسير، ولا يجوز لأي قارئ ان يطرح رأيه ويفسر القرآن الكريم على هواه، ولذلك نجد الكثير من العلماء اتبعوا التفسير بالمأثور، ففسروا النص بالنص، ومن عمد إلى التفسير بالرأي فإنه فسره وفق الضوابط والرؤية الإسلامية للنص، ووفق مقاصد الشرع وحدوده، فتأويل الإسلام ينبغي أن يكون تأويلاً منضبطاً لا تأويلاً منفلتاً فوضوياً.


المراجع والمصادر

مفهوم النص، نصر حامد أبو زيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993م.

قضايا في نقد العقل الديني، آركون، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط:1، 1998م.

نقد النص، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

نقد الحقيقة، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

دراسات فلسفية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

دراسات إسلامية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

منهج حسن حنفي، فهد بن محمد السرحاني القرشي، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ط: 1.

التراث والتجديد، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر، ط: 3، 1987م.

تفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت، 1422 هـ، 2001م، ط: الأولى، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض.

التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، مكتبة وهبة، القاهرة، د/ط.

* عبد اللطيف المحيمد: باحث في مقارنة الأديان من العراق

الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم (1 من 2)

محمد الريس


في كل زمانٍ ومكانٍ يدّعي أناسٌ النبوة، وقد قيل: “إن مدعي الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم”، وهذا أول ما يدل على صدقه في دعواه للنبوة، ثم يأتي بالمعجزة، والتي تتحدى القوم فيما نبغوا فيه.

وفي هذا لجوابٌ عن سؤال: لِمَ لم تكن معجزة النبي موسى في الطب ومعجزة النبي عيسى في السحر! والجوابُ أن قومَ موسى برعوا في السحر فجاءت معجزته أن انقلبت عصاه إلى حيةٍ فإذا هي تلقف ما يأفكون، وبرع قوم عيسى بالطب فجاءت معجزته بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله.

والأمر ذاته بالنسبة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام فقد جاء قومه بمعجزة القرآن الكريم متحدياً لهم بالإتيان بسورةٍ واحدة مثله في عصرٍ كانت العرب فيه أمة البلاغة والفصاحة، فكان التحدي حجة عليهم. وهذا المعنى -مجيء المعجزة بما نبغ فيه القوم- أشار إليه الشيخ الشعراوي رحمه الله.

وقد انبهر مشركو قريش ببلاغة القرآن الكريم وأسلوبه، لكن استكبارهم واعتراضهم على كون حامل القرآن فقيرٌ يتيمٌ ليس بسيِّدٍ ولا بارزٍ في قومه جعلهم يرفضون الإيمان به.

ويلتمس بلاغة القرآن كل من قرأه، فهو بليغ الكلامِ، عظيم الوقعِ في النفس، لا فيه حشوٌ مملٌ ولا نقصٌ معيب، ولكن القليل من يُدرك وجوه هذا الإعجاز، فسأركز في هذا المقال على صورتين منه:

خطاب العامة وخطاب الخاصة
إن أشق ما يعانيه الخطيبُ هو أن يوكل إليه مهمة إلقاء حديثٍ إلى جمهورٍ نصفه من العوام ونصفه الآخر من المثقفين، فلا يعلمُ أيُضَمِّن حديثه بالسهل البسيط الذي يألفه العوام ويمقته المثقفون، أم بالبليغ المعقّد الذي يهواه المثقفون وتعجزه عقول البسطاء، إذ لكل فئةٍ خطابٌ يناسبها، وإن أي خطيبٍ يريد التواصل مع جمهوره أو مؤسسةٍ تريد التواصل مع عملائها، فإن أول خطوةٍ يخطوانها هي دراسة الجمهور بالنسبة للخطيب ودراسة العملاء بالنسبة للمؤسسة فيحددان عمر الجمهور/العملاء وجنسهم ومستواهم الثقافي والاقتصادي وجميع ما يتعلق بهم، ليختاروا بعد ذلك الحديث الذي يأتي على مقاسهم فيأثر بهم ويحدث ردة فعل إيجابيةٍ عندهم.    

“فأما أن جملة واحدة تُلقَى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك، فيراها كل منهم مقَدَّرة على مقياس عقله وعلى وفق حاجته فذلك ما لا تجده على أتمِّه إلا في القرآن الكريم. فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم، لا يلتوى على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء. مُيسَّرٌ لكل من أراد {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدَّكر} [القمر: 22]” [النبأ العظيم: 143].

“انظر إلى قوله تعالى، وهو يلفت النظر إلى النار وفوائدها في حياة الإنسان: {أفرأيتم النار التي تورون، أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون، نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين} [الواقعة: 70-73].

فإن “مقوين” التي هي جمع مقوٍ تأتي بمعنى النازل في القواء، أي الصحراء، وتأتي بمعنى الجائع، وتأتي بمعنى المستمتع.

فأما الأعرابي الذي يعيش في البيداء فيتبادر إلى ذهنه المعنى الأول، ذلك أن النار تعتبر متعة كبرى للمقيمين في الصحراء، إذ بها تتعارف منازلهم، ويضيئون ما حولهم. ومن حولها يتكامل ناديهم. وأما الرجل العادي من أهل المدينة فيتبادر إلى فكره المعنى الثاني، إذ إن أعظم فوائدها عندهم يتمثل في كونها وسيلة لا بد منها لإنضاج الطعام وتحضيره، فهي متاع ضروري هام للمقوين أي الجائعين. وأما المعنى الثالث فهو عبارة عن بطاقة مفتوحة مع تطورات العصر والأزمنة، فما من لون من ألوان المتعة والفائدة التي تهتدي إليها المدنية أو العلم من النار وخصائصها إلا ويستوعبه قوله تعالى في وصفها: {متاعاً للمقوين} وهذا المعنى مما يمكن أن يفهمه الرجل العصري للآية دون أي تكلف في فهمها أو تأويل.” [أبحاث في القمة، محمد سعيد البوطي، ص229، 230].

إقناع العقل وإمتاع العاطفة
إنك إذا أردت علماً تغذي به عقلك ويرشدك إلى الحق فحينها تلجأ إلى الكتب، وإذا أردت مشاعراً تغذي بها روحك وتحرك بها عواطفك فحينها تلجأ إلى الشعر والروايات.

إما إذا أردت كلاماً يتضمن علماً تنتفع به ومشاعراً تملؤ بها قلبك فهذا ما لا تجده على أتمه عند أي بَشرٍ كان، فإذا وجدت حكيماً يأتيك بالجملة العلمية المتضمنة المشاعر العميقة فإنك ستجده بجملٍ أخرى يلقي إليك الحكمة ولا يبالي أمتضمنةً مشاعراً أم غير متضمنة، وكذلك الأمر إذا وجدت شاعراً يعطيك البيت العاطفيّ المتضمن حكمة عظيمة فإنه سيلحقه بأبياتٍ كثرٍ مليئةٍ بالعواطف لا يبالي أفيها حكمةٌ أم لا سبيل لها إلى عقلك.

“أَمَا إنَّ أسلوباً واحداً يتجه اتجاهاً واحداً ويجمع في يديك هذين الطرفين معاً، كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقاً وأزهاراً وأثماراً معاً، أو كما يسري الروح في الجسد والماء في العود الأخضر، فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر، ولا هو من سنن الله في النفس الإنسانية.

فمن لك إذاً بهذا الكلام الواحد الذي يجيء من الحقيقة البرهانية الصارمة بما يرضي حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين. ومن المتعة الوجدانية الطيبة بما يرضي حتى هؤلاء الشعراء المرحين؟

ذلك الله رب العالين. فهو الذي لا يشغله شأن عن شأن. وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معاً بلسان. وأن يمزج الحق والجمال معاً يلتقيان ولا يبغيان. وأن يخرج من بينهما شراباً خالصاً سائغاً للشاربين، وهذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت:

  • ألا تراه في فسحة قصصه وأخباره لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة؟
  • أوَ لا تراه في معمعة براهينه وأحكامه لا ينسى حظ القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، وتهويل وتعجيب، وتبكيت وتأنيب؟

أقرأ مثلاً قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى: الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: 178] وانظر:

  • الاستدراج إلى الطاعة في افتتاح الآية بقوله: {يا أيها الذين آمنوا}.
  • وترقيق العاطفة بين الواترين والموتورين في قوله “أخيه” وقوله: “بالمعروف” وقوله “بإحسان”.
  • والامتنان في قوله: “تخفيف من ربكم ورحمة”.
  • والتهديد في ختام الآية.

ثم انظر في أي شأن يتكلم؟ أليس في فريضة مفصلة وفي مسألة دموية؟ وتتبع هذا المعنى في سائر آيات الأحكام حتى أحكام الإيلاء والظهار. ففي أي كتاب من كتب التشريع تجد مثل هذا الروح؟ بل في أي لسان تجد هذا المزاج العجيب؟ تالله لو أن أحداً حاول أن يجمع في بيانه بين هذين الطرفين ففرق همه ووزع أجزاء نفسه، لجاء بالأضداد المتنافرة.” [النبأ العظيم: ص143، 145، 146].

هذان وجهان من وجوه بلاغة القرآن الكريم. وهي المعجزة التي أُلفت فيها كتبٌ ومجلداتٌ، فقد كتب فيها مصطفى صادق الرافعي ومحمد الغزالي ومحمد دراز وسعيد رمضان البوطي وسيد قطب ومحمد الشعراوي، وقد سبقهم في ذلك الإمام الخطابي وفخر الدين الرازي وابن أبي الأصبع، أما أول من ألف في ذلك فقد كان الجاحظ في كتابه “نظم القرآن”.

وقد عجز المقال عن أن يتضمن أكثر من وجهين من وجوه بلاغة القرآن الكريم، لذلك سأتبعه بآخر يتطرق إلى وجهين آخرين من هذا الإعجاز.

البروفيسور جيفري لانغ.. من الإلحاد إلى الإسلام

لانا خياطة قطان 

ولد جيفري لانغ عام 1954 لأسرة مسيحية كاثوليكية، وقد عُمِّد وتلقى تعليمه في مدرسة كاثوليكية، ومُنح تثبيتًا دينيًّا على أنه كاثوليكي[1]، ترعرع مع أخوته الأربعة، بين يدي أم رؤوم، ممرِّضة كاثوليكيَّة ملتزمة، عرفها أبناؤها بالقوَّة والصَّبر والإرادة، ووُصفت بأنها قدِّيسة حقًا، وأبّ مدمن خمر عصبيّ فظّ، أشبع الجو العائلي بالعنف والضياع النفسي، وزرع الأسى في قلب طفل عاش طفولته رعبًا من أنَّ أباه سيقتل أمَّه ضربًا يومًا ما.

كان جيفري يعيش في شَرَك عقدٍ من الذنوب من جهات مختلفة، ذنب كراهيَّته لأبيه بسبب عنفه مع أمه، وذنب أنه ربما هو سبب هذا الغضب الموجَّه ضد أمه، وأقسى ذنب على الإطلاق هو ضعفه أمام أبيه حيال إيذائه لأمه.

وفي السنوات الست الأخيرة من عمرها، أصيبت أمه بانهيارٍ عصبي، وماتت في المستشفى، ثم توفي والده بعدها بعام.. وهنا لا بدَّ أن نذكر أنَّ شكَّه بوجود الله بدأ منذ حداثة سنِّه، عندما كان يصلِّي لكي يزيح الله والده من حياتهم، إلَّا أنَّ والده ظلَّ موجودًا.[2]

كان جيفري متوقد الذكاء، كثير الشك والجدل، فالشَّك من روح العصر الذي يعيش فيه، حتى طال المؤسّسات الدِّينيَّة، فلم يستطع مدرس التَّربية الدِّينيَّة، رغم أنَّه كان كاهنًا متمرِّسًا حقًّا أن يقنع طلابه بأنَّ الله موجود حقًّا، وبما أنَّ جيفري كان مولعًا بالرياضيَّات والمنطق، كان جدله في  فكرة بسيطة تتمثَّل في أنَّ مناقشة علم الوجود ليست برهانًا كافيًا على الوجود، فكان جزاؤه الطَّرد من الفصل ورسوبه في المادَّة، وأصبح ملحدًا في نظر جميع المحيطين به. ومع سيادة روح الشَّكِّ والفوضى والحرب والموت والدَّمار؛ فاغتيال كينيدي ومارتن لوثر كنغ ومخزى الرئيس نيكسون والشَّغب العرقي، ومذبحة فيتنام الغريبَّة، وكل الشغب والفوضى آنذاك، كان يعزِّز الشَّكَّ والتَّساؤل لديه.

وكان يتساءل: لماذا خلق الله هذا العالم العنيف النَّاقص؟ لماذا جعلنا نزَّاعين للإجرام قابلين للفساد؟ لماذا لم يضعنا في السماء منذ البداية بطبيعة غير قابلة للغواية؟ لماذا يعذِّب الأقوياء الضُّعفاء؟[3]

كان الإلحاد أقل رعبًا من كل تلك الأفكار التي تلاحقه حول عقوبة الله للجميع إلا فئة قليلة، وفكرة الخطيئة الموروثة، وإحساسه بغياب العدل الإلهي، وهكذا أصبح جيفري ملحدًا بشكل صريح في عمر الثَّامنة عشرة[4]، ولم يستطع أحد إقناعه بوجود إله، واستمر على ذلك فترة اثنتي عشرة سنة تقريبًا، مع حفاظه على معتقدات الآخرين، لم يكن يعتبر نفسه باحثًا في تلك الفترة من حياته، بالرَّغم من أنَّه كان يبحث دون أن يعي ذلك.[5]

أمَّا عن حياته الاجتماعيَّة، فقد انساق في بداية دراسته الجامعيَّة وراء أصدقاء من اتِّجاهات مختلفة، “ملحدين، يهود، بروتستانت”، ثمَّ بدأ يتجه في السَّنوات الأخيرة إلى “الهندوس والبوذيين”، وبدا له فيما بعد أنَّ تلك الصداقات كانت نموذجًا محددًا في صداقاته، يتطلَّع إلى أفكارهم بشأن الدِّين، وكان إصغاؤه أكثر من كلامه، فلم يضع معتقداته عقبة في طريق صداقاته.

وأمَّا عن حياته العلميَّة والمهنيَّة والعائليَّة؛ فقد أكمل دراسته الجامعيَّة في قسم الرياضيَّات في جامعة كونيتيكت، ثمَّ تزوج بعدها زواجًا نفعيًّا، حيث اتَّفقا على أنَّه يمكن إنهاؤه في أيّ فترة، ورحل مع زوجه إلى لافاييت الغربيَّة (إنديانا) لكي يتابعا دراستهما في جامعة بردوPurdue University [6]، وتمَّ طلاقهما بعد ثلاث سنوات بناءً على طلبها. ثمَّ تابع دراسته إلى أن تخرَّج سنة 1981م، وبقي في نفس الكليَّة محاضرًا حيث درَّس فيها فصلًا واحدًا.[7]

انتقل عام 1982م إلى مدينة سان فرانسيسكو الكبيرة، للتَّدريس في جامعتها، وهي أقدم جامعة يسوعيَّة في أمريكا[8]. وفي أولى محاضراته في هذه الجامعة تعرَّف على شاب وسيم أنيق وثري اسمه محمود قنديل، من أصل سعودي، وتوطَّدت علاقته به بأن عرَّفه على عائلته؛ أخوته (عمر وراجية قنديل)، واتَّخذوه صديقًا مقرَّبًا لها، عاش معهم أوقاتًا سعيدة جدًا، وكان جيفري يناقشهم في بعض الأحيان في الدِّين فيجيبون عن تساؤلاته، فوجد أنَّ أفكارهم الدِّينية تتبع ميثولوجيا محدَّدة وأساساً منطقيًّا معينًّا، وفي يوم أهدوه نسخة من القرآن الكريم مع بعض الكتب عن الإسلام، وبعد أن وجد في القرآن ما وجد، شعر بالانقياد إلى طريق واحد لا ثاني له، فاتَّجه إلى مسجد الكلية ليسأل بعض الأسئلة[9]، وإذ به يسلم وينطق بالشَّهادتين.[10]

تزوَّج من راجية قنديل أخت صديقه محمود، وعاش مع عائلته وبناته الثَّلاث (جميلة وسارة وفاتن) في كنساس، حيث عمل أستاذًا في قسم الرِّياضيَّات في جامعتها، إلى أن استقال مؤخرًا من عمله[11]، ومازال يرفل في سلام وسكينة الإسلام.

عانى في الفترة الأخيرة من أزمات قلبيَّة جعلته ينقطع عن العمل وعن التَّواصل مع النَّاس[12]، وقدَّم الكثير من المحاضرات واللقاءات عن الإسلام، وكانت له عدَّة مؤلفات، ساهمت في تكوين حصيلة من الأدبيَّات الإسلاميَّة المهمَّة في المجتمع الغربيّ.


الهوامش

الكاتبة مساعد العميد في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر.

[1] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 22.

[2] جيفري لانغ. ضياع ديني، ص: 31-33.

[3] المرجع نفسه، ص: 33-34.

[4] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 24. ورد في كتاب ضياع ديني أنه أصبح ملحدًا في سن السادسة عشرة من عمره. انظر: كتاب ضياع ديني، ص: 34.

[5] جيفري لانغ. ضياع ديني، ص: 34.

[6] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 26.

[7] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 28.

[8] المرجع السابق، ص: 30.

[9] المرجع نفسه، ص: 33-34.

[10] المرجع نفسه، ص: 43.

[11] زغلول النجار. قصة إسلام العالم الأمريكي جيفري لانغ، برنامج أفلا يعقلون، سلسلة الإعجاز العلمي، 22 سبتمبر 2012، رابط المقال:

https://www.youtube.com/watch?v=2LU0x9qG-CE

[12] في رسالة الكترونية أرسلها جيفري لانغ إلي بتاريخ 23 مارس 2017، أخبرني فيها أنه تعرض في ديسمبر 2016، إلى ثلاث عمليات جراحية في القلب خلال أربع وعشرين ساعة، اثنتان منها كانتا حالات حرجة.

التوفيق بين الفلسفة والدين عند الفارابي وابن رشد

 

إبراهيم إسماعيل

 

محاولة الفارابي (260 – 329هـ)
إن نزعة التوفيق بين الفلسفة والدين تعد نزعة أصيلة في الفارابي، وقد كان في طبعيه يميل إلى الالتقاء لا الاختلاف، لذلك حاول التوفيق بين أفلاطون وأرسطو، رغم اختلاف مذهبيهما، على أن محاولة الفارابي هذه سببها ما نسب لأرسطو خطأ من كتاب “أثولوجيا” أو الربوبية، والكتاب في حقيقته ليس لأرسطو، بل لأحد تلامذة أفلوطين الاسكندري، ويمكننا تفهم صنيع الفارابي كون الفكر المترجم يومها لم يستوعب على حقيقته بعد، والمحافظون الذين توجسوا من الفلسفة، كان لا بد من العمل على تحقيق ما يدعم العقيدة والفلسفة معاً، وأهم الوسائل في نظر الفارابي إظهارها في مظهر موحد متفق عليه، وإثبات أنها تسعى لنفس الهدف الذي يسعى إليه الدين، فمحاولته التوفيق بين أفلاطون وأرسطو غايتها الدفاع عن الفلسفة من جهة، وتهيئة المنهجية لدعم الانسجام والاتساق بين الحقائق الموحى بها، والحقائق العقلية من جهة أخرى.

لاحظ الفارابي أن التوفيق بين الدين والفلسفة ضرورة لنهضة يتعاضد بها الطرفان للإسهام في سعادة الإنسان، لكنه في سبيل ذلك لجأ لتأويل الآيات حتى تنطق بالآراء الفلسفية التي يدين بها.

والحقيقة أن احتمالات التوفيق بين الدين والفلسفة، تجعل المحاولين إما أن يقفوا مع الفلسفة ويطوعوا النصوص لتؤدي فكرتهم المسبقة، وإما أن يجعلوا اليد الطولى للدين، وإما أن يضعوهما في كفتي ميزان متعادلتين، فالكندي أعلن تفوق الدين على الفلسفة ، بينما يكاد الفارابي يرى تكافؤ الفلسفة الصحيحة والدين الصحيح، فإن بدا تناقض؛ فهذا يدل على أن النظام الفلسفي المتناقض مع الدين يعتبر نظاماً واهياً لم تكتمل فيه البراهين المؤدية إلى اليقين.

وقد كان الفارابي مقتنعاً أن الحقيقة واحدة، والتعدد في الطريق إليها لا غير، لذلك لم يرى أي تناقض في أفكار أفلاطون وأرسطو، وهذا التوافق يفتح الطريق للتوفيق بين الفلسفة والدين، كما أسلفنا.

كما أنه كان يرى أن النزعة الإيمانية هي المنطلق للنظام الفلسفي، من خلال الإقرار بالصانع، فيجب البدء من العقيدة السليمة في توحيد الألوهية.

النزعة الدينية تطبع التوفيق
رأى الفارابي خطورة من الاعتداد المسرف بالتفكير النظري، دون مراعاة لبعض الحقائق الدينية التي قد تعي دقتها كبار العقول، وتتجلى محاولة الفارابي التوفيق بين الدين والفلسفة في كثير من بحوثه ومقالاته، ولعل أشهرها مبحث مكونات وشروط الرئيس الحاكم والحكيم الذي يحكم المدينة الفاضلة، وفي نظرته للنبوة والدفاع عنها في وجه خصومها.

الفكر السياسي للفارابي (المدينة الفاضلة)
يرى الفارابي أن المدينة بمثابة الجسد الصحيح الذي تختلف أعضاؤه في الوظائف، لكن فوقها جميعا القلب الذي هو مصدر الحياة، وعلى هذا الأساس اعتبر الفارابي رئيس المدينة السلطة العليا التي تستمد منها جميع السلطات، لذلك رسم لهذا الرئيس مثلاً في غاية الكمال، قل أن يدانيه إنسان، وتفوق شروط الفارابي شروط أفلاطون من حيث المدى والعدد، وتقع شروطه في مجموعتين، إحداهما فطرية، والأخرى مكتسبة، ويحدد الفطرية باثنتي عشرة خصلة وهي:

  1. تمام أعضاء الجسم
  2. جودة الفهم وحسن التصور لما يقال
  3. حفظ ما يراه ويدركه
  4. جودة فطنته وذكائه
  5. حسن عبارته وطلاقة لسانه وحبه للتعليم والاستفادة
  6. حبه للصدق وأهله وبغضه للكذب وأصحابه
  7. كبير النفس محباً للكرامة
  8. ليس همه حب المال
  9. يحب العدل وأهله، ويبغض الظلم وأهله
  10. يعطي النصف من أهله ومن غيره ويحث عليه
  11. يؤتي من حل به الجور
  12. قوي العزيمة

وأما المجموعة المكتسبة فنلمح فيها آثار الثقافة الإسلامية، فإلى جانب ضرورة كون الحاكم حكيماً، يجب أن يكون عالماً بالشرائع والسنن حافظاً لها، جيد الاستنباط فيما لا يحفظ عن السلف فيه شريعة، وأن تكون له جودة رؤية وقوة للأمور والحوادث، وأن يتحرى فيما يستنبطه صلاح أمور المدينة، وأن يستنبط مما احتذاه الأولون، وأن يكون ذا مقدرة على القيام بالأعباء الحربية.

ويبدو من هذه الشروط أن مهمة الحاكم لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تشمل الديني والأخلاقي، لأنه قدوة يقلده الشعب.

ولعل أهم الشروط هو تسامي الحاكم في تدرجه الروحي التأملي حتى يصل إلى رتبة العقل الفعال، والعقل الفعال نوع من العقل المستفاد الذي تثبت فيه صور الموجودات ولكن ترتيبها فيه يختلف عنه في العقل بالملكة، أو العقل بالفعل، فقد كان الفارابي يرى أن العقل الفعال يقع خارج الإنسان، وأن الاتصال به لا يتم إلا عن طريق التصفية والتفكير والتأمل العميق الذي يحيل النفس إلى مبدأ شفاف حساس تنتقش فيه الحقائق، وهذا الشرط لم يشترطه أفلاطون لكن الفارابي أوجبه، وأضحت نظرية الاتصال بالعقل الفعال اللحن المميز لناشدي السعادة في الفلسفة الإسلامية بعد الجهود التي بذلها الفارابي في تشكيلها وشرحها لتفسير مشكلة المعرفة والسعادة والنبوة.

والعقل الفعال يمثل العاشر في سلسلة العقول المفاضة عن الأول في نظرية الفيض المشهورة، وبذلك تعتبر نظرية الاتصال بالعقل الفعال الذي تتحد فيه جميع العقول والصور وهي التطبيق الصاعد لنظرية الفيض التي تبدأ من الأعلى وهو “الواحد” وتنتهي بما تحت فلك القمر.

وهكذا يتطابق السبيلان (الصاعد والنازل) من حيث الوصول إلى الحقائق النهائية، وفي نقطة التقاء التأمل الصاعد بالفيض النازل، وهنا يتفق الفارابي وابن مسرة –وهما متعاصران- في هذا الموضوع.

والمهم في هذا الصدد أن بعض شروط الفارابي لرئيس المدينة أبعدته عن أفلاطون وقربته من الشريعة الإسلامية، بالرغم من التكلف أحياناً والخطأ في أحيان أخرى، ومما يؤكد ذلك نظرته للبشرية على أنها مجمع يسكن المعمورة وهذه النظرة الشاملة هي نظرة الإسلام، وهي على النقيض من نظرة اليونانيين الذين كانوا يفكرون ببدائل فعلية عن مجتمعاتهم الواقعية، دون تفكير في الأمم والشعوب الأخرى.

وبهذا العرض يرى الدكتور محمد كمال جعفر أن الفارابي كان متمسكاً بعقيدته الإسلامية، ويأسف لتهجم الكثيرين عليه وتكفيره وزندقته كما فعل ابن كثير، والغزالي الذي قصده أساساً مع ابن سينا في كتابه “تهافت الفلاسفة” ومثلهما فعل الشهرستاني والرازي وغيرهم.

فاستلهام الفارابي من القرآن دعاه لتأمل مصائر السابقين وعواقبهم للعظة والعبرة، فلم يقتصر في مدينته الفاضلة على النمط الأمثل، فقد تناول المدينة الجاهلة والفاسقة ومدينة الغلبة والبطش، وحكمه على هذه المدن تدل على استيعابه لمكارم الأخلاق كما قررها الإسلام، ويضوع أريج العقيدة الإسلامية في ثنايا فكره عند حديثه عن أدلة وجود الله، وحين يشير لتعدد أسمائه وصفاته مع توحده وتفرده، ويعزف الفارابي لحن الإيمان في أذن كل ملحد يتعلل بعدم وضوح إدراكه لله، فيبين أن ذلك راجع لضعف عقولنا وملابستها المادة والعدم، فإفراط كماله يبهرنا، فلا نقوى على تصوره على التمام.

وهذا عين التعليل الذي تبناه الغزالي في حديثه عن الألوهية وأنوارها الباهرة التي تعشي بصائر العقول فترتد حسيرة عاجزة عن الدنو المفضي إلى كمال المعرفة والتصور.

وبذلك فلم يكن الفارابي مفتوناً بالفلسفة لدرجة نسيان عقيدته، ولم يكن ممن يضحي بدينه في سبيل فكرته، ونلاحظ أنه حينما وضع الشروط التي ينبغي التقيد بها لطالب الحكمة جعل منها تعلم القرآن وعلوم الشرع أولاً، غير مخل بركن من أركان الشريعة وآداب السنة.

فلا محل إذن للاتهامات المتعلقة بنيته وقصده، فهذه الاتهامات لا يؤيدها دليل، ولا يدعمها برهان، بل هي حصيلة تخمين وظن، وسوء استغلال لنصوص الفارابي.

النبوة في نظر الفارابي
وهذا هو الموضوع الثاني الذي يتجلى فيه حرص الفارابي على عقيدته، ومحاولة تعزيزها بالتماس سند عقلي لأساسها ومصدرها الممثلين بالوحي والنبوة، ومع عدم موافقتنا لكل ما جاء به الفارابي، لكننا لا نغفل دافعه لهذه المعالجة، فقد اجتاحت موجة من الشك والإنكار لبعض أسس الإسلام في القرنين الثالث والرابع الهجريين، نتيجة لاختلاط المسلمين بعناصر مختلفة من ذوي عقائد متباينة، وقد بثت معتقداتها وأثارت الشبهات حول عقائد الإسلام، وبلغ الشك قمته مع التعرض لمصدر الدين وهو الوحي والنبوة، واشتغل علماء الكلام للذود عن العقيدة الإسلامية، وكان هذا هو الدور الإيجابي لعلم الكلام قبل انقلابه لسلاح يفتك بالوحدة الإسلامية، وتتابعت الردود على من أنكر النبوة، كما أنكر الدهريون الألوهية، ويتضح لنا أن فترة حياة الفارابي كانت مليئة بالمجادلات والسجالات حول أهم أصول الإسلام ومبادئه.

حجج منكري النبوة
في معرض الحديث عمن ينكر النبوة عادة ما يشار لرجلين وهما ابن الراوندي، والرازي الطبيب، فالأول من أصل يهودي، ويقال إنه انتمى للمعتزلة، ثم خرج عليهم وعلى الإسلام، وأقواله تبين اعتقاده بطلان النبوة وعدم الحاجة لها، فالعقل يغني عن الرسول، وقد يذهب منكرو النبوة لاعتبار إثباتها مجافياً للعدالة الإلهية، لما فيها من اختصاص وتفضيل لبعض الأشخاص، وأما الرازي الطبيب، فينسب إليه أنه تعلق بالآراء المزدكية والمانوية والمعتقدات الهندية، وينكر على الفلاسفة محاولاتهم التوفيق بين الفلسفة والدين، ويرى بالفلسفة وسيلة وحيدة للإصلاح، ويرى في الأديان تنافس على التطاحن والحروب، وتجدر الإشارة أننا لا نملك مصدراً صحيح النسب للرازي يبين صحة اتهامات بعض خصومه له، فمصدرنا حوله هم خصومه أصلا، خصوصاً من أتباع الحركة الإسماعيلية، وقد لمسنا المعادة والتجني عند دراستنا لسهل التستري فلاحظنا أن تهم خصمه الخوانساري له لا تثبت جميعا إلا واحدة وهي رفضه الانتماء للشيعة، لذلك فالأصل أن نتريث في نسبة كل هذه الآراء للرازي الطبيب.

تفسير الفارابي لظاهرة النبوة
لاحظ الفارابي أن منكري النبوة يدين أكثرهم بالبحث العقلي، ويتزعم معظمهم دعوى حرية الفكر، فاشتغل على جانبين أحدهما في رد الشبه، والثاني بالعمل على منح نظرية النبوة أساساً عقلياً ونفسياً يقبله الذين لا يرتضون إلا الأدلة العقلية، فيعودون إلى الدين، حين يقتنعون بأساسه، وهو الوحي والنبوة.

وتتصل نظرية النبوة عند الفارابي بنظريات المعرفة والسعادة والفيض لديه أيضاً، فقمة المعرفة هي قمة السعادة في نفس الوقت، تنم عن الاتصال بالعقل الفعال الذي احتل المرتبة الثالثة في الوجود في نظام الفارابي الفيضي الذي استقى عناصره من الأفلاطونية المحدثة، وحاول بكل طاقاته ص��غه صبغة إسلامية، والعقل الفعال أعلى مرتبة من العقل الإنساني، ويقع خارجه، وفيه توجد كل الصور والحقائق، وهو الذي يخرج العقل الإنساني من القوة إلى الفعل، وبذلك تكون المعرفة هبة وفيضاً آتياً إلى العقل الإنساني من الخارج، وليست حصيلة الاجتهاد والاكتساب.

أرسطو

أساس نظرية النبوة
لا يمكن أن ينكر أثر نظرية الأحلام عند أرسطو في نظرية النبوة عند الفارابي والكندي كذلك، وملخص النظرية أن النوم هو فقد الإحساس، والحلم ناتج عن المخيلة التي تعظم قوتها أثناء النوم لتخلصها من أعمال اليقظة كما يذكر أرسطو، فأثناء النوم تنشط المخيلة التي تختزن صوراً حسية كثيرة تحدث “الأحلام” فالأحلام ثمرة المخيلة ونتيجة من نتائجها، وقد تبنى الكندي والفارابي هذه النظرية، ومتابعتهما لأرسطو تتوقف عند هذا الحد، ثم ينفردان بالاتجاه الديني في تفسير الأحلام الهامة وغيرها.

والأحلام وردت في القرآن والسنة، وكان صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤية إلا جاءت كفلق الصبح، على أن علماء المسلمين يميزون بين الرؤية الصادقة وأضغاث الأحلام، مما يشهد مرة أخرى بمستوى صاحب الرؤية النفسي.

وطالما أن الحواس تخمد أثناء النوم وتبرز الصور الذهنية للإحساسات المختلفة فيتشكل الحلم، فكيف يتم الأمر بالنسبة للنبوة؟

قبل ذلك لا بد لنا أن نقول إن أرسطو لا يفسر ما تصنعه المخيلة في النوم تفسيراً يتصل بالوحي الإلهي أو الإلهام الغيبي، لذلك لا مكان في مذهبه للتنبؤ بواسطة النوم، ولا يمكن اعتبار الأحلام نوعاً من الوحي الإلهي، بينما يرى الفارابي أن الإنسان يستطيع بواسطة مخيلته الاتصال بالعالم العلوي واختراق حجب الغيب، وإذا صح أن يكون لإنسان مخيلة جيدة يمكنها التخلص من ربقة الحس، فإنه قادر على الوصول إلى عالم المعرفة والاتصال بالعقل الفعال.

وعلى هذا فيبدو أن الفارابي جعل الأحلام تفسيراً يمكن أن تشرح النبوة والوحي، فالنبي إنسان وهب مخيلة ممتازة نفاذة عظيمة تمكنه من الحصول على الإلهامات السماوية في مختلف الظروف والأوقات، لذلك ليس الأنبياء بحاجة للنوم لتعطل حواسهم ليتم تفريغ المخيلة، بل يستطيعون ذلك حال اليقظة، لكن الأنبياء ليسوا وحدهم في هذا الميدان، فمعهم الفلاسفة الناضجون قادرون كذلك على الاتصال بالعقل الفعال بواسطة التأمل العميق، وتركيز اليقظة.

ويبدو أن الفارابي -بحسب أقواله-كان يرى أن للنبي طاقة أخرى تمكنه من التقاط الوحي واستيعابه، وعليه فلم يجعل الوحي عماد مخيلة النبي.

نقد النظرية
لهذه النظرية رصيد إيجابي يحسب للفارابي، بيد أن لها جوانب أخرى تعد من أخطر مثالبها، فيحسب لها الانتصار لمبدأ النبوة من حيث هي مبدأ في وجه المنكرين لها، لا بالنسبة للمؤمنين بها، ويلاحظ أن الفارابي خلع على العقل الفعال الصفات المأثورة لملك الوحي جبريل الذي أخبر عنه الإسلام، وهو بمجموع عناصر هذه النظرية (النفسية والتجريبية والدينية)، بنى الدعامة الفلسفية للنبوة والوحي ليثبت اتفاقهما مع العقل، ومن ثم لا يصح إنكارهما، وبذلك اطمأن الفارابي أنه وفق بين الدين والفلسفة، دون أن يلاحظ أنه يوفق بين الدين والفلسفة اليونانية بالذات، مع تعسفه بتأويل النصوص الدينية للوصول لذلك.

كما أن هذه النظرية تسوي بين النبي والفيلسوف، ويبدو أن الفارابي لم يأبه بذلك فالمعلومات سواء كانت مكتسبة بالفكر، أو بواسطة مخيلة، فلا فرق بينهما ما دام العقل الفعال مصدرها جميعاً، فقيمة الحقيقة لا ترتبط بالطريق بل بأصلها، والنبي والفيلسوف يرتشفان من معين واحد، على أن الفارابي يبين مقدرة النبي على الصعود للعالم العلوي عن طريق المخيلة أو عن طريق العقل القدسي، وبالتالي فلا مجال لتفضيل الفيلسوف عليه.

لقد توقف الفارابي عند تكافؤ النبي والفيلسوف من حيث المعرفة والرتبة، وهو بذلك يمهد الطريق لمن سيقول باكتساب النبوة، وهذا يتناقض مع كونها اصطفاء إلهي، كما أن النبوة ليست حصيلة نفسية مخترعة، بل تتمثل في تكيف طبيعة الوحي وسيره مع التسليم الكامل بوجود حقائق موضوعية عليا خارج النفس الإنسانية، وهذه النقطة تبقي الفارابي في حظيرة الإسلام، وهي النقطة التي أراد توكيدها لمنكري إمكان الوحي.

لقد تناول الفارابي النبوة بشكل عام وبصورة تجريدية، على الرغم من أن كثيراً من منكري النبوة في عصره كانوا يقصدون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، تمهيداً لإنكار الدين الإسلامي برمته، فلو أولى فلاسفة الإسلام عنايتهم بإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لحققوا جميع الأغراض التي سعوا إلى بعضها ففشلوا، فإذا كان الفارابي منح النبوة أساساً عقلياً يحسبه مقبولاً، فقد سلبها أخص سماتها المتمثل بالاصطفاء.

نمط من الاستدلال على النبوة
يمكن تناول هذه القضية من جانبين، الأول تاريخي موثق، والثاني موضوعي مشاهد، أما الجانب الأول، فيتصل برجل أمي معروف، ادعى النبوة وقدم أدلتها، وألقى تعاليمه التي لا تخدم مصلحته الفردية أو العائلية، ونجح على سائر القوى المحيطة، ولم يكن متسلطاً، وترك حرية الاعتقاد، وأتى بكتاب يتضمن أخباراً وأحكاماً ونصائح ومواعظ، ولقد قام بعد متنبؤون عجزوا عن تقديم ما قدم.

وأما الجانب الموضوعي فيتمثل في القرآن الذي كان حاملاً أمانة تأديته، وتتصدر كثير من آياته بـ قل، ويسألونك وغيرها، ولم يتصرف بالوحي بأي طريقة كانت، بالإضافة لآيات العتاب وما شابهها، كل ذلك يؤكد أنه أدى الوحي كما هو.

وبالعودة لنظرية الفارابي فقد تبناها عدد من فلاسفة الإسلام ونسجوا على منوالها، فاعتنقها ابن سينا، وجعلها متنفسا لآرائه الميتافيزيقية، وكما قلنا إن غايتهم بالدرجة الأولى الرد على من ينكر مبدأ النبوة، وإمكان فهمها عقلاً، لذلك كتب ابن سينا بعنوان “في إثبات النبوات وتأويل رموزهم وأمثالهم”، ولا شك في أن محاولة جعل حقيقة النبوة أمراً ثابتاً مفهوماً شيء، ومحاولة سبر أغوارها وكشف أسرارها، والتوغل في جوهرها شيء آخر، فالمحاولة الأولى تقف عند حد إثباتها والبرهنة عليها وعرض شواهدها، بينما الثانية اقتحام حمى ليس للعقل طاقة به مهما بلغت قدرته.

ويختم الدكتور محمد كمال جعفر حديثه في هذا الباب بعرض أحد عشر نقطة جوهرية تتعلق بالنبوة كما يبينها القرآن.

 

تمثال لابن رشد في قرطبة

محاولة ابن رشد (520 – 595هـ)
ظفرت فلسفة أرسطو بعناية ابن رشد، فخصها بالشرح والإذاعة، ونقد علماء الكلام، ودافع عن الفلسفة باستماتة عله يعيد لها بعض الحياة بعد ن كادت تلفظ أنفاسها على يد الغزالي، واتُّهِمَ بالزندقة، واضطهد حتى نفي وطرد هو وابنه من المسجد ومنع من الصلاة مع الناس.

لقد سادت في المجتمع حينذاك موجة سخط على الفلسفة، وخصوصاً بعد حملة الإمام الغزالي، فكانت الفكرة الشائعة في المجتمع الأندلسي أن الفلسفة بعيدة كل البعد عن الإسلام، وكل من يشتغل بها أهل لأن يرمى بالإلحاد والزندقة، حمل هذا الموقف غير المنصف ابن رشد على الدفاع عن الفلسفة والتفلسف الصحيحين، وراح يثبت بالأدلة العقلية والنقلية أن لا تعارض ولا تناقض بين الدين والفلسفة، ولا يختلف ابن رشد عن جهود من اشتغلوا على قضية التوفيق بين الفلسفة والدين حيث أراد القول إن الفلسفة باعتبار أنها طريق اجتهادي وكسبي، تفضي إلى نفس الحقيقة التي دعا إليها الدين وطريقه الوهبي.

لقد كانت محاولة ابن رشد صعبة، فالفلسفة محرمة، والفلاسفة مضطهدون، وضربة الغزالي للفلاسفة من خلال “تهافت الفلاسفة” ما يزال أثرها فعالاً في ربوع العالم الإسلامي، فكيف يثبت ابن رشد اتفاق الدين مع نمط فكري أثبت الغزالي تكفير أهله في مسائل وتبديعهم في أخرى؟

واجه الكندي من قبل عداء الطاعنين للفلسفة، بيد أنه لم يواجه تأليفاً منظماً يهدم أسسها ويكفر أهلها، فكفاه مجادلة الطاعنين وبيان ضرورة التفلسف ونفعها، وأما ابن رشد فقد واجه مؤلَّفاً دقيقاً ينتقد بالتفصيل آراء فلاسفة المسلمين، ومؤلِّفه علم جليل من أعلام الأشعرية كلامياً، ومن أعلام الصوفية، وتلامذته منبثون في الآفاق، لهم وزنهم وتأثيرهم على طبقات المجتمع، فكيف السبيل لرد المكانة للفلسفة وتبرئة ساحتها؟

أدرك ابن رشد أن السبيل الوحيد لذلك، هو الرد بمؤلَّف يفند ما ورد بكتاب الغزالي فأسماه “تهافت التهافت” ولا بد من ملاحظة أن الغزالي لم يقصد هدم الفلسفة، وإلا لسمى كتابه “تهافت الفلسفة” وإنما أراد دحض وإثبات وتفاهة آراء الفلاسفة المسلمين وبشكل مخصوص الفارابي وابن سينا، لذلك سمى كتابه “تهافت الفلاسفة”، ومهما يكن من أمر فإن ابن رشد أراد أن يمهد لإعادة الثقة إلى الفلسفة.

إن عمل ابن رشد المتقن، جعل معالجته علمية تستند إلى البرهان، والتوفيق بين الدين والفلسفة عند ابن رشد لا يعني جعلهما شيئاً واحدا، فهو لم يغفل استقلال الدين عن الفلسفة، وإن كان ذلك لا يعني تناقضهما بالضرورة، ويمكن أن نلخص المبادئ الأساسية التي وضعها ابن رشد لمحاولته بالتالي:

  1. إيجاب الدين للتفلسف (التفكير).
  2. معاني الدين ذات مستويين أحدهما جلي قريب، وآخر خفي بعيد.
  3. لتأويل النصوص الدينية قواعد، حتى سائر الطرائق العقلية.
  4. تقدير قيمة العقل، وتحديد مدى قدرته وصلته بالدين.

ففي النقطة الأولى بين أن الفلسفة ليست أكثر من النظر في الموجودات باعتبارها تدل على صانعها، وهو بذلك يشبه ابن مسرة في معالجته، ويرد على من يقول إن الفلسفة تؤدي للكفر والغواية بالقول إن ما يقع من كفر وغواية لا يرجع لطبيعة الفلسفة وإنما لنقص نظرة الناظر، أو سوء ترتيب نظره في القضايا الفلسفية، وقد يكون ذلك من غلبة شهواته، أو أنه فهم خطأ لغياب المعلم المرشد،  ويستشهد ابن رشد بالحديث في مسألة الرجل الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسقي أخاه العسل لإسهال كان به.

ويؤكد ابن رشد أن الشرع أوجب النظر العقلي واستنباط المجهول من المعلوم من خلال القياس العقلي والبرهاني الذي حث عليه الشرع.

وفيما يتعلق بالمبدأ الثاني الي يشير إلى ازدواج النظرة إلى النصوص القرآنية على مستويين قريب جلي، وبعيد خفي لا يدرك إلا بالتأويل، فالأول يدركه العامة، والباطن له أهل الخاصة من ذوي البرهان، وابن رشد يقصد هنا أن المعنى الباطني لا بطريقته الصوفية، وإنما ما يتوصل إليه من خلال النطاق العقلي المستند لقواعد المنطق، وهو يقسم الناس إلى ثلاث طوائف: الخطابيون والجدليون والبرهانيون، فالأولى طائفة العامة يقتنعون بالأدلة الخطابية، والجدليون علماء الكلام، وهم أحسن من العامة ودون الفلاسفة، لأن الفلاسفة لا يقنعهم إلا الأدلة البرهانية اليقينية بحسب ابن رشد.

ويقرر ابن رشد أن ذوي الاقتناع الخطابي والجدلي عليهم أن يقبلوا النصوص الشرعية على ظاهرها، وليس لهم تأويلها، فذلك شأن البرهانيين وحدهم، وتلعب فكرة العامة والخاصة لدى ابن رشد دوراً رئيسياً في نظرته للتوفيق بين الدين والفلسفة، فللخاصة وحدهم حق التأويل لأنهم بطبيعتهم برهانيون أي فلاسفة، وهذا يعني أننا بحاجة للفلسفة للقيام بهذا الدور التأويلي، والحقيقة أن مبدأ التأويل عند ابن رشد دليل على هدفه التوفيق بين العقل والوحي، أو بين الدين والفلسفة.

الخوارج

أحمد دعدوش


تعد فرقة الخوارج أول جماعة تنشق عن جماعة المسلمين وتنفرد بقرارها السياسي وبعقيدتها الدينية، وقد بدأت أولى ملامحها بالظهور عندما تجرأ حرقوص بن زهير التميمي (ذو الخويصرة) على النبي صلى الله عليه وسلم وقال له أثناء تقسيم الغنائم: اعدل فينا يا رسول الله، فقال له النبي “ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟”، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال “دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية” [متفق عليه].

وتحققت نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، فخرجت أفكار الخوارج من رحم الخلاف الذي نشب بين علي بن أبي طالب وعدد من كبار الصحابة عقب مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، فكان الخوارج في البداية ضمن فريق علي ضد طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وأم المؤمنين عائشة، حيث طالب الفريق الثاني بتعجيل القصاص من قتلة عثمان في مخالفة لرأي علي بتأجيل ذلك درءاً للفتنة.

اصطدم الفريقان عسكريا في موقعة الجمل عام 36هـ، وينسب المؤرخون للمنافقين واليهود بقيادة عبدالله بن سبأ دورا كبيرا في إشعال الحرب، وقد قُتل خلالها طلحة والزبير، ثم تابع معاوية القتال ضد علي في معركة صفين، وعندما اقترب جيش علي من النصر أمر عمرو بن العاص –قائد جيوش معاوية- برفع المصاحف على أسنة الرماح والدعوة لحقن الدم، وكان علي يرى متابعة القتال وعدم الركون لهذه “الخدعة” لكن معظم قادته أيدوا وضع السلاح، وكان أكثرهم تأييدا لذلك الأشعث بن قيس ومسعود بن فدكي وزيد بن حصين.

اضطر علي لقبول التحكيم وحدد موعدا له، وفي طريق عودته إلى العراق انشق اثنا عشر ألف مقاتل من صفوفه لرفضهم فكرة التحكيم، وكان رأيهم يتخلص في أن الحكم للقرآن وليس للرجال ورفعوا شعار “لا حكم إلا لله”، فعلّق علي عليهم بالقول إنها كلمة حق يراد بها باطل.

ويقول مؤرخون إن عمرو بن العاص لجأ مجددا للخديعة أثناء المفاوضات مع الطرف الآخر الذي قاده أبو موسى الأشعري، فأعلن عمرو خلع علي وتنصيب معاوية خليفة، فازداد الذين خرجوا على عليّ اقتناعا بسلامة موقفهم، وطالبوا بنقض العهد مع معاوية ومعاودة القتال، وهو أمر رفضه علي، فاجتمع الفريق الذي دعاه لحقن الدماء بالبداية مع هذا الفريق في جماعة واحدة، وأصبحوا فرقة مستقلة سُميت بالخوارج، واختاروا عبد الله بن وهب الراسبي أميرا عليهم.

أعلن الخوارج الثورة على عليّ بعد أن كان قائدهم، واستقلوا بقرية النهروان على نهر دجلة، وبدؤوا بالتحرش بأتباع علي، فأرسل لهم عليّ ابن عمه عبد الله بن عباس المعروف بعلمه وفقهه ليحاورهم، فقامت بينه وبينهم مناظرة مشهورة سجلها المؤرخون، ويقال إن ثمانية آلاف منهم اقتنعوا بحجته وعادوا معه إلى الكوفة (مقر علي)، بينما بقي أربعة آلاف على رأيهم، ثم سرعان ما انضمت إليهم حشود من الأعراب والبدو، وازداد تحرشهم بالمسلمين وسفكهم لدمائهم.

الكوفة كانت عاصمة الخليفة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه

كان علي يجهز جيشا قوامه سبعون ألفا لمعاودة قتال معاوية بهدف جمع كلمة المسلمين تحت راية واحدة، فجاءه نبأ اعتداء الخوارج على الصحابي عبد الله بن خباب، حيث قتلوه وبقروا بطن جاريته في الصحراء دون سبب، فبعث لهم علي رسولا يطلب منهم تسليم قتلته فقالوا كلنا قتلته وكلنا مستحل دماءكم، فقرر مع مستشاريه تأجيل الصدام مع معاوية ومحاربة الخوارج قبل أن تشتد شوكتهم، وقاتلهم في النهروان قتالا شديدا، حيث انشق نصفهم قبل بدء المعركة وصمد الباقون (نحو ألفي رجل) حتى قتل معظمهم وعلى رأسهم عبد الله بن وهب وزيد بن حصين.

وكان أبو سعيد الخدري قد روى حادثة ذي الخويصرة مع النبي صلى الله عليه وسلم (انظر مقدمة المقال)، وروى عن النبي أيضا قوله إن آية هؤلاء القوم “رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة”. وقال أبو سعيد بعد أن قاتل في صف عليّ “فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتُمس، فأتي به (وكان من بين القتلى)، حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته”.

وبالرغم من هزيمتهم، لم تلبث أفكار الخوارج أن جذبت مقاتلين آخرين مرة أخرى، فجمعوا شتاتهم وعادوا للتحرش بالمسلمين، حتى تجرأ قائدهم أبو مريم السعدي على اقتحام الكوفة ومطالبة علي نفسه بمبايعته، لكن علياً هزمه. ثم حاول قائد آخر يدعى الخريت بن راشد تكرار المحاولة فهزمه علي ليهرب إلى الأهواز.

المسجد النبوي في المدينة المنورة بمنتصف القرن التاسع عشر

انتقل بعدها الخوارج إلى استراتيجية الاغتيالات لاختصار الطريق بتصفية كبار قادة المسلمين، وفي أول مؤامرة لهم اتفق عبد الرحمن بن ملجم على قتل علي، والحجاج الصريمي على قتل معاوية، وعمرو بن بكر على قتل عمرو، وعلى أن يكون التنفيذ في يوم واحد وهو السابع عشر من رمضان لسنة 40هـ، وقد نجحوا في اغتيال علي، بينما أصيب معاوية بجرح برئ منه، أما عمرو فقُتل بدلا منه نائبه “خارجة” بالخطأ.

بويع الحسن بن علي خليفة لوالده في الكوفة، واحتفظ معاوية بالسلطة في دمشق، وقبل أن يتجدد القتال بين الطرفين تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية، فوجّه الخوارج السلاح إلى الخليفة الموحد، واشتد قتالهم مع عامل معاوية على الكوفة المغيرة بن شعبة، فاضطر الأخير لاستخدام وسائل أخرى كالخداع والمكيدة، كما زج هو وابنه من بعده زياد الكثير من قادتهم في السجن، لكن قوتهم كانت تتعاظم باستمرار وتكتسب المزيد من المؤيدين، نظرا لما تمتعوا به من القوة والتفاني في القتال ومن الحجة في اللسان، في مقابل الظلم والفساد الذي انتشر في بلاط الأمويين.

وعندما أعلن عبد الله بن الزبير التمرد على يزيد بن معاوية -الذي افتتح ظاهرة وراثة السلطة في الإسلام- تجمع الخوارج حول ابن الزبير لقتال الأمويين، لكنهم سرعان ما انفضوا عنه عندما أعلن أنه مؤيد لمواقف علي بن أبي طالب.

ولم يلبث الخوارج أن افترقوا فيما بينهم أيضا إلى عدة فرق، فظهرت فرقة الإباضية نسبة لعبد الله بن إباض، وفرقة الأزارقة نسبة لنافع بن الأزرق، والنجدات من أتباع نجدة بن عامر، والصفرية الذين اصطفوا وراء زياد الأصفر (وقيل عبد الله بن صفار).

وكما هي عادتهم دائما في الصدام مع كل من يخالفهم حتى لو كان حليفهم بالأمس، قاتل الأزارقة ابن الزبير ورجاله في العراق حتى هزمهم، كما اشتبك معهم الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان في الأهواز حتى خارت قواهم. أما نجدة بن عامر فحاول أن يصل إلى هدنة مع عبد الملك ليحصل منه على ولاية اليمامة فاعتبره أتباعه خائنا وقتلوه، ونصبوا مكانه أبو فديك الذي احتل البحرين، قبل أن يقاتلهم فيها عبد الملك ويفرق جموعهم. كما نجح بعض الخوارج في احتلال مناطق واسعة باليمن، ثم انتشروا شمالا حتى دخلوا مكة المكرمة قبل أن يسارع الأمويون إلى طردهم عام 130هـ.

جامع قابوس في مسقط حيث تُعد الإباضية المذهب الرسمي لدولة عُمان
(ShenmueIII)

وعندما انتقلت الخلافة إلى البيت العباسي كانت قوة الخوارج قد تراجعت نسبيا، فتمكن المنصور من دحرهم في عُمان. ولم يستردوا قوتهم حتى منتصف القرن الثالث الهجري عندما سيطروا على الموصل ومناطق واسعة في غرب وشمال العراق، حتى كاد خطرهم يهدد العاصمة بغداد نفسها، إلى أن هزمهم الخليفة المعتمد.

وظلت أفكار التمرد التي حملها الخوارج إلى أفريقية تجتذب قبائل البربر، وخصوصا في صراعهم مع الولاة الأمويين، فسيطر الإباضية هناك على طنجة والسوس، وهاجموا الفاطميين الإسماعيليين في القيروان، إلا أنهم فشلوا في احتلالها وتفرق شملهم، وقد بقيت أفكارهم هناك حتى يومنا هذا.

تنبؤات النبي بالخوارج
تحدث النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن كثير من الفتن والحروب التي ستحدث في أمته بعد موته وصولا إلى ملاحم آخر الزمان، ولم يأت في السنة النبوية تحذير من فرقة بعينها إلا الخوارج، فقد ورد فيها أكثر من عشرين حديثاً بسند صحيح أو حسن، ما يدل على خطورة مذهبهم والتباسِ أمرهم على الناس. ومع أن النبي لم يذكر الخوارج باسمهم لكن علي بن أبي طالب تأكد أن صفاتهم تنطبق عليهم عندما أعلن عليهم الحرب.

وأول ذكر لهم في السنة الشريفة كان في الحديث الذي يحكي قصة رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام عندما كان يقسم الغنائم بين أصحابه، فقال “اتق الله يا محمد اعدل” فأجابه النبي “ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل”، فقال عمر “دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق”، فقال “معاذ الله يتحدث الناس أني أقتل أصحابي”، وفي رواية “يخرج من قبل المشرق رجال كأن هذا منهم”، وفي رواية أخرى “يخرجون فيكم يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية”.

ومن صفاتهم التي تنبأ بها النبي أنهم صغار في السن، ويغلب عليهم الطَّيش والسَّفه والغرور بالنفس، فقال في الحديث المتفق عليه “يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام”، وفي حديث رواه أحمد “إن فيكم قوما يعبدون ويدأبون حتى يعجب بهم الناس وتعجبهم نفوسهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية”، لذا يدفعهم غرورهم لادعاء العلم والتطاول على العلماء، وعلى مواجهة الأحداث الجسام بلا تجربة ولا رَوية.

كما أشار الحديث الذي رواه البخاري إلى أن “سيماهم التحليق”، وقد كانوا يتميزون عن سائر الناس فعلا في زمن علي بن أبي طالب بحلق شعر رؤوسهم، وفسر القرطبي الحديث بأنهم جعلوا حلق الرأس علامةً لهم على رفضهم زينة الدنيا، وشعارًا ليُعرفوا به. وقال ابن تيمية إن هذه ليست صفة لازمة لهم في كل العصور. لذا يمكن أن يتخذ أتباعهم في العصور اللاحقة مظاهر أخرى كشعارات وسمات يتميزون بها، كلون اللباس وهيئته.

وأوضح النبي صلى الله عليه وسلم أيضا أنهم مجتهدون في العبادة مما يدعو الناس للاغترار بهم، وأنهم يكثرون من قراءة القرآن دون أن يتدبروا معانيه ويهتدوا بهديه، فقال في الحديث المذكور آنفا “يقولون من خير قول البرية،‏ ‏يمرقون ‏من الإسلام كما ‏‏يمرق ‏السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم”، وقال في حديث آخر “يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم”، وقال أيضا “يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم”.

ولما ذهب إليهم عبد الله بن عباس لمحاورتهم في حروراء، قال عند عودته “لم أر قط أشد اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل [أي غليظة] وجوههم معلّمة من آثار السجود، عليهم قمص مرحضة [أي في غاية الطهارة]، وجوههم مسهمة من السهر [أي من قيام الليل]”.

وقال ابن تيمية إن ظهور البدع الأولى في الإسلام كبدعة الخوارج جاء من سوء فهمهم للقرآن، فلم يقصدوا معارضته إلا أنهم فهموا منه ما لم يدل عليه؛ فظنوا أنه يجب تكفير مرتكبي الكبائر، ثم استحلوا دماءهم وأموالهم. كما قال فيهم عبد الله بن عمر “إنهم انطلقوا إلى آيات ‏نزلت ‏في الكفار فجعلوها ‏على المؤمنين‎”.

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم أيضا من قدرتهم على التضليل بحسن الكلام والبلاغة والجدل، فقال في روايات متعددة إنهم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، ويتكلّمون بكلمة الحق، ويقولون من خير قول البريّة. لذا كانوا يطالبون علياً بتطبيق الشرع رافعين شعار “لا حكم إلا لله”، فيرد عليهم بقوله إنها كلمة حق يراد بها باطل.

أما أهم صفاتهم التي ذمها النبي صلى الله عليه وسلم -كما يقول ابن تيمية- فهي التَّكفير واستباحة الدماء، حيث وصفهم بقوله “يقتلون أهل الإسلام ويدَعون أهل الأوثان”، وأوضح ابن تيمية ذلك بأنهم “يستحلون دماء أهل القبلة لاعتقادهم أنهم مرتدون، أكثر مما يستحلون من دماء الكفار الذين ليسوا مرتدين، لأن المرتد شر من غيره”.

والتكفير عند الخوارج له صور كثيرة، كتكفير مرتكب الكبيرة أو التكفير بما ليس بذنب أصلاً، أو التكفير بالظن والشبهات والأمور المحتملة، أو بالأمور التي يسوغ فيها الخلاف والاجتهاد، أو دون التحقق من توفر الشروط وانتفاء الموانع، ولا يَعذرون بجهل ولا تأويل، ويكفّرون بلازم الأقوال ومآلاتها، ويستحلون دماء من يكفرونهم دون قضاء ولا محاكمة ولا استتابة، ولهذا قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم  “يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميّة”، أي يخرجون منه كما يخرج السهم الذي يصيب الحيوان فيدخل فيه ويخرج منه من شدة السرعة دون أن تبقى عليه آثار من جسد الحيوان.

وبالرغم من كل ما سبق، لم يُكفّر أهل السنة والجماعة طائفة الخوارج حسب أرجح الأقوال، بل نقل الإمام الخطابي الإجماع على ذلك، ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإبادتهم قبل أن يظهروا عندما قال “لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد” إلا أن الحكم بقتالهم لم يقترن بتكفيرهم بل كان دفعا لشرهم، وروى عبد الرزاق (10/ 150) وابن أبي شيبة (15/ 332) والبيهقي (8/ 74) عن طارق بن شهاب أنه قال “كنت عند علي بن أبي طالب فسئل عن أهل النهروان (الخوارج) أهم مشركون؟ قال: من الشرك فروا قيل: فمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا قيل: له فما هم؟ قال: قوم بغوا علينا”.

روى البيهقي وابن أبي شيبة أن أحد الخوارج قاطع علي بن أبي طالب وهو يخطب مطالبا بتحكيم شرع الله، فقال له علي “لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا: لن نمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم فيئاً ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا”.

آراؤهم السياسية والدينية
خرجت بذرة انشقاق الخوارج عن جماعة المسلمين من منطلق رؤيتهم لشرعية الحاكم، ولعل أبرز آرائهم المعروفة هي تمردهم على توريث الحكم، كما اختلفوا مع الرأي السائد لدى أهل السنة الذي يشترط أن يكون الخليفة قرشي النسب، فهم يرون أن منصب الإمامة أو الخلافة يُعطى لمن يقدر عليه دون الالتفاف إلى نسبه ولونه، حتى أجاز بعضهم ولاية المرأة، بل رأت فرقة النجدات عدم الحاجة لوجود الحاكم أصلا إذا تمكنت الأمة من تدبير أمورها بنفسها.

شعار الأناركية

وبهذه الأفكار يمكن القول إن الخوارج سبقوا دعاة الحركات الأناركية (الفوضوية) المعاصرة، والتي تدعو إلى إسقاط الحكومات للتخلص من البيروقراطية والفساد والاستبداد وترك الناس يحكمون أنفسهم بأنفسهم في أضيق حدود التحكم.

وقد أوجب الخوارج الثورة على أئمة الجور والفسق والضعف، حتى قالوا إن الوجوب يقع على الأمة إذا بلغ عدد المنكرين على أئمة الجور أربعين رجلا، وهو العدد الذي يحقق ما أسموه “حد الشراء” أي شراء الجنة بالروح، كما أوجبوا على من أعلن الثورة أن يتابع القتال والاستبسال إلى أن ينقص عدد الثوار إلى ثلاثة فقط، وعندها يجوز لهم القعود وكتمان العقيدة، لذا نجد في تاريخهم قصصا عجيبة عن التفاني في القتال حتى الموت، حتى قيل إن شبيب بن يزيد لاقى ثلاثين رجلا منهم وهو على رأس جيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل.

ويقر الخوارج بصحة ولاية الخليفتين أبي بكر وعمر، كما يعترفون بصحة خلافة عثمان باستثناء السنوات الست الأخيرة من حكمه إلى درجة تكفير بعضهم له، كما يكفرون علياً لأنه قبل بالتحكيم، مع اختلاف فيما بينهم على درجة تكفيره.

ونظرا لغلوهم وتشددهم، قرر الخوارج الحكم بالكفر على مرتكبي الكبائر الذين يموتون قبل التوبة، وقالوا إنهم سيخلدون في النار مخالفين بذلك أهل السنة، وانعكس هذا المفهوم على تكفيرهم للحكام الذين ارتكبوا الكبائر، ليمتد إلى تكفير أمم كاملة لسكوتها على الظلم وقعودها عن الجهاد.

ولم يشتهر الخوارج بالاشتغال بالجدل العقائدي المعروف بعلم الكلام، فكانت تغلب عليهم البساطة الفكرية وانتماء الكثير منهم للبيئة البدوية التي تنبذ الاشتغال بالفلسفة والجدل، لذا لا نجد لديهم مذهبا عقائديا متماسكا أو ناضجا، وإن كنا نقرأ لديهم بعض الأفكار التي اقتربوا فيها من المعتزلة مثل قولهم بخلق القرآن.

ومع انقسام الخوارج إلى فرق عدة كما أسلفنا اختلفت بعض آرائهم، لكن التشدد ظل العامل المشترك بينهم جميعا، فعلى سبيل المثال تشدد الأزارقة في اعتبار ديار مخالفيهم ديار كفر، حتى حكموا على من أقام فيها بالكفر، بل رأوا أن أطفال الكفار سيخلدون في النار، أما الصفرية فكانوا أقل تشددا وحرّموا قتل أطفال المخالفين، كما لم يكفّر النجدات مرتكب الكبيرة إذا لم يصر عليها.

على من يُطلق وصف الخوارج؟
أصبح وصف الخوارج تهمة يتراشق بها الكثيرون في العصر الحديث، وبمجرد إطلاقها على جهة أو جماعة أو حزب يصبح من السهل على الجهات الأخرى الإفتاء بقتلها واستحلال دمها، لذا ينبغي تمييز صفات هذه الجماعة وتحديدها بدقة.

من خلال دراستنا لسيرة الخوارج، نلاحظ أنها مرت بثلاث مراحل، الأولى كانت قبل ظهور الخوارج وهي المرحلة التي حذر فيها النبي صلى الله عليه وسلم من ظهورهم، والثانية هي مرحلة ظهورهم الفعلي بدءا بعصر علي بن أبي طالب، والثالثة هي المرحلة اللاحقة على تشكلهم والتي بدأوا فيها بالانقسام والتفلسف.

في المرحلة الأولى، وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بصفات محددة دون أن يسميهم بأي اسم، وأهم صفاتهم الغلو في التمسك بالنص دون تعمق في معناه، والممارسة التعبدية القاصرة حيث يتجاوزون في ظاهرها تعبد الصحابة أنفسهم بينما لا يتجاوز تأثيرها إلى الباطن، والممارسة التعبدية المتعدية حيث يتعبدون بقتل المسلمين واستحلال دمائهم، وضعف التجربة وضعف التفكير (حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام).

في المرحلة الثانية، تأكد علي رضي الله عنه وبقية الصحابة من انطباق صفاتهم على حالهم كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ناقشهم ابن عباس فرجع منهم الكثيرون إلى السنة وبقي بعضهم مصرا على التمرد، ومن خلال هذه المناظرة يمكن استنتاج صفاتهم بدقة، وهي الغلو في التمسك بالنص دون تعمق في معناه، والتكفير بما ليس بمكفّر، سواء بسوء فهمهم لطبيعة الأمور المكفرة وذلك إما بأن يعدوا ما ليس بمكفر مكفرًا أصلاً، أو يأتوا إلى فعل غير مكفر ويسموه باسم فعل مكفر، أو بسوء فهمهم لوقائع التكفير ودلائلها حيث يتعجلون في تلك الوقائع ويجعلونها دالة على التكفير وهي ليست كذلك.

وفي المرحلة الثالثة نجد أنهم انقسموا إلى طوائف، كما تداخلوا مع الاتجاه الكلامي وصارت لهم آراء عقائدية قريبة من آراء المعتزلة، وفي هذه المرحلة ظهرت ثلاث تعريفات للخوارج باعتبارهم طائفة أو مذهبا، وهي كما يلي:

الأول اقتصر على مسألة التكفير، واعتبر الخارجي هو من يقول بأن مرتكب الكبيرة كافر. والثاني اقتصر على مسألة القتال، واعتبر الخارجي هو من خرج على ولي الأمر وحسب، أما الثالث فجمع بين المحدِّدَين: الفكري (التكفير) والعملي (القتال).

وإذا أردنا تطبيق هذه المعايير على الجماعات الجهادية الموجودة اليوم فقد يحدث لبس عندما نجد أنها لا تنطبق على بعضها، لأن بعض الغلاة اليوم لا يكفّرون مرتكب الكبيرة ولم يخرجوا على الإمام الشرعي، لكن هذا الحكم لا يُمثل لحظة التحقق التاريخي الأولى التي تشكل فيها مسمى الخوارج، لذا فإن التعريفات الثلاث المذكورة في المرحلة الثالثة ليست دقيقة تماما، وينبغي العودة إلى الصفات الأولى المحددة في الأحاديث والتي انطبقت على صفات الخوارج الذين قاتلهم علي ومن بعده.

عنصر من تنظيم الدولة الإسلامية

ويجب هنا أن نشير إلى مسألتين:
الأولى: ربط النبي عليه الصلاة والسلام بين الرجل الذي اعترض على حكمه وبين مواصفات الجماعة قبل ظهورها، ومع أن الرجل لم يقل بمقولات الخوارج التاريخية فقد ربط النبي بينه وبين هذه المواصفات، وأهم هذه المواصفات:

أن هذا الرجل يظهر بحالة من المزايدة في التدين من حيث التمسك بالعدالة وكأنه أكثر عدالة من النبي، وأنه يرفع شعار العدل، وهو شعار لا يُختلف عليه كما أن الغلاة اليوم يرفعون شعارات من خير ما يقوله الناس، وأنه يحمل شعار تحقيق العدل وهو لم يفهم معناه ويتعجل في تفسيره، وأنه يستخرج من التفسير العجول لتصرف النبي حكمًا بعدم عدله كما يستنتج بعض الجهاديين الغلاة المعاصرين من خلال قراءتهم الظاهرة أحكامًا خاطئة، وأنه يريد أن يحقق المنافحة عن العدل ولكن من خلال التشكيك في عدالة النبي فهو يريد أن يصل إلى شيء دعت إليه الشريعة ولكن من خلال انتهاك أشياء أعظم.

الثانية: أشارت بعض الأحاديث إلى استمرار خروجهم إلى آخر الزمان، كما في حديث ابن عمر: “كلما خرج منهم قرنٌ قطعه الله” [حسنه الألباني وصححه الأرناؤوط].

وبناء على ذلك؛ فإن المواصفات الواردة في النص النبوي تنطبق على جماعة الدولة الإسلامية (داعش)، وعلى الجماعات الشيعية المتطرفة التي تقتل مخالفيها من أهل السنة بدافع ديني، غير أن الفارق بينهم وبين الخوارج أن طريقة الجماعات الشيعية في الاستدلال لم تكن تعتمد على ظواهر النصوص كما هو حال الخوارج، وإنما على مرويات منسوبة لبعض أئمة آل البيت، والنصوص لم تشر إلى منهج الاستدلال بقدر ما أشارت إلى سياقه العام وهو قراءة القرآن وعدم التعمق في معناه.

أما إذا طبقنا المواصفات التي في النص على طائفة الإباضية اليوم -والتي تُصنَّف في كثير من الكتب على أنها الامتداد الوحيد المتبقي للخوارج- فسنجد أنها لا تنطبق عليهم، وأنهم أقرب للمعتزلة من الخوارج. والله أعلم.

أهم المراجع

أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت.

محيي الدين يحيى بن شرف النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1972.

أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المجموع: فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، وزارة الأوقاف السعودية، 2004.

محمد عبد الله عنان، تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في المشرق، دار أم البنين، 1980.

محمد عمارة، تيارات الفكر الإسلامي،  دار الشروق، القاهرة، 2007.

علي محمد الصلابي، عصر الدولتين الأموية والعباسية وظهور فكر الخوارج، دار البيارق، 1998.

ناصر بن عبد الكريم العقل، الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام، دار إشبيليا، الرياض، 1998.

ياسر المطرفي، مقال “في معنى الخوارج”، موقع مركز نماء للدراسات والبحوث، 9/3/2014.

عمار الصياصنة، مقال “صفات الخوارج في السنة النبوية”، موقع هيئة الشام الإسلامية، 16/2/2014.

الإنسان والدين

أحمد دعدوش


سنستعرض في هذا المقال قصة بدء وجود الإنسان، من خلال روايتين متوازيتين هما الوحي القرآني والنظريات اللادينية، وسنؤجل استعراض روايات أخرى باطنية لتأخذ حيزا أكبر في مقالات مستقلة. كما سنتحدث عن نشأة الدين من منظور الروايتين، فرواية الوحي تؤكد أن الدين ملازم لخلق الإنسان الأول، بينما تبحث النظريات اللادينية في أدلة الأحافير والرسوم والتماثيل الأولى وتضع التفسيرات الاحتمالية لاعتقادها المسبق بأن العلم لا يؤمن سوى بما يراه، ما يعني استبعادها لمفهوم الوحي من الأساس. وسنتوقف في مقالنا هذا عند حدود بدء التاريخ البشري مع ظهور الكتابة، وهي المرحلة التي سنتعرض لبعض تفاصيلها في مقال الوثنية.

بداية واحدة وروايات متعددة
يمكن القول إن هناك ثلاث روايات رئيسة لقصة الوجود، ومن خلالها يتم تصنيف العديد من التيارات والتوجهات التي تحكم رؤيتنا لأنفسنا وللعالم، ومن ثم تصوغ معتقداتنا الوجودية، ونلخص هذه الروايات بما يلي:

1- الرواية العلمية، ونحن نرى أن هذه التسمية بحد ذاتها ترجمة خاطئة لمصطلح science اللاتيني الذي يُقصد به العلم المادي الخاضع لشروط التجربة، أما كلمة “العلم” فهي أوسع من قيود التجربة وحدود المادة. ويبحث أصحاب هذه الرؤية في الوجود المادي من خلال المعطيات التجريبية التي يُفترض أن تقترب قدر المستطاع من النزاهة الموضوعية والتجرد عن الذات، ولعل المشكلة الأبرز لدى هذه الرواية هي افتراض أصحابها المسبق بأن العالم محصور أصلا بالمادة وحدها، ومن ثم استبعاد ما هو غير مادي (الميتافيزيقيا) من دائرة الوجود ذاتها فضلا عن طردها من دائرة البحث، وهذا افتراض فلسفي منحاز لا يدعمه دليل علمي (تجريبي). ومع أنه يحق للعالم التجريبي إخضاع الكائنات الحية وكافة الموجودات المادية للتجربة بحثا عن أصولها وقصة نشوئها و”تطورها” (إن وُجد التطور)، فإن الافتراض بأن العالِم التجريبي قادر على تقديم أجوبة على الأسئلة الوجودية هو مجازفة غير مضمونة، لأن معطيات العلم التجريبي لا تسمح أصلا بالتعرض لما هو خارج عن دائرة الحس، ما يعني أن الأجوبة ستكون مادية حصرا، أما الاعتقاد بأن تلك الأجوبة هي وحدها الصحيحة فهو تحكّم مسبق وغير منطقي. ومنذ بداية العصر الحديث يُقدِم الكثير من العلماء التجريبيين على هذه المجازفة دون التفات إلى تناقضها المنطقي، لكن آخرين يقدمون نتائج أبحاثهم مشفوعة بنقاش فلسفي، مع أن لجوء العالِم التجريبي إلى الفلسفة لا يخرجه من ورطته بل يعقّدها، فهو يسمح لنفسه بدعم رؤيته “غير العلمية” برأي فلسفي بينما يرد على منتقديه في الوقت نفسه بأنه رجل علم وليس من شأنه افتراض وجود عوالم غيبية أصلا، وكأن عجز أدواته عن الخوض فيما هو خارج عن تخصصه يسمح له بتخطئة الرأي المنبثق عن ذلك العالَم الخارج عن تخصصه.

رسم تخيلي ألماني يعود إلى عام 1888 لشخص يحاول اختراق عالم المادة واكتشاف ما وراء الطبيعة

2- الرواية الفلسفية: ونقصد بها كل ما يستند إلى الرأي، دون أن يكون مدعوما بتجربة علمية ولا بوحي سماوي. وقد تكون هذه الرواية وسوسة من عالم الشياطين (أو آلهة الشر والكائنات الظلامية كما يفترض البعض) لتضليل البشر، أو أسطورة خرافية صاغها خيال أديب مبدع أو كاهن دجال، أو رواية زعم أحد المتصوفة الروحانيين أنه تلقاها من مصدر مفارق عن طريق الكشف (العرفان) والإلهام، أو قد تكون محاولة جادة من قبل فيلسوف لتقديم أجوبة منطقية على الأسئلة الوجودية بما يتوافق مع العقل والحس. وحتى في حال افتراضنا أن واضع هذه الفلسفة أو الأسطورة كان صادق النية؛ فإن المشكلة تكمن في أن سقف العقل البشري محدود أصلا بما هو دون العوالم المفارقة التي يبحث فيها، ما يعني أن نتائج البحث لن تبلغ اليقين لاستحالة التحقق، كما أن افتراض التلقي عن طريق الكشف مشفوع بنظريات فلسفية مسبقة، فنتائج هذا البحث لا يمكن أيضا التحقق من صحتها إلا بتجربة شخصية ما يبقيها في دائرة الذاتية.

3- رواية الوحي: ونقصد بها الوحي الصادق الصادر عن الإله الواحد الحق، وهي رواية لا تتناقض ابتداءً مع معطيات التجربة وقواعد العقل، ويمكن ثانيا التحقق من صحتها من خلال التجربة والعقل، وطالما أن صحتها ثبتت بهذين الشرطين فمن المنطقي التصديق أيضا بما ينص عليه ذاك الوحي من أنه السبيل الوحيد المؤدي إلى الحقيقة والخلاص، وسنؤجل في رحلتنا هذه التحقق من صحة هذه الرواية إلى المراحل الأخيرة.

ولن يتسع هذا المقال لاستعراض الروايات الثلاث بتفاصيلها المتشعبة، فسنعرض أهم ما فيها ضمن المقالات اللاحقة، حيث يقدم مقال الغنوصية الرؤية الفلسفية الباطنية للخلق، كما تتشابه قصة الخلق لدى الكتب المقدسة لدى اليهود والنصارى (المسيحيين) مع ما ورد في القرآن الكريم (كتاب المسلمين المقدس)، وسنخصص مقالا منفردا لكل من اليهودية والمسيحية ونستعرض فيهما قصة الخلق.

بناء على كل ما سبق، سنعرض في هذا المقال قصتي ظهور الإنسان وظهور الدين، وسيكون عرضنا لكل منهما حسب روايتين متوازيتين، هما رواية العلم الحديث (وما يوافقه من الفلسفة المادية) ورواية الوحي.

أولاً: قصة الإنسان

الرواية الأولى: حسب العلم الحديث والفلسفة المادية
مع أن الإلحاد (جحود الخالق أو المصدر المفارق للكون) ليس نزعة حديثة، إلا أنه لم يحظ بالانتشار والتأصل إلا في العصر الحديث، وسنتعرض لارتباط هذه النزعة بسقوط قدسية الدين المسيحي وبشيوع العلم التجريبي كمصدر للحقيقة في مقال العلمانية، وما يهمنا هنا هو ظهور نظرية النشوء والارتقاء والتطور مع نشر تشارلز داروين كتاب “أصل الأنواع” عام 1859، فمع أن النظرية لا تتعرض للخلق نفسه، إلا أنها قدمت للمرة الأولى مستندا “علميا” يمكن للملحد أن يحاجج به للتخلي عن الإيمان بوجود خالق، بينما كان الملحد قبل ذلك مضطرا للجوء إلى الأفكار الغنوصية وتبرير وجود الكون بمصدر ما، الأمر الذي جعل الفلسفة والعلم والخرافة تتقاطع كثيرا في هذه الجزئية.

تشارلز داروين

وبعد داروين، أصبحت علوم التاريخ والاجتماع والنفس والأنثروبولوجيا (علم الإنسان) والإثنولوجيا (علم الأعراق) وغيرها تستند إلى مسلّمة (قاعدة) مفادها أن الإنسان تطور عن أسلاف غير عاقلة و”بدائية”، كما أصبح من مسلّمات الوسط العلمي أن أي رفض لنظرية التطور يعني بالضرورة اللجوء إلى نظرية الخلق (والتي باتت تسمى بالتصميم الذكي)، وذلك يفضي بحسب رأيهم إلى التخلي عن العلم والركون إلى الإيمان الديني، وهو أمر يرفضه الكثير من العلماء وغير المتخصصين في الغرب على السواء لأسباب تبدو لنا أنها نفسية.

وبحسب مخرجات نظرية التطور، تعود بداية قصة البشر إلى مخلوق بدائي عاش قبل 2.8 مليون سنة في شرق أفريقيا، وقد سُمي بالإنسان الماهر “هومو هابيليس”، ويُعتقد أنه تطور في سلسلة متصلة كان آخرها ظهور الإنسان العاقل “هومو سابينز” الذي يشبهنا قبل 200 ألف سنة.

ولن نخوض هنا في مناقشة نظرية التطور التي تتعرض منذ ظهورها لانتقادات حادة، ولا لمصداقية افتراض أن البقايا العظمية المكتشفة لتلك المخلوقات هي بالفعل تعود لأسلاف البشر، فالرسوم التي يقدمها العلماء لتخيل شكل الكائنات التي تعود لبعض العظام المكتشفة تتنوع بين خيارات كثيرة، كما أن بعضها يمكن أن يكون عائدا إلى كائن بشري يشبهنا تماما دون الحجة لافتراض أنه كان يشبه القردة ومكسوا بالشعر كما يرسمه التطوريون، فهذه التصورات مازالت مجرد افتراضات لتقديم أجوبة علمية على أصل الإنسان مع اتخاذ قرار مسبق بأنه لم يُخلق على هيئة كاملة دفعة واحدة ثم توالد أبناؤه من بعده [انظر مقال “وجود الله“].

ناشط أمريكي أراد أن يثبت للمتخصصين في علوم الأحياء (البيولوجيا) أن اقتناعهم بنظرية التطور الداروينية ليس قائما على أدلة علمية بقدر استناده إلى “الإيمان”، وتمكن من إحراجهم خلال 12 دقيقة فقط.

حجر عُثر عليه في كهف بولومبُس بجنوب أفريقيا (Chris. S. Henshilwood)

هذا على صعيد بقايا الهياكل العظمية، أما الآثار البشرية فيُعتقد أن أقدم ما تم اكتشافه منها حتى اليوم هو كتلتان حجريتان نُقشت عليهما خطوط هندسية، وقد عُثر عليهما في كهف بولومبُس بجنوب أفريقيا، ويعتقد أن عمرهما 77 ألف سنة (كما سيأتي لاحقاً)، مع أنه لا يمكن الجزم بصحة هذا التقدير.

وتواجه دراسة الأحافير وبقايا الكائنات الحية، وكذلك دراسة آثار البشر المرسومة والمنحوتة، صعوبات جمة يغفل عنها غير المتخصيين، فقياس عمرها يعتمد أساسا على اختبار الكربون المشع، ويعتقد الكثيرون أن هذا القياس يعطي نتائج دقيقة، ولا يدور في خلد القارئ غير المتخصص أن تلك النتائج المنشورة في المجلات العلمية المتخصصة عن أعمار الديناصورات وما يسمى بأسلاف البشر ليست دقيقة، لكن الحقيقية هي أن هناك أبحاثا كثيرة تؤكد أن قياس المواد المشعة في بقايا الكائنات الحية يختلط سهوا أو عمدا بقياس المادة المشعة للصخور والمعادن التي تحجرت فيها تلك الكائنات، فيصبح من الصعب الفصل بين عمر الديناصور وعمر الصخرة التي تحجرت عظامه فيها.

هناك أبحاث تم تقديمها على مدى عقود للتشكيك في الفكرة الشائعة عالميا عن أن الديناصورات انقرضت قبل عشرات ملايين السنين وأن الإنسان العاقل تطور لاحقا وكان ظهوره الأول قبل مئتي ألف سنة، لكن الجيولوجي الأمريكي “مايكل كريمو” ظهر في عدة لقاءات تلفزيونية خلال أربعينيات القرن الماضي متحدثا عن اكتشافاته التي تثبت العكس، وعن القمع الفكري الذي تعرض له من خلال الوسط الأكاديمي الذي يرفض أي مساس بنظرية داروين التطورية ومسلماتها.

ومنذ مطلع التسعينيات، حاولت الجيولوجية الأمريكية ماري شفايتزر جاهدة لإقناع العلماء بنتائج أبحاثها التي تثبت أن عظام الديناصورات التي وجدتها في حالة جيدة (ولاتزال تتضمن مواد عضوية غير متحللة) لا يمكن أن تعود إلى 65 مليون سنة، لكن المجتمع العلمي لم يبدأ بتقبل أفكارها إلا في السنوات الأخيرة، مثل مجلة “نيتشر” العلمية التي كتبت عن أبحاثها مقالا في أكتوبر 2012، وفي العام نفسه قدم الباحثان ماري كلير فان أوسترويتش وجان دي بونتشارا بحثا في مؤتمر بسينغافورة يؤكد أن بعض عظام الديناصورات لا يزيد عمرها عن 40 ألف سنة فقط، فسارع أعضاء المؤتمر إلى رفض البحث بحجة تعارضه مع المعطيات المتفق عليها في المجتمع العلمي.

إذن لم يصل العلم حتى الآن إلى جواب حاسم بشأن تاريخ أسلافنا الأوائل، وبغض النظر عن مناقشة مبدأ التطور نفسه، فإن مجرد افتراض أن أول البشر عاش قبل 200 ألف سنة هو قول غير مؤكد.

في هذا الرابط يقدم باحثون مسيحيون أدلة تاريخية كثيرة تدعم حجتهم في أن الإنسان والديناصورات عاشوا في فترة واحدة، ومع أننا لا نقدمها كدليل قطعي إلا أنها تكفي للطعن في مصداقية النظريات الشائعة في الوسط العلمي.

الرواية الثانية: حسب الوحي
سنؤجل الحديث عن مصداقية الوحي والتحقق من نسبته إلى الله تعالى لنعرضه مفصلاً في مقالات لاحقة، حيث سنكتشف في مقالي اليهودية والمسيحية أن الكتب التي ينسبها أتباع تلك الديانا إلى الوحي قد نالها التحريف، ثم سندرس في مقال تفصيلي آخر صحة نسبة الوحي القرآني إلى الله. إلا أننا سنضطر في هذا المقال إلى عرض رواية الوحي القرآني للاطلاع عليها، وحتى قبل أن نخوض في أدلة صحة القرآن نفسه.

لا يكشف القرآن عن تفاصيل كثيرة بشأن المرحلة السابقة لوجود الإنسان، فما يذكره هو أن الله خاطب الملائكة بقوله {إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} [ص: 71، 72]، وفي سورة أخرى نقرأ أن الله أخبرهم أن البشر سيكون خليفة، وهناك خلاف بين المفسرين بين من قال إن البشر خليفة لله في الأرض ومن قال إنه يعني أن الناس سيخلف بعضهم بعضا، وقد أجابت الملائكة بقولها {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 30]، واختلف المفسرون أيضا في سبب تنبؤ الملائكة بذلك، ولعل أهم الأقوال أنهم علموا ذلك بإعلام الله تعالى لهم وإن كان ذلك لم يذكر في السياق، أو أنهم قاسوه على أحوال الجن الذين ربما أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء قبل وجود آدم.

وعندما نُفخت الروح في جسد آدم، ابتدأت حياته بأن منحه الله العلم، {وعلم آدم الأسماء كلها} [البقرة: 31]، ثم تحدى الملائكة ليظهر أن لدى آدم من العلم ما لا تعرفه الملائكة.

وامتثلت الملائكة للأمر الإلهي بالسجود له تكريما، فمع أن الملائكة مخلوقات نورانية وهي لا تعصي الله أبدا، إلا أن آدم وجنسه كُرّموا من حيث امتلاكهم لحرية الإرادة والاختيار التي لا تملكها الملائكة.

وامتنع إبليس عن السجود تكبرا، وقال مخاطبا الله بشيء من التحدي {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}، فجاء الرد {فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها، فاخرج إنك من الصاغرين} [الأعراف: 13]، وقد طلب إبليس من الله أن يمهله ويطيل عمره إلى يوم القيامة، فكان له ذلك، وتعهد إبليس بأن يصب جام حقده وحسده على آدم وذريته ليغويهم ويحرفهم عن سبيل الحق، كما وعد بأن يسخر شياطين معه في هذه المهمة.

وفي سورة الأعراف: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} [الأعراف: 172، 173]، وبحسب كثير من المفسرين فإن هاتين الآيتين تلخصان مبدأ التكليف البشري، حيث خلق الله أرواح جميع البشر منذ خلق آدم، ثم أنطقهم الله وسألهم إن كانوا يقرون بأنه ربهم فشهدوا بذلك جميعا، ثم نُفخت تلك الأرواح في أجسادها بحسب الترتيب المقدر لها من عمر البشرية، لتدخل مرحلة الاختبار في الحياة الدنيا وتعيش بما يتوافق مع ما شهدت به منذ البداية، وهو الإيمان الذي يتوافق مع فطرتها البديهية، ثم ستُسأل يوم القيامة عن امتثالها لما أقرت به، وعندئذ سيسترجع البشر تلك الشهادة التي شهدوا بها منذ عصر أبيهم آدم، وسيعتذروا بالغفلة وبتقليد الآباء الذين ضلوا قبلهم.

ويؤكد هذا التفسير قول الله في سورة أخرى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا، ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما} [الأحزاب: 72، 73]. وثمة روايات كثيرة لتفسير هاتين الآيتين، وتكاد تتفق جميعها مع ما روي عن الصحابي ابن عباس الذي قال إن الأمانة هي الفرائض (أي التكليف)، فقبل أن يُكلف الله آدم وذريته بالعبادة ويمتحنهم بالدنيا عرض هذه المسؤولية على الموجودات المادية، فخشيت تلك المخلوقات من عاقبة ذلك وطلبت من ربها أن يعفيها، ثم عُرضت المسؤولية على آدم وبنيه، والأرجح أن يكون ذلك قد عُرض على كل إنسان بشكل فردي، فقبلوا جميعا دخول هذه المجازفة، مع علمهم بأن الفشل فيها يقتضي العقوبة، فجاء التعليق الإلهي بأن الإنسان كان ظلوما لعدم وفائه بالأمانة على الوجه الأمثل، وكان جهولا لعدم تقديره فداحة العاقبة الناجمة عن تفريطه بالأمانة.

ليست هناك رواية مؤكدة عن طريقة خلق حواء التي أصبحت زوجة آدم، لكن القرآن يوضح أنها خُلقت من جسده فيقول {ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} [النساء: 1]، وهناك خلاف بشأن الجنة التي قضى فيها آدم وحواء ردحا من الزمن، فالبعض يرى أنها الجنة التي سيؤول إليها المؤمنون بعد البعث، بينما يفسر آخرون النصوص التي تتحدث عنها بأنها كانت تصف جنة أرضية، وأن الهبوط منها كان هبوطا معنويا بمعنى الخروج، مثل الآية التي تقول لبني إسرائيل {اهبطوا مصرا}.

سواء كانت الجنة أرضية أم في مكان غيبي، فالذي يهمنا هنا هو أن الشيطان نجح في تنفيذ وعده من محاولته الأولى بإغواء آدم، فأقنعه مع زوجته بالأكل من الشجرة التي حرمها الله عليه، وكانت عاقبة ذلك خروجهما من الجنة لتبدأ بذلك قصة البشرية والتكليف والامتحان في الدنيا، مع وجود الشياطين التي تبذل جهدها لإغواء البشر.

ثانياً: قصة الدين

الرواية الأولى: حسب العلم الحديث والفلسفة المادية
أوضحنا في مقال “البحث عن الدين” أن مناهج علوم الأديان الحديثة تنطلق من مبدأ لاديني، حتى أصبح هذا المبدأ رديفا لمصطلح العلم نفسه، فلا يُعد البحث علميا -في الأوساط العلمية اليوم- إلا باستبعاده لأي تفسير يؤدي إلى الاعتقاد بوجود إله أو جهة غيبية. إلا أن هذا المبدأ تعرض للكثير من النقد، ما سمح في العقود الأخيرة بظهور تيار علمي يؤمن بنظرية “التصميم الذكي”، والتي تقدم نتائج علمية تؤكد أن هناك “مصمما ذكيا” وراء العالم المادي دون التعرض لماهية هذا المصمم تجنبا لإقحام العلم التجريبي في قضايا دينية، لكن تيار التطور اللاديني ما زالت له الغلبة في الأوساط العلمية غربيا وعالميا، وهو يشكل جماعة ضغط (لوبي) واسعة النفوذ ولديها القدرة على التأثير في العلوم الاجتماعية، والدينية على وجه الخصوص [انظر مقال “وجود الله“].

حجارة مدببة يعتقد العلماء أنها أنصال نحتها “نياندرتال” في أسبانيا قبل 350 ألف سنة

ووفقا للرواية التي يقدمها تيار التطور الدارويني، والتي تُدرس في المدارس والجامعات وتقوم عليها أفلام هوليود ووثائقيات القنوات العلمية وكافة الموسوعات الكبرى، فإن أولى السلالات البشرية في أفريقيا ظهرت قبل نحو مليوني سنة، حيث أُطلق اسم “هومو هيبيليس” (الإنسان الماهر) على كائن قيل إنه كان أقرب للقردة العليا إلا أنه قادر على تشكيل الأدوات الحجرية كالسكاكين، ثم قام هذا المخلوق منتصبا بعد نحو 100 ألف أو 200 ألف سنة واكتشف النار. ومع أنه ليس هناك أي دليل على أن ذلك الإنسان اكتشف النار بعد أن كان جاهلا بوجودها، فقد بنى الباحثون على هذه الفرضية غير المؤكدة فرضية أخرى وهي أن النار كان دافعا لظهور أولى علامات التدين والتفكير السحري والأسطوري نظرا لغموض النار وقدرته على بث الدفء وطبخ الطعام وطرد الوحوش، وافترض الباحثون أن النار بات مقدسا.

جمجمة يقال إنها لكائن نياندرتال اكتشف في فرنسا
(wikimedia/Luna04)

لم تترك تلك السلالات المفترضة سوى بقايا النار المحترقة والحجارة المسننة على هيئة سكاكين وأدوات بدائية، لذا فكل ما يقال عن معتقداتها وطريقة عيشها وما كانت تفكر به ليس سوى افتراضات.

افترض الباحثون أيضا أن “الإنسان المنتصب” بدأ النزوح نحو آسيا وأوروبا قبل 1.8 مليون سنة، وأنه تطور لاحقا إلى سلالة “نياندرتال” التي ظهرت قبل 350 ألف سنة، وأن هذا المخلوق كان يقدس الحيوانات بدليل العثور في كهوف جبال الألب على جماجم دببة مرتبة بطريقة خاصة ومحاطة بقطع من الحجارة، كما عُثر في أماكن أخرى على جماجم محفوظة لحيوانات الثور والماموث، فافترض الباحثون أنه كان يعبدها تقديسا لقدرات الحيوان الجسمية التي تفوق قدراته. ومن الواضح أيضا عدم وجود دليل على أنه كان يقدسها أو يعبدها، فربما كان يستخدم تلك العظام لأغراض أخرى تجميلية أو سحرية للتواصل مع الشياطين، أو لأغراض أخرى لا تخطر على بالنا اليوم.

تم العثور أيضا على مدافن لما يسمى بإنسان النياندرتال في فرنسا، حيث وُجد بجوار الهياكل العظمية آثار للنار ولحيوانات أخرى مدفونة معها ومقبض فأس حجرية، ووُضعت فرضيات تقول إن ذلك الإنسان كان يعتقد بأن الفأس ستحميه في حياته المستمرة بعد الموت وأن النار والحيوان كان لهما معنى روحي، وذلك دون وجود نص مكتوب أو شفهي يبرر هذا التفسير.

رأى آخرون أن وجود جماجم مكسورة لذلك الإنسان في إيطاليا وكرواتيا (وبعضها محروق)، يعني أنه كان يأكل أدمغة موتاه، ثم بُنيت على هذه الفرضية غير المؤكدة فرضيات التبرير الروحي بالقول إنه كان يعتقد بوجود روح في الدماغ وأنه يمكنه الحصول على قوتها بأكلها. علما بأنه ليس هناك دليل أصلا على وجود طقوس أكل الأدمغة فضلا عن التصديق بهذه التفسيرات.

جانب من رسوم كهف شوفيه

الرسوم الأولى
منذ عام 1879 بدأ اكتشاف الآثار المرسومة بيد إنسان ما قبل التاريخ، وكانت البداية مع كهف ألتاميرا في أسبانيا، ثم اكتُشفت رسوم مشابهة في كهوف بفرنسا وشمال أفريقيا وقُدر عمرها بما بين 11 ألف و19 ألف سنة. ثم اكتُشف كهف لاسكو العملاق في فرنسا والذي تحتفظ جدرانه بنحو ألفي رسم لحيوانات وبشر وأعمال صيد وطبعات أيدي وقُدر عمرها بنحو 17 ألف سنة، أما كهف “شوفيه” في فرنسا المُكتشف عام 1994 فقُدر عمر رسومه الجدارية بنحو 32 ألف سنة.

وبحسب تقديرات علماء الآثار فإن أقدم أثر صُنع بيدٍ بشرية هو كتلتان حجريتان عُثر عليهما في كهف بولومبُس بجنوب أفريقيا، ونُقشت عليهما خطوط هندسية يُعتقد أن يبلغ عمرها حوالي 77 ألف سنة كما ذكرنا سابقا، وقد تم اكتشافهما عام 2002. أما إنسان النياندرتال فيفترض علماء التطور أنه انقرض قبل 24 ألف سنة فقط، وأن سلالتنا الحالية سادت المشهد بعده.

اجتهد علماء الآثار والأديان والأساطير في محاولة تفسير الرسوم الكهفية، إلا أنها جميعا ما زالت تخمينات مجردة عن أي دليل، فلا يوجد أي مبرر أصلا لافتراض أنها ذات دلالة دينية أو سحرية فضلا عن محاولة استخراج ما وراءها من معان شعائرية، فقد تكون للزينة والتمتع بالفن، بل ربما كان من يرسمها يسعى للتسلية لا أكثر، لكن بعض الباحثين –مثل جوزيف كامبل- ذهبوا إلى افتراض أن تكون تلك الكهوف بمثابة المعابد الأولى، ثم تابع باحثون آخرون -مثل فراس السواح وخزعل الماجدي من العرب- مسيرة وضع السيناريوهات التفسيرية، مثل افتراض تقديس الإنسان البدائي للحيوانات المرسومة على الجدران استحضارا لقوة العالم الحيواني الموازي، طمعا في الاتصال بعالم غيبي.

وضعيتان لتمثال “فينوس هول فلس”

التماثيل الأولى
يقول المؤرخون إن الإنسان “البدائي” انتقل لاحقا من الرسم والتلوين إلى النحت والتجسيم، فظهرت “تماثيل فينوس الصغيرة”، حيث اكتُشفت خلال القرن العشرين في عدة مناطق أوروبية تماثيل أنثوية صغيرة متشابهة، وأطلق عليها اسم “فينوس” تشبيها لها بآلهة الحب اليونانية، بالرغم من عدم وجود دلائل تربط بين هذه التماثيل وبين أي بُعد أسطوري، ويقول الآثاريون إن أقدمها هو “فينوس هول فِلس” الذي اكتُشف في ألمانيا والمُقدر عمره بما بين 35 ألف و40 ألف سنة.

بعض هذه التماثيل كان منحوتا في جدران الكهوف مثل كهف لاوسيل في فرنسا، وحجمها يتراوح بين 3 سم و40 سم، لذا يُطلق عليها البعض اسم الدمى، وقد نُحتت على هيئة غريبة حيث ضُخمت أثداؤها وبطونها، فرجّح الباحثون أن الإنسان آنذاك كان يبجل وظائف الأمومة فسلط اهتمامه على أعضاء الخصوبة والحمل والإرضاع، في مقابل طمس ملامح الوجه. وفي مراحل لاحقة ظهرت دمى تحمل أشكالا أكثر غرابة، بوجوه أفعوانية وأجساد خنثوية تجمع بين الأثداء وأعضاء الرجل، ما يعني احتمال أن تكون لهذه التماثيل أغراض سحرية شيطانية، كما وُجدت تماثيل صغيرة للرجال ولكن بعدد أقل من للإناث ما دفع الباحثين للاعتقاد بأن القدماء قدسوا الأنثى قبل الذكر.

يستند الباحثون في ربط هذه الدمى بالعبادات الوثنية إلى التشابه بينها وبين تماثيل فينوس وشبيهاتها التي ظهرت بعد اختراع الكتابة (التاريخ)، فعلى سبيل المثال تتشابه دمية مكتشفة في تل المريبط بسورية (يقدر أنها تعود للألف الثامن قبل الميلاد) مع تماثيل الإلهة عشتار التي ظهرت بعد نشوء الكتابة، ما يعطي الباحث مبررا للاعتقاد بأن الدمى البدائية التي ضُخمت فيها الأثداء والعضو التناسلي كانت ترمز فعلا لتقديس الخصوبة مع ربطها بخصوبة الأرض. ومع ذلك، لا نملك دليلا مؤكدا على نوايا صانعي تلك الدمى قبل ظهور الكتابة، فربما كانت آلهة تُعبد، وربما كانت تُستخدم لأغراض سحرية بهدف إيذاء امرأة ما، بل يقترح البعض أنها لم تكن سوى تجسيد لدوافع المتعة الجنسية.

أنصاب ستونهنج في بريطانيا

المعابد الأولى
يعتقد باحثون أن أولى المعابد ظهرت على هيئة كتل صخرية ضخمة أطلقوا عليها اسم “الأنصاب الميغاليثية” وهو مصطلح تم تأليفه بالأسبانية من مقطعين ويعني الأنصاب الحجرية الضخمة، وما زالت بقايا تلك الإنشاءات العملاقة في تركيا ومصر والشام وأوروبا الغربية والشمالية تذهل الباحثين أمام قدرة “البدائيين” على نصب كتل حجرية تزن 300 طن رأسيا ثم رفع كتل أفقية عليها بوزن 100 طن لكل منها.

وهناك عدة أشكال لبناء تلك الأنصاب، وقد اكتُشفت بالقرب من بعضها مدافن صخرية، ما دفع كثيرا من الباحثين للاعتقاد بأن “الديانة الميغاليثية” تتعلق بتقديس أرواح الموتى، حيث كانت منازل الفلاحين في العصر الحجري الحديث (النيوليت) متواضعة جدا ولا يكاد يُعثر لها على أثر، بينما نُصبت للأموات مدافن ومعابد بالصخور الضخمة التي ما زالت قائمة بعد قرون.

يُعد موقع “غوبكلي تيبي” في تركيا -الذي يضم 20 معبدا- أقدم المواقع الدينية المكتشفة حتى اليوم، ويعود تاريخ اكتشافه إلى عام 1994، أما تاريخ بنائه فيعود إلى ما قبل 12 ألف سنة تقريبا، أي إلى أواخر العصر الحجري الحديث، حيث يتوقع الألماني كلاوس شميدت الذي أشرف على التنقيبات في الموقع أنه كان أكبر موقع للعبادة والحج في العالم القديم، وأن القبائل كانت تقصده من أماكن بعيدة، ومازالت حجارته تحتفظ بنقوش تصوّر أشخاصا ونساءً عاريات وحيوانات أسطورية وبرية وحشرات وطيور.

وحسب النظريات التي تقول إن الإنسان كان يعتمد على الصيد وجني الثمار قبل أن يبدأ بالزراعة وتدجين القمح، فإن بناء “غوبكلي تيبي” تزامن مع هذه المرحلة الانتقالية التي شهدت تغيرا كبيرا في مناخ الأرض وانحسار الغابات والأنهار وانقراض أو انخفاض أعداد كثير من الحيوانات، وبعد أن كان الباحثون اللادينيون يفترضون أن الناس تعلّموا الزراعة أولا ثم انتقلوا من حياة البداوة إلى إنشاء مجتمعات حضارية فإن اكتشاف هذا الموقع دفع علماء آخرين إلى افتراض العكس، حيث كان يُعتقد أن المعابد لم تظهر إلا بعد تشكل المدن والحكومات والتفرغ لإنشاء المعابد، لكن الاكتشاف الأخيرة يؤكد أن الدين كان سابقا على ظهور الحضارة، وهو ما يلخصه شميدت بقوله “المعبد ظهر أولا، ثم ظهرت المدينة”.

اكتشاف معابد “غوبكلي تيبي” في تركيا دفع بعض الباحثين إلى إعادة النظر في أفكارهم عن الإنسان “البدائي”، حيث يبدو أن الناس كانوا يمتلكون الكثير من مقومات الرفاه والسعادة، وربما أكثر مما وفرته الحياة في المدن بعد نشوء الحضارة.

(gobeklitepe.info)

يُعتقد أن رموز الكتابة الأولى ظهرت للمرة الأولى في العراق قبل 8500 سنة، لكن التأريخ لم يبدأ إلا على يد السومريين قبل خمسة آلاف سنة تقريبا، حيث تركوا لنا أساطيرهم ورواياتهم مكتوبة ومفهومة، بينما لا يمكن فهم ما كانت عليه معتقدات من كان قبلهم سوى بالمقارنة والتأويل والتخمين.

ويرى باحثون أن ظهور الحضارة نفسها تزامن مع ظهور الكتابة والتأريخ، فالناس كانوا يعيشون قبل ذلك في قبائل، وبدون تنظيم لحدود الدول وسياسة الحكم، لذا لم ترتبط معابد ما قبل التاريخ بنظام حكم وثني مؤسسي قائم على التوافق بين الملك والكهنوت، وهو ما حدث عندما ظهرت الدول الحضرية للمرة الأولى في العراق كما يُخبرنا التاريخ المدون، لكن هذا لا يمنع نشوء حضارات سابقة دون أن تكتب تاريخها.

وسنبحث في مقال الوثنية نشوء هذا النمط من الدين المؤسسي الكهنوتي. ومع أنه لا يختلف عن وثنية ما قبل التاريخ من حيث كونه انحرافا عن الوحي، إلا أنه كان أكثر ارتباطا بالسلطة الحاكمة وأكثر رسوخا في المجتمع.

نقد المنهج المادي
تستند جميع الأبحاث التي تعرضنا لنتائجها سابقا إلى مخرجات علم الأنثروبولوجيا، أي “علم الإنسان”، وهو مجال بحثي ظهر في العصر الحديث ويربط ما بين العلوم الاجتماعية وعلوم الحياة، والعلوم الإنسانية، أي أنه يستفيد من نتائج أبحاث التشريح القائمة أساسا على نظرية التطور، وكذلك من نتائج علمي الاجتماع والنفس، فهو يرصد سلوك الجماعات البشرية من خلال المنظور البيولوجي التطوري.

ويقوم هذا العلم منذ نشأته على البحث عن القبائل المعزولة في غابات أفريقيا والأمازون وأستراليا لدراستها، وافتراض أنها ما زالت تعيش وفق نمط حياتها الراكد منذ آلاف السنين، كما يقوم على دراسة الأحافير والنقوش والأساطير لرسم صورة عامة عن حياة القبائل “البدائية” قبل التاريخ. لكن هذا المنهج ما زال يتعرض لانتقادات منهجية كبيرة منذ نشأته، وأهمها ما يلي:

1- ليس هناك دليل ينفي إمكانية انحدار المجتمعات “البدائية” عن مجتمعات كانت أرقى سلوكا وأكثر تحضرا، وأن ما نراه اليوم من قبائل تعتاش على الصيد ليس سوى حالة انتكاس عن أسلاف متحضرين.

2- هناك الكثير من الباحثين الرواد في هذا العلم ممن أمضوا بضع سنوات في العيش مع تلك القبائل، ثم وضعوا مؤلفات تصف طريقة عيشهم وثقافتهم، وبنى آخرون عليها نظريات علمية ما زالت تُدرس في الجامعات، ويرى النقاد أن هذا لا يكفي لفهم طبيعة حياة البشرية كلها، وأنه تعميم مجحف.

3- تستند معظم الأبحاث في تفسيرها للسلوك والعادات الاجتماعية والتقاليد على أساس الأسبقية الزمنية، فما كان سابقا فهو الأصل، وما جاء لاحقا فلا بد –وفقا لهذا المنهج- أنه اقتبس عن الذي قبله، وهذا افتراض بلا دليل، كما أنه تجاهل لقدرة الإنسان على الفكر والإبداع حتى لو لم يكن لديه اتصال بمن سبقه. كما أن بعض التقاليد قد تتشابه في ظاهرها إلا أنها تختلف كثيرا في وظيفتها وأصلها.

4- من أهم الانتقادات التي باتت شائعة اليوم أن معيار التقدم والتخلف ليس بالبساطة التي يفترضها رواد هذا العلم، فالاكتشافات المتتالية تثبت أن القدماء تمتعوا بعلوم متقدمة للغاية، وأن أنماط الحياة نفسها لم تكن دائما على النحو “البدائي” المفترض، فقد تركوا لنا ما يثبت تمتعهم بحس ذوقي وتقدير عال للجمال والفنون والآداب.

لذا يقترح باحثون معاصرون إعادة النظر في مصطلح “البدائية” لصعوبة وضع تعريف علمي له، فالإنسان “البدائي” كان يفكر بنفس المنطق الذي يفكر به الحداثي، وإذا كانت بعض الشعوب القديمة قد آمنت بالأساطير لتفسير الظواهر الطبيعية فهناك شعوب قديمة أخرى لم تؤمن بها، كما أن معظم تلك الأساطير ما زالت حاضرة اليوم في عقول ملايين البشر، بل لا تكاد تخلو حياة الإنسان الغربي الحداثي من الاعتقاد ببعض الأساطير.

يقول المؤلف لويس ممفرود في كتابه “أسطورة الآلة” إن الأنثروبولوجيين ارتكبوا جريمة في حق إنسان ما قبل التاريخ، حيث اعتبروا أن الأشياء المادية من العظام والحجارة هي البرهان الوحيد الذي يمكن قبوله لفهم حياة الإنسان “البدائي”، فالشعائر الدينية واللغة والتنظيم الاجتماعي التي لم تترك أثرا ماديا كانت أهم ما أنتجه الإنسان آنذاك، ومع أن بعض القبائل الأسترالية على سبيل المثال لم تتمتع باختراعات تقنية متقدمة؛ إلا أن احتفالاتها الدينية منظمة جدا، وهي تملك لغة غنية للغاية.

الرواية الثانية: حسب التراث المنسوب للوحي والقرآن

مرحلة آدم وابنه شيث
سنعرض لاحقاً في مقال “نبوة محمد” ما يؤكد حاجة الإنسان للاتصال بخالقه، كما سنتحدث عن أدلة صحة النبوة باعتبارها الوسيلة الوحيدة الموثوقة لهذا الاتصال، إلا أننا مضطرون في هذه المرحلة إلى الاكتفاء بالسرد التاريخي المبدئي لرواية الوحي (التي جاء بها النبي محمد).

يؤكد الوحي المحمدي أن آدم كان أول البشر وأول الأنبياء معا، ففي الحديث قال أحد الصحابة: يا رسول الله، أنبيّ كان آدم؟ قال: “نعم معلَّم مكلَّم”، وقد ورد هذا الحديث بعدة طرق وصححه الأرناؤوط والألباني. وفي حديث آخر قال أبو ذر: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ فقال صلى الله عليه وسلم “المسجد الحرام”، قال ثم أي؟ قال “المسجد الأقصى”، قال كم كان بينهما؟ قال “أربعون سنة” [البخاري: 3366، ومسلم: 520]. ونستنتج من الحديث أن آدم بنى أول معبد لعبادة الإله الواحد منذ فجر البشرية، ثم بُني المسجد الأقصى في بيت المقدس بفلسطين، ولا ندري إن كان آدم هو الذي بناه أم أحد أبنائه.

وبالرغم من عدم ظهور الشرك في تلك المرحلة، فقد ارتكب أحد أول أبناء آدم الجريمة الأولى، عندما قتل قابيل أخاه هابيل بدافع الغيرة وفقا لما ورد في الكتاب المقدس والقرآن الكريم، إلا أن الانحراف عن الدين نفسه لم يظهر إلا في مرحلة متأخرة.

وبحسب القصص الإسرائيلية، يُعتقد أن الله وهب آدم ابنه شيث عوضا عن هابيل القتيل، وأن شيث كان ثاني الأنبياء بعد أبيه، وليست في أيدينا اليوم تفاصيل إضافية عن حياة شيث، سواء من الوحي أو من الكتابات التاريخية. وتقول القصص التوراتية إن النبي إدريس (أخنوخ بالعبرية) جاء في الجيل الرابع من أحفاده، وسنبحث في مقال الغنوصية الأفكار الهرمسية التي نُسبت إلى إدريس (هرمس لدى بعض الحضارات)، بينما نستعرض في هذا المقال لاحقاً نبذة عن وجوده التاريخي.

وبما أن تلك المرحلة من حياة البشر لم تترك لنا شيئا مكتوبا عن تاريخها، كما لم يذكر النبي محمد متى خُلق آدم وكم هي المدة التي تفصلنا عنه، فليس لدينا سوى نص واحد (من بين المكتشف حتى الآن) يمكن الاستئناس به عن تاريخ تلك المرحلة السابقة للتاريخ، وهو نص طيني يدعى “قائمة ملوك سومر”، حيث قُسم فيه التاريخ السومري بالعراق إلى ما قبل الطوفان وما بعده.

قائمة ملوك سومر

يُعتقد أن “قائمة ملوك سومر” كُتبت في حوالي عام 2000 قبل الميلاد، وهي تقول إن أول ملوك البشرية هو “إلوليم” (آدم على الأرجح) الذي خرج من الجنة وأنشأ مدينة إريدو (تل أبو شهرين) في العراق بأمر من الإله إنكي، وبقي في الحكم 28 ألف و800 سنة، وتلاه سبعة ملوك كانت مدة حكم كل منهم تتراوح بين ما يقارب 43 ألف سنة ونحو 18 ألف سنة، ثم كان الطوفان الذي أهلك معظم البشر، وأصبحت أعمار الناس بعده أقصر بكثير، ثم سرعان ما نقصت أعمارهم خلال بضع سلالات حتى أصبح متوسط العمر نحو مئة سنة. ويرى بعض المؤرخين أن كاتب النص أطال في أعمار ملوك ما قبل الطوفان إلى هذه الأرقام الضخمة لأنه لم يجد سوى ثمانية أسماء تملأ تلك الفترة، إلا أن النصوص اليهودية والمسيحية والإسلامية تؤكد على أي حال أن أعمار الناس في تلك الفترة كانت في حدود ألف عام، وقد أجرينا حسابا لمجموع مدة حكم ملوك هذه المرحلة (منذ حياة آدم وحتى بدء التاريخ المدوّن) فكانت النتيجة هي 241 ألف و200 سنة.

وإذا كان تأريخ “قائمة ملوك سومر” لقصة الإنسان منذ ما قبل التاريخ صحيحاً، فهذا يعني أن الإنسان لم يعش في مراحل بدائية متنقلا عبر أربعة عصور حجرية، تبدأ بالرعي والتقاط الثمار وتنتهي بتأسيس المدن والحضارات، بل كان آدم (أول البشر) هو مؤسس أولى الحضارات بتأسيسه لمدينة إريدو، ثم حدث الطوفان بعد عدة قرون ليعاد تأسيس الحضارة من جديد ويبدأ التاريخ مع ظهور الكتابة. لكن تصديق هذه الرواية سيظل مرهوناً بصحة ما جاء في تلك القائمة وصحة تأويلنا لمضمونها، وهما افتراضان لا يمكن الجزم بهما، كما أن تكذيب بعض ما جاء فيها -إن حدث- لا يعني بالضرورة أن كل ما فيها كذب محض.

من جهة أخرى، تؤمن طائفة المندائيين -التي يعيش أفرادها القلائل اليوم في العراق- أنها ما زالت تحتفظ بالكتب السماوية التي أنزلت على آدم وشيث وإدريس. وفي الوقت نفسه يقول الباحث العراقي خزعل الماجدي إن المندائيين هم ورثة الحضارة البشرية الأولى، فهم الذين أسسوا مدينة إريدو بعد الطوفان وقبل ظهور السومريين.

 يؤمن المندائيون بأن كتابهم المقدس “الكنز العظيم” (كنزا ربّا) هو كلام الله ووصاياه الموحى بها إلى النبي آدم قبل نزوله إلى الأرض، كما يضم وصاياه إلى أنبياء آخرين، وهم شيتل بن آدم (شيث)، أنوش بن شيتل، نو (نوح)، سام بن نو (سام بن نوح)، دنانوخ (إدريس)، ويهيا يهانا (يحيى بن زكريا).

وبالجمع بين الروايات قد يصح القول (دون جزم) إن المندائيين كانوا من قوم آدم الذين أسسوا أولى المدن والحضارات (إريدو)، ومن بقي منهم بعد طوفان نوح أعادوا تأسيس مدينتهم نفسها لتصبح موطن الحضارة المعروفة في التاريخ المدون اليوم، ثم تفرعت عنهم بقية حضارات الرافدين.

إدريس النبي وهرمس الحكيم
هناك تضارب كبير بشأن شخصية هرمس، فبينما يفترض البعض أنها شخصية أسطورية نُسب إليها خليط من الأفكار والأساطير، يقول البعض إن هناك ثلاثة هرامسة في التاريخ القديم، الأول كان يسكن في صعيد مصر وهو الذي بنى الأهرام وسجل فيها الصناعات والآلات كي لا تضيع العلوم في طوفان نوح، والثاني هو الذي بنى بابل بعد الطوفان وبعد عصر النمرود، والثالث كان مصريا أيضا.

ويتفق كثير من المؤرخين المسلمين على أن هرمس الأول هو النبي إدريس عليه السلام، ويسمى أخنوخ (وكذلك إنوخ وخنوخ) بالعبرية، وقد اشتق العرب اسمه من كلمة درس أي أنه الدارس الحكيم.

ونجد لهذه الشخصية ذكرا في تراث الفرس واليونان والكلدانيين والفراعنة مع اختلاف بسيط في التسمية، وكأنه شخص واحد لكن الأمم اختلفت في تسميته بما يناسب لغاتها، أو أن عدة حكماء لاحقين جاءوا بعده وتمت تسميتهم باسمه “هرمس” أو “هرمز” تيمّنا به. وقد درجت تسمية هرمس الأول باسم هرمس المثلث بالعظمة أو المثلث بالحكمة لأنه جمع بين الحكمة والنبوة والملك.

وبحسب العهد القديم من الكتاب المقدس لدى اليهود، فقد ورد نسب أخنوخ على أنه ابن يرد بن مهلائيل بن أنوش بن شيث بن آدم، وأنه أبو جد نوح. وهو نسب يتطابق تقريبا مع ما ورد عن ابن عباس، كما روي عن الصحابي أبي ذر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء، فأخبره عن عددهم ثم قال “أربعة سريانيون: آدم وشيث ونوح وخنوخ وهو إدريس، وهو أول من خط بقلم”، وهو حديث ضعيف رغم وروده بأربعة طرق. وإذا كان هو أول من خط بالقلم فعلاً فهذا يعني أن الكتابة بدأت في عصره، وأن الوحي الذي أنزل على الأنبياء الذين قبله كان يُنقل شفهياً، لكن أقدم ما وصلنا من التاريخ المدون يعود إلى الحضارة السومرية التي نشأت بعد الطوفان، وليس بين يدينا الآن نص مكتوب مما قبل ذلك.

ونقل المؤرخون المسلمون روايات عن حياة إدريس تداخلت فيها الإسرائيليات غير المؤكدة، ففي كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري عايش إدريس آدم وشيث وكان ثالث الأنبياء، وأنزلت على إدريس ثلاثون صحيفة (أي كتاب سماوي)، وأن بدء انحراف البشرية عن عبادة الله في عصره عندما عبدوا الأصنام بدعوة من إبليس، فحمل إدريس وأتباعه السلاح وكان أول من جاهد في سبيل الله، ولكن هذا القول غير مؤكد، وثمة تفسيرات أخرى لدى المسلمين تميل إلى أن الوثنية بدأت في عصر نوح وليس إدريس، وأن إدريس تابع مهمة آدم وشيث في تعليم الناس وإرشادهم إلا أنه لم يواجه معضلة إعادتهم إلى التوحيد لأن الوثنية لم تكن قد ظهرت بعد.

وهناك حديث لأبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم وصححه ابن حبان، جاء فيه أن الله أنزل مئة كتاب وأربعة كتب وأنه أنزل على خنوخ (إدريس) ثلاثين صحيفة.

ومع إقرار التوراة بأن إدريس تلقى وحيا مكتوبا من السماء، فإن “سفر أخنوخ” المنسوب إليه لا يُعترف به إلا من قبل الكنيسة الأثيوبية التي تعتبره جزءا صحيحا من الكتاب المقدس، وقد تم اكتشافه ضمن مخطوطات البحر الميت في نسخة مكتوبة باللغة الآرامية يعود تاريخها إلى مائة عام قبل الميلاد، وهي تتضمن إشارات لنبوة محمد في آخر الزمان. وسنتعرض للوثنية -التي نعتقد أنها طرأت على رسالة إدريس التوحيدية في مصر- بموضع لاحق من هذا المقال.

النبي نوح وقومه
بحسب العهد القديم من الكتاب المقدس (التوراة التي يؤمن بها اليهود اليوم) فإن نوح كان ابن حفيد إدريس، وقد نشأ في الجيل العاشر بعد آدم، كما نجد ذكر نوح في كتاب “الكنز العظيم” وهو الكتاب المقدس لدى طائفة المندائيين الذين يقيمون حاليا في العراق، وهو يدعى في كتابهم “نو”، وما زالوا يقيمون احتفالا دينيا كل عام في ذكرى الطوفان.

وعلى صعيد الأساطير، نجد ذكر نوح (بطريقة محرّفة) في كل من ملحمتي جلجامش وأتراحاسيس اللتين سيرد ذكرهما في هذا المقال لاحقا، كما نجد أن “قائمة ملوك سومر” المذكورة أعلاه قد قسمت قصة الإنسان أصلاً إلى ما قبل الطوفان وما بعده.

بحسب الرواية الإسلامية للتاريخ، ظلت البشرية على قلة عددها مؤمنة بالله وعلى ديانة أبيهم آدم، إذ يقول القرآن الكريم في سورة البقرة {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه}، وقد فسر ابن عباس الآية بقوله “كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين” [أخرجه الحاكم في المستدرك]، ولعله اقتبس هذا المعنى من حديث يقول إن رجلا قال: يا رسول الله، أنبيّ كان آدم؟ قال: نعم معلَّم مكلَّم، قال: كم بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون. قال: كم كان بين نوح وإبراهيم؟ قال: عشرة قرون. قالوا: يا رسول الله كم كانت الرسل؟ قال: ثلاثمائة وخمس عشرة جمًّا غفيرا. وقد ورد هذا الحديث بعدة طرق وصححه الأرناؤوط والألباني، والراجح أن كلمة قرن ليست محصورة بمئة سنة كما هو متداول في عصرنا بل قد تعني الجيل والأمة، فربما يكون القرن أطول لأن أعمار الناس آنذاك كانت طويلة جدا.

وفي حديث الشفاعة يوم القيامة، يذهب الناس إلى نوح ويقولون له {يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض} [أخرجه مسلم وهو حديث صحيح]، ويبدو من هذين الحديثين أن آدم وشيث وإدريس كانوا أنبياء، إلا أنهم لم يُكلفوا بالرسالة لأن الناس في العصور الأولى كانوا على الإيمان، فربما كانت الصحف (الكتب) التي أنزلت على الأنبياء الثلاثة الأوائل لا تتضمن رسالة إلى الناس بل مواعظ ونصائح ونبوءات، كما يُحتمل أن يكونوا رُسلا وأن يكون تأويل الحديث السابق هو أن نوح كان أول المرسلين إلى كافة أهل الأرض بعد أن مات معظمهم ولم يبق إلا قومه الناجون فكان رسولا إليهم وهم يمثلون كل البشرية.

جاء في حديث قدسي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه {وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا} [رواه مسلم وهو صحيح]. وهذا يفسر الآية التي وردت في سورة نوح بالقرآن الكريم، عندما شكى نوح قومه إلى الله، فقال من بين ما قاله عنهم {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا}، وقد شرح الصحابي عبد الله بن عباس هذه المصطلحات بقوله إنها “أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عُبدت” [رواه البخاري]، أي أن أول جيل بشري عبَد الأصنام هو قوم نوح، وأن ذلك لم يحدث إلا بعد تدخل إبليس، حيث دبر خطته بدهاء وصبر طال عدة أجيال، ففي الجيل الأول أقنعهم بصناعة التماثيل لتكون تذكارا للأموات الصالحين، ثم تطلب الأمر مرور عدة أجيال لينسى الناس سبب صناعتها، فقال إبليس للأحفاد إن أجدادهم صنعوا التماثيل ليعبدوها فتنزل عليهم المطر والرحمة فعبدوها، فأرسل الله إليهم رسوله نوح ليأمرهم بالعودة إلى الإيمان.

ويقول القرآن الكريم في سورة العنكبوت {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون}، أي أن دعوته لهم استمرت 950 سنة، حتى يئس منهم فاشتكى إلى ربه، وقد روى لنا القرآن في “سورة نوح” شكواه التي تؤكد أنه لم يترك سبيلا ممكنا لدعوتهم إلا سلكه، فلم يجد منهم سوى التكبر والسخرية والإصرار على الفساد والإفساد، وقالوا {يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا}، {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن}، وعندها دعا نوح ربه بأن يهلكهم ويأت بقوم آخرين: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، إنك إن تذرهم يُضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا}، ويقال إن من رحمة الله أن أوقف نسلهم فلم تلد النساء أربعين سنة حتى لا يبقى بينهم طفل فيلحقه العذاب وهو غير مُكلَّف، ثم أمر الله نبيه نوح ببناء سفينة وأن ينتظر الإشارة التي تنبئه بموعد الطوفان، فحمل معه الذين آمنوا به وزوجين من كل الحيوانات التي كانت تعيش في المنطقة.

الموقع الذي يعتقد البعض أن سفينة نوح رست فيه
(wikimediaMfikretyilmaz)

تتفاوت الروايات الإسرائيلية عن عدد الذين كانوا معه والمدة التي قضوها في الماء بعد أن تفجرت الينابيع وانهال المطر حتى ملأ الماء اليابسة، لكن القرآن الكريم اكتفى بالقول إن السفينة رست بعد ذلك على جبل الجودي، بينما تقول الرواية اليهودية إنه جبل أرارات، والراجح أن أرارات هي سلسلة من الجبال وليست جبلا واحدا وأن الجودي جزء منها، وقد اكتُشف عام 1948 أثر يُرجح أنه للمكان الذي استقرت فيه السفينة على سفح الجودي، وكُشف في الحفريات عن بقايا المسامير المعدنية التي يعتقد أنها استُخدمت في بناء السفينة وعن ألواح خشبية متحجرة بما يتوافق مع الآية القرآنية {وحملناه على ذات ألواح ودُسر}، وبعد نحو أربعين سنة اكتُشفت في قرية مجاورة مرساة حجرية، ثم تتالى الكشف عن مراسٍ مماثلة على طول الطريق الذي يُعتقد أن السفينة قطعته، حيث يُفترض أنها كانت تعمل على تثبيت السفينة كي لا تقلبها الأمواج الضخمة، فقد ورد في الآية أنها كانت {تجري بهم في موج كالجبال}. ويجدر بالذكر أن اكتشاف هذه الآثار لا يعني بالضرورة أنها تعود فعلا إلى النبي نوح.

هناك من يفسر قصة الطوفان بأنها حدثت في أرض العراق ومحيطها ولم تشمل الكوكب كله، واستبعد أصحاب هذا الرأي أن تتسع السفينة لزوجين من كل الحيوانات والنباتات التي يبلغ عددها ملايين الأصناف والفصائل، مفترضين أن النبي نوح حمل ما كان يقدر على حمله من كائنات تعيش في منطقته لتستمر في التكاثر، وأن البشر على قلتهم كانوا محصورين في تلك المنطقة وحدها. لكن هناك من يرى أن الطوفان شمل الكوكب كله، ويستندون بذلك إلى تكرار قصته في تراث أمم بعيدة، مثل الصين والهند واليونان، وحتى لدى شعوب الدول الإسكندنافية في أقصى الشمال الأوروبي ولدى قبائل الأزتيك بأميركا اللاتينية. ويدافع اليهود والمسيحيون عن هذا الرأي بما يتوافق مع الكتاب المقدس، لكن وجود قصة الطوفان لدى الأمم البعيدة التي عاشت في قرون لاحقة قد يكون نتيجة ورودها على لسان أنبياء بُعثوا إليهم بعد نوح أو أنها انتقلت إليهم عبر أشخاص رحلوا إليهم، دون أن يكونوا قد عايشوا التجربة بالضرورة.

وقد وردت قصة الطوفان في لوح طيني يعود إلى الحضارة السومرية بمدينة نفر “نيبور” العراقية، كما وردت في ملحمة جلجامش الأسطورية التي اكتشفت ألواحها عام 1872 في العراق، وأعاد صياغتها أيضا الراهب البابلي بيروسوس في القرن الرابع قبل الميلاد. وتتشابه أحداث القصة في كل هذه الحكايات مع اختلافات بسيطة بما يتناسب مع السلطة التي كانت تحكم آنذاك.

علاوة على ما سبق، تؤكد الاكتشافات الجيولوجية أن طوفانا هائلا غمر مناطق واسعة في سورية والعراق وتركيا وإيران ومحيط البحر الأسود، لكن زمن حدوثه مازال محل جدل، ويُرجح أنه يعود إلى نحو 8000 آلاف سنة من الآن على أبعد تقدير.

ما بعد الطوفان
ليست هناك أدلة تاريخية محفوظة في المخطوطات أو الألواح الطينية تحكي ما حدث للبشر بعد الطوفان، إلا أن الروايات المحفوظة لدى الأديان السماوية اليوم تؤكد أن نوحًا كان بمثابة أبي البشر الثاني، فكل من جاء بعده كانوا من سلالات أبنائه، ونجد تأييدا لذلك في القرآن الكريم الذي قال {وجعلنا ذريته هم الباقين} [الصافات: 77]، وقد فسر ابن عباس هذه الآية بقوله “لم يبق إلا ذرية نوح”، وقال البعض إن السفينة كانت تقل أشخاصا آخرين ممن آمنوا بنوح إلا أنهم لم يتركوا ذرية من بعدهم، فكان الناس جميعا من أبناء نوح الثلاثة وهم سام أبو العرب (وبقية السلالات في ما يسمى بالشرق الأوسط، ويافث أبو الروم (السلالات الأوروبية اليوم)، وحام أبو الحبش (الشعوب الأفريقية)، ولا ندري إن كان الأبناء الثلاثة قد نزحوا إلى أصقاع الأرض وتوالدوا أم أن سلالاتهم هي التي هاجرت في مرحلة لاحقة.

لوح سومري يعود إلى عام 2350ق.م

يتفق معظم الباحثين اليوم على أن بلاد الرافدين (العراق) هي مهد الحضارات الأولى، فمع أن هناك تجمعات بشرية في مناطق عدة كانت مزامنة لها في جزيرة العرب وتركيا ومصر إلا أن التاريخ المدون يدل على أن أول مظاهر الانتقال من حياة القبائل إلى تشكيل المدن والدول الحضارية القوية كان في العراق، وأن الدولة السومرية كانت هي أولها ظهورا، ويقول الدكتور أحمد سوسة في كتابه “تاريخ حضارة وادي الرافدين” إن السومريين ذكروا في الألواح الطينية أنهم تركوا موطنا في أرض جبلية يمكن الوصول إليها بحراً وهاجروا إلى العراق، ويرجح مؤرخون أن يكون موطنهم الجبلي الأول هو أواسط آسيا (وراء البحر الأسود)، وهو ما يمكن أن يتقاطع مع القول بأنهم قبائل بدوية نزحت من موقع رسوّ سفينة نوح.

لكن ترجيح الرأي القائل بأن الحضارة بدأت بالعراق يستند أساسا إلى أن اختراع الكتابة التي دوّن بها التاريخ حدث هناك أولاً وفق ما تدل عليه الاكتشافات الأثرية، وهذا لا يمنع أن تكون هناك حضارات سابقة في أماكن أخرى.

يقول المؤرخ ابن خلدون في موسوعته “العِبر” إن قوم ثمود انتقلوا إلى جزيرة العرب من بابل لما زاحمهم فيها بنو حام فسكنوا البادية بجزيرة العرب، ثم تحضروا وحكمهم الملوك، وهما من أوائل الشعوب العربية.

وبحسب القرآن الكريم، بعث الله نبيه هود إلى قوم عاد بعد فترة غير محددة من الطوفان، ولم يحدد القرآن المكان الذي عاش فيه هذا القوم إلا أنه وصفه بكلمة “الأحقاف” أي منطقة الهضاب الرملية، كما أطلق عليه اسم “إرَم ذات العماد” أي التي تعلوها أعمدة المباني الضخمة، وهناك جدل واسع بشأن تحديد الموقع، ومازال الباحثون يقدمون اجتهادات مدعومة بحفريات وصور للأقمار الصناعية، مع التركيز على منطقة الربع الخالي ما بين عُمان واليمن والسعودية، وليست هناك نتائج مؤكدة، كما اجتهد بعض المؤرخين المسلمين لتحديد نسب النبي هود، فقال بعضهم إنه كان يسمى “عابر” وهو ابن حفيد سام بن نوح.

انحرف قوم عاد عن التوحيد كما فعل قوم نوح، حيث قال لهم نبيهم هود {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة}، ويحكي القرآن الكريم في أكثر من موضع عما جرى من حوار بينهم وبين النبي هود، حيث كانوا معتدّين بقوتهم وحضارتهم، إذ تقول الآية في سورة فصلت {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة، أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون}، فعوقبوا بالإبادة عندما هبّت على أرضهم ريح عاتية لعدة أيام كما تقول الآية {فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات}، {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما}

وبما أن أرض عاد غير مكتشفة بعد فليس هناك مصدر لتاريخ ذاك القوم سوى القرآن الكريم، وقد ذكر القرآن من بعد عاد قوم ثمود، وهم من أوائل القبائل العربية التي يعتقد أنها انحدرت من سام بن نوح وهاجرت مبكرا إلى الحِجر (مدائن صالح في منطقة تبوك بشمال السعودية حاليا)، وأسست إحدى أولى الحضارات البشرية، وتخبرنا النقوش الصخرية أن الأنباط حفروا تلك المنازل الضخمة في الصخر والتي مازالت باقية إلى اليوم، لكن هناك رسوما أقدم تؤكد أن المعينيين (سلالة ثمود) واللحيانيين سكنوها قبلهم، وأن المعينيين كانوا هم أول من سكنها قبل الميلاد بنحو 7 آلاف سنة.

مدائن صالح التي كانت موطن ثمود (Madain Saleh)

وبحسب القرآن الكريم، فإن ثمود الأوائل انحرفوا عن التوحيد كما فعل قوم نوح وعاد، فأرسل الله إليهم نبيا منهم اسمه صالح، إذ تقول الآية {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم} [الأعراف: 73]، لكن الأسياد تمردوا وتحدوه وطالبوه بمعجزة لتصديقه، فدعا صالح ربه فأخرج لهم ناقة حية من صخرة أمام أعينهم، وحذرهم من إيذائها، فذبحوها بعد فترة، فكان العقاب أن أبيدوا بالصيحة بينما نجى المؤمنون وهم قلة مع نبيهم بمغادرة المكان. وقد أكد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقوع هذه الحادثة في مدينة الحِجر نفسها عندما مر بها مع صحابته أثناء غزوة تبوك.

يقول ابن الأثير في كتابه “الكامل في التاريخ” إن أهل الكتاب من اليهود والنصارى يزعمون أنه لا ذكر لعاد وهود وثمود وصالح في التوراة، ويرد على ذلك بالقول “وأمرهم عند العرب في الجاهلية والإسلام كشهرة إبراهيم الخليل عليه السلام”، أي أن قصصهم لم تدوّن إلا أنها بقيت محفوظة شفهيا بين شعوب الجزيرة العربية حتى نزل القرآن وأكدها.


أهم المراجع
ميرسيا إلياد، المقدس والعادي، ترجمة عادل العوا، دار التنوير للطباعة والنشر، 2009.

جون كيرتشر، كيف وُجدت الآلهة، ترجمة إبراهيم جركس، 1929، نسخة إلكترونية.

فراس سواح، الرحمن والشيطان، دار علاء الدين، دمشق، 2000.

فراس سواح، دين الإنسان، دار علاء الدين، دمشق، 1998.

فراس سواح، مغامرة العقل الأولى، دار علاء الدين، دمشق، 2002.

حبيب سعيد، أديان العالم، دار التأليف والنشر للكنيسة المرقسية، القاهرة، بدون تاريخ.

خزعل الماجدي، أديان ومعتقدات ما قبل التاريخ، دار الشروق، عمّان، 1997.

خزعل الماجدي، كشف الحلقة المفقودة بين أديان التعدد والتوحيد، المركز الثقافي العربي، 2014.

خزعل الماجدي، أصول الناصورائية المندائية في آريدو وسومر، دار فضاءات، عمان، 2013.

لويس مينار، هرمس المثلث العظمة أو النبي إدريس: ترجمة كاملة للكتب الهرمسية مع دراسة عن أصل هذه الكتب، ترجمة عبد الهادي عباس، دار الحصاد، دمشق، 1998.

هدى درويش، نبي الله إدريس بين المصرية القديمة واليهودية والإسلام، دار السلام، القاهرة، 2009.

محمد الغرباوي، نوح عليه السلام بين أهل الكتاب وأهل الإسلام، نسخة إلكترونية، 2009.

ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق عمر تدمري، دار الكتاب العربي، 1997.

كتب تفسير القرآن الكريم الكبرى، مثل تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير والبغوي.

موقع الباحثون المسلمون http://muslims-res.com/

الموقع الإلكتروني لمجموعة معابد “غوبكلي تيبي” http://gobeklitepe.info/

الوحي القرآني

 إبراهيم إسماعيل


تحققنا في مقال “نبوة محمد” من ضرورة النبوة وحاجة الإنسان إليها كمصدر وحيد لبلوغ الحقيقة في الغيبيات، وتبين لنا أيضاً صدق نبوة العربي الأمي محمد بن عبد الله، المولود بمكة في القرن السادس الميلادي، وكونه مرسلا من الله إلى عباده، وسنبحث هنا في الوحي الذي أنزل إليه متمثلا بالقرآن الكريم الذي جُمع على هيئة كتاب وما زال محفوظاً إلى اليوم، ففي مقابل الشكوك التي يقر بها باحثو الأديان الأخرى، يُجمع علماء الإسلام على مر العصور وبالتواتر بأن الكتاب المتوفر بين أيدينا اليوم هو القرآن نفسه المنزل على النبي بواسطة الملَك جبريل.

سنركز بحثنا في مصدرية القرآن وصدق نسبته إلى الله تعالى مباشرة بألفاظه ومعانيه، كما سنتحقق من صحة توثيق هذا الكتاب وتدوينه ونقله بالتواتر حتى وصل إلينا بالرغم من مرور أكثر من أربعة عشر قرناً، وسنعرض بعض الأمثلة والنماذج التي تثبت صحة هذا الوحي وعصمته من التحريف، ونناقش بإيجاز أهم الشكوك التي تُطرح في هذا المجال.

البحث في مصدرية القرآن:
سنعالج هذه المسألة في تسع نقاط مهمة، وهي كما يلي:

النقطة الأولى: حاجة صاحب الرسالة إلى القرآن

المسجد النبوي في المدينة المنورة بمنتصف القرن التاسع عشر

فقد مر صاحب الرسالة ببعض المواقف المحرجة، وكان نزول الوحي السبيل الوحيد للتخلص منها، وفي حال تأخر الوحي كان يتعرض للحرج لأنه لا يستطيع حسمها، وأبرز هذه الحالات “حادثة الإفك”، حين خاضت الألسنة بزوجته عائشة، واتهما البعض بالزنا، ولم يكن بين يديه ما يمكنه من معرفة الحقيقة، ولم يشأ أن يتبع الظن، فتمنى لو نزل الوحي بقرآن يحسم الأمر، ولم يزد في هذه الفترة على التحري والاستشارة، وطوال هذه المدة لم يدعي أن له طريقة للعلم بحقيقة التهمة من غير طريق الوحي، فبقي ينتظر الوحي دون أن يتمكن من استعجاله بالرغم من حاجته الشديدة له.

ولو كان كاذبا لزعم نزول آية تبرئ زوجته على الفور، وحمى بذلك عرضه من لسان أعدائه المتربصين، إلا أنه ظل منتظرا كبقية أصحابه حتى نزلت سورة النور لتبرئة عائشة.

النقطة الثانية: توقف صاحب الرسالة -أحيانًا- في فهم مغزى النص حتى يأتيه البيان
وفي القرآن آيات تحتاج لبيان معناها، ولو كان القرآن من تأليفه فكيف يقول كلاماً لا يفهم هو معناه؟ وقد يتضمن القرآن أيضاً أمراً لا يعرف حكمته، وهذا دليل على أنه ناقل لا قائل، ومثال ذلك ما جاء في القرآن: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: 284] فظن أصحابه أنهم سيحاسَبون على كل شيء حتى خواطر القلوب، فقالوا: يا رسول الله نزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال لهم “أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير” [رواه مسلم]، فكانوا يتضرعون بهذه الدعوات حتى نزل التوضيح: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وهنا علموا أنهم مُحاسبون على النوايا والعزائم وليس على الأماني والخواطر العابرة.

فلو كان صاحب الرسالة قد اخترع تلك الآية من عنده ابتداءً، فلماذا لم يبين لهم خطأهم ويزيل اشتباههم، وهم في أشد الحاجة إلى بيان معناها؟

النقطة الثالثة: طريقة صاحب الرسالة في حفظ القرآن أول نزوله
كان الرسول صلى الله عليه وسلم في بداية الرسالة يكرر القرآن على عجل، بهدف حفظه خشية نسيانه، وهذا أمر لم يُعْرف به في كلامه العادي، فلو كان القرآن من عند نفسه لقاله كما يقول أي كلام آخر، غير أنه كان يجد نفسه أمام تعليم يفاجئه في وقت معيَّن وعلى عجل، مما يتطلب تكراراً سريعاً لحفظه وتدارك نسيانه، وقد ظل على هذا الحال حتى ضمن الله له حفظ القرآن وعدم نسيانه {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة: 16]،فتوقف عندئذ عن التكرار، ولم يكن ينسى شيئاً من القرآن.

رسم لمكة يعود إلى عام 1790

النقطة الربعة: هل كان القرآن من تأليف محمد؟
في الحديث عن الماضي وما كان به من أمم، وما جرى عليها من أحوال، وإعطاء معلومات دقيقة حول ذلك، فهذا لا سبيل إليه إلا بالدراسة والتعلم. ومثال ذلك قصة أصحاب الكهف ضمن سورة الكهف والتي جاء ذكرها في الكتاب المقدس، فمع أن الأخير قال إنهم لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة شمسية، فقد ورد في القرآن أنهم لبثوا في كهفهم {ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا}، وهذه السنوات التسع هي فرق مابين عدد السنين الشمسية والقمرية، وهو حساب لم يكن معروفا لدى العرب الأميين.

صحيح أن العلم بأسماء بعض الأنبياء والأمم الماضية وبمجمل ما جرى من حوادث التدمير في ديار عاد وثمود وطوفان نوح وأشباه ذلك وصل منه شيء قليل إلى العرب الأميين؛ لأن مثل هذه الأخبار مما توارثته الأجيال، وإنما النقطة المهمة فتتمثل في التفاصيل الدقيقة، التي ينبغي ألا تتوفر إلا في بطون الكتب والتي لا يعرفها إلا القليل من الدراسين، لكننا وجدنا ذلك واضحاً في القرآن.

ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان رجلا أميا في أمة أمية، يشغله ما يشغلهم من المجالس وطلب الرزق في الأسواق أو المهن المتنوعة، وله زوجة وأبناء يعيلهم، ولا صلة له بالعلم والعلماء؛ وكان خصومه يعلمون أنه عاش هذا الحال أكثر من أربعين سنة من عمره، ثم بين عشية وضحاها جاء بما لا معرفة له به في حياته السابقة، وأخبر عن أخبار القرون الأولى،لا شك أن العقل المجرد يدرك أن لهذا التطور في المعرفة سر خارج عن حدود النفس وعن دائرة المعلومات القديمة، وهو الوحي.

النقطة الخامسة: أنباء المستقبل لا سبيل فيها لليقين إلا بالوحي الصادق
في الحديث عن الغيب والمستقبل يكون الإنسان أمام ثلاث احتمالات:

1- أن لا يخوض فيه لأنه لا سبيل لمعرفته.

2- أن يتوقع أمورا مستقبلية من خلال مقدمات علمية أو علامات ظنية، وقد يوافق المستقبل توقعاتهم دون يقين.

3- أن لا يمتلك المقدمات العلمية أو العلامات الظنية لكنه يجزم بصحة تنبؤاته، فهذا أحد رجلين: فإما أن يكون مجازفاً كالعرافين والمنجمين، أو نبياً يستمد معرفته من الوحي.

وبالمقارنة بين ادعاءات المنجمين ونبوءات محمد صلى الله عليه وسلم يبدو الفرق واضحا، فالادعاءات تأتي غالبا مبطنة بالرموز والعبارات المبهمة التي تحتمل التأويل، بينما ذكر النبي أحداثا واضحة ستقع في حياته أو بعد مماته على فترات متفاوتة، وقد تحقق الكثير منها، وما زال الباقي ينتظر التحقق كما وعد في آخر الزمان. ومن أمثلة ذلك:

المثال الأول: تأكيد الوحي حفظ القرآن دون الكتب السماوية الأخرى التي ضاعت وحرفت {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:10]، بالرغم من المحن التي واجهت النبي أثناء نزول هذه الآية وبعدها، وبالرغم مما تعرضت له دول الإسلام على مر القرون، من تسلط الكثير من الجيوش وحدوث المجازر الجماعية وإحراق الكتب وهدم المساجد، فإن القرآن ما زال محفوظا بكل كلماته وحروفه دون تبديل.

المثال الثاني: كان النبي عرضة للكثير من محاولات القتل، وكان من أصحابه من يحرسه ليتمكن من تبليغ دعوته، حتى نزل {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]، فقال لحراسه في تلك الليلة “يأيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله”.

إن ضمان السلامة من الأمور التي لا يمكن أن يملكها أحد لنفسه، لا سيما إن كان محاطاً بالكثير من المحاربين له، فما هذه الثقة التي تدعوه لإعفاء حراسه من مهمتهم،  لقد كان بإمكان أي رجل من أعدائه أن يسارع إلى قتله فور نزول هذه الآية ليثبت أنها ليست وعداً إلهيا بحمايته، لكن هذه النبوءة تحققت فعلا، وبالرغم من الحروب الكثيرة التي خاضها، إلا أنه لم يمت حتى بلّغ الرسالة كما وعده الوحي، وحتى نزلت عليه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

المثال الثالث: قضية تحدي الناس على الإتيان بمثل القرآن {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]، حيث نفى إمكان ذلك بشكل مؤكد، بل ومؤبد، وهذا حكم خطير، خصوصاً أنه بذلك استفز قدراتهم البيانية، ودعاهم للتكاتف بحيث يعين بعضهم بعضاً في التأليف والتهذيب حتى يخرجوا كلامًا منافسا، ولم يكتف بذلك بل أعلن أن هذا التحدي عام يشمل الأجيال القادمة، ومن الإنس والجن.

المثال الرابع: نبوءة انتصار الروم على الفرس رغم مخالفتها للتوقعات وللتحليل السياسي في وقت نزول الآيات من سورة الروم: {ألم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ}، ذلك أن دولة الروم في تلك الفترة بلغت من الضعف درجة أنها غُزيت في عقر دارها وهزمت بمعركة أنطاكية سنة 613م، ولم يكن أحد يظن أنها ستقوم لها بعد ذلك قائمة، فكيف بمن يحدد وقت انتصارها ببضع سنين فقط؛ ولذلك تراهن المشركون على تكذيب النبوءة، ثم فوجئوا بتحقق الوعد وانتصار الروم على الفرس في معركة كابادوكيا سنة 622م، أي خلال تسع سنين.

كما أن هذه الآية لم تحدد عدد السنوات واكتفت بلفظ بضع أي بين الثلاث والتسع سنوات، وعلة ذلك اختلاف الناس في حساباتهم، فالحساب الشمسي غير الحساب القمري، لذلك عبر بلفظ “في بضع”.

المعركة بين الفرس والروم بريشة پييرو فرانشيسكا في منتصف القرن الخامس عشر

وإضافة لما سبق، فإن صاحب الرسالة لم يكن يدعي لنفسه معرفة بالغيبيات، بل كان يؤكد على بشريته كقوله: “إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له على نحو ما أسمع…” [رواه البخاري]، أي أنه يحكم بناء على المعطيات التي بين يديه ما لم يأته وحي إلهي، ومن كان بهذا الحال فكيف يزعم لنفسه القدرة على التنبؤ بالمستقبل من عند نفسه، وهو أمر لا نجده في سيَر الدجالين والسحرة ممن يجدون في التواضع علامة نقص، فيخوضون في ادعاءات تتجاوز قدراتهم.

إن الفراسة والذكاء في مواضيع الغيب لا تفيد، والمرء في كلامه عنهما يتخبط، إن أصاب الحق مرة أخطأ مرات، لكن نبوءات النبي لم تخطئ مرة واحدة، مما يدلل على أنه تلقاها بالوحي الإلهي.

النقطة السادسة: هل نسبة القرآن للوحي تحصن كلام صاحب الرسالة؟
وهذا السؤال يفترض أن محمداً رأى أن ينسب القرآن للوحي الإلهي، ليُكسبه مكانة عظيمة عند الناس، فيتبعونها أكثر ما لو نسبه إلى نفسه، والحقيقة أن هذه الفرضية باطلة من وجهين:

الوجه الأول: إن صاحب القرآن صدر عنه كلام منسوب إلى نفسه (الحديث)، وكلام منسوب إلى ربه (القرآن)؛ ومع ذلك فطاعة أحدهما من طاعة الآخر، ومعصية أحدهما من معصية الآخر.

الوجه الثاني: هذه الفرضية تعني اللجوء إلى الكذب لغاية الإصلاح، وهذا سلوك منحط  لم يعهد عنه في سيرته التي تؤكد أنه أبعد الناس عن ذلك.

النقطة السابعة: الإقرار سيد الأدلة
النصوص القرآنية تبين أن هذا القرآن ليس من عمل صاحب الرسالة، وإنما نقل بواسطة جبريل الذي تلقاه من ربه، ثم نزله بلسان عربي مبين فتلقنه محمد منه كما يتلقن التلميذ عن أستاذه، ولو وجدت هذه القضية قاضياً عادلاً –كما يرى الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه النبأ العظيم- لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه، لأنها من نوع “الإقرار” الذي يؤخذ به صاحبه، لا سيما أنه لا مصلحة لعاقل يدعي لنفسه حق الزعامة ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييد تلك الزعامة، ثم ينسب بضاعته لغيره، ويتبرأ من نسبتها إليه؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينسبها لنفسه فيزداد بها رفعة.

دير بحيرا الراهب في بصرى الشام

النقطة الثامنة: أمية محمد
من المعلوم أن النبي عاش حياته وهو لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وحاله هذا يشبه حال أكثر العرب في زمانه، فهم أمة أمية تحفظ الشعر، لكنها لم تكن من الأمم المنتعشة علمياً بحال، ويسجل التاريخ أن أقصى من التقى بهم محمد صلى الله عليه وسلم ممن لهم شيء من العلم في طفولته بحيرا الراهب في سوق بُصرَى بالشام، وكذلك لقي في مكة بورقة بن نوفل بعيد نزول الوحي لأول مرة، وقبل إعلان نبوته بثلاثين شهرًا، والتقى بعد نبوته كثيراً من علماء اليهود والنصارى في المدينة، إلا أنه لم يتلقَّ عن أحد منهم، وقد صحبه الشهود في لقاءاته، فكان عمه أبو طالب معه حين رأى راهب الشام، وكانت زوجته خديجة رفيقة له حين لقي ورقة، ولم يزد الرجلان غير أنهم رأوا فيه سيما النبوة، وأما الذين لقوه بعد النبوة فقد سمع منهم وسمعوا منه، وكان هو معلمًا لهم مصححاً لأخطائهم ومنذراً ومبشراً.

النقطة التاسعة: علاقة محمد بعلماء الدين في زمنه
صوَّر القرآن عقيدة علماء الدين في زمنه، فعاب عليهم التلاعب بالعقائد وتحريف كلام الله، فلو تعلم محمد منهم شيئاً لتبنى وجهة نظر معلميه بدلا من نقدهم، بل إن القرآن تقدم على ذلك بخطوات وصحح لهم أغلاطهم وتوعدهم بالعذاب، ومن ذلك:

{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ}

{وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا، وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ}

{وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ}.

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}

{أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى}

{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ}

{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ}

{وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ}

{وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ}

{لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ}

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ}

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ}

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}.

وبهذه الآيات يبدو واضحاً أن علاقة محمد بعلماء الأديان الأخرى، لم تكن علاقة التلميذ الذي يحفظ منهم، بل كانت علاقة الأستاذ الذي يصحح لهم ما حرَّفوا، ويكشف ما كتموا.

ظاهرة الوحي وتحليل عوارضها
روى لنا الصحابة في أحاديث عديدة الحالة التي كانت تعتري النبي أمامهم عندما كان ينزل عليه القرآن فجأة دون معرفة مسبقة منه ولا استعداد، فكان يحمر وجهه فجأة وتصيبه شدة حتى يتصبب جبينه عرقًا، ويثقل جسمه حتى يكاد يرُضُّ فخذه فخذ الجالس إلى جانبه، ولو كان راكبًا لبركت به راحلته، وكانوا مع ذلك يسمعون عند وجهه أصواتًا مختلطة تشبه دويَّ النحل، ثم تذهب عنه تلك الشدة فإذا هو يتلو قرآنًا جديدًا محدثًا.

ويرى الدكتور دراز أن الباحث عن مصدرية القرآن سيجد هذا أقرب مكان يتأمله، فعندما نقارن ما كان يصيب النبي أثناء نزول الوحي مع عارض السبات الطبيعي الذي يعتري المرء في وقت حاجته إلى النوم؛ نجد أنها حالة تختلف عن التدريج الذي يعرض لمن يغالبه النعاس، فقد كانت تأتيه قائمًا أو قاعدًا، وسائرًا أو راكبًا، وفي أثناء حديثه مع أصحابه أو أعدائه، وكانت تأتيه فجأة وتزول عنه فجأة، وتنقضي في لحظات يسيرة، وتصاحبها أصوات غريبة لا تسمع منه ولا من غيره عند النوم.

وحالة الوحي هذه تناقض كذلك الأعراض المرضية والنوبات العصبية التي تصفرُّ فيها الوجوه، وتبرد الأطراف، وتتكشف العورات، بل كانت مبعث نمو في قوة البدن، وإشراق في اللون، وارتفاع في درجة الحرارة، ثم يصدر عنها من العلم ما تخضع العقول لحكمته.

فلو كان القرآن من قول محمد لقاله في حال يقظته، لا في تلك اللحظات التي تغشاه سحابة رقيقة قد تشبه الإغماء. فلا بد أن يكون وراء هذه السحابة مصدر يزوده بالعلوم.

ولعل قائلاً يقول: إن ما أصاب محمداً هو اضطراب في أعصاب البصر خيل إليه أنه يرى شيئا غير حقيقي، أو لعله اضطراب عقلي جسّد له بعض الأوهام، وقد أوضحنا في مقال “مصادر المعرفة” أن المعرفة الحقيقية لا تُكتسب بالضرورة عبر الحواس فقط، وأثبتنا في مقال “وجود الله” أن الوجود لا يقتصر على الجانب المادي دون غيره، وقد كان مشركو قريش يشككون في نزول الملاك بالوحي على محمد مع أنهم لا ينكرون وجود الغيبيات أصلا، بل كانت ثقافتهم مليئة بقصص الجن والعفاريت وغيرها من الأساطير.

ولا يمكن القول أيضاً إن محمداً كان يتلقى القرآن من مصدر غيبي آخر غير الله، فالقرآن نفسه كان شديدا في تقريع إبليس وجنده من الشياطين، ولو كان القرآن من وسوسته لكان يأمر باتباع إبليس وليس بطرده ولعنه والتحذير منه، كما لا يصح القول إن محمداً كان يتصنع حالة الشدة التي يتعرض لها عند نزول الوحي كما يفعل الدجاجلة من المشعوذين والشامانات الذين يزعمون الاتصال بعوالم خفية، فمحمد كان صريحاً في محاربة هؤلاء، وكان صادقاً في تعامله مع الناس قبل البعثة وبعدها، حتى سمته قريش قبل نزول الوحي بالصادق الأمين [انظر مقال نبوة محمد].

إن الوحي قوة خارجية لا تتصل بنفس الرسول إلا على فترات متقطعة، وهي قوة أعلى من قوته لأنها تحدث في نفسه وبدنه آثاراً عظيمة لا يمكن لأحد أن يتصنعها حتى لو كان دجالاً، وهي أيضاً قوة خيّرة معصومة لا توحي إلا بالحق ولا تأمر إلا بالرشد، فلا يمكن لها أن تكون من مصدر بشري ولا جني.

كيف حُفِظَ القرآن؟
كان العرب قبل الإسلام، وفى صدر الإسلام من ذوي المَلكات في الحفظ، ومن يعرف الكتابة والقراءة فيهم قليل، فكانوا يحفظون عن ظهر قلب ما يريدون حفظه من منثور الكلام ومنظومه.

وقد ساعد نظم القرآن، بألفاظه ومعانيه وإيقاعه الصوتي على حفظه، لا سيما وأنه نزل مفرقًا خلال ثلاثة وعشرين سنة.

ولا شك أن حفظ القرآن في الصدور من الأمور الشائعة، فحتى في عصرنا الذي نعتمد فيه كثيرا على الذاكرة الإلكترونية قياسا إلى الذاكرة العقلية كما في عصور سابقة، حيث نجد في بلاد المسلمين الملايين من حفظة القرآن، وما زالت هناك مسابقات عالمية تثبت اهتمام المسلمين بحفظ القرآن وضبطه بدقة شديدة.

ولم يكن الحفظ مخصوصاً بالعرب دون غيرهم من المسلمين، فمئات الألوف ممن يحفظونه اليوم ليسوا من أهل العربية، بل ربما يحفظه من لا يكاد يعرف شيئاً عن لغة العرب ومعانيها، ومع ذلك يقرؤه بلسان عربي مبين كما يقرؤه العربي سواء بسواء، وهذا أمر يستحيل أن نراه في نصوص أخرى بأي لغة كانت.

وما دام الحال هكذا في القرن الحادي والعشرين، فإن التشكيك بحفظه في الصدور في قرون الإسلام الأولى تتبدد، فالحفظ كان العلاقة الأولى بين المسلمين وبين القرآن، وكان للحفظ وسيلة واحدة هي السماع، والسماع لم يكن عشوائياً بل كان يتبع منهجا لتكريس الحفظ، حيث تنوعت أساليب حفظ القرآن بين ختمه في صلوات الليل، وتقسيمه إلى أحزاب، وقراءة بعضهم على بعض، وفي ذلك أخبار وأحاديث موثقة في الكتب.

مصحف عُثر عليه في مكتبة جامعة برمنغهام الإنجليزية عام 2015 وهي تعود إلى عصر الصحابة

وبالتوازي مع عملية الحفظ كانت عملية التدوين قائمة، حيث كان من الصحابة كتَّاب للوحي، فكان إذا نزل الوحي دعاهم النبي فأملى على مسامعهم ما نزل فيكتبونه على الفور، وكانت هذه الكتابة مفرقة في الرقاع والورق، ولم تكن مرجعا للمسلمين في حال الخلاف، إذ كانوا يعودون إلى الرسول ليصحح لهم، واستمر الحال في الاعتماد على الحفظ حتى في عهد الخليفتين أبي بكر وعمر.

وكان حفظ الصحابة للقرآن متفاوتا، فمنهم من كان يحفظ القدر اليسير، ومنهم من يحفظ الكثير، ومنهم من يحفظ القرآن كله. ومات في موقعة اليمامة في خلافة أبي بكر سبعون حافظًا ممن كانوا يسمون بـ”القُرَّاء”.

وعلى هذا؛ لم يُجمع القرآن في مصحف واحد في حياة النبي ولا في صدر خلافة أبي بكر، وكان حفظه في الصدور هو المتبع، رغم أنه كان مكتوباً في رقاع متفرقاً، وبإملاء من النبي صلى الله عليه وسلم، وظلت هذه الرقاع كما هي لم يطرأ عليها أي تغيير، ولما حدثت واقعة اليمامة اقترح عمر على أبي بكر أن يجمع القرآن المدون في مصحف واحد، وكان الجمع يتضمن تنسيق وثائق كل سورة مرتبة آياتها على نسق نزولها، والقصد منه أن يكون مرجعًا موثوقًا به عند اختلاف الحفاظ، فتم بذلك جمع كل الوثائق الخطية التي سجلها كتبة الوحي في حضرة النبيسماعا مباشرا منه.

وبعد وفاة أبي بكر تسلَّم عمر المصحف، وبعد وفاته ظل المصحف في حوزة ابنته حفصة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي خلافة عثمان بن عفان حدثت مرحلة الجمع الثانية، وكان عثمان حافظًا للقرآن كله، فأوكل مهمة جمع المصحف إلى الأنصاري زيد بن ثابت وثلاثة من قريش، هم عبد الله بن الزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، على أن يرأس زيد الفريق لكونه حافظًا متقنًا بالسماع المباشر من فم رسول الله، وكان هو الذي جمع القرآن في المرة الأولى.

اشترط زيد أن تكون كل آية محفوظة حفظًا مطابقًا لما في المصحف عند رجلين من الصحابة على الأقل، وأن توجد في مصحف أبي بكر.

المصحف الذي أرسله عثمان إلى الكوفة ما زال معظمه محفوظا اليوم في طشقند (Wiggum)

وقد أجمع جميع أصحاب رسول الله على المصحف الذي اعتمده عثمان ولم يعارضه منهم أحد، حتى عبد الله بن مسعود الذي كان له مصحف خاص كتبه لنفسه، ثم تلقت الأمة هذا العمل الجليل بالقبول في جميع الأقطار والعصور ونسخت مصاحفها من هذا النص الموثق على أعين الصحابة، حيث أرسل الخليفة عثمان نسخة منه إلى كل قطر من أقطار الدولة، وأمر بحرق كل النسخ الأخرى خشية أن يكون في بعضها أي جملة تفسيرية على الهامش فيُعتقد في عصر لاحق أنها من النص نفسه.

المستشرقون والقرآن
الشبهات المثارة حول صحة القرآن قديمة قدم الإسلام، لكن بعض الشبه متهافتة ويمكن لأي مهتم أن يرجع لكتب علوم القرآن ويجد فيها الإجابات الشافية، لذلك فأننا سنستعرض أبرز الشبه المعاصرة التي أنتجتها جهود المستشرقين، الذين استعاروا بدورهم طريقة دراسة الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، ودرسوا الإسلام بذات الطريقة، فدرسوا “تاريخ القرآن” كما دُرِس “تاريخ الكتاب المقدس” وبالمنهج الذي تم تطويره في الغرب لنقد الكتاب المقدس، بالرغم من التباين بين حال الكتابين.

فعلى سبيل المثال، احتاج العهد القديم إلى مرور نحو ألف عام حتى استقر تأليفه وتدوينه، وظلت مضامين هذا العهد بدون كتابة وتنتقل شفهياً مئات السنين بعد وفاة موسى عليه السلام، حيث ينسبون إلى عزرا الكاتب (عزير) بداية التدوين، مع أنه جاء بعد موسى بحوالي 750 سنة، كما تحولت الكتابة في عصر تدوين التوراة من الخط الكنعاني إلى الخط العبري واستُخدمت الحروف الساكنة دون المتحركة، ما تسبب باختلافات في النطق، وذلك فضلا عما أدخله كتبة التوراة من التعديلات، حيث عملت أيدٍ كثيرة في المخطوط الواحد [انظر مقال اليهودية]، بينما اكتمل نزول القرآن وتدوينه في حياة صاحبه، وهو استثناء على كل القواعد، وحظي بفرصة غير مسبوقة في الحفظ بالصدور، فضلا عن المنهج الفريد في التحري أثناء الجمع والتدوين كما أوضحنا سابقا.

من جهة أخرى، عُنيت الموسوعات العالمية بدراسة القرآن، بدءا بمصدره، ومرورا بكيفية جمعه وقراءاته وأسلوبه وموضوعاته وترجماته، ومع أن هذه الموسوعات تحظى بقبول في دوائر الباحثين في الغرب والشرق، غير أنها تحفل بالكثير من الشبهات والأخطاء، ومن أشهرها دائرة المعارف الإسلامية-الطبعة الجديدة The Encyclopaedia of Islam- New Edition.

وتخرج مقالات دائرة المعارف الإسلامية عن كونها مجرد إشارات سريعة تتيح للباحث تكوين رأي خاص في الموضوع، بل تتضمن هذه المقالات الكثير من التقرير والحسم، فعلى سبيل المثال تتضمن الطبعة الثانية من الموسوعة مادة ضخمة باسم “القرآن”، وقد حشد فيها الكاتب A.T.Welch آراء كبار المستشرقين في كل جزئية، ما يدفع الباحث المبتدئ وغير المتخصص -ولا سيما غير المسلم- إلى تبني تلك الآراء التي سار أصحابها في دراستهم للقرآن على نفس قواعد نقد الكتاب المقدس.

مناهج نقد الكتاب المقدس
1- النقد الأعلى: حيث يُفرض على الناقد فيه اعتماد قاعدة الشك المنهجي، فلا يجزم بشيء يتعلق بالراوي إلا بعد التثبت من ذلك، حيث يتحقق الباحث من سيرته وأخلاقه وغايته، ثم يتحقق من زمن كتابة كتابه ولمن كتبه، ويدرس البيئة السياسية والاجتماعية والأحداث التاريخية والصراعات العقدية ومدى انعكاسها على الكاتب ونصه، ويبحث في كيفية جمع النص والأيدي التي تناولته والنسخ التي اشتمل عليها.

2- النقد الأدنى: وهو يشبه النقد الداخلي في مناهج الدراسة الأدبية، ويشترط فيه إتقان لغة “الكتاب المقدس” (العبرية) لفهم المعنى المقصود دون تدخل من المترجمين، ثم يعمل الباحث على تحليل النص إلى أجزاء وإدراك كل جزء على حدة، ويفرز العبارات الواضحة من المبهمة مع تطبيق قاعدة الحقيقة والمجاز اللفظي لا المعنوي، كما يحلل النص تحليلا داخليا دقيقا للعثور على الأخطاء والاختلافات والتناقضات، كالأخطاء الطبيعية والرياضية، أو اختلاف زمان ومكان الأحداث التاريخية، أو إثبات شيء في موضع ونفيه في موضع آخر، أو ذكر قاعدة شرعية في موضع ونفيها في موضع آخر، أو ورود لفظ لا يمكن أن يكون قد استعمل بهذه الدلالة إلا في عصور لاحقة، أو تباين الأسلوب الأدبي بين أجزاء النص.

وقد بدأ المستشرقون بتطبيق قواعد النقد الأعلى والأدنى على القرآن الكريم في شأن ترتيبه حسب النزول، فبحث المستشرق الألماني تيودور نولدكه النص القرآني لترتيبه زمانيًّا حسب نزوله، وقسم السور المكية إلى ثلاث فترات يتميز أسلوب النص القرآني في كل منها عن الآخر، كما يزعم.

ولا شك أن نولدكه كان متأثرا بمنهج نقد “الكتاب المقدس”، والذي كتبت أسفاره على مدى قرون، فيعلّق الدكتور عبد الرحمن بدوي على نولدكه بالقول إن “كل الفترة المكية لا تزيد عن 12 سنة، فبأي حق ندعي إذًا التمييز بين أسلوب كاتب خلال 12 سنة فقط؟ ناهيك عن استطاعتنا التمييز في تلك الفترة بين ثلاث فترات قصيرة”. [عبد الرحمن بدوي. دفاع عن القرآن، ص 107-108]

آربري

وقد أدرك عدد من كبار المستشرقين عدم جدوى تطبيق هذه القواعد على النص القرآني، ومنهم الإنجليزي آرثر جي آربري الذي يقول إن “عملًا خالدًا كالقرآن لا يمكن أن يفهم بصورة أحسن لو أخضعناه لتجربة النقد الأدنى… إن منطق الوحي ليس منطقًا مدرسيًّا، فليس هناك قبل وبعد في رسالة النبي، وعندما تكون هذه الرسالة صادقة فإن الحقيقة الدائمة لا يمكن أن تُحصر داخل إطار زمني أو مكاني” [من مقدمة أربري لترجمة القرآن الإنجليزية، انظر: أحمد سمايلوفيتش، فلسفة الاستشراق، ص 173- 174]، كما يقول السويدي تور أندريه صاحب كتاب “محمد: حياته وعقيدته” إن جوهر النبوة لا يمكن تحليله إلى مجموعة من آلاف العناصر الجزئية.[ التهامي نقرة: القرآن والمستشرقون، ج1 ص 21-57].

وبالرغم من هذا النقد، لم يعترف آربري وأندريه بأن تطبيق هذا المنهج على القرآن الكريم فاسد، لأنهم يدرسونه باعتباره نصًّا من تأليف محمد أصلا، فمناهج النقد قد تصلح لدراسة العهدين القديم والجديد وبقية النصوص البشرية، لكن معاييره لا يمكن أن تطبق على نص لا يخضع للحدود البشرية. ومن المعروف أن المنهج العلمي يتطلب من الباحث ألا يدخل على الموضوع بفكرة سابقة، بينما ينطلق جميع المستشرقين من منطلق الحكم على القرآن بأنه نص بشري.

ذكر العديد من المستشرقين في مؤلفاتهم أنهم كانوا يجدون في قراءة القرآن تجربة روحية غير مسبوقة، وذلك بالرغم من عدم اعتناقهم للإسلام وعدم إيمانهم بأن القرآن وحي منزل من الله.

ونذكر منهم البريطاني المتقن للغة العربية آرثر جي آربري الذي كان يقول إنه حينما يستمع إلى القرآن يتلى بالعربية فإنه يشعر بأنه يستمع إلى نبضات قلبه.

كما يقول “فريدرك ديني” إنه يشعر بتجربة عجيبة غير طبيعية عندما يقرأ القرآن، واصفا تلك التجربة بأنها “حضور شيء غامض وأحيانا مرعب”، ويضيف أنه بدلا من قراءته هو للقرآن فإنه يشعر وكأن القرآن هو الذي يقرؤه.

[جيفري لانغ، حتى الملائكة تسأل، دار الفكر، ص 206].

ويتضح لمن يطلع على نتائج أبحاث المستشرقين أن عدم إلمامهم باللغة وبلاغتها كان حائلا رئيسا أمام قدرتهم على استيعاب إعجاز لغة القرآن، فالقرآن الذي كان على مدى قرون مقياسا العربية، حتى لدى غير المسلمين من العرب، لا يمكن أن يُكتفى في البحث فيه بمعايير النقد التي يطبقها باحث أجنبي.

نتائج التحيز
وبما أن المستشرقين قد بدأوا أبحاثهم منطلقين من نفي المصدر الإلهي للقرآن، فقد نتجت عن ذلك عدة نتائج غير موضوعية، وأهمها:

1- الشك في الراوي نفسه، أي أن الرسول محمد الذي يؤكد أن القرآن وحي، لا بد أن يكون كاذبا، وهذا يستلزم المضي قدما في تصديق الاتهامات وتضخيمها، وصولا إلى اختلاق الأكاذيب حول سيرته وأخلاقه وغايته.

2- حصر النص القرآني قسرا في حدود التصورات البشرية، فما يخرج فيه عن دائرة قدرة العقل والحواس يؤول فورا على أنه أسطورة، ويُحكم بذلك على القرآن بمعايير الفلسفة المادية التي تستثني كل الغيبيات من الوجود.

3- تضخيم أثر البيئة ومحاولة البحث عن أي مؤثرات يهودية ونصرانية ووثنية محتملة في النص القرآني، وقد يلجأ الباحث في سبيل ذلك إلى تجاوزات ومبالغات، كما يحكم مسبقا على أي تشابه بين القرآن وما سبقه من الكتب بأن المتأخر قد نقل عن المتقدم، لأنه جزم مسبقا بأن القرآن لم يأخذ من المصدر نفسه وهو الوحي.

4- الطعن في قيمة الروايات التاريخية القرآنية، فمع أن الباحث لا يشكك في أي رواية يجدها في لوح طيني أو مخطوط أثري، ويعتبرها مصدرا تاريخيا موثوقا، إلا أنه يحكم مسبقا على روايات القرآن وقصصه بأنها موضع شك، فإذا لم يجد لها أصلا في الكتاب المقدس شكك في وجودها، مثل قصص عاد وثمود، حيث شك بعضهم في وجود هذين القومين، بينما عدّها آخرون من الأساطير الشعبية التي كانت رائجة في البيئة العربية قبل النبوة، ولا دليل لهم على هذا الفرض.

5- ربط آيات القرآن بظروف البيئة والعصر الذي نزلت فيه، وتجاهل ما أجمعت عليه الأمة الإسلامية من كونها أحكامًا نهائية مطلقة خارجة عن إطار الزمان والمكان.

6- تطبيق مفاهيم غربية غير ملزمة في النقد الأدبي، كاشتراط “وحدة الموضوع” في كل سورة وضرورة أن يكون لكل سورة موضوعًا واحدًا، ومن ثمّ دراسة البناء الداخلي لكل سورة بمعزل عن غيرها، وهو شرط تحكمي غير موضوعي اضطر بعض المستشرقين للاعتراف بعدم جدواه، وقد أقر كاتب مقال القرآن بدائرة المعارف الإسلامية (سبق ذكره) بأن طبيعة القرآن وترتيبه تجعل من الصعب تصنيف صيغه الأدبية أو تنظيم موضوعاته الرئيسة وفق النماذج الأدبية المعيارية. علما بأن “وحدة الموضوع” تختلف جذريا عن مسألة “النظم القرآني” وترتيب الآيات ترتيبًا توقيفيًّا (أي أمر به الوحي)، فهذا الترتيب يعد من أبرز دلائل الإعجاز القرآني.

7- التشكيك في أي توافق يحدث بين النص القرآني وما يثبته العلم المادي الحديث، أو مما يُكتشف حديثا من الوقائع التاريخية التي كانت أخبارها مدفونة في ألواح ومخطوطات غير مُكتشفة بعد.

وكان من أبرز أمثلة النقد الاستشراقي للقرآن التشكيك بأصالة ألفاظ القرآن، وهي من الشُبه التي لاقت رواجاً، وانتشرت مؤخراً بين بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي، فبالعودة لمادة “القرآن” التي أشرنا لها من قبل والمنشورة في موسوعة دائرة المعارف الإسلامية، نجد أنهم بدأوا في:

أصل كلمة القرآن ومرادفاتها، حيث يعرض الكاتب لكلمة “القرآن” والتي ترددت في القرآن نفسه -كما يشير الكاتب- أكثر من سبعين مرة بمعان مختلفة. ويقول: إن المستشرقين قبلوا النظرية التي قال بها شفالي في كتابه “تاريخ القرآن” أن “القرآن” قد اشتق من كلمة “قرياءنا” السريانية، ومعناها القراءة المقدسة. أما النظرة الغالبة لدى الدوائر الإسلامية فهي أن الكلمة اسم من قرأ. ثم يقول “ولعل أنسب النتائج وأقربها قبولًا هي أن مصطلح القرآن قد أصّل في القرآن نفسه لكي يمثّل كلمة قيريانا السريانية، ولكنه أسس على مصدر عربي بصيغة  فعلان من قرأ”.

وهكذا حاد كاتب المقال عن الحقيقة بعد أن تبينت له، فالكلمة العربية اشتقت من القراءة، كما أن أول سورة من القرآن -حسب الترتيب الزماني للسور والذي أعده المستشرقون أنفسهم- تبدأ بكلمة اقْرَأ، فعل أمر من قرأ، وهي نفس المادة العربية التي اشتقت منها كلمة القرآن.

ويضيف كاتب المقال قائلًا: “ولا يمكن لمعنى كلمة القرآن ومصدر الكتاب المقدس للمسلمين أن يتضحا تمامًا دون أن نضع في الاعتبار استخدام عدد آخر من المصطلحات الوثيقة الصلة بالموضوع”، زاعماً أن معنى لفظ “آية” مطابق للكلمة الشبيهة في العبرية “أوث”، والسريانية “آثا”، وبالطريقة نفسها يعتبر أن كلمة “سورة” مشتقة من “صورطا” أو “سورثا” السريانية، ومعناها الكتاب المقدس، ويواصل هذه الافتراضات في كلمات أخرى كثيرة.

وإذا تأملنا النتائج التي توصل إليها المستشرقون في هذا البحث نجد أنها لم تأت بجديد، فهي أقرت بما أعلنه المسلمون من أن ألفاظ: قرآن، آية، سورة، كتاب إنما تمثل وحدات من التنزيل، وأن الكتاب يعني كتاب الله.. إلخ، ومن ثم لا يشتمل هذا المبحث إلا على ما أثاره بعض المستشرقين من شبهات حول اشتقاق بعض ألفاظ القرآن الكريم وردها إلى أصول عبرية أو سريانية، واستدراج للقارئ لإقناعه بأن القرآن من اختراع محمد وتأليفه، وأنه قد تعلم هذه الألفاظ من اليهود والنصارى.

ويناقش الدكتور عبد الرحمن بدوي هذه المزاعم بقوله “ولكي نفترض صحة هذا الزعم فلا بد أن محمدًا كان يعرف العبرية والسريانية واليونانية، ولا بد أنه كان لديه مكتبة عظيمة اشتملت على كل الأدب التلمودي والأناجيل المسيحية ومختلف كتب الصلوات وقرارات المجامع الكنسية وكذلك بعض أعمال الآباء اليونانيين وكتب مختلف الكنائس”.

على أن اللغات العربية والعبرية والسريانية تنتمي إلى سلالة لغوية واحدة هي سلالة اللغات السامية، ولا بد من أجل ذلك أن يكون بينها الكثير من التشابه والتماثل، ومن ثم فإن القول بأن إحدى اللغات استعارت ألفاظًا بعينها من أخواتها هو تعسف لم يقم عليه دليل.

ويمكن أن تكون هذه الألفاظ قد وجدت في العربية قبل زمن النبي بوقت طويل واستقرت في اللغة العربية حتى أصبحت جزءًا منها وصارت من مفرداتها التي يروج استخدامها بين العرب، كما أن من المستحيل الآن بسبب غموض تاريخ اللغات السامية أن نحدد من اقتبس هذه الألفاظ المشتركة من الآخر.

القرآن والبيان
كان العرب قوم تعجبهم العبارة البليغة، ويرون المثل الأعلى للنبوغ في قصيدة جيدة، أو كلمة حكيمة، وقد أرادوا إبراز آثارهم التي تكشف عن نواحي العظمة فيهم، فكانت المعلقات السبع، لذلك تعد صناعة الكلام لديهم من أرقى الصناعات التي تنتجها الأمم، وتقام لها المعارض، ويدعى لها الزائرين، ولقد كانوا مولعين بالأدب درجة تثير العجب، فيذكر عن الصحابي ابن عباس، إنه استمع إلى الشاعر الماجن عمر بن أبي ربيعة في قصيدة غزل له تربو على السبعين بيتاً وحفظها، فقيل له: أوقد حفظتها؟! فأجاب: أومنكم يسمع شيئا ولا يحفظه؟!

وروي عن التابعي سعيد بن المسيب أنه فاضل بين شاعرين وتلا أبياتا يحتج فيها لرأيه في ترجيح أحدهما، فلما انقضى الكلام استغفر الله مائة مرة، حيث غلبته فطرة العرب فصنع ما صنع، وهو لم يرتكب إثماً، وإنما رأى أنه شغل نفسه بغير ما يُنتظر من مثله، ونستنتج من ذلك أن حالة ولع العرب أيام الرسالة بالآداب العليا، وحفظهم لها، وتنويههم بأصحابها.

وقد مثَّل لهم القرآن المعجزة الأدبية الخالدة في لسان العرب، فما إن ظهر حتى بهر، وقد استمع له البلغاء فنفذت بلاغته إلى شغاف قلوبهم، فتلقوه مسحورين، يستوي في ذلك المؤمنون والكافرون منهم، فمنهم من يُسحر فيؤمن، ومنهم من يُسحر فيهرب ويكابر، ثم يصف هؤلاء وهؤلاء عما مسهم منه، فإذا هو حديث لا يعطيك أكثر من صورة المبهور، الذي لا يعلم موضع السحر فيما يسمع من هذا النظم العجيب.

فهذا عمر بن الخطاب يقول في رواية: “فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت ودخلني الإسلام”، وهذا الوليد بن المغيرة يقول وهو كافر بمحمد وبالقرآن: “والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه يعلو وما يعلى”.

ولعل قائلاً يقول: إنني لا أدرك بيان القرآن، ولا أستطيع الإتيان ببيان مثله –لأن لغتي ضعيفة- لكن في الناس من هم متخصصون، وقد يستطيعون الإتيان ببيان مثله، أو أنهم لا يرون جودة بيانه. والرد بالرجوع إلى أفصح أدباء العصر، وسؤالهم إن كان بالإمكان الإتيان بمثل بيان القرآن، فإن ادعوا قدرتهم على الإتيان بمثله، فليأتوا به حقاً، وإن عجزوا، فأي شهادة أدل على هذا الإعجاز؟ لقد سجل التاريخ هذا العجز على أهل اللغة أنفسهم في عصر نزول القرآن، وهم الذين عاشوا في أزهى عصور البيان العربي.

كما أن الدعوة لهؤلاء قائمة بالرجوع إلى التاريخ والنظر في القرون الطويلة التي أعقبت نزول القرآن، والنظر إن كان بها من استطاع الإتيان بمثل بيان القرآن، غير بضعة أشخاص حاولوا فصارت محاولاتهم أضحوكة للناس.

 

موريس بوكاي

القرآن والعلم
في عام 1976، أخرج الطبيب الفرنسي موريس بوكاي نتائج دراسته التي استمرت لعقود في كتاب بعنوان “التوراة والإنجيل والقرآن والعلم”، حيث درس معالجة الكتب المقدسة في الأديان الثلاثة للمواضيع العلمية، ولا سيما فيما يتعلق بعلوم الفلك والجيولوجيا والأحياء والكون (كوزمولوجي) وغيرها، وبما أنه لم يكن مسلما ولا عربيا فقد بدأت علاقتة بالقرآن دون أدنى تعاطف مسبق، فيقول: كنت أعرف قبل هذه الدراسة، وعن طريق الترجمات أن القرآن يذكر أنواعا كثيرة من الظاهرات الطبيعية، ولكن معرفتي كانت وجيزة، وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن الكريم لا يحتوى على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث.‏

وبنفس الموضوعية، فحص المؤلف نصوص العهد القديم والأناجيل.‏ حيث لم يجد حاجة للذهاب إلى أبعد من السفر الأول في العهد القديم، أي سفر التكوين، والذي يتضمن مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخا في عصرنا، فعلى سبيل المثال كان العلماء يعلمون في عصر المؤلف أن أقدم آثار أعمال بشرية يعود تاريخها إلى ما قبل 12 ألف سنة، ثم اكتُشفت آثار أقدم من ذلك بعد عصره، وعليه فإننا لا نستطيع علمياً قبول صحة نص سفر التكوين الذى يعطى أنساباً وتواريخ تحدد بداية الإنسان بسبعة وثلاثين قرناً فقط قبل المسيح [انظر مقال اليهودية].‏

ويقول أما بالنسبة للأناجيل فما نكاد نفتح الصفحة الأولى منها حتى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة، وهي شجرة أنساب المسيح، فنص إنجيل متى يناقض بشكل جلي انجيل لوقا، والأخير يقدم لنا بصراحة أمرا لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقدم الإنسان على الأرض [انظر مقال المسيحية].‏

وينهي المؤلف عمله بهذه الخلاصة: “ولا يستطيع الإنسان تصور أن كثيراً من المقولات ذات السمة العلمية كانت من تأليف بشر بسبب حالة المعارف في عصر محمد. لذا فمن المشروع تماماً أن ينظر إلى القرآن على أنه تعبير الوحى من الله وأن تعطى له مكانة خاصة جداً، فصحته أمر لا يمكن الشك فيه”، وقد كان المؤلف وفياً للبحث الذي أنفق معظم عمره في خدمته، فاعتنق الإسلام لما تبينت له صحة هذا الوحي.


أهم المراجع
محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم، دار القلم، الكويت.

أحمد سمايلوفيتش، فلسفة الاستشراق وأثرها في الأدب العربي المعاصر، 1980م.

محمد السعيد جمال الدين، الشبهات المزعومة حول القرآن الكريم. مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الطبعة الأولى، 1421هـ.

محمد خليفة حسن، دراسة القرآن الكريم عند المستشرقين في ضوء علم نقد الكتاب المقدس.

عبد الرحمن بدوي، دفاع عن القرآن ضد منتقديه، ترجمة كمال جاد الله، الدار العالمية للكتب والنشر، 1998م.

موريس بوكاي، التوراة والإنجيل والقرآن والعلم. ترجمة حسن خالد، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، 1990م.

محمد الغزالي، نظرات في القرآن. نهضة مصر للطباعة، الطبعة السادسة، 2005م.

سيد قطب، التصوير الفني في القرآن. دار الشروق، الطبعة السابعة عشرة، 2004م.

التهامي نقرة، بحث “القرآن والمستشرقون” ضمن كتاب مناهج المستشرقين في الدراسات العربية الإسلامية، الجزء الأول، مكتب التربية العربي لدول الخليج، 1985م.

الشيعة الإمامية الاثناعشرية

أنس ناجي وأحمد دعدوش

نشوء التشيع
يقول كبار منظّري التشيع إن مذهبهم يعود في جذوره إلى آدم نفسه، وإنه ما من نبي إلا وعرض عليه الإيمان بولاية علي، حيث ينقل الكليني في كتابه “الكافي” عن أبي الحسن قوله “ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولن يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله، ووصية عليّ عليه السلام” [1/437]، وليس هناك أي نص قرآني يدعم هذه الدعوى.

ويقول بعضهم إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي وضع بذرة التشيع، وذلك قبل وفاته وبدء الصراع بين معاوية بن أبي سفيان وعلي بن أبي طالب، فيقول القمي إن الشيعة كانوا معروفين في زمان النبي ويقولون بإمامته، ومنهم المقداد بن الأسود وسلمان الفارسي وأبو ذر وعمار بن ياسر. وهم أول من سمو باسم التشيع من هذه الأمة [المقالات والفرق، ص15].

وقد وافق عدد من كبار أئمة الشيعة على هذا الرأي، ومنهم النوبختي في كتابه “فرق الشيعة”، لكن هذا الرأي لا يؤيده أي نص قرآني أو حديث نبوي، كما أنكر بعض من مشايخ الشيعة هذا الاعتقاد، فقال محمد حسين آل كاشف الغطاء إنه لم يكن للشيعة والتشيع وجود في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما قال ابن المرتضى إن عمار بن ياسر كان عاملا لعمر بن الخطاب في الكوفة وإن سلمان الفارسي كان عاملا له أيضا في المدائن، فكيف يُعقل أن يكونا متمردين على خلافته؟

والأرجح أن إرهاصات التشيع بدأت في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وذلك على يد عبد الله بن سبأ وجماعته، وهو يهودي من اليمن أظهر إسلامه بالمدينة المنورة في عهد عثمان، ثم خرج على الفور إلى العراق لينشر فكرة الغلو بعلي بن أبي طالب ويزعم أن ابن عم رسول الله يستطيع أن يعرف الغيب، فطرده عبد الله بن عامر، فتوجه إلى الشام وحرّض بعض الصحابة فيها على الثورة ضد الأغنياء، فأخرجه معاوية الذي كان واليا على الشام، ليتوجه إلى مصر ويبدأ بتوسيع خطته من هناك.

وكما حرّف اليهودي شاؤول (بولس) دين التوحيد الذي جاء به عيسى عليه السلام [انظر مقال المسيحية] عن طريق نشر أسطورة رفع عيسى إلى السماء وحلول الإله فيه، وذلك لتضليل أتباع المسيح بدلا من ملاحقتهم، فقد حاول اليهودي ابن سبأ أن يفعل الشيء نفسه بالإسلام بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ يقول في عهد عثمان إنه يعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ولا يصدق أن محمدا يرجع، واستدل بالآية الكريمة {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}، كما بدأ بنشر فكرة أن يكون لكل نبي وصيّ، داعيا إلى جعل علي بن أبي طالب ابن عم النبي وصيا له.

وكان نشاط ابن سبأ على الأرجح جزءا من مشروع لجمعية منظمة [انظر مقال الجمعيات السرية]، فكان معاونوه يُظهرون الإسلام في البصرة والكوفة وينشرون فكرتي الوصية والرجعة، حتى صدّقهم الكثير من العوام والأعراب والعبيد والموالي.

ويقول العديد من المؤرخين السنة إن علياً تصدى لابن سبأ وأنصاره الذين تكاثروا بسرعة، حتى أقنع الكثيرين منهم بالتراجع، فقرر السبئيون (كما يسميهم المؤرخون) أن يختصروا طريق الفتنة بقتل رأس الأمة، وبدأوا بإثارة الشبهات للطعن في عثمان وعدالته بحجج واهية، كما تفعل وسائل الإعلام الرسمية اليوم في الدول الدكتاتورية.

تحققت نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع الفتنة، وتسلق بعض المتمردين سور دار عثمان وقتلوه وهو يقرأ القرآن، لتبدأ بذلك سلسلة من الفتن التي ما زالت آثارها قائمة في يومنا هذا، حيث يُنسب إلى السبئيين أيضا دور في إشعال فتن أخرى مثل معركة الجمل وإفشال المفاوضات بين علي وطلحة والزبير ونشر فكرة تأليه علي.

ومع أن الصحابة والتابعين كانوا خير القرون في التاريخ، فقد نجح الشيطان وحزبه جزئيا في تفريقهم ودفعهم للاقتتال فيما بينهم، بينما ظل ابن سبأ حياً يرزق إلى ما بعد مقتل علي رضي الله عنه، ليمارس فتنة أكبر بادعائه أن علياً إله لا يموت بل رُفع وسيرجع لينصر أتباعه، وهي فكرة “الرجعة” نفسها التي كان يتحدث ابن سبأ عنها في حق النبي قبل ذلك. وهذا النجاح الجزئي ليس مؤشرا على فشل الإسلام نفسه، فالصحابة والتابعون بشر عاديون لم يتكفل الوحي بعصمتهم ولا بحفظهم، وكما تفرق أتباع الأنبياء السابقين ووقعوا في الشرَك الذي نصبه أعداؤهم فقد وقع كثير من الصحابة فيه أيضا، بينما تنبه آخرون وبذلوا كل جهدهم لرأب الصدع وقطع رؤوس الفتنة.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قومه بأنهم سيتفرقون ويُفتنون كما حدث لتلك الأمم فقال: لتتبعن سَنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضبٍّ لسلكتموه، فقال الصحابة: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟! [البخاري: 3269، ومسلم: 2669].

سلمان المرشد

نجح ابن سبأ نجاحا باهرا في زرع أسطورة الغيبة والرجعة في عقول الكثيرين، حتى أصبحت من أهم عقائد المذاهب الباطنية التي خرجت من تحت عباءة التشيع، فكان من السهل على الكهنوت استغلال هذه الأسطورة كلما توفي أحد الأئمة الكبار لإقناع العوام بأنه لم يمت، وأنه سيرجع ليملأ الأرض عدلاً في آخر الزمان.

فبعد موت علي رضي الله عنه، طُبقت الأسطورة نفسها في حق محمد بن الحنفية ومحمد بن الحسن العسكري وإسماعيل المبارك وابنه محمد والحاكم بأمر الله والطيب أبو القاسم، وفي العصر الحديث طبقها النصيريون (العلويون) في حق سلمان المرشد الذي ادعى الألوهية ثم قُتل شنقا، ويقال إن كثيرا من النصيريين اعتقدوا بها أيضا في حق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد.

ويجدر بالذكر أن التشيع لعلي في البداية لم يكن أكثر من وجهة نظر في مسألة سياسية بشأن الخلافة، فغالبية الصحابة والتابعين رأوا أن علياً أحق بالخلاقة من معاوية لاجتماع كلمة الناس على بيعته، لكن السبئية كانوا قد استبقوا بيعة علي ببث الأفكار الباطنية بشأن الغيبة والرجعة لتمهيد الطريق أمام ربطها بفكرة الوصية، وعندما وقع الخلاف بين علي ومعاوية ألصق السبئيون أفكارهم العقائدية هذه بالخلاف السياسي، فتبعهم بذلك فئة من المتشيعين لعلي، وكان هؤلاء هم أوائل الشيعة الذين ابتدأ على أيديهم مذهب ديني له أصوله ومعتقداته وتأويلاته الخاصة للنصوص.

حقيقة أم خيال؟
لم يكن هناك شك لدى القدماء بشأن وجود ابن سبأ وجماعته واستغلالهم للخلافات السياسية لبث أفكارهم العقائدية، فمع أن المؤرخ الطبري (توفي عام 310هـ) هو أشهر من تحدث عن سيرة ابن سبأ، إلا أن اسم ابن سبأ وجماعته قد ورد في عشرات المراجع والأشعار التي ظهرت قبل الطبري، حيث تحدث عنه الفرزدق والشعبي وابن سعد والجوزجاني وابن قتيبة والبلاذري وغيرهم.

علاوة على ذلك، تكاد تجمع كتب منظري الشيعة الأوائل على وجود ابن سبأ، مثل مؤلفات القمي والنوبختي والكشي، حتى “أجمع القدماء على وجوده بلا استثناء” كما يقول الدكتور علي الصلابي.

وفي العصر الحديث، شكك غالبية المستشرقين في وجود ابن سبأ واعتبروه شخصية وهمية، فتبعهم في ذلك الدكتور طه حسين والعديد من العلمانيين، ثم دعم هذا الطرح غالبية الشيعة المحدثين، لينفوا علاقة التشيع باليهودية، وزعموا أن سيف بن عمر التميمي اخترع تلك الشخصية، وأن المؤرخ الطبري نقلها عن مصادر غير موثوقة في القرن الثالث الهجري.

كما أيد باحثون من السّنة هذا الرأي انطلاقا من فكرة مفادها أنه لا يليق بالصحابة أن يُخدعوا من قبل شخص واحد يوقع بينهم كل تلك الفتنة. لكن الروايات التاريخية تدل على أن ابن سبأ كان قائدا لشبكة تخريبية متوزعة على أقطار عدة، كما أن نفي أثره ليس ضروريا لتنزيه الصحابة عن الخطأ، بل سؤدي هذا النفي بالمقابل إلى إثبات تورط الصحابة في اقتتال داخلي وفتن كبرى دون أثر خارجي من العدو، وهذا هروب من قبيح إلى أقبح.

يقول الدكتور علي الصلابي “إذا كان ابن سبأ لا يجوز التهويل من شأنه كما فعل بعض المغالين في تضخيم دوره في الفتنة، فإنه كذلك لا يجوز التشكيك فيه أو الاستهانة بالدور الذي لعبه في أحداث الفتنة كعامل من عواملها, على أنه أبرزها وأخطرها؛ إذ أن هناك أجواء للفتنة مهدت له، وعوامل أخرى ساعدته”. [انظر كتاب سيرة عثمان بن عفان].

وقد أكد باحثون معاصرون من السنة والشيعة أن ابن سبأ شخصية حقيقية، ومنهم محمد أمحزون وسليمان بن فهد العودة وعلي آل محسن.

أهم الأصول التي انفرد بها الشيعة
1- الإمامة أو الخلافة: تعد أعظم الأركان بعد الشهادتين، وهي تنص على أن الإمامة لعلي بن أبي طالب، وللأئمة الاثني عشر من ذريته، ولا يجوز للنبي أن يفارق الأمة دون تعيين الإمام من بعده لأنها لا تخضع للرأي والمشورة، وتعدّ الإمامة كالنبوّة من حيث العصمة من جميع الذّنوب منذ الولادة، ويجب أن ينص الإمام السابق على اللاحق بالعين لا بالوصف ولا الانتخاب.

2- العصمة: يرى الشيعة أن الله أعطى العصمة للأنبياء ثم للأئمة الاثني عشر من أهل البيت ليكونوا دليلا للمسلمين، بحيث لا يقع منهم خطأ ولا سهو، بل بالغ بعضهم وجعل مرتبة الإمام فوق الأنبياء والملائكة، وحاول إثبات ذلك بأدلة فلسفية “لأن عصمة المعصوم إنما كانت بسبب المنزلة العالية والمقام المحمود الذي لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأيضا بسبب خلافته التكوينية التي تخضع لولاياتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون” [الحكومة الإسلامية الخميني، ص 52].

3- القرآن الكريم: لا يعتقد كثير من الشيعة بحفظ القرآن الكريم من التحريف والزيادة والنقصان، وقد جمع المحدث النوري الطبرسي في إثبات تحريف القرآن كتاباً ضخماً الحجم سمّاه: (فصْل الخِطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) وجمع فيه أكثر من ألفي رواية تنص على التحريف، كما جمع فيه أقوال الكثير من فقهاء الشيعة المتقدمين والمتأخرين الذين أقروا بذلك.

4- انتظار المهدي: وهو لدى الاثني عشرية محمد بن الحسن العسكري، ومن أسمائه الحجة والقائم، ويقولون إنه ولد سنة 255هـ واختفى في سرداب سُرَّ منْ رأى (سامراء) سنة 265هـ، وسيخرج في آخر الزمان وينتقم من أعدائهم، كما سيُخرج الصحابة من قبورهم ويعذبهم ويحرقهم، وأولهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

ويترقب الشيعة الفرس أن ينتقم المهدي لهم من العرب أيضا، فيقولون “عن أبي عبد الله أنه قال: إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف” [بحار الأنوار للمجلسي، 52/355].

5- تكفير معظم الصحابة: مع أن هناك خلافا بين طوائف الشيعة بشأن موقفهم من الصحابة، إلا أن الكثير منهم يكفّرون معظم الصحابة ويصفونهم بالردة، وخصوصاً أبا بكر وعمر وعثمان، ويستثنون عددا قليلا من الصحابة “المنتجبين”، وقد لا يزيد عددهم عن ثلاثة فقط –عند بعضهم- وهم المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي.

6- الطعن في زوجات النبي: يرى الشيعة أن السيدة عائشة زوجة النبي صلى اله عليه وسلم خالفت الشرع وخرجت على الإمام علي ولم تحقن دماء المسلمين، وبما أنها كانت ابنه أبي بكر أيضا فقد وضع بعضهم قصصا تتهمها بالتآمر على النبي وإيذائه، بل وممارسة الفاحشة، مع أن القرآن الكريم برّأها في سورة النور.

يقول محمد بن حسين الشيرازي القميّ “مما يدل على إمامة أئمتنا الاثني عشر أن عائشة كافرة مستحقة للنار” [الأربعين في إمامة الأئمة الطاهرين للقمي، ص 615].

7- التقية: تعد من أصول الدين ومن لوازم الاعتقاد، بل لا دين ولا إيمان لمن لا تقية له عند الكثير منهم، حيث يروون عن جعفر الصادق قوله “إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له”، وهذا الاعتقاد يجعل من مذهب الشيعة عقيدة سرية، فهو من المعتقدات النادرة التي تدعو أتباعها إلى إخفاء معتقداتهم وإظهار نقيضها دون ضرورة.

8- زواج المتعة: يخالف الشيعة عامة المسلمين بإباحتهم لزواج المتعة بل وينسبون إلى أئمتهم روايات عن فضله وثوابه، وكأنه نوع من العبادة، ومنها: “روى صالح بن عقبة عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام، قال قلت له: للمتمتع ثواب؟ قال: إن كان يريد بذلك وجه الله تعالى وخلافاً على من أنكرها، لم يكلمها كلمة إلا كتب الله تعالى له بها حسنة، ولم يمد يده إليها إلا كتب الله له حسنة، فإذا دنا منها غفر الله تعالى له بذلك ذنباً، فإذا اغتسل غفر الله له بقدر ما مرّ من الماء على شعره، قلت: بعدد الشعر؟ قال: نعم بعدد الشعر” [من لا يحضره الفقيه، الصدوق، 3/302].

أهم الأصول التي يخالف فيها الشيعة السنة

1- الإمامة منزلة يؤتيها الله لرجل من آل بيت النبي وتنتقل بالتعيين.
2- الإمام معصوم وقد يكون أعلى منزلة من النبي.
3- القرآن ليس محفوظا.
4- الإمام الثاني عشر هو المهدي وسيعود ليحكم العالم.
5- معظم الصحابة مرتدون.
6- بعض زوجات النبي معرضات للطعن.
7- التقية مستحبة أو واجبة.
8- زواج المتعة مباح.

الإمامة والمهدوية
تعد الإمامة بمثابة العمود الفقري للتشيع، ففي حين يعتبر المسلمون السنة مسألة الخلافة أمرا فقهيا يخضع للاجتهاد وظروف السياسة الشرعية، فإن الشيعة يجعلون من الإمامة ركنا أساسيا من العقيدة نفسها، وبذلك ربط الفقهاء المؤسسون عقيدة عوام الشيعة بمدى ولائهم للأئمة، كما كان يربط الكهنوت الوثنيون إيمان كل فرد من الشعب وخلاصه بمدى ولائه للملك الذي يقدم نفسه في صورة إله أو نصف إله.

وإذا كانت الخلافة لدى المسلمين السنة تخضع للمشورة، فإن الإمامة الشيعية لا رأي فيها للناس، بل هي حسب اعتقادهم حق منصوص عليه لسلالة آل البيت، ولا يتم إيمان الفرد إلا بالاعتقاد بحق كل إمام فيها، ما يقطع الطريق على محاولات التمرد قبل ظهورها.

والإمام طبقا للمفهوم الشيعي معصوم واجب الطاعة، وحقه بالإمامة منصوص عليه من الله على لسان النبي أو لسان الإمام الذي قبله، لذا تجب طاعته على جميع المسلمين في شؤون الدين والدنيا، وهو الوحيد الذي يحق له أن يفسر القرآن الكريم ويؤوّله، وقد جعله البعض في مرتبة أعلى من الأنبياء كما ذكرنا أعلاه نقلا عن الخميني.

مقام الإمام الرضا بمدينة مشهد الإيرانية

ويرى الشيعة الاثنا عشرية أن الأئمة هم على الترتيب التالي: علي بن أبي طالب، الحسن بن علي، الحسين بن علي، علي زين العابدين، محمد الباقر، جعفر الصادق، موسى الكاظم، علي الرضا، محمد الجواد، علي الهادي، الحسن العسكري، محمد المهدي.

وقد وقع الشقاق بعد موت العديد من الأئمة، فكانت تنشأ بعض الفرق التي تنكر موت الإمام وتظن أنه رُفع إلى السماء كما رفع عيسى عليه السلام، فزعم بعضهم على سبيل المثال أن الإمام السادس جعفر الصادق قال لهم “إن جاءكم من يخبركم عني أنه مرّضني وغسلني وكفنني ودفنني فلا تصدقوه، فإني صاحبكم، صاحب السيف”، فاعتقدوا أنه هو المهدي وأنه لم يمت، وسميت هذه الفرقة بالناووسية، نسبة لقائدهم الناووس.

لكن فريقا آخر رأى أن جعفر مات حقا وأوصى بالإمامة لابنه الأكبر إسماعيل المبارك، بينما رأى فريق ثالث أن الإمام هو موسى الكاظم الابن الثاني لجعفر، وذلك لثبوت موت إسماعيل في حياة أبيه، فتمسك الفريق الأول برأيه منكرا موت إسماعيل ونشأ عنه مذهب الإسماعيلية الذي تغلغلت فيه العقائد الباطنية وانتهى به الحال خارج الإسلام، حيث ما زال جزء من الإسماعيلية يؤمنون بأن إسماعيل حي لم يمت، بينما يؤمن جزء آخر بأن محمد بن إسماعيل هو الإمام والمهدي المنتظر. أما الفريق الذي يضم معظم شيعة اليوم فهو الذي آمن باستمرار الإمامة في سلالة موسى الكاظم، وسمي بالشيعة الاثني عشرية لأن الإمامة في عقيدتهم توقفت عند الإمام الثاني عشر.

وفي عام 260هـ توفي الإمام الحادي عشر الحسن العسكري (نسبة إلى مدينة عسكر قرب بغداد) دون أن يترك ولدا خلفه كما يذكر المؤرخون السنة، فوجد الشيعة مخرجا للمأزق بالقول إن العسكري كان له ولد اسمه محمد، إلا أنه أخفى وجوده عن الناس خوفا عليه من العباسيين، وقالوا إن الطفل محمد دخل سردابا في سامرّاء، ولسبب غير مفهوم قالوا إنه ظل متخفيا هناك فيما يسمى بالغيبة الصغرى التي امتدت 72 عاما، ثم وجدوا حلا لغيبته بابتكار مفهوم السفراء الذين يقومون بمهمات الإمام الغائب ويقودون الشيعة، وقيل إن المهدي يتواصل مع سفرائه مباشرة ويوجه أوامره من خلالهم، فظهر أربعة سفراء هم عثمان بن سعيد العمري ومحمد بن عثمان العمري والحسين النوبختي وعلي السَّمَري.

وبوفاة السمري بدأت الغيبة الكبرى عام 329هـ، حيث قيل إن الإمام المهدي أرسل رسالة للناس يقول فيها إنه لن يكون هناك نائب عنه، وإنه سيغيب فترة غير محددة بانتظار الظروف المواتية لخروجه، وأوصى الناس بالعودة للفقهاء الحافظين والعلماء العارفين حتى يخرج إليهم في آخر الزمان.

وبحسب هذه الأسطورة فإن المهدي تسلم الإمامة وعمره خمس سنوات فقط، وهو ما زال حيا ويتصل بكبار الفقهاء، وقد تجاوز عمره الآن 1170 سنة.

وتزخر كتب أئمة الشيعة بقصص ونبوءات وصفات المهدي، وهي تشبه في الكثير من ملامحها وتفاصيلها الآثار الفارسية الزرادشتية التي تنبأت بقدوم المخلّص “سوشيانت المنتصر” في آخر الزمان، كما يشير بعضها إلى أنه يجمع في دمه أقدس سلالات الأنبياء والملوك، فهو ينحدر من سلالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه، أما أمه فهي بنت يشوعا بن قيصر ملك روما، وأمها من بنات حواريي المسيح وتُنسب إلى وصيه شمعون [بحار الأنوار للمجلسي، ج 51].

مسجد جمكران قرب قم الذي يعتقد الشيعة أنه بني بأمر المهدي

يطلق على الشيعة الإمامية أيضا مسمى الرافضة، حيث يقول العالم السنّي ابن تيمية إن الشيعة افترقوا إلى رافضة وزيدية في زمن خروج زيد بن علي زين العابدين، فإنه لما سئل عن أبي بكر وعمر ترحم عليهما، فرفضه بعضهم فسُمّوا بالرافضة، بينما سُمّي من لم يرفضه من الشيعة زيدياً لانتسابهم إليه، وهؤلاء ما زالوا على مذهبهم القريب من السنة في اليمن. أما الشيعة فيرفضون تلك القصة، ويعتبرون أن مصطلح الرافضة أطلق عليهم لأنهم رفضوا الباطل وتمسكوا بالحق.

مصادر المذهب
بما أن التشيع نشأ في ظل الإسلام فإن فقهاءه يلتزمون بالعودة إلى القرآن والسنة بصفتهما مصدر الوحي والتشريع، لكن نقطة الافتراق عن بقية المسلمين تبدأ من حيث الاعتقاد بعصمة الأئمة واعتبارهم مصدرا إضافيا للتشريع، حيث لا تقتصر السنة لدى الشيعة على أقوال وأفعال الرسول بل تشمل أيضا كل ما يُنسب إلى الأئمة.

ويترتب على الاعتقاد بالعصمة أيضا فتح الباب أمام احتمالات شتى لفهم القرآن الكريم تحت مسمى التأويل الباطني الذي لا يعرف سره إلا الإمام “المعصوم”، لا سيما وأن المدونين الأوائل لأقوال الأئمة ليسوا موضع ثقة لدى علماء الجرح والتعديل المعتمدين لدى المسلمين من غير الشيعة، بل لم يكونوا كذلك حتى لدى بعض الفقهاء الشيعة الكبار، الأمر الذي يضع معظم أصول المذهب في موضع التشكيك عندما تُنقد الروايات بضوابط النقل والتثبت.

علاوة على ذلك، أدت عقيدة تكفير الصحابة -أو تكذيبهم على الأقل- إلى نبذ مؤسسي التشيع للمصادر المعتمدة للأحاديث النبوية (السنة) [انظر مقال السنة النبوية]، ومن ثم فإن المصادر الحديثية المحققة كصحيحي البخاري ومسلم لا يُعتد بها لديهم، ليس لأنها موضع شك من حيث ثبوت النقل، بل لأنها روايات منقولة عن الصحابة الذين تم تكفيرهم أصلا، فضوابط قبول الروايات أو رفضها لدى الشيعة تقوم أساسا على الجانب الاعتقادي (التسليم) وليس على البحث العلمي.

ونظرا لتشتت الشيعة إلى فرق شتى بناء على ولاء كل فرقة لإمام معين، فقد كانت كل فرقة تدون رواياتها المنسوبة لإمامها بعد موته، علما بأن الانقسام لم يقتصر على الخلاف بشأن خليفة جعفر الصادق، بل انقسم أتباع الحسن العسكري بدوره إلى ما يقرب من عشرين فرقة بعد موته، وكل فرقة منها كانت تضع من الأخبار والروايات ما يؤيد عقيدتها الجديدة، لكن فرقة الإمامية الاثني عشرية هي الوحيدة التي آمنت بإمامة محمد بن الحسن المهدي، ولم تضع الروايات المتعلقة بالاثني عشر إماما إلا بعد موت العسكري، أي في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، بالرغم من دعوى بدء التدوين قبل ذلك.

يقول فقهاء الشيعة إن تدوين الأحاديث والأخبار يعود إلى “الأصول الأربعمئة”، وهي أربعمئة كتاب يقولون إنها دونت في القرن الثاني الهجري على يد أصحاب الإمامين جعفر الصادق وموسى الكاظم، ومع أن هذه الكتب غير موجودة حاليا، فإنهم يقولون إن الشيخ محمد بن يعقوب الكُليني رحل إلى العديد من البلدان الإسلامية لجمع أكبر قدر ممكن مما جاء في هذه الأصول ووضعها في كتابه “الكافي”، ثم جاء من بعده عالمان آخران ووضعا كتبا مشابهة، وهما الطوسي مؤلف “التهذيب” و”الاستبصار”، والصدوق مؤلف “من لا يحضره الفقيه”، وتعد هذه الكتب الحديثية الأربعة المصدر الأساسي المعتمد لدى الشيعة اليوم، مع أنها كانت جميعا كتبا فقهية وليست متخصصة في الحديث.

يؤمن الشيعة بأن الكليني عرض كتابه الكافي على المهدي الغائب في السرداب وأنه أقره عليه، ويعتقدون أن جميع ما ورد في الكتب الأربعة صحيح ولا شك فيه، حيث يقول عنها الشيخ الحر العاملي “قد عرفت أن أكثرها متواتر لا نزاع فيه، وأقلها -على تقدير عدم ثبوت تواتره- فهو خبر محفوف بالقرينة القطعية” [وسائل الشيعة، 20/107].

مع ذلك، انتُقدت تلك الكتب الأربعة كثيرا، فشيخ الطائفة الطوسي قال في كتابه “عدَّة الأصول” إن أحاديث “التهذيب” تزيد على خمسة آلاف، بينما تبلغ أحاديثه في النسخة المتوفرة 13950 حديثا، ما يعني أن معظم ما فيه قد تمت إضافته بأيد مجهولة، ولا يمكن لأحد في عصرنا أن يُميز ما وثقه الطوسي عن غيره.

أما موسوعة الكافي فقد ذكر الطوسي في “الفهرست” أنها كانت مكونة من ثلاثين كتابًا (جزءا)، ومع ذلك فقد وصل إلينا مجزءا في خمسين كتابا، ولا يُعرف من أين جاءت الزيادة، كما شكك بعض فقهاء الشيعة بأحد أهم هذه الأجزاء، وهو كتاب “الروضة”، الذي يختص بالقضايا العقائدية التي تقوم عليها أهم عقائد الشيعة ومنها الإمامة، حيث يُعتقد أن مؤلفه ليس الكليني نفسه.

ويقر الباحث اللبناني الشيعي المعاصر هاشم الحسني بأن وثوق الكليني بالروايات التي جمعها “لم يكن مصدره بالنسبة إلى جميعها عدالة الرواة؛ بل كان في بعضها من جهة القرائن التي تيسر له الوقوف عليها… بالإضافة إلى عنصر الاجتهاد الذي يرافق هذه البحوث في الغالب” [دراسات في الحديث والمحدثين، ص 134]، ويضيف الحسني أن الكليني أقر بنفسه بأن كتابه لم يجمع الروايات الصحيحة ذات السند المتصل بالإمام، بل قال الكليني إنه بذل جهده في الجمع والتحقق دون أن يكون متأكدا، ومع ذلك فإن الفقهاء الذين جاؤوا بعد الكليني وحتى اليوم يُجمعون على أن الكافي صحيح بكل ما فيه، وإلا فإن أركان مذهبهم كلها معرضة للانهيار.

علاوة على ذلك، لم يجد مؤلفو الكتب الأربعة مانعا من الرواية عمن يُطعن في دينهم بالرغم من إقرارهم بضرورة التمحيص، فقال الطوسي “فإذا ذكرتُ كل واحد من المصنفين وأصحاب الأصول، فلا بد من أن أُشير إلى ما قيل فيه من التعديل والتجريح، وهل يُعوَّل على روايته أو لا؟ وأبين عن اعتقاده، وهل هو موافق للحق أو هو مخالف له؟ لأن كثيرًا من مصنفي أصحابنا وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة، وإن كانت كتبهم معتمدة” [الفهرست للطوسي، ص 32]، والإقرار بضرورة الجرح والتعديل أمر جيد، لكن المحير أن الطوسي يعترف بعد ذلك فورا بأن انتحال بعضهم لمذاهب فاسدة لا يطعن في كون كتبهم معتمدة.

ومن الملفت أيضا أن العلماء الذين تلقوا كل ما نُسب للأصول ليس لديهم دليل على صحة انتساب كل واحد من أولئك الأربعمئة للفرقة التي يعتبرون أنها على صواب، فقد بينّا سابقا أن الشيعة كانوا ينقسمون إلى فرق عدة بعد موت عدة أئمة، حتى إنهم تفرقوا إلى ست فرق بعد موت جعفر الصادق الذي نُسبت الأصول إلى أصحابه، كما أن العديد من الأخبار الواردة في تلك الأصول يتحدث عن الأئمة الذين جاؤوا بعد الصادق، فلا يُعرف متى كُتبت تلك الأخبار والأحاديث.

يقول الوحيد البهبهاني إن “معاصري الأئمة وقريبي العهد منهم كان عملهم على أخبار الثِّقات مطلقًا، وغيرهم بالقرائن، وكانوا يردون بعض الأخبار أيضًا؛ لما ثبت بالتواتر من أن الكَذَبَة كانوا يكذبون عليهم، لكن خَفِيَ علينا الأقسام الثلاثة، ولا يمكننا العلم بها كما مرَّ في الفوائد، كما أن نفس أحكامهم أيضًا خفيت علينا كذلك، وانسدَّ طريق العلم، فالبناء على الظن في تمييز الأقسام” [الفوائد الحائرية، ص 490].

رسم لمدينة قم الإيرانية من مجموعة الرحالة الفرنسي جان شاردان في القرن الثامن عشر

ولاية الفقيه والدولة الصفوية
وقع التشيع في أزمة منذ بدء الغيبة الكبرى للمهدي، فلم يعد هناك مبرر للعمل السياسي طالما كان الحكم محصورا في سلالة الأئمة، وفي القرن الرابع عشر الميلادي حاول الفقيه الشيعي محمد بن جمال الدين الجزيني العاملي (من جبل عامل بلبنان) وضع حل لهذه المعضلة بابتكار نظرية ولاية الفقيه العامة، التي تعني قيام أحد الفقهاء المجتهدين الكبار بمهمة النيابة عن الإمام الغائب (المهدي) في قيادة الأمة وإقامة حكم اللّه على الأرض.

صفي الدين أردبيلي

تزامن مع طرح العاملي لنظرية ولاية الفقيه في لبنان صعود عائلة تركمانية صوفية تدعي الانتساب لآل البيت في شمال إيران، حيث يقال إن الشيخ صفي الدين أردبيلي (توفي عام 1334م)  كان يخفي تشيعه تقيّةً ويظهر للناس أنه سني شافعي حتى تمكن من استقطاب الإيرانيين حوله، حيث كانت الغالبية الساحقة من الإيرانيين تتبع المذهب الشافعي السني آنذاك.

وفي عام 1501م، سيطر إسماعيل حفيد صفي الدين على الحكم وأسس الدولة الصفوية، معلنا بصراحة قيام الدعوة الشيعية. وينقل عبد العزيز بن صالح المحمود الشافعي في كتابه “عودة الصفويين” عن مصادر شيعية أن إسماعيل كان مع أتباعه الصوفية في الصيد بمنطقة “تبريز”، فعبر نهرا لوحده ودخل كهفاً ثم خرج متقلداً بسيف وأخبر رفاقه أنه التقى داخل بالمهدي الغائب، وأن المهدي قال له “لقد حان وقت الخروج”، وأنه أمسك ظهره ورفعه ثلاث مرات ووضعه على الأرض، ثم شدّ حزامه بيده ووضع خنجراً في حزامه وقال له: “اذهب فقد رخصتك”.

وبهذه الأسطورة طبق إسماعيل نظرية ولاية الفقيه عمليا، كما أنه لم يكتف بادعاء نسبته إلى آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم وبحصوله على إذن الإمام المهدي الغائب، بل ابتكر أسطورة جديدة تضفي عليه شرعية أخرى للحكم من خلال استحضار “حق الملك الإلهي” لسلالة الأكاسرة الفرس، حيث تقول الأسطورة إن عمر بن الخطاب -عند فتحه لبلاد فارس- سبى نساء الشاه يزدجرد، آخر ملوك الفرس، وجاء بهن إلى المدينة، فثار ضده علي بن أبي طالب وقام بتزويج شهربانو ابنة يزدجرد من ابنه الحسين، فجاء الأئمة من سلالة آل البيت ويزدجرد، ما يمنحهم بذلك “حق الملك الإلهي”، وذلك على شاكلة سبط يهوذا من بني إسرائيل الذي يدعي لنفسه هذا الحق حتى يومنا هذا. وقد دحض هذه الرواية عدد من علماء الشيعة أنفسهم، وعلى رأسهم مرتضى مطهري وعلي شريعتي.

يقول المفكر الإيراني الشيعي المعاصر علي شريعتي إن الدولة الصفوية قامت على مزيج من القومية الفارسية والمذهب الشيعي، حيث تولدت آنذاك تيارات تدعو لإحياء التراث الوطني والاعتزاز بالهوية الإيرانية، وتفضيل العجم على العرب، وإشاعة اليأس من الإسلام، وفصل الإيرانيين عن تيار النهضة الإسلامية المندفع، وتمجيد الأكاسرة. [التشيع العلوي والتشيع الصفوي لشريعتي، ص 119].

الشاه إسماعيل

وبما أن الأساطير وحدها لا تكفي بدون قوة، فقد حشد الشاه إسماعيل من حوله كتائب عسكرية تدعى “قزلباش” لتكون بمثابة الحرس الشخصي والقوة الضاربة، وجعلها تظن في نفسها أنها الجيش الممهد لظهور المهدي، حتى زعم كبار فقهاء الدولة، وعلى رأسهم العلامة المجلسي، أن الدولة الصفوية ستكون بالفعل مقدمة لخروج المهدي الوشيك.

وبهذه العقيدة انطلق جنود الشاه لمحاولة ابتلاع الأمة الإسلامية كلها، فبدأوا بتصفية قادة السنة في إيران والعراق، وارتكبوا مجازر في غاية البشاعة، حتى قيل إنهم قتلوا مليون مسلم، وكان إسماعيل يأمر بنبش قبور العلماء وحرق عظامهم وحرق كتب المسلمين السنة، وإذا قتل أميراً أباح زوجته وأمواله لأحد أتباعه، وكان الكثير من أتباعه يعتقدون أنه بلغ درجة الألوهية. [عنوان المجد للبغدادي، ص 120].

ولاستكمال مخططه الإمبراطوري، وضع الشاه إسماعيل تدمير الدولة العثمانية نصب عينيه، مع أن العثمانيين كانوا في أوج قوتهم وفي أخطر مراحل تصديهم للأوروبيين الذين كانوا يستأنفون غزواتهم الصليبية في مرحلة ما يسمى بعصر الاكتشافات الجغرافية، بينما كان العثمانيون يشنون هجمات مضادة ويتوغلون في شرق أوروبا.

احتل إسماعيل العراق وعقد تحالفات مع الدول الأوروبية ضد العثمانيين، ومع أنه كان يحاول إظهار الود للسلطان العثماني سليم ياوز الأول إلا أن الأخير لم يثق به، وسرعان ما بدأت المناوشات التي كشفت عن نواياه.

راسل إسماعيل البرتغاليين ووعدهم بالاعتراف بسلطتهم على جزيرة هرمز التي احتلوها عام 1507م، وهي منطقة استراتيجية لإشرافها على مضيق هرمز الفاصل بين الخليج العربي وخليج عُمان، وطلب إسماعيل منهم في المقابل مساعدته على غزو البحرين والقطيف وتعهدهم بمساندته ضد القوات العثمانية، كما تضمن مشروع التحالف البرتغالي الصفوي تقسيم المشرق العربي بينهما لاحقا، بحيث يحتل الصفويون مصر والبرتغاليون فلسطين، وما زالت المراسلات المتبادلة بين الشاه إسماعيل وأفونسو دلبوكيرك نائب الملك البرتغالي على الهند محفوظة حتى اليوم.

وجد البرتغاليون في العرض الصفوي كنزا لا يقدر بثمن، فقد كانوا يخشون الجبهة الإسلامية القوية التي يمثلها العثمانيون والمماليك في البحر الأبيض المتتوسط، ويحاولون أن يجدوا موطئ قدم لهم في المنطقة، فأتاح لهم الصفويون فرصة البقاء في الخليج العربي، ثم أخذ إسماعيل يهدد باجتياح حلب ودمشق بينما كان دلبوكيرك يتسلل بأسطوله إلى البحر الأحمر لتخويف المماليك في مصر.

راسل إسماعيل أيضا بابا الفاتيكان ليو العاشر ليحظى بتأييد أوروبا المسيحية كلها، ونصح دلبوكيرك الملوك الأوروبيين بالتحالف مع إسماعيل وإرسال خبراء صناعة المدافع إليه لضرب المسلمين من الخلف، وهنا أدرك السلطان سليم أنه لا بد من مواجهة الصفويين، فاشتبك الجيشان في معركة  “جالديران” سنة 1514م التي انتصر فيها العثمانيون انتصاراً كبيراً، فبدأ دلبوكيرك بالتخلي عن إسماعيل الذي خسر معظم قوته.

ازداد حقد إسماعيل فقرر أن يبحث عن قوة أخرى تنتقم له من العثمانيين، وأغرى السلطان المملوكي الغوري بالخروج من مصر إلى حلب ليشهد صلحا بين إسماعيل والسلطان سليم، لكن المماليك فوجئوا هناك بأن الخطة كانت تهدف إلى توريطهم في الحرب، فاصطدموا مع العثمانيين بمعركة مرج دابق عام 1516، والتي انتصر فيها العثمانيون أيضا. ومع أن الدولة العثمانية تجاوزت كل هذه المحاولات إلا أن مؤامرات إسماعيل شغلت العثمانيين وأوقفت تقدمهم الذي كان قد بلغ وسط أوروبا.

انتهت دولة الصفويين سنة 1724م على يد نادر خان الذي عينه الشاه طهماسب الثاني قائداً لجيشه، فبعد تحقيقه عدة انتصارات ضد منافسي الدولة نصّب نادر خان نفسه ملكاً على إيران، وأعلن سقوط الدولة الصفوية وقيام الدولة الأفشارية الشيعية محلها، التي استمرت حتى القضاء عليها من قبل الزنديين سنة 1795م. وقد حاول نادر شاه إحداث تقارب بين السنة والشيعة، الأمر الذي أدى إلى قتله من قبل الشيعة المتعصبين.

من أهم النتائج التي خلَّفتها الدولة الصفوية انقسام العالم الإسلامي إلى معسكري السنة والشيعة، وتحويل إيران من دولة سنية إلى شيعية متعصبة، وإحياء النزعة القومية الفارسية، مع ربط التشيع الديني بالأهداف السياسية للحكومات الإيرانية المتعاقبة التي ما زالت قائمة حتى اليوم.

الخميني يعود من فرنسا إلى إيران في فبراير 1979 بعد 14 سنة من النفي والطيار الفرنسي يساعده على النزول

الثورة الإيرانية
في القرن العشرين، تولى الفقيه روح الله الخميني مهمة إحياء فكرة ولاية الفقيه، داعيا إلى إنشاء دولة شيعية جديدة تمهد لخروج المهدي وقيادة العالم. ومع أن الملك الإيراني الشاه محمد رضا بهلوي كان من أقوى حلفاء الغرب وإسرائيل، إلا أن الخميني المنفي في فرنسا كان قد عقد تحالفاته السرية هناك لينشئ نظاما دينيا يرفع شعارات معاداة الغرب، كما يقول العديد من المؤلفين ومنهم مؤلف كتاب “رهينة بقبضة الخميني” روبرت درايفوس.

يقول درايفوس في كتابه إن مشروع زعزعة استقرار حكم الشاه تمتد جذوره لقرن من الزمان قبل قيام الثورة الإسلامية الخمينية عام 1979م، حيث عملت المخابرات البريطانية على زرع بذورها عبر رجال الدين الشيعة والجمعيات السرية لتهيئة الأجواء وشحن الشعب بالتمرد، ثم جاء تقرير لمنظمة العفو الدولية في نوفمبر ١٩٧٦ ليكون “الطلقة الأولى” التي أشعلت نيران الثورة بعد ثلاث سنوات، فبدأ من ذلك الحين تسليط الضوء داخليا وخارجيا على انتهاكات حقوق الإنسان في نظام الشاه [ص 34، 39].

ويسرد المؤلف تفاصيل الاستنفار الذي قامت به منظمات المجتمع المدني الغربية لحشد الرأي العام ضد الشاه ونظامه، إلى جانب دعم منظمة فدائيي الإسلام (فدائيان إسلام) التي كانت قد انتقلت إلى العمل السري تحت قيادة آية الله خلخالي وآية الله الخميني، والتي كانت تدير نحو 200 ألف من الملالي المنتشرين في أنحاء إيران لتنفيذ خطة الانقلاب عبر التهييج الشعبي الديني [ص 40].

في يناير عام 1978، كان الرئيس الأميركي جيمي كارتر يحتضن الشاه ويمتدح إيران بأنها “جزيرة الاستقرار” في الشرق الأوسط المضطرب، بينما كان معاونوه قد بدؤوا بتدبير مؤامرة إسقاطه [رهينة بقبضة الخميني، ص 24]، ويقول مؤرخون إن الرجل الثاني في جهاز السافاك “منظمة المخابرات والأمن القومي” حسين فردوست كان هو المسؤول عن تدبير الانقلاب لصالح الخميني والملالي بإشارة من الغرب، وإن الخميني كافأ فردوست لاحقا بعد إسقاط الشاه بحل جهاز السافاك وتأسيس جهاز “السافاما” بدلا منه بقيادة فردوست نفسه.

ويرى درايفوس أن استحداث الحكم الإسلامي الشيعي في إيران من قبل الغرب كان بحجة التصدي للتمدد الشيوعي بالمنطقة، مستشهدا بتصريح رئيس مجلس الأمن القومي زبيغنو بريجينسكي (الذي كان القوة المحركة في إدارة كارتر) عندما قال لصحيفة نيويورك تايمز إنه يجب على واشنطن أن ترحب بانبعاث قوى الإسلام في الشرق الأوسط لأنها تعارض كعقيدة تلك القوى الكامنة في المنطقة الموالية للاتحاد السوفيتي [رهينة بقبضة الخميني، ص 25]، لكن باحثين آخرين يرون أن هذا الدعم كان بالأحرى لزرع بذور الفتنة الطائفية في المنطقة وإشعال فتيل الحرب التي سرعان ما اندلعت بين السنة والشيعة ومازالت تتوسع حتى اليوم.

أنصار الخميني في وسط طهران أثناء الثورة

تصدير الثورة
في كتاب تصدير الثورة الذي نشرته “مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني”، نجد مئات المقتطفات من خطب ورسائل الخميني التي يعتبر فيها أن تصدير الثورة سيكون بمثابة رسالة لدحر الطغيان وإسقاط عروش الجبابرة والانتصار للمظلومين، مع التركيز على أن رسالة الثورة هي رسالة الإسلام العالمية وتجنب الإشارة للبعد المذهبي الشيعي.

ففي إحدى رسائل الخميني الموقعة بتاريخ ٢٨/٤/١٩٨٦ يقول إن رسالته الأخيرة هي أن يعملوا على “إعداد الأرضية لظهور منقذ البشرية وخاتم الأوصياء ومفخرة الأولياء” [تصدير الثورة، ص 20].

وكما فعل الشاه إسماعيل، وضع الخميني -عقب سيطرته على إيران- عينه مباشرة على المملكة العربية السعودية بصفتها أرض الحرمين ومن أهم الدول السنّية، فحاول التمدد عبر بوابة الشرق حيث يتركز الوجود الشيعي في السعودية، وبدأ بدعم حركات الاحتجاج في مدينة القطيف عام 1981 ضد الحكومة السعودية.

ويقول مؤرخوه إن النظام الإيراني أنشأ منظمة شيعية سرية داخل إيران لنشر فكر الثورة في دول الخليج، وعهد إلى الشيخ حسن الصفّار بزعامتها الروحية، وأُطلق عليها اسم “منظمة الثورة الإسلامية لتحرير الجزيرة العربية”، لتصبح لاحقا “منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية”، وفي عام 1987 تشكل جناح عسكري للمنظمة تحت اسم “حزب الله الحجاز”، ويشير باحثون إلى انفصال الجناح العسكري عن المنظمة ليصبح تابعا مباشرة للحرس الثوري الإيراني. [مقال “حزب الله” الخليج، لخالد المشوح]

ويقول مؤرخو تلك المرحلة إن غالبية السعوديين الشيعة الذين كانوا في قم آنذاك كانوا يؤيدون المدرسة الشيرازية التي ترى أن الحكومة الإسلامية الشيعية تدار من قبل تجمع من الفقهاء وليس الولي الفقيه الواحد، لكن الحرس الثوري أجبر العديد منهم على الالتحاق بالفكر الخميني، بينما اضطر آخرون للجوء إلى دمشق ودول أخرى. [دراسة حزب الله الحجاز “السعودي”، بوابة الحركات الإسلامية].

صورة من الإعلام السعودي لمظاهرات الإيرانيين بمكة عام 1987

وفي موسم الحج بأواخر يوليو 1987، بدأ الصدام الفعلي عندما قادت مجموعة من الحرس الثوري الإيراني وحزب الله الحجاز المئات من الحجاج الإيرانيين والشيعة السعوديين للتظاهر في مكة المكرمة ودعوة المسلمين لمؤازرة ثورة الخميني، ما أسفر عن صدام دموي مع السلطات السعودية، ذهب ضحيته 402 قتيلا و649 جريحا، أكثر من نصفهم من الإيرانيين، كما تجددت المظاهرات في موسم الحج التالي وأسفرت عن سقوط ضحايا.

اتهمت السلطات السعودية “حزب الله الحجاز” بالمسؤولية عن أعمال “إرهابية” عدة، من أهمها تفجير شركة صدف البتروكيماوية في مدينة الجبيل عام 1988، وتفجير مبنى للحرس الوطني في الرياض عام 1995، وتفجير أبراج الخبر عام 1996 الذي أسفر عن مقتل 19 أميركيا بمدينة الخبر.

ويرى الباحث السعودي خالد المشوح أن “انكشاف مخططات إيران” دفع العديد من الناشطين الشيعة في الخليج للتراجع عن موالاتهم لنظام ولاية الفقيه، كما اضطروا للوقوف إلى جانب سلطات بلادهم أثناء حرب الخليج الثانية جراء اختلاط الكثير من الأوراق في المنطقة. وفي عام 1993 تم الاتفاق بين الحركة الإصلاحية الشيعية والحكومة السعودية على إنهاء النشاط السياسي في الخارج وقطع العلاقات مع طهران.

لكن هذه المصالحة لم تنه الأزمة، فما زال الشيعة في السعودية والخليج متهمون بإثارة القلاقل إبان اندلاع احتجاجات البحرين عام 2011، كما ظهر جليا الطموح الإيراني في تصدير “الثورة” عبر السيطرة غير المباشرة على العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003.

ويرى باحثون أن التقارب الإيراني الأميركي لم يكن وليد الصدفة، إذ صرح محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيراني السابق في عام 2004م بقوله “لولا إيران لما سقطت كابل وبغداد”، [نبيل البكيري، في عمق التقارب الأميركي الإيراني، الجزيرة نت، 19/10/2013].

وبعد تورط إيران في قمع الثورة السورية منذ عام 2011، أصبح من الشائع الاعتقاد بأن النظام الذي أقامه الخميني يمزج بين العقيدة الشيعية والقومية الفارسية، حيث يقول الباحث المتخصص في التشيع السياسي الدكتور عبدالله النفيسي -وهو الرئيس السابق لقسم العلوم السياسية بجامعة الكويت- إن إيران الآن دولة صفوية، وإن ساسة إيران “فرس أساسا وليسوا مسلمين، وليسوا حريصين على الإسلام، بل على هدم الإسلام بصيغته التي نفهمها”.

ويضيف أنه التقى كل القيادات التي تحكم إيران ورموز النظام فوجد أن خيطا واحدا يجمعهم هو احتقار العرب، وأن لديهم الآن فرصة تاريخية للثأر من العرب على اعتبار أن الفتح الإسلامي لبلاد فارس كان “غزوا” حطم إمبراطوريتهم.

وينقل النفيسي عن حسن روحاني -قبل أن يصبح رئيسا لإيران- أنه قال لأعضاء البرلمان الكويتي خلال زيارة رسمية لإيران “كل الساحل الغربي من الخليج سيعود إلى رحم بلاد فارس، وأنتم لا حق لكم كعرب فيه، وسنستولي عليه عندما تحين الفرصة”. [موقع بوابة الأهرام الرقمي، 19 يناير 2013].

ويؤكد هذا تصريح لقائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري خلال خطاب جماهيري بتاريخ 7 مايو 2015 قال فيه إن “تشكيل الهلال الشيعي من خلال التعاطف بين الدول الإسلامية في المنطقة والمقاومة ضد الظلم يدل على تحقيق أهداف الثورة الإسلامية في إيران عام 1979” [موقع قناة برس الإيرانية].


أهم المراجع
أبو جعفر القمّي الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1986.

محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، إحياء الكتب الإسلامية، طهران.

محمد بن حسين الشيرازي القمي، الأربعين في إمامة الأئمة الطاهرين، مطبعة الأمير، طهران.

مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، تصدير الثورة كما يراه الإمام الخميني، www.arabic.irib.ir، بدون تاريخ.

الخميني، الحكومة الإسلامية، بدون ناشر.

الوحيد البهبهاني، الفوائد الحائرية،مجمع الفكر الإسلامي، قم، 1995.

أبو جعفر الطوسي، الفهرست، مؤسسة نشر الفقاهة، قم، 1997.

عبد الرسول الغفاري، الكليني والكافي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم، 1996.

محمد بن الحسن الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى أصول الشريعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1983.

هاشم معروف الحسني، دراسات في الحديث والمحدثين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1978.

سليمان بن حمد العودة، عبد الله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام، دار طيبة، الرياض.

محمد أمحزون، تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة، دار السلام، 2007.

علي محمد الصلابي، سيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه: شخصيته وعصره، 2006.

روبرت درايفوس، رهينة بقبضة الخميني، ﺩﺍﺭ ﻧﻴﻮﺑﻨﺠﺎﻣين ﻓﺮﺍﻧكلين للنشر، 1980.

نبيل البكيري، في عمق التقارب الأميركي الإيراني، الجزيرة نت، 19/10/2013.

خالد المشوح، “حزب الله” الخليج.. تاريخ من المؤامرات باسم المقدّس والطائفة، مجلة المجلة، 15 نوفمبر 2011.

أحمد محمد سرحان، كتب الحديث والرواية عند الشيعة الإمامية الاثنى عشرية، موقع الألوكة، 2009.

حزب الله الحجاز “السعودي”، بوابة الحركات الإسلامية www.islamist-movements.com/2571، 12/مايو/2014.

Emmanuel Sivan and Menachem Friedman, Religious Radicalism and Politics in the Middle East, SUNY Press, 1990, p. 190

http://www.dorar.net/enc/firq

http://www.presstv.ir/Detail/2015/05/07/409890/Iran-IRGC-commander-Jafari-military-option

السنة النبوية

محمد عبد الحميد صديق


بعد أن تبين لنا في المقالين السابقين صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وصدق نسبة القرآن الذي جاء به إلى الله تعالى، نواصل بحثنا في هذا المقال للتحقق من إرث هذا النبي القولي والعملي، والذي يشكل بدوره جزءا مهما من الوحي نفسه، ومصدرا أساسيا من مصادر التشريع.

مفهوم السنة
السنة النبوية تشكل مصلطحا من أهم المصطلحات التي يدور عليها الدين ويبنى عليها الفقه والأحكام الشرعية، وبنظرة بسيطة إلى أي كتاب من الكتب الدينية نرى أنه مليء بتعابير “سنة الرسول” و”سنة النبي”، أو أن هذا الأمر” مسنون”، وما شاكل ذلك من العبارات والمصطلحات.

ولو بدأنا بتعريف السنة لغويا لرأينا أنها تعني “الطريقة والمنهج”، سواء أكان ممدوحا أو مذموما، وقد ورد تعبير السنة في القرآن الكريم قريبا من هذا المعنى: {سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الفتح: 23] وسياق الآية يدل على الشيء المتَّبع والمطبق، أي أن السنة هي الشيء الذي استمر العمل على منواله.

أما تعريف السنة اصطلاحا، أي المُعتمد في كتب الفقه والأصول والحديث، فهناك خلاف حوله، لكن هذا الاختلاف راجع إلى زاوية النظر، حيث نظر علماء كل فرع من فروع العلم إلى جانب معين في السنة وعرّفوها بناء عليه.

فأهل الحديث يعرفون السنة بأنها كل ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، والمقصود بالتقرير أن يُفعل أمام النبي أمر أو أن يبلغه شيء فيسكت ولايعلق، فسكوته دليل على رضاه وموافقته إذ لو كان حراما لوجب عليه التنبيه. فالمحدِّثون نظروا إلى كون السنة صادرة عن النبي عليه الصلاة والسلام وهي تمثل كل تصرفاته القولية والفعلية والتقريرية، التي لها علاقة بالتشريع.

أما الفقهاء فقد عرفوا السنة بأنها ما يجب فعله من غير وجوب، أي ما يثاب الإنسان على فعله ولا يعاقب على تركه، فالسنة هي مقابل الفرض والواجب، وأما علماء أصول الفقه فعرفوا السنة على أنها مصدر من مصادر التشريع، ومصادر التشريع الأساسية هي القرآن والسنة والإجماع والقياس.

ولو أردنا أن نقدم تعريفا شاملا للسنة لأمكننا القول إن السنة هي الطريقة المتبعة من قبل الرسول عليه الصلاة والسلام في جميع عباداته وسلوكياته وتصرفاته، وبطبيعة الحال فإن من هذه الأمور ما يمكن أن نصفه بواجب أو غير واجب.

وبناء على مفهوم السنة هذا، يظهر لنا خطأ من يقول بترك السنة إلى القرآن، لأن السنة ليست مجرد شيء يندب فعله أو يثاب عليه، وليست مجرد قول صادر عن النبي بل هي طريقة في السلوك الديني، والغاية منها بيان التطبيق العملي للدين كما سأل رجل السيدة عائشة عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام فقالت له: “كان خلقه القرآن”.

ويظهر لنا مما سبق أن العلاقة بين التعريفين اللغوي والاصطلاحي هي أن السنة تتضمن المواظبة على فعل أمر ما، فالرسول عليه الصلاة والسلام عندما يواظب على فعل ما مبينا أنه فعل تشريعي للأمة، فعلى المسلمين الاقتداء به.

وجوب الاقتداء بالسنة
إنه لا يُتصور فهم القرآن دون اللجوء إلى حديث الرسول الذي جاء به، فحديثه هو الشارح للقرآن، وعلى ذلك كثير من الأدلة، فبواسطة السنة أخذ الصحابة أفعال الصلاة ومواقيتها، إذ لا يوجد في القرآن تفصيل لمواقيت الصلاة أو أحكامها، إنما اكتفى القرآن بإيجاب الصلاة على المؤمنين فقال {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا}، بينما نجد تفصيل أحكامها في السنة وفقا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “صلوا كما رأيتموني أصلي” [أخرجه البخاري].

كما اكتفى القرآن بالإخبار عن فرضية الحج، أما أحكامه التفصيلية فتولت السنة النبوية شرحها، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: “خذوا عني مناسككم”، وكذلك الحال في الصيام وبقية العبادات، وعلى ذلك نقول إننا لا نستطيع أن نفهم القرآن بدون السنة، وما يقال من أن القرآن اشتمل على كل شيء فالمقصود بهذا الاشتمال هو القواعد والمبادئ الأساسية، أي أن القرآن يعرض القواعد العامة التي ينبني عليها الدين، أما التفصيلات والتطبيقات فهي متروكة للسنة بدليل قوله تعالى {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44]، فالآية واضحة الدلالة على مهمة الرسول في شرح القرآن وتفصيله.

وقد اتفق علماء الأمة على أن السنة بمجموعها حجة ومصدر من مصادر الأحكام واستدلوا على ذلك من القرآن، وإجماع الصحابة الذين عاشوا في عصر النبي وتلقوا عنه مبادئ الدين.

أما أدلة القرآن التي توجب اتباع النبي فنذكر منها الأمثلة الآتية:

قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3-4]، فالآية دليل على أن أقوال النبي صادرة عن وحي إلهي.

وقال أيضا: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب} [الحشر: 7]، ودلالة الآية واضحة على وجوب الأخذ بكل ما أمر به النبي وما نهى عنه دون تفريق بين كونه قرآنا أو سنة.

وقال أيضا: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]، فالآية جعلت علامة محبة الله في اتباع النبي والتأسي به، ومثلها قوله تعالى {من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]، وقوله {فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

وقد دلّ كثير من الأحاديث ومواقف الصحابة على مثل ما دلت عليه آيات القرآن الكريم، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم “فعليكم بسُنّتي وسُنّة الخلفاء الراشدين المَهْدِيِّين” [أخرجه أبو دادود وغيره]، كما حذر النبي من ترك سنته فروي عنه أنه قال: “يوشك أن يقعد الرجل متكئاً على أريكته يحدَّث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه ، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله” [أخرجه ابن ماجه والدارمي]. فالتحذير في هذا الحديث واضح من ترك سنته والعدول عنها والقول بأن القرآن وحجه يكفي.

وأما دليل إجماع الصحابة فيتضح في مواقف عديدة تثبت أنهم كانوا يبحثون عن أحكام للمسائل التي تواجههم في القرآن، فإن لم يجدوها بحثوا في سنة النبي بعد وفاته، ومنها قصة أبي بكر في ميراث الجدّة، حيث جاءت جدّة إليه في خلافته وسألته ميراثها فقال: ما لك في كتاب الله شيء وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فقال: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة ، فأنفذه لها أبو بكر”.

علاقة السنة بالقرآن
تكتسب السنة أهميتها من صدورها عن الرسول بصفته الرسولية، أي بصفته مبلغا عن الله، فإذا كان المشرع هو الله بصفته الإله الخالق فما يصدر عن الرسول بصفته الرسولية هو في الحقيقة صادر عن الله تعالى، أما التصرفات التي تصدر عن الرسول بحكم طبيعته البشرية فليست داخلة في تعريف السنة، والاقتداء بها ليس واجبا، فعلى سبيل المثال كان الرسول يحب أكل الدبّاء (أي القرع)، وهذا لا يجعل من أكل الدباء سنة مُتبعة.

أما علاقة السنة بالقرآن من جهة التشريع فتتنوع على ثلاثة أنواع، هي:

1- تأكيد السنة للقرآن الكريم: بمعنى أن يأتي ذكر أمر في القرآن ثم تؤكده السنة، من ذلك أيضا قول الله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، فهذا المعنى جاء تأكيده في أحاديث كثيرة، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم “المسلم أخو المسلم” [أخرجه البخاري]، وقوله: “مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له باقي الأعضاء بالحمى والسهر” [أخرجه مسلم].

2- بيان السنة لما جاء في القرآن الكريم: أي أن تفصّل السنة أمراً جاء في القرآن مجملا أو عاما، كتفصيل السنة لأحكام الصلاة، فالله تعالى يقول في كتابه: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103]، ويقول {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [النور: 56]، كما يمتدح تعالى المؤمنين من حيث محافظتهم على الصلاة فيقول {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون:9]، أما بيان أوقات الصلاة وعدد ركعاتها وأركانها وواجباتها وشروطها فلا نجد له تفصيلا إلا في السنة الشريفة، فلولا بيان السنة ما عرفنا كيف نصلي.

3- تشريع أحكام جديدة ليست في القرآن: مثال ذلك صدقة الفطر، فقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة [أخرجه البخاري]، فهذا الحكم ليس موجودا في القرآن، ومع ذلك فحكمه واجب بإجماع المسلمين بناءً على هذا الحديث الصحيح.

مناقشة آراء الرافضين لحجية السنة
يطرح بعض المفكرين العرب والمستشرقين حججاً للتشكيك في السنة من حيث كونها مصدراً للتشريع، وسنناقش بإيجاز فيما يلي أهم هذه الحجج:

القرآنيون
يطلق مصطلح القرآنيين على تيار ديني يدّعي أن القرآن هو المصدر الوحيد للتشريع الإسلامي، وأن السنة كانت خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وحده دون أتباعه، ويطلقون على أنفسهم اسم “أهل القرآن”. ويُعتقد أن بداية ظهور هذا الرأي كانت على يد الخوارج، ثم تبلور في الهند خلال القرن التاسع عشر عندما أنكر السنة بعضُ المفكرين الذين حظوا برعاية الاحتلال البريطاني، وتوسعت فلسفة هذا التيار في باكستان ومصر خلال مرحلة الاحتلال أيضا.

1- يدعي منكرو السنة أن القرآن اشتمل على كل الأحكام ولم يترك شيئا للسنة، ويستدلون على ذلك ببعض الآيات مثل قوله تعالى {ما فرطنا في الكتاب من شيء} [الأنعام: 38] وقوله {وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل: 89]، والواقع العملي يرد هذه الدعوى، فهناك عدد لا يحصى من النوازل والأمور التي تحدث كل يوم وليس لها ذكر في القرآن، ما يعني أن كلمة “شيء” في الآيتين لا تدل على الشمول، وبيان ذلك أن القرآن الكريم يشتمل على القواعد والأسس العامة التي نحتاج إليها في حياتنا، أما التفصيلات فمتروكة للسنة أو للاجتهاد، وشمولية القرآن كاشتمال الدستور على المبادئ العامة وتركه التفصيل للوائح القانونية والتفصيلية، فالسنة هي التي تفصل قواعد القرآن العامة، وسبق أن استشهدنا بمثال تفصيل السنة لأحكام الصلاة واكتفاء القرآن بالأمر بها، وكذلك الحال مع بقية العبادات.

2- يرى منكرو السنة أن القرآن محفوظ بحفظ الله فلا تداخله شبهة ولا شك ولا تحريف بخلاف السنة التي يوجد فيها الموضوع والضعيف، وعليه فالاحتجاج بالمحفوظ أولى في رأيهم من الاحتجاج بما دخلته الشبهة. إلا أن هذا الرأي يتجاهل منهج النقد الذي وضعه علماء الحديث لتمييز الصحيح من الضعيف كما سيأتي، فوجود الضعف في بعض روايات التاريخ مثلاً لا يبرر نسف علم التاريخ وما تقوم عليه من علوم إنسانية شتى.

3- يدّعون أن السنة ليست إلا اجتهادا من الرسول، وبما أن الاجتهاد ليس وحيا فليس بلازم الاتباع، ويستدلون على ذلك ببعض الحوادث كمسألة تأبير النخل ونزول الجيش في بدر. لكن هذا الادعاء مردود بآيات القرآن التي تأمر باتباع النبي في كل ما جاء به، مثل قوله تعالى {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]، والوقائع التي استشهدوا بها جاءت في غير محلها، فتصرفات الرسول وحي عندما تكون في مجال التشريع وليست من الأمور الدنيوية، وقد ذكر علماء الأصول كثيرا من الضوابط للتفريق بين أعماله الرسولية والبشرية، ولا يسمح هذا المقام بذكرها.

عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “نضّر الله امرأً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلّغه، فرُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورُبّ حامل فقه ليس بفقيه” [رواه الترمذي وأبو داود وصححه الألباني].

4- يستدلون بوجود تناقض بين بعض الأحاديث، فيجعلون من ذلك مبرراً لإنكار السنة بالجملة، لكن وجود أحاديث متناقضة في الظاهر ليس دليلا كافيا لرد العمل بالسنة، فالخطأ ليس من الرسول وإنما من الرواة الذي قد يخطئون في النقل أو الحفظ، أو قد يكون الخطأ في فهم القارئ للحديث، وبما أن علماء الحديث قد بذلوا جهودا جبارة في تمحيص الروايات وبيان التناقضات وأسبابها والراجح منها فما زال بالإمكان العمل بما وصلنا من سنة النبي، ولم تسقط بذلك حجيتها عنا.

5- يقولون إن السنة لو كانت لازمة الاتباع لأمر الرسول بكتابتها كما أمر بكتابة القرآن، ويرد هذه الحجة عمل الصحابة أنفسهم ومن جاء بعدهم من حيث مركزية السنة في فتاواهم وقضائهم وسائر أحكام عباداتهم، أما عدم أمر النبي بكتابة السنة عنه فليس دليلا بذاته على كون سنتة غير ملزمة، فقد كان يخشى اختلاط سنته بالوحي القرآني، إلا أنه كان يدرك أن العرب أمة أميّة وأنها ستنقل عنه سنته شفوياً، ومع أنه لم يأمر بكتابة هذه السنة فإنه لم ينهَ عنها، بل سمح لمن طلب منه ذلك من الصحابة كعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما، وسنتابع تفصيل هذا الأمر بعد قليل.

روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “تسمعون، ويُسمع منكم، ويُسمع ممن يَسمع منكم” [رواه أحمد وأبو داود بسند صحيح].

6- يرون أن ضخامة عدد الأحاديث الموجودة في الكتب الحديثية مبرر للاعتقاد بأن غالبيتها غير صحيحة، استناداً إلى كون الرسول صلى الله عليه وسلم قليل الكلام بحيث لو أراد العاد عدَ كلامه لاستطاع. لكن الاستدلال بضخامة العدد ليس دقيقاً، فالمحدثون يعدون كل طريق (سند) حديثا بذاته ولو كان المتن واحدا، ومثال ذلك لو فرضنا أن حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام “بني الإسلام على خمس” روي من خمسة وجوه فهذا يعني أن لدينا خمسة أحاديث وليس حديثا واحدا، فعندما نقول إن عدد الأحاديث المدونة يتجاوز المئة ألف فالمقصود هو عدد الأسانيد وليس متون الأحاديث.

تاريخ السنة
سنوجز فيما يلي تطور انتقال السنة من مصدرها عبر رواتها من الصحابة والتابعين، وصولاً إلى تدوينها وتوثيقها، وذلك عبر ثلاث مراحل:

المسجد النبوي في المدينة المنورة بمنتصف القرن التاسع عشر

1- الحديث في عهد النبوة: نزل القرآن على النبي عليه الصلاة والسلام في ظرف 23 سنة منجّما (مفرقاً) على حسب الحاجة، وكان للنبي كتّاب من الصحابة يكتبون ما نزل عليه من الوحي بأدوات بسيطة مما يتوفر لهم من الورق والحبر، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يشجع صحابته على حفظ القرآن في الصدور، فالعرب كانوا أمة شفوية تحفظ أشعارها وأنسابها وتاريخها دون تدوين.

لم يُظهر النبي عليه الصلاة والسلام حرصاً على كتابة سنته كحرصه على تدوين القرآن الكريم، فالوحي كان ينزل بشكل متقطع ببضع آيات تسهل كتابتها على الفور، أما السنة فتتضمن ما كان يتحدث به النبي مع أصحابه أو يفعله في حضورهم يوميا، حيث كانوا يوجهون له الأسئلة عن شتى الأمور، كما كان يخطب فيهم عند حدوث بعض المناسبات، أو يقدم لهم النصائح والمواعظ والأخبار والنبوءات أثناء استقباله الوفود أو خلال تجوله في السوق أو في أي حالة يكون عليها خلال حياته اليومية، ما يجعل من كتابة هذه التفاصيل في وقتها أمراً متعذراً.

علاوة على ما سبق، كان النبي صلى الله عليه وسلم يخشى اختلاط القرآن بالحديث، ولا يعني ذلك بالضرورة اختلاطا لا يُستطاع معه التمييز، فالصحابة كانوا قادرين على التمييز لغويا وبيانيا، لكن المقصود على الأرجح هو الاختلاط من الناحية التشريعية وعدم إدراك البعض مكانة كل منهما فيظن أن الحديث في مرتبة مساوية للقرآن.

لذا يمكن القول إن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة حديثه كان إجراءً احترازياً معللاً وليس نهياً تعبدياً من غير علة، والحكم المعلق على علة يدور مع علته وجودا وعدما فإذا انتفت العلة في مكان ما فإن الحكم ينتفي هو الآخر، وعلى ذلك نستطيع فهم بعض الأحاديث المتعارضة في هذا الصدد، فنجد أن بعض الأحاديث تنهى عن كتابة ما يقوله النبي وبعضها يبيح ذلك، ففي حالات الأمن من وقوع الالتباس والاختلاط عند بعض الصحابة كان يأذن لهم بالكتابة، ومن ذلك قول عبد الله بن عمرو بن العاص: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا؛ فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه (أي أشار بإصبعه إلى فمه) فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق” [أخرجه أحمد]، وفي حجَّة الوداع خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة جامعة فقال له أبو شاه (رجل من اليمن): اكتب لي يا رسول الله، فقال لصحابته: “اكتبوا لأبي شاه” [أخرجه أحمد والبخاري].

2- الحديث في عهد الصحابة: كان الصحابة يحرصون على حفظ  كل ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم وتطبيق كل ما يأمر به، بل كانوا من شدة حرصهم يتناوبون في ملازمة الرسول عندما لا يكون في مقدور أحدهم ترك أعماله، ثم يخبر بعضهم بعضا بما جرى مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

وكان بعضهم يتخذ لنفسه صحيفة يدون فيها بعضا من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، ومنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي كتب لنفسه بعض أحكام الإسلام في صحيفة، ووردت الإشارة إلى صحيفته في حديث رواه البخاري. كما أن عددا ليس بالقليل من الصحابة كانوا يكتبون الحديث، فقال أبو هريرة: “ما كان أحد أكثر حديثا مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب” [أخرجه البخاري].

وكان الصحابة يتخذون مجالس في عهد رسول الله وبعد وفاته يتدارسون فيها ما حفظوا من أحاديث ويروونها لبعضهم، وكانت قلة حديث الرسول وتمهله في الحديث أثناء كلامه عاملان مهمهان في حفظ الصحابة للحديث ورسوخه في أذهانهم، وقد تبين لنا قبل قليل من قضية ميراث الجدة أنهم الصحابة لم يتركوا الاحتجاج بالسنة في كل ما يعرض لهم من شؤون دينهم.

وقد يحتج بعض منكري السنة أو منكري خبر الآحاد (أي ما نقله شخض واحد عن آخر كما سيأتي لاحقاً) ببعض تصرفات الصحابة، كطلب عمر بن الخطاب من أحد الصحابة شاهدا على حديثه الذي رواه وكذلك فعل أبي بكر، وكطلب علي بن أبي طالب من رواي أحد الأحاديث أن يُقسِم يمينا على روايته، وكطلب عمر من بعض الصحابة أن يقللوا من الرواية، لكن إنعام النظر في سياقات هذه الحوادث تكشف أنها كانت تنبع من الاحتياط للسنة وليس تقليلا من الاعتماد عليها، وبيان ذلك أن أبا بكر وعمر كانا يطلبان شاهدا من الراوي في حال الشك في حفظ الراوي، وهذا مطلب منهجي، أما طلب عمر بالإقلال من الراوية فجاء في سياق معين، وهو أنه أرسل بعض الدعاة إلى قوم أسلموا جديدا، وكانت الحكمة تقتضي أن يعلموهم القرآن وقواعده الأساسية أولاً ثم يروون لهم أحاديث النبي وسنته.

3- الحديث في عهد التابعين: عندما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية في عهد الخلافة الأموية ازدادت حاجة الناس للاطلاع على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وازدادت أيضا ظاهرة وضع الحديث (أي نسبة أحاديث مكذوبة إلى النبي)، لا سيما مع دخول أتباع ديانات أخرى في ظل الدولة وميل البعض إلى التحريف في الدين، فضلا عن الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمذهبية لطوائف من البشر تسعى كلٌ منها لإيجاد نص ديني يدعم رأيها ويحقق مصالحها، ما حمل الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز في نهاية القرن الهجري الأول على الأمر بتدوين السنة النبوية رسمياً وبإشراف الدولة وتوجيهها، فكتب إلى أمراء الأقاليم ليكلفوا حفاظ الحديث بجمع السنة من أهل العلم الموثوقين مثل ابن شهاب الزهري وتدوينها، وتابع ابن جريج وسفيان الثوري ومالك بن أنس هذه المهمة الصعبة.

كانت طريقتهم في التدوين تتضمن جمع كل ما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير القرآن وبيان شرائع الإسلام من العقائد والعبادات والمعاملات والغزوات والأقضية دون تفريق أو تصنيف، ثم بحثهم عن أحوال الرواة وإسقاط ما يتبين لهم أنه موضوع, ويقول أبو داود إنهم في تلك المرحلة المبكرة كانوا يجتهدون غاية الاجتهاد فلا يتمكنون من الحديث المرفوع المتصل إلا من دون ألف حديث، ومن أهم كتب هذه المرحلة كتاب “الموطأ” للإمام مالك.

قال الأوزاعي (وهو من أئمة تابعي التابعين): “كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا (أي التابعين) كما يُعرض الدرهم الزائف على الصيارفة, فما عرفوا منه أخذنا، وما تركوا تركنا” [الموضوعات لابن الجوزي: 1/103].

وبعد هذه المرحلة العامة في الجمع بدأت مرحلة التصنيف، حيث تم تصنيف الأحاديث تحت الأبواب الفقهية وغيرها كما سنذكر لاحقاً، ومن أهم أعلام هذه المرحلة بقيّ بن مخلد وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل، وقد بذل هؤلاء أيضاً جهوداً جبارة في تمحيص الروايات ونبذ الموضوع، إلا أنهم كانوا كسابقيهم يمزجون الصحيح بغيره من حسن وضعيف، حيث لم تكن قد ظهرت بعد تصنيفات الحديث من حيث الصحة والضعف، فجاء من بعدهم من قام بهذا العبء ووضع أصول علوم النقد، وتمكن بذلك الإمامان البخاري ومسلم من تأليف أول كتابين مخصصين للأحاديث الصحيحة، وتابع بقية العلماء من بعدهم مهمة النقد والتصنيف وفقاً لتلك القواعد المعتمدة.

نقد الحديث والتأكد من صحته
طوّر العلماء ونقاد الحديث منهجا دقيقا لنقد الحديث والتأكد من صحته، فعلْمُ رواية الحديث النبوي قائم على عنصر مهم وهو راويه، والرواي هو الشخص الذي يسمع الحديث ممن فوقه وينقله لمن بعده، وللتأكد من أن الراوي لم يدخل في روايته أي خطأ ولم يقع فيه سهو اشترط علماء الحديث شروطا خمسة، وقالوا إنها إذا اجتمعت كان الحديث صحيحا، ويتعلق اثنان منهما بالراوي وثلاثة بالمروي (الحديث).

أما الشرطان المتعلقان براوي الحديث، فأولهما أن يتصف بـ”العدالة”، أي يكون ملتزما بالدين غير كاذب ولا فاسق، والثاني أن يتصف بـ”الضبط”، أي يكون حافظا للحديث الذي سمعه وأن يرويه كما سمعه دون خطأ ولا تغيير، أو يكون قد دوّنه بدقة، ويعبر عن اجتماع هذين الشرطين في الرواي بمصطلح “الثقة”.

يتكون كل حديث من عنصرين:
1- السند أو الطريق: وهو سلسلة الرجال الذين رووا الحديث.
2- المتن: هو ما ينتهي إليه السند من الكلام، أي نص الحديث.

ومع تطور علوم الحديث في عصور التدوين الأولى نشأ تحت مظلته علم “الجرح والتعديل”، وهو يُعنى بالبحث في حال الراوي من حيث عدالته وضبطه، فكان مؤلفو كتب هذا العلم يبينون بدقة حالة كل راوٍ من حيث التزامه بالدين والآداب العامة والمروءة ومقدار ضبطه وحفظه وقدراته العقلية، وذلك للحكم عليه في النهاية بكون أهلاً للثقة والاحتجاج بروايته أم لا.

وطوّر علماء الحديث كثيرا من المصطلحات التي تدل على مستوى الراوي من حيث العدالة والضبط، فطبقة الصحابة كلهم عدول بتعديل النبي لهم، وقد يخطئون في الضبط من حيث النسيان أو الغلط في الرواية الحديث، حيث كان بعضهم يصحح لبعض، ثم يتدرج التابعون وتابعوهم في طبقات عدة، فعلى سبيل المثال وضع ابن حجر اثنتي عشرة طبقة للرواة في كتابه “تقريب التهذيب”، تبدأ بالثقة الثقة، أو أوثق الناس، وتتدرج إلى الثقة أو المتقن أو الثبت، ثم الصدوق، ثم الصدوق سيئ الحفظ، وهكذا حتى يصل إلى المتروك فالمتهم بالكذب فالكذاب.

وألّف العلماء في الجرح والتعديل كتبا متنوعة لسرد سير الرواة وما قيل فيهم، مثل “تهذيب التهذيب” لابن حجر، و”الثقات” لابن حبان، كما خصصوا كتبا للضعفاء والمتروكين والوضّاعين (الكذابين) من الرواة، مثل كتب “الضعفاء” التي ألفها كل من البخاري والنسائي وابن حبان، وكتاب “الكامل” للجرجاني الذي ذكر فيه كل من تُكلم فيه، بينما وضع آخرون موسوعات أكثر شمولا مثل “ميزان الاعتدال في نقد الرجال” للحافظ الذهبي الذي قال فيه “قد احتوى كتابي هذا على ذكر الكذابين والوضاعين، ثم على المحدثين الصادقين أو الشيوخ المستورين الذين فيهم لين ولم يبلغوا رتبة الأثبات المتقنين، ثم على خلق كثير من المجهولين”.

أما الشروط المتعلقة بالمروي (المتن) فهي ثلاثة، ولا يُنظر فيها إلا بعد ثبوت قدر كاف من عدالة وضبط الراوي، والشرط الأول في المروي ألا يكون شاذا، أي لا يكون مخالفا للقرآن أو لحديث آخر أو لرواية رجل أقوى حفظا. والشرط الثاني ألا يكون الحديث معلولا، فلا يكون فيه خطأ خفي، وتفصيل ذلك أن بعض الرواة نالوا درجات عليا في الضبط والإتقان، لكنهم مع ذلك بشر يخطئون ويصيبون، لذا فليس كل ما يروى عنهم صحيح بالمطلق، حيث لم يكتف علماء الحديث بكونهم متقنين ضابطين بل اشترطوا ألا يكون في أحاديثهم خطأ خفي من العلل التي لا يكتشفها إلا المتمرس في الحديث ورواياته، وعلى هذا نشأ علم مستقل يسمى بعلل الحديث.

وأما الشرط الثالث فهو “اتصال السند”، حيث اشترط العلماء أن يكون كل راو قد سمع الحديث ممن فوقه (شيخه)، حتى يتسنى للعلماء والنقاد التأكد من حال الرواة، وإذا حدث انقطاع لشخص واحد في السند فقدَ الحديث درجة الصحة، وقد برع العلماء في تسجيل تاريخ الرواة وشيوخهم وسيرهم، حتى أصبح بالإمكان التحقق مما إذا كان أحدهم قد التقى راوياً آخر فروى عنه أم لا، وذلك بالتحقق من رحلات كل منهما وتاريخ حياته ومماته.

من أهم ملامح الدقة العلمية لدى علماء الحديث ابتكارهم لمفهوم الرحلات، حيث كانوا يشترطون على كل طالب علم في بداية نشأته أن يُنهي الاستماع والرواية لكل ما يرويه شيوخ بلدته من أحاديث ثم يخرج في رحلات علمية قد يبلغ بها كل أقطار العالم الإسلامي مترامي الأطراف، فيسمع ويدوّن ما يرويه شيوخ البلدان الأخرى، حتى كان بعضهم يقطع آلاف الكيلومترات من الصحاري والجبال للتأكد من حديث سمعه في بلده نقلا عن شيخ في بلد آخر، فيقول الصحابي جابر بن عبد الله رضي الله عنه إنه سار شهراً إلى الشام ليسأل الصحابي الآخر عبد الله بن أنيس رضي الله عنه حديثاً سمعه عن الرسول صلى الله عليه وسلم [علوم الحديث لابن الصلاح، ص8]، كما كان التابعي سعيد بن المسيب يقول: “إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد” [الرحلة في طلب الحديث، ص127]، أما في المراحل التالية على الصحابة والتابعين فقد أصبحت الرحلات شرطا أساسيا من شروط طلب العلم.

لم تُبدع أي حضارة أخرى علماً مماثلاً لتمحيص النصوص والروايات التاريخية كالذي أبدعه العلماء المسلمون في تمحيصهم لأحاديث نبيهم، ويقول الدكتور مصطفى السباعي إن عالماً معاصراً من علماء التاريخ -وهو أستاذ التاريخ في الجامعة الأمريكية في بيروت أسد رستم- كان قد ألف كتاباً في أصول الرواية التاريخية, اعتمد فيها على قواعد مصطلح الحديث، واعترف بأنها أصح طريقة علمية حديثة لتصحيح الأخبار والروايات، وأطلق على كتابه اسم “مصطلح التاريخ” [السنة ومكانتها للسباعي، ص 126].

أنواع الحديث
سنوجز فيما يلي أنواع الحديث من حيث عدة عوامل:

من ناحية تعدد الطرق:
1- متواتر: وهو ما نقله جمع عظيم عن جمع عظيم لا يُتصور أن يتفقوا على الكذب، وكان ما نقلوه متعلقا بأمور خبرية (فيقول أحدهم عن الآخر أخبرني)، أو حسية (فيقول رأيت أو سمعت)، وليست أمورا عقلية.

2- آحاد: وهو ما عدا المتواتر، أي أن كل طبقة من طبقات الرواة يكون عدد الناقلين فيها أقل من أن يبلغ جمْعا عظيما.

من حيث القائل:
1- الحديث المرفوع: هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً عنه, سواء كان متصلاً أو منقطعاً أو مرسلاً (كما سيأتي).

2- الحديث الموقوف: هو ما يروى عن الصحابة رضي الله عنهم من أقوالهم وأفعالهم.

3- الحديث المقطوع: هو ما يروى عن التابعين من أقوالهم وأفعالهم، والتابعون هم الذين شهدوا الصحابة ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، ومثاله قول التابعي الحسن البصري في الصلاة خلف المبتدع: “صلّ وعليه بدعته”.

من حيث الصحة:
1- الحديث الصحيح: هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه, ولا يكون شاذاً ولا معللاً.

2- الحديث الحسن: هو الذي يحقق شروط الصحيح إلا أن في رجاله من هو خفيف الضبط, ويُحتج به.

3- الحديث الضعيف: هو ما لم تتوافر فيه شروط الصحة أو الحُسن.

وهناك أنواع كثيرة للحديث الضعيف بحسب السبب الذي أدى إلى تضعيف كل منها، وأهمها:

1- المجهول: ما كان في رواته راوٍ غير معروف الهوية أو غير معروف الحال.

2- المنقطع: ما سقط من وسط إسناده رجل، وقد يكون الانقطاع في موضع واحد, وقد يكون في أكثر من موضع.

3- المرسل: هو حديث التابعي إذا قال: قال رسول الله أو كلمة نحوها دون أن يذكر الصحابي الذي رواه له, وأطلق بعض أهل العلم المرسل على ما سقط من إسناده رجل من أي موضع كان.

4- المتروك: هو الذي يرويه من يُتهم بالكذب, ولا يعرف ذلك الحديث إلا من جهته, ويكون مخالفاً للقواعد العامة.

5- المعلق: ما حُذف من مبتدأ إسناده راو واحد فأكثر، ولو إلى آخر الإسناد.

6- المعضل: ما سقط من وسط إسناده اثنان فأكثر على التوالي.

7- المعلول: هو الحديث الذي اطُلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن الظاهر سلامته منها.

8- الموضوع: هو المكذوب على رسول الله صلى الله عليه و سلم، وتحرُم روايته مع العلم بحاله إلا للبيان والتحذير.

مخطوطة لكتاب غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام من القرن الرابع الهجري

وهناك أنواع مشتركة بين الصحيح والحسن والضعيف، وهي:
1- المسند: هو ما اتصل إسناده إلى رسول الله.

2- المتصل: هو الخالي من الإرسال والانقطاع, ويشمل المرفوع إلى النبي والموقوف على الصحابي، فعليه يكون المتصل هو الذي سمعه كل راوٍ من الذي قبله, ويشمل المرفوعَ إلى رسول الله والموقوفَ على الصحابي.

3- الغريب: هو الذي تفرد به راويه، سواء تفرد به عن إمام يُجمع حديثه أو عن راو غير إمام.

ويجدر بالذكر أن نقد أي حديث لا يعني بالضرورة ترك العمل به والاستفادة منه، فالحكم على حديث بأنه ضعيف لا يعني بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله، ومخالفة حديث ما لآية قرآنية في الظاهر لا يوجب الحكم بضعفه أو كذبه، كما أن الحكم بصحة حديث ما لا يوجب العمل بظاهره كما هو، فاستخراج الحكم من الحديث مهمة الفقيه لا المحدث، فقد يترك الفقيه الأخذ بحديث لترجيحه حديثا آخر أو لتخصيصه أو تقييده بحديث أو آية من القرآن، ولا يلزم من ذلك أن يُحكم على الحديث بالضعف أو يُتهم الراوي بالكذب، وقد ذكر ابن حزم في كتابه “مراتب الديانة” أنه أحصى الأحاديث التي رواها الإمام مالك بن أنس في كتابه “الموطأ” ويقول “فيه نيف وسبعون حديثا قد ترك مالك نفسُه العمل بها”. وسنفصل في مقال “الشريعة الإسلامية” بعض أصول الفقه وقواعد التشريع التي يستخدمها الفقيه في استنباط الأحكام وترجيحها من نصوص القرآن والسنة.

كتب الحديث وأنواعها
كان لكل إمام من أئمة الحديث منهج في كتابة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنهم من اشترط أن تكون الأحاديث التي سيدونها صحيحة،  كالإمام البخاري والإمام مسلم والإمام ابن خزيمة.

ومنهم من جمع الصحيح والقريب منه (نسميه الحسن)، ولكنه لم يتشدد كثيراً في قضية الضبط، فاشتمل كتابه على الأحاديث الصحيحة والحسنة وقليل من الضعيف المقبول، وفيما يلي تعريف بأهم أنواع هذه الكتب:

1- كتب الجوامع: هي الكتب التي رتبت فيها الأحاديث في ثمانية أبواب أساسية، وهي العقائد والعبادات والمعاملات والغزوات والتفسير والفضائل والأطعمة والأشربة، سواء التزم أصحابها بالصحة أم لم يلتزموا، فهي إذن تشتمل على كل ما يتعلق بالدين من العقيدة والفقه والتفسير، وتقتصر على الأحاديث النبوية دون آثار الصحابة والتابعين: ومن أمثلة هذه الكتب:

  • الجامع الصحيح للإمام البخاري (ت 256هـ): التزم فيه الصحة، وهو أصح كتاب بعد القرآن الكريم، وسيأتي الحديث عنه مفصلا إن شاء الله.
  • الجامع الصحيح للإمام مسلم (ت261هـ): التزم فيه الصحة، ولكن شروط التصحيح عنده أخف من شروط البخاري، فهو في المرتبة الثانية بعد كتاب البخاري.
  • الجامع الصحيح للإمام الترمذي (ت 279هـ): لم يلتزم فيه بالصحة.
  • الجامع الصحيح للإمام ابن خزيمة (ت 311هـ): التزم فيه الصحة، ولكن شروطه في التصحيح غير شروط الشيخين البخاري ومسلم.

2- كتب السنن: هي الكتب التي رتبت الأحاديث على أبواب الفقه، فتبدأ الأحاديث فيها بكتاب الطهارة، ثم كتب الصلاة والصوم والزكاة والحج والنكاح، وهكذا. ومن أشهرها:

  • سنن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت275هـ): جمع في كتابه الصحيح والحسن، ولم يورد الضعيف إلا قليلا.
  • سنن النسائي للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (ت303هـ): فيه الصحيح والحسن والضعيف المقبول.
  • سنن ابن ماجة للإمام محمد بن يزيد بن ماجة القزويني (ت273هـ): فيه الصحيح والحسن والضعيف وبعض الضعيف المردود.

ويطلق على صحيحي البخاري ومسلم مع السنن الأربعة تعبير “الكتب الستة”، وهذه الكتب لها مكانة خاصة في الاحتجاج الفقهي والتشريعي.

3- كتب المسانيد: هي الكتب الحديثية التي  جمع أصحابها أحاديث كل صحابي على حدة، ومن أشهرها:

  • مسند الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة 241هـ، ويعد من أضخم كتب الحديث.
  • مسند الحميدي (أبي بكر عبدالله بن الزبير الحميدي) المتوفى سنة 219هـ.
  • مسند الطيالسي (أبي داود بن سليمان بن داود الطيالسي) المتوفى سنة 204هـ.
  • مسند أبي يعلي المصولي (أحمد بن علي المثنى الموصلي) المتوفى سنة 307هـ.
  • مسند عبد بن حميد المتوفى سنة 249هـ.

4- المصنفات: هي الكتب التي رتبها أصحابها على أبواب الفقه، واشتملت على الأحاديث المرفوعة (الأحاديث المضافة إلى النبي) والموقوفة (الأحاديث المضافة إلى الصحابة) والمقطوعة (الأحاديث المضافة إلى التابعين)، فهي لم تقتصر على الأحاديث النبوية بل ذكرت أقوال الصحابة وفتاوى التابعين وتابعي التابعين، ومن أشهر المصنفات:

  • المصنف لأبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى 211هـ.
  • المصنف لأبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي المتوفى 235هـ.
  • المصنف لبقي بن مخلد القرطبي المتوفى 276هـ.
  • المصنف لأبي سفيان وكيع بن الجراح الكوفي المتوفى 196هـ.
  • المصنف لأبي سلمة حماد بن سلمة البصري المتوفى 167هـ.

5- إلى جانب الكتب السابقة، اعتنى العلماء أيضا بجمع الكتب الضعيفة والموضوعة وتصنيفها في كتب مستقلة، مثل كتاب “الأباطيل” للجورقاني، و”الموضوعات” لابن الجوزي، و”اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة” للسيوطي.

نماذج لأهم علماء الحديث ومؤلفاتهم

الإمام أحمد ومسنده
ولد الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله على الأرجح سنة 164هـ، ونشأ في بغداد، بدأ بطلب الحديث في سن مبكرة فرحل إلى البصرة والكوفة واليمن، كما رحل إلى الحجاز خمس مرات، أولاها سنة 187هـ حيث التقى بالشافعي واستفاد منه كثيرا، واستمر جِدُّه في طلب الحديث وروايته حتى بعد أن بلغ مبلغ الإمامة، فيقال إن رجلا رآه وهو يحمل المحبرة لكتابة الحديث فقال له: يا أبا عبد الله، أنت قد بلغت هذا المبلغ وأنت إمام المسلمين! فقال: مع المحبرة إلى المقبرة.

تعرض ابن حنبل لمحنة عظيمة عندما أكره الخليفة العباسي المأمون الفقهاء والمحدثين على القول برأي المعتزلة في قضية خلق القرآن، فحُبس وضُرب وأوشك على الموت. وتوالى على تعذيبه من بعد المأمون كل من المعتصم والواثق، ثم أفرج عنه المتوكل وأكرمه، وبلغت شهرته في الصمود والتضحية الآفاق، حتى يقال إن نحو من مائة من بيت الخلافة حضروا غسله يوم وفاته، أما عدد الذين شيعوه فاختلف في تقديره المؤرخون، حيث روى البيهقي أن الأمير محمد بن طاهر أمر بحزر الناس فوجدوا ألف ألف وثلثمائة ألف (مليون وثلاثمئة ألف)، بينما قال ابن أبي حاتم أن المتوكل أمر بمسح الموضع الذي وقف الناس فيه عندما صلوا على ابن حنبل فبلغ مقاسه ألفي ألف وخمسمائة ألف (مليونين ونصف)، حتى قال الوركاني إن عشرين ألفا من غير المسلمين أسلموا في ذاك المشهد الرهيب.

ويعد مسند أحمد من أشهر كتب الحديث وأوسعها، ففيه الكثير من الأحاديث الصحيحة التي لا توجد في الصحيحين، وقد جعله مرتباً على أسماء الصحابة من الرواة، وبلغ عدد أحاديثه أربعين ألفاً تقريباً، تكرر منها عشرة آلاف حديث، ومن أحاديثه ثلاثمائة حديث ثلاثية الإسناد (أي بين راويها وبين النبي ثلاثة رواة فقط).

الإمام مسلم وصحيحه
هو الإمام الحافظ أبو الحسين مسلم بن الحجّاج بن مسلم، وُلِد بنيسابور سنة 206هـ، ونشأ في بيت تقوى وصلاح وعلم، فقد كان والده من محبي العلم، وقد بدأ الإمام مسلم رحلته في طلب العلم مبكرًا.

يعد صحيح مسلم من أهم كتب الحديث الجامعة للصحيح فقط، حيث اقتصر مؤلّفه على ما صحّ من الحديث وترك كلّ ما كان في إسناده ضعف أو وهن، وافتتح صحيحه بمقدمة ذكر فيها سبب تأليفه الكتاب، ومنهجه العلمي الذي سار عليه، ثم بيّن بعض الأمور المتعلقة بالحديث.

جمع مسلم في صحيحه روايات الحديث الواحد في مكان واحد وفق الموضوعات الفقهية، وذلك لإبراز الفوائد الإسنادية في كتابه؛ فكان يروي الحديث في أنسب المواضع له، ويجمع طرقه وأسانيده في ذلك الموضع، بخلاف البخاري الذي كان يفرق الروايات في مواضع مختلفة، وتلك ميزة لصحيح مسلم، ما يجعل كتابه أسهل تناولا بحيث يجد القارئ طرق الحديث ومتونه جميعها في موضع واحد.

الإمام البخاري وصحيحه
هو محمد بن إسماعيل البخاري، ولد في مدينة بخارى 194هـ، ونشأ يتيما فربّته أمه على الأخلاق وطلب العلم، فبعد أن أتم حفظ القرآن التحق بحلقات المحدثين، وظهرت بوادر نبوغه المبكر فكان يصحِّح للشيخ خطأه في الإسناد وهو ابن إحدى عشرة سنة.

سئل البخاري: كيف كان بدء أمرك؟ فقال: أُلهمت حفظ الحديث وأنا في الكُتَّاب، فقيل: كم كان سِنك؟ قال: عشر سنين أو أقل، فلما طعنتُ في ست عشرة سنة كنت قد حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء، ثم خرجت مع أمي وأخي إلى مكة، فلما حججت رجع أخي بها، وتخلَّفتُ (أي بقيت) في طلب الحديث.

وقال محمد بن أبي حاتم الورَّاق: سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان: كان أبو عبد الله البخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام، فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام، فكنا نقول له: إنك تختلف معنا ولا تكتب، فما تصنع؟ فقال لنا يوما بعد ستة عشر يوما: إنكما قد أكثرتما عليَّ وألححتما فاعرضا عليّ ما كتبتما، فأخرجنا إليه ما كان عندنا فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب، حتى جعلنا نُحْكِم كتبنا من حفظه، ثم قال: أترون أني أختلف هدرا وأضيِّع أيامي؟ فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد.

وفي سن الثامنة عشرة، بلغ البخاري درجة العلماء وبدأ بتصنيف الكتب التي يقوم بدراستها اليوم الباحثون لنيل درجات الدكتوراه.

ذكر المؤرخون أنه دخل بغداد وكان أئمة الحديث فيها يسمعون عن قوة حفظه، فأرادوا امتحانه، فجاء إليه عشرة من حفَّاظهم مع كل واحد منهم عشرة أحاديث خلطوا أسانيدها، فقرأوها على البخاري حديثًا حديثًا، وهو يقول: لا أعرف هذا الحديث؛ حتى أنهوا المائة حديث، ثم أعاد عليهم المائة حديث بخطئهم (أي حفظها بالخطأ لمجرد سماعها مرة واحدة) وأعادها مرة أخرى مصحَّحة؛ فأقرّوا له بالحفظ والفضل [وفيات الأعيان: 4/190].

ومما قيل أيضا عن سرعة حفظه وقوة ذاكرته أنه كان يطّلع على الكتاب فيحفظه من نظرة واحدة [سير أعلام النبلاء: 12/416]، كما كان عجيبا في حرصه على العلم حتى قال محمد بن يوسف “كنتُ مع البخاري بمنزله ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج (أي أضاء السراج ليكتب)؛ يستذكر أشياء يعلِّقها في ليلة ثماني عشرة مرة” [تهذيب الكمال: 3/1170].

وعندما اجتمعت الذاكرة العجيبة مع الانضباط الشديد بالمنهج العلمي والجلَد في الارتحال لطلب الحديث، كانت الثمرة بظهور أهم كتب الحديث وأصحها المعنون بـ”الجامع الصحيح المختصر من سنن رسول الله وأيامه”، فلم يقتصر جهد البخاري في صحيحه على جمع الأحاديث الصحيحة وتمحيصها، بل برع أيضاً في إبراز فقه الحديث واستنباط الفوائد منه.

ويبلغ عدد أحاديثه مع المكررات 7275 حديثًا، وبحذْف المكررات ينخفض العدد إلى أربعة آلاف حديث صحيح. وقد قال الإمام النّووي “اتفق العلماء رحمهم الله تعالى على أن أصحّ الكتب بعد القرآن العزيز الصّحيحان: البخاري ومسلم، وتلقَّتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما، وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صحَّ أن مسلمًا كان ممن يستفيد من البخاري، ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث”.

ولم يبلغ كتاب البخاري هذه المنزلة عند العلماء والنقاد إلا لحرص مؤلفه الشديد، حيث اشترط البخاري شروطا دقيقة أثناء اختياره الأحاديث، فعلى الرغم من حفظه  لعشرات الآلاف من الأحاديث لم يصحح منها إلا أربعة آلاف كما ذكرنا.

وإذا أردنا تبسيط شروطه قلنا إنه اشترط أن يكون الراوي الذي يروي الحديث قد حاز أعلى درجات الحفظ والإتقان وسمع الحديث من شيخه مباشرة، فكان شديدا في التحقق من اتصال السند وسماع الرواي من شيخه.

قال إمام الحرمين الجويني: “لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق، ولا حنثته، لإجماع علماء المسلمين على صحتهما” [صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح، ص 86].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “ليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن” [مجموع الفتاوى: 18/74].

ومن شدة حرصه، قال البخاري إنه بعد انتهائه من دراسة كل حديث على حدة للتحقق من موافقته للشروط، كان يغتسل ويستخير الله ويصلي ركعتين قبل إضافته للكتاب، وعندما أنهى هذه المهمة الجبارة قال “صنَّفت الجامع من ستمائة ألف حديث، في ست عشرة سنة، وجعلته حُجَّة فيما بيني وبين الله” [مقدمة فتح الباري، ص513].

ونظرا للأهمية الاستثنائية التي يتمتع بها كتاب البخاري في المكتبة الإسلامية، فقد تعرض أكثر من غيره للنقد من قبل الإسلاميين وخصومهم على حد سواء، فأجمع الفريق الأول على منحه المرتبة التي يستحقها لما يتمتع به من المصداقية والالتزام بشروط الصحة والضبط، بينما تتردد منذ القرن الماضي شبهات كثيرة على يد المستشرقين وغيرهم بشأن صحة أحاديث هذا الكتاب، وفيما يلي إيجاز لأهم هذه الشبهات ومناقشة سريعة لها:

الطفل جهاد المالكي لم يمنعه فقد البصر من حفظ القرآن الكريم وصحيحي البخاري ومسلم وكتب السنن الأربعة وكتبا أخرى كاملة.

1- يقال إن البخاري عندما جمع أحاديث كتابه لم تكن أصوله (مراجعه) متوفرة بين يديه، ما يشكك في صحة ألفاظه، لكن المؤرخين الذين وثقوا سيرة البخاري أجمعوا -كما ذكرنا- على نبوغ وعبقرية هذا الرجل وقدرته الاستثنائية في الحفظ وقوة الذاكرة، وهذه الموهبة على ندرتها ليست مستحيلة، فقد كان أئمة آخرون مثل الشافعي وابن تيمية يتمتعون بمثل هذه الموهبة، بل نجد مثيلا لها في عباقرة معاصرين يمتلكون قدرة عجيبة على الحفظ والتذكر بالرغم من حداثة السن، وربما أيضا كانوا من فاقدي البصر، كما يتمتع البعض بما يسمى بالذاكرة الفوتوغرافية التي تمكنهم من تذكر أدق التفاصيل بنظرة واحدة.

يعد الشاب البريطاني ستيفن ويلتشير من أشهر العباقرة المعاصرين الذين يتمتعون بالذاكرة الفوتوغرافية، حيث يمكنه أن يحفظ تفاصيل أي شيء ينظر إليه من مرة واحدة، فعلى سبيل المثال تمكن من رسم لوحة مفصلة لأربعة أميال مربعة من مدينة لندن، بكل ما فيها من تفاصيل المباني وحتى عدد نوافذها وطوابقها، وذلك بعد رحلة بطائرة مروحية واحدة فوق تلك المدينة.

2- يستشهد بعض النقاد اليوم بالنقد الذي سبق أن طرحه بعض أئمة الحديث لصحيح البخاري، مثل الدارقطني في كتابه “الإلزام والتتبع”، كما ضعّف الشيخ الألباني في عصرنا الحديث بعض أحاديث البخاري، لكن اتفاق معظم الأئمة في مختلف العصور على صحة الكتاب لم يكن نابعاً من تقديس لشخص البخاري، بل نتيجة لتمحيص كتابه وإعادة التدقيق في كل ما جمعه ورواه، وقد أجاب الإمام ابن حجر في مقدمة “فتح الباري” عن الأحاديث التي تعرضت للنقد وبيّن صوابية تصحيح الإمام البخاري لها.

وجميع الانتقادات الموجهة لصحيح البخاري تتعلق بالأسانيد ورسومها أو ببلوغ درجة أصح الصحيح، أو تتعلق بكلمة أو كلمتين من الحديث، وهي لا تتجاوز العشرات من بين أكثر من سبعة آلاف حديث، أما الانتقادات المتعلقة بأمور تؤثر في صحة المتن فلا تتجاوز الثلاثة أحاديث.

3- ينتقد البعض اعتماد البخاري على رواة لم يحققوا شروط الصحة المطلوبة، لكن ضعف راوٍ ما لا يعني بالضرورة أن كل أحاديثه ضعيفة بالمطلق، بل قد يكون فيها ما يصح إذا حقق شروط الصحة، فقد كان البخاري ينتقي من أحاديث الرواة الضعفاء ما كان قويا ويورد له شواهد من رواة آخرين ليرتفع إلى درجة الصحيح.

4- يروّج مستشرقون وباحثون معاصرون فكرة وجود بعض الأحاديث التي تخالف العقل في صحيح البخاري، لكن فهم سياق تلك الأحاديث أو حملها على محمل المجاز قد يرفع عنها صفة التعارض مع العقل، لا سيما وأن العرب اشتهروا بالمجاز وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان من أفصح العرب.


أهم المراجع
جلال الدين السيوطي، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق عزت علي عطية وموسى محمد علي، دار الكتب الحديثة، القاهرة، 1980م.

عبد العظيم المطعني، الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية، مكتبة وهبة، القاهرة، 1999م.

أحمد عمر هاشم، دفاع عن الحديث النبوي، مكتبة وهبة، القاهرة، 2000م، ط1.

محمد محمد أبو شهبة، دفاع عن السنة، مكتبة السنة، القاهرة، 2007م، ط2.

جمال الدين القاسمي، قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، دار العقيدة، القاهرة، 2008م.

مصطفى السباعي، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، دار السلام، مصر، 2006م، ط3.

نور الدين عتر، السنة المطهرة والتحديات، دار المكتبي، سوريا، 1999م.

الأسئلة الوجودية الكبرى

أحمد دعدوش


بعد أن نؤمن بوجود الله تعالى، وبصفاته وكماله المطلق، وبوجود الوحي المعصوم المنزل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ قد تبقى هناك بعض الأسئلة التي يقلبها العقل ويضيق بها الصدر، وهي أسئلة يشترك في بحثها كبار الفلاسفة مع صغار المراهقين، لكونها نابعة من أعماق النفس البشرية التي لا يختلف على فطرتها اثنان مهما تنوعت الثقافات والمشارب.

سنحاول في هذا المقال طرح أهم تلك الأسئلة، ثم نواصل السير في سبيل البحث عن أجوبة لها بأدوات المعرفة التي تزودنا بها في مطلع الرحلة، وسيكون طرحها متسلسلا ومتدرجا وفقا للترتيب الذي تخطر به على العقل في العادة.

لماذا خلقنا الله؟

ينبغي أن نحدد من البداية مصدر المعرفة الذي سنلجأ إليه للبحث في هذا السؤال، وبما أن السؤال يتعلق بأفعال الله تعالى، فإن الوحي الصادر عنه هو الوحيد الذي يمكن الاطمئنان إليه، لأن العقل سيعجز عن الخوض فيما يتجاوز حدوده، ولأن الكشف (الإلهام والحدس) ليس مصدرا مأمون الجانب في هذه المسائل الغيبية [انظر مقال مصادر المعرفة].

والسؤال بصيغة “لماذا” في قضية وجودية كبرى قد يتضمن مستويين من البحث، وهما العلة أو السبب (الظاهر) والحكمة (العميقة)، وسنستعير من علم أصول الفقه هذا التمييز على اعتبار أن علة الحُكم هي الوصف الظاهر المعرِّف له، أما الحكمة فهي الغاية النهائية للحكم والتي يترتب عليها تحقيق مصلحة أو دفع مفسدة. فمثلا علة قصر صلاة المسافر هي السفر، أما ما يسمى بالعلة الغائية (الحكمة) فهي التيسير ودفع المشقة عن الناس، وقد يتسبب الخلط بين العلة والحكمة بالكثير من اللبس.

وقد وجد الفقهاء في أحكام الشريعة أن هناك أموراً لم يوضح الشرع علتها، فتظل الحكمة منها أيضاً خفية، مثل عدد ركعات الصلاة، فالمؤمن يعلم من منطلق يقينه بحكمة الله أن لهذا التشريع المحدد غاية وحكمة، ولا يصعب على عقله التصديق بأن خفاء الحكمة عنه لا يعني عدم وجودها.

وعندما نطبق هذا الفهم على خلقنا نفسه من حيث خروجنا من العدم إلى الوجود، فسنعود إلى الوحي لنكتشف أنه أوضح لنا الغاية في أمر محدد بوضوح، وهو عبادة الله، حيث قال القرآن الكريم: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]، وقال: {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [هود: 7]. ويضيف بعض المفسرين غاية أخرى هي إعمار الأرض، أي إقامة العدل وتحكيم شرع الله وتحقيق مصالح الناس، مستندين إلى قوله تعالى {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} [هود: 61]، ويمكن القول إن الإعمار مشمول بالعبادة نفسها، فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة كما يقول ابن تيمية [انظر مقال شريعة الإسلام].

لحظة الولادة

كما نص الوحي على أن خلق الإنسان والكون لم يكن عبثاً، فقال: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: 115]، وقال: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} [ص: 27]، فالآية توضح أن الكافرين يسيؤون الظن في الحكمة من خلق الكون، وهي تؤكد أن لله حكمة وإن خفيت عنا، وتجيب أيضاً على أسئلة يطرحها البعض من قبيل: لماذا خلق الله كونًا بكل هذا الاتساع المهول ونحن لا نشغل منه سوى مساحة صغيرة جداً؟ والجواب أننا لا نعلم إن كنا وحدنا المخلوقين فيه، وحتى إذا لم يكن هناك غيرنا فليست هناك علاقة ضرورية (عقلية أو تجريبية) بين صغر حجم كوكبنا في الكون وبين كونه مسخراً لنا من عدمه، فيكفينا من اكتشاف عظمة الكون أن نزداد إيماناً بعظمة الله، وهو تعالى قد نفى العبث عن هذا الخلق الهائل المعجز، فغياب جانب من الحكمة في خلقه عنا لا يعني العبث بل يثبت نقصنا وعجزنا، لكن العجيب أن الإنسان يزداد كفراً بالخالق العظيم كلما ازداد اكتشافه لضآلة حجم البشرية وسعة خلق الله بدلاً من العكس، وهذا ما يحدث في العالم المعاصر منذ ما يسمى بعصر النهضة.

والقرآن الكريم لم ينفِ العبث في خلق الكون فحسب، بل نفى اللهو واللعب أيضاً، فقال {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين، لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنّا إن كنا فاعلين} [الأنبياء: 16-17]، أي أن الخالق جل وعلا لو أراد أن يتخذ زوجة (كما يتوهم أصحاب الأساطير عن الآلهة التي تتزوج وتنجب) لاتخذ زوجة من عنده لكن ذلك لا ينبغي لمقام الألوهية. وقال الإمام المفسر مجاهد بن جبر في الآية: {لاتخذناه من لدنا} أي “من عندنا، وما خلقنا جنة ولا نارا ولا موتا ولا بعثا”.

إذن فالوحي يوضح لنا أن خلقنا كان بغاية عبادة الله، وأن خلقنا وخلق الكون لم يكن عبثا ولا لهوا. إلا أنه لم يوضح لنا ما هو أبعد من ذلك، فلم يخبرنا مثلاً عن الحكمة من تكليفنا بالعبادة أصلا، أو من وضع شروط العبادة وتفاصيلها على النحو الذي أمرنا به، أو من خلقنا وخلق الكون على النحو الذي نعرفه.

والعقل لا يستطيع الوصول إلى الغايات الأولى للوجود حيث لم يكن موجودا آنذاك، كما لا يستطيع التفكير بمنطق خارج عن التجربة والحدس والبديهيات المغروزة فيه. والعلم التجريبي يبحث في الكيفية وليس في الحكمة، أي أنه يجيب عن “كيف” وليس عن “لماذا”، وطالما أن الوحي لم يخبرنا عن الحكمة من الوجود على هذا النحو فلا ينبغي لفيلسوف ولا عالم أن يضيعا الوقت في البحث عنها.

وهذا لا يعني أن نُجبر عقولنا على عدم طرح الأسئلة، فالعقل لا يمكنه التوقف عن التفكير، ولكن عندما نجرده عن الهوى يمكننا أن نضبط أسئلته لتصبح محدودة بحدود قدراته، ومن ثم تكون أسئلته قابلة للبحث كي يتمكن في النهاية من الإجابة عنها، والعقل يعرف مسبقاً أن أجوبة الأسئلة الماورائية الغيبية (ميتافيزيقية) التي يولّدها ليست دائماً في متناوله، بينما يعرف أن من الأسئلة القابلة للبحث سؤالنا: هل الخلق نفسه على هذا الشكل كان عبثا؟ والعقل يقر ما أقره الوحي من نفي العبث، فعبثية الخلق ليست ضرورية أصلاً من جهة المنطق، والتجربة والعادة تنفيان بدورهما العبثية عن الكون المعجِز بدقته، ما يؤكد بالمجمل أن لهذا الكون خالقاً مدبراً حكيماً، وأن لكل جزء من هذا الكون غاية وسبباً حتى لو لم نفهم الحكمة من وجوده على هذا النحو أو ذاك.

والسؤال التالي القابل للبحث هو: هل تحقيق غاية خلقنا نحن يتعارض مع العقل أو الضمير؟ والجواب هو: لا، فمن المفهوم بكل بساطة أننا خُلقنا لنعبد الخالق ونعمر أرضه، كما أن إنجاز المطلوب ليس فيه ما يتعارض مع المبادئ الأخلاقية، بل إن العقل والضمير يجدان صعوبة في تقبل افتراض عبثية خلقنا، فإذا كانت نفسُ الإنسان المتشكك تستبعد وجود الحكمة الخفية بسبب حيرتها أمام مظاهر الخلل والشر والنقص في العالم، فيجدر بعقله أن يتساءل كيف يمكن لهذا الكون المُعجز بأدق تفاصيله المدهشة أن ينشأ عن صدفة؟ أو حتى أن يكون مخلوقا من قبل إله “غير حكيم”؟ إذ يبدو أن الشكوك تتعلق بزاوية النظر إلى الأمور وليست ناتجة عن إلحاح عقلي مجرد.

وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم “كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض” [صحيح البخاري: 3020]، وهذا يعني أن الله كان موجودا وحده ولم يكن هناك أي مخلوق في الوجود، ثم خلق الله تعالى عرشه وجعله على ماء، ثم خلق الكون بسماواته وكواكبه. والعلم التجريبي لا يستطيع الخوض في ما قبل لحظة “الانفجار العظيم” التي يُعتقد أنها بداية الكون، ولا يستطيع أيضا أن يعرف من أين جاءت الكتلة الهائلة في الكثافة وفي الصغر التي انفجر منها الكون (على افتراض صحة نظرية الانفجار العظيم)، كما لا يمكن للعقل أن يبحث في تلك البداية وما قبلها لعدم وجود أي دليل تجريبي أو شاهد يقيس عليه، فلا مفر من التسليم بما يخبرنا به الوحي عن وجود الله الأولي وعن خلقه للكون، وذلك بعد أن آمنا اضطرارا بأنه لا بد من موجد للكون [انظر مقال وجود الله].

وإذا سلمنا بوجود الله وبخلقه للكون، فلا بد أن يسلّم العقل بما أخبرنا به من غاية هذا الخلق، أما الحكمة مما وراء ذلك ومن التفاصيل الدقيقة للخلق فلم يُطلعنا الوحي عليها ولم يكلفنا بالبحث عنها، ومن يدفع بعقله لمحاولة تجاوز حدوده فلن يصل إلى أي معرفة يقينية، وحتى إذا بلغها بضربة حظ جدلاً فلن يكون بمقدوره أن يبرهن عليها، لذا لجأت الفلسفات الغنوصية والباطنية التي خاضت في الغيبيات إلى مزاعم الكشف والإلهام، لعجزها عن تقديم براهين على نظرياتها.

بناء على ذلك، لا ينبغي للعاقل أن يضيع وقته وجهده في محاولة الخوض في الغيب دون أن يملك الأدوات المناسبة، كما لا يرمي المغامر بنفسه في كهف مظلم دون أن يحمل خريطة ومصباحا وبوصلة وسلاحا وطعاما وغير ذلك مما يحتاجه في الحالات الطارئة، أما إذا علم مسبقا بأن آلاف المغامرين الأبطال قد دخلوا هذا الكهف وضاعوا فيه ولم يخرجوا فمن الجنون أن يرمي بنفسه فيه، كما أن من العبث الخوض فيما حاول فيه كبار الفلاسفة دون جدوى.

ومن المهم أن معرفتنا للحكمة الإلهية من كل شيء خلقه -في حال حدوثها- لن تؤثر في طبيعة حياتنا ومسؤولياتنا تجاه خالقنا، فنحن جميعا وجدنا أنفسنا داخل “متاهة” هذه الحياة بكل ما فيها من كبد، واهتدينا بالوحي والعقل إلى غاية هذا الوجود، فالعاقل منا هو الذي يبحث عن الخطة الإرشادية (الوحي) التي وضعها خالق هذه “المتاهة” كي يصل إلى بر الأمان، ثم يبذل كل جهده ووقته في اتباع سبيل الحق لينجو قبل فوات الأوان وانقضاء العمر، ولا يهدر وقته المحدود في البحث عن حكمة أخرى وراء وجوده في تلك المتاهة أو وراء خلق المتاهة على هذا النحو الذي وجده.

وعندما يرفض أحد ما اتباع الخطة الإرشادية بعد اتضاح صحتها فهو مجرد رافض سلبي، لأنه لم يجد لنفسه طريقا آخر للخلاص، بل اكتفى بالبقاء داخل المتاهة للتمتع بما فيها من بعض المتع والمُلهيات الزائلة، وهو يعلم يقينا أن بقاءه هناك مؤقت، بل يعلم أيضا أن لحظة زواله (الموت) ستأتي فجأة وبدون سابق إنذار. أما من يزعم أن الخطة الإرشادية لا تكفيه لأنها لا تجيب على كل أسئلته (مع أنها توصله إلى بر الأمان)، فهو لا يقل حماقة عن الأول، لأن طريق الخلاص كان متاحاً بين يديه لكن اغتراره بنفسه شغله بأمر آخر فأضاع من يده فرصة الخلاص الوحيدة.

وربما يلاحظ القارئ الكريم أن الكثير من الملحدين واللادينيين لا يخاطرون بحياتهم كما يخاطرون بآخرتهم، فيصرون على رفض الإيمان بالله والوحي طالما أنهم لم يدركوا الحكمة من إرادة الله في خلقه، وفي المقابل ينخرطون في متاهات الحياة المادية ويثابرون للوصول إلى أعلى درجات النجاح الاجتماعي والعلمي والمهني مع أنهم لا يعرفون الحكمة من وجودهم في هذا العالم، وقد يكون أحدهم مستعدا للخوض في تحديات صعبة دون أن يبادر بالبحث عن الحكمة من وجودها مكتفيا بأنه يعلم غايتها فقط، وهي تحقيق بعض مصالحه.

والبحث عن الحكمة ليس هو المطلوب أصلا في الكثير من معاملاتنا اليومية، فإذا كان أحد الطلاب داخل قاعة الامتحان بمادة الرياضيات، ووجد سؤالا يتطلب بعض التفكير والتأمل، ثم اهتدى إلى الجواب من خلال ما يحفظه من نظريات رياضية، فهل يجب عليه أن يتجاهل هذه النظريات التي اختبرها خبراء قبله وجربها هو بنفسه أثناء دراسته؟ أم عليه أن يتباهى بقدراته العقلية ويبدأ بالبحث أثناء الامتحان عن برهان رياضي للنظرية نفسها قبل أن يستخدمها في الحل؟

وماذا نقول أيضا لو قرر هذا الطالب أن يترك النظرية التي يحفظها وبدأ بالتفكير في إبداع نظرية جديدة توصله إلى الحل بحجة أن براهين النظرية الأولى لا تجيب على كل أسئلته، بالرغم من اعترافه بأن النظرية صحيحة وكافية لحل المعادلة؟

وفي مثال آخر، لنتخيل أيضا أن شخصا ما يعاني من مرض عضال، وأن الطبيب أخبره بأن الدواء الذي وصفه له هو الوحيد المتاح في العالم لإنقاذه من موت محتم، وأن جميع النظريات العلمية المتاحة تؤكد أنه لا يمكن إيجاد دواء ناجع آخر (جدلا)، فهل يهمل المريض -إذا كان عاقلا- خبرات الأطباء ويبدأ بالبحث عن علاج أفضل مخاطرا بحياته مع أن الوقت ينفد منه بسرعة؟

والأمر لا يتعلق هنا فقط بضيق الوقت وقلة خبرة الطالب أو المريض، فحتى لو لم يكن هناك امتحان محدد بوقت ضيق أو مرض ينهش جسد المريض، وحتى لو كان الطالب عالما فذا وكان المريض صيدلانيا بارعا، فهناك بعض النظريات الرياضية التي لا يمكن البرهنة عليها مع أنها صحيحة عمليا، كما أن هناك بعض الأدوية التي لا يُعرف سبب فعاليتها مع أنها مفيدة، فمن حق العالم الرياضي أن يبحث عن برهنة كما يحق للصيدلاني أن يقضي عمره في محاولة فهم سبب فعالية الدواء، لكن كلا منهما سيظل يستخدم تلك النظرية وذاك الدواء طالما أنهما يحققان الفائدة حتى لو لم يجدا الأجوبة الكاملة على كل الأسئلة.

فإذا قلنا إن هذه الأمثلة تتعلق بجوانب عقلية وعلمية قابلة للبحث، فإن الحكمة من إرادة الله واختياره وبعض تفاصيل خلقه هي خارج التأمل العقلي والبحث التجريبي أصلا، فلماذا يهدر أحدنا عمره في انتظار اكتشافها؟ ولماذا يخاطر بحياته ومصيره طالما ثبت له أنها خارج قدرات العقل البشري نفسه؟ بينما يمكنه أن يختبر صحة الوحي الذي بين يديه، وأن يصل إلى علم يقيني بصحة نسبة الوحي إلى الخالق، وأن يجد فيه دليلا يرشده إلى الطريق الآمن في هذه الحياة، بل ويجد في هذا الوحي أيضا تحذيرا شديدا من أن عدم التزامه به سيؤدي به إلى مصير مؤلم.

لماذا وضعنا الله في اختبار صعب كهذا دون أن يكون لنا الخيار فيه؟
هذا سؤال مهم جدا، وقد كان يتردد في ذهني منذ طفولتي، فنحن وعينا على وجودنا في هذه الحياة فجأة، وعلمنا من والدينا أنهم خرجوا إلى الحياة بالطريقة نفسها، وأننا جميعا سنموت لنقف بين يدي الله كي نُحاسب على كل صغيرة وكبيرة، مع أنه لم يؤخذ رأينا -كما يبدو- فيما إذا كنا أصلا نريد خوض هذا الاختبار الصعب، لا سيما وأن فيه مجازفة كبيرة جدا، فالفاشل فيه لن يخسر صحته أو ماله أو شيئا من حياته العابرة، بل سيدخل نار جهنم بكل ما فيها من عذاب دائم.

وبما أن هذا السؤال يخوض في عمق الغيبيات التي لا يبلغها الحس والعقل، فلا سبيل لتحصيل إجابته سوى بالبحث في نصوص الوحي الذي أثبتنا سابقا صحة صدوره عن الله تعالى [انظر مقال الوحي القرآني]، حيث يخبرنا القرآن الكريم أن الإنسان قد خُير بالفعل.

يقول الله تعالى {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} [الأحزاب: 72]، وفي عدة روايات عن ابن عباس نجد أن الأمانة هي الطاعة والفرائض، حيث يقول إن الله عرض هذه المسؤولية على تلك المخلوقات فاعتذرت عن تحملها، ثم عرضها على آدم وقال له: إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ فقال: يا رب، وما فيها؟ قال: إن أحسنت جُزيت، وإن أسأت عوقبت. فأخذها آدم فتحمّلها.

وفي آية أخرى يقول تعالى {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} [الأعراف: 172]، وأجمع المفسرون على أن هذه الآية تعني أن الله أخرج جميع بني آدم (وعددهم بالمليارات كما نعلم) من ظهره على هيئة الذر (أي مثل النمل الصغير)، ثم سألهم ألست بربكم؟ قالوا بلى، ويقول المفسر مجاهد بن بكر “فقالت الملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين”، أي أن الملائكة شهدت علينا أيضا باعترافنا بوجود الله وعبوديتنا له. وقد نُقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من حديث يؤول هذه الآية بهذا المعنى.

ويستنتج بعض العلماء أن التخيير كان لكل واحد منا، وليس لآدم وحده فقط. وقد يقول قائل: ولكن لا أذكر أني تعرضت لهذا التخيير ولا أذكر أني شهدتُ أمام الملائكة بأن الله هو ربي. والجواب هو أن الله أعاد بني آدم جميعا إلى ظهره ليخرج كل منهم في وقته إلى الدنيا ويدخل هذا الاختبار بعد أن مُسحت تلك الحادثة من ذاكرته، إلا أنه وضع لنا علامات في الطريق، وترك فينا فطرة الشعور بألوهيته وعبوديتنا له، وأرسل لكل أمة رسولا كما يقول {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24]، ثم ذكر الله هذه الحادثة في الوحي المرسل وأخبرنا أن الملائكة شهدت علينا، وسمح لنا بالتحقق من صحة الوحي [انظر مقال الوحي القرآني] ومن صدق المرسلين [انظر مقال نبوة محمد]، وزوّدنا بأدوات البحث الكافية للتحقق والاختبار والفهم والاقتناع [انظر مقال مصادر المعرفة]، ومنحنا الوقت الكافي لذلك، كما أعطى كلا منا حرية الاختيار بين التصديق والإنكار، وعليه فإنه يمكننا أن نفهم مبدئيا أن وضْعنا في هذا الامتحان لم يكن ظلما.

وينبغي ألا ننسى أننا نتعامل في هذه الحياة وفق مبدأ التسخير، حيث لا نجد معضلة أخلاقية في تفاوت درجات الناس بالمجتمع طالما لم يظلم الأعلى منهم الأدنى، فلماذا إذن يتمرد البعض على خالقهم دون أن يعترضوا في المقابل على انصياعهم لسلطة بشر يماثلونهم في الخلقة؟

والظاهر أن ورود الاعتراض على ذهن أي منا -بشأن خلقه دون اختيار منه- هو خاطر نفسي ينشأ عن حالة تذمر من مصائب الحياة ومشاقها، وهذا الخاطر لا يطرأ إلا نادراً، وليس ملازماً لذهن أكثر الناس تساؤلاً وتذمراً إلا أن يكون مصاباً بالاكتئاب وبحاجة للعلاج، فلا نكاد نسمع مثل هذا الاعتراض من شخص يتقلب في النعم الحسّية وهو يستمتع بحياته، ما يؤكد أن المشكلة نفسية لا عقلية. فإذا افترضنا إذن أن المُعترض قد خرج من هذه الحياة الشاقة وفتح عينيه على عالم الآخرة، ووجد نفسه فجأة بين أهل الجنة وهم يدخلونها ليخلدوا في نعيم مقيم، فهل سيخطر بباله حينئذ الاعتراض السابق على خلقه؟ أم أنه سيحمد الله على خلقه وابتلائه في حياة قصيرة عابرة لينقله إلى جنة فيها من مقومات السعادة ما يتجاوز أحلامه، بل وما ينسيه كل ما كان من أسباب التذمر في الدنيا؟

لماذا خلق الله الشر؟
سنناقش هذا السؤال من خلال إثباتنا للمغالطات المنطقية في ما يسمى بمعضلة أبيقور، التي أخذت اسمها من الفيلسوف اليوناني المتوفى في القرن الثالث قبل الميلاد.

الفيلسوف أبيقور

يقول أبيقور: إن الشر موجود أصلا في الدنيا، وهذا يعني أنه أمام ثلاثة احتمالات تفسر وجوده، وهي:

1- أنه ليس هناك إله أصلا ليمنع وجود الشر.

2- هناك إله، وهو يريد منع الشر، إلا أنه عاجز عن ذلك.

3- هناك إله، وهو يستطيع منع الشر، إلا أنه لا يريد ذلك.

ويزعم أبيقور أنه أمام خيارات ثلاث فقط، وهي عدم وجود الإله، وجود إله عاجز، ووجود إله شرير.

والمغالطة الأولى في هذه النظرية أن أبيقور لم يبحث في أصل الشر نفسه، وافترض أن الشر حقيقة موضوعية، وكأنها موجودة بذاتها وليست قيمة أخلاقية نسبية، فوجودها بهذا الشكل المزعوم يتنافى أصلا مع وجود الإله.

ويحق لنا أن نسأله: من أين اكتسب الشر حقيقته الموضوعية هذه؟ فالعالم المادي المجرد لا يملك أي مقياس للخير والشر ولا يمكنه منح أي شيء صفة خيرية أو شرية.

إذن فالشر يكتسب قيمته من عالم مفارق، من مصدر آخر خارج المادة، وهو الإله نفسه الذي خلق ثنائية الخير والشر وجعلهما متقابلين ليتميز أحدهما عن الآخر، وليفهم العقل وجودهما، وهذا يعني أن الاحتمال الأول باطل منطقيا.

أما الاحتمالان الثاني والثالث فهما ناشئان عن مغالطة “قياس الغائب على الشاهد”، حيث يقيس أبيقور صفات الإله الذي يتخيله على صفات البشر، ويجعل الشر والعجز قيمتان موضوعيتان مستقلتان ليحكم بهما على الإله نفسه.

فوجود الشر (سواء كان موضوعيا أو نسبيا) لا يستلزم أن “يضطر” الإله لمنعه كما يقول أبيقور، فالإله ليس في موضع اختبار أمام خلقه ليكشف لهم عن مدى قدرته، إلا إذا كان أبيقور يتحدث أصلا عن إله أسطوري على هيئة زيوس أو أبنائه الذين يتصارعون ويخسرون ويغضبون ويمارسون الرذيلة، فالميثولوجيا اليونانية تفترض وجود آلهة تشبه البشر في كل شيء، إلا أنها أكثر قوة نسبيا (وليست مطلقة القوة) وخالدة لا تموت. [انظر مقال الوثنية].

لكن الإله الذي نتحدث عنه هو إله مطلق القدرة، ومطلق الإرادة أيضا، فإن شاء أن يخلق الشر فله ذلك، وليست هناك أي ضرورة عقلية تربط بين وجود الإله القادر وبين وجود الشر كقيمة أخلاقية نسبية بين خلقه، أي أن وجود أي قيمة أخلاقية بين قائمة المخلوقات التي خلقها الإله لا يعني أن الإله نفسه يتصف بها.

ولو كان وجود الشر بين المخلوقات يستلزم أن يكون الإله الخالق نفسه شريرا، فإن وجود الخير أيضا بين تلك المخلوقات سيستلزم أن يكون الإله خيّرا كذلك، فكيف يجمع هذا الإله (المفترض) بين المتناقضات؟

وما يقال عن الشر يقال عن كل الصفات السيئة والمخلوقات الكريهة لدى البشر، فإن الله لم يخلقها ليتصف بها، لأن الصفات الحسنة والأشياء المحبوبة لدينا لم تكن لتظهر وتُعرف لو لم توجد تلك الشرور والمكروهات في مقابلها، وكما يقال “بضدّها تُعرف الأشياء”.

كما أن سماحه تعالى لبعض الخلق بأن يتصفوا بتلك الصفات وأن يمارسوا الشر والظلم ليس دليلا على عجز الله أمام خلقه الأشرار، فقد أخبرهم مسبقا أنه سيمنحهم حرية التصرف في هذه الحياة قبل أن يحاسبهم، ولو منعهم من الشر فلن تكون هناك قيمة للاختبار الدنيوي كله، لذا فإن إذنه بوجود الشر ليس عن رضا منه، إلا أنه ليس مخالفا لإرادته أيضا، واللبس في عقول البعض ينشأ من الخلط بين الرضا والإرادة، لأنهم يقيسون الإله على أنفسهم، فالإنسان عندما لا يرضى بوجود شيء فإنه لا يسمح به، أما الإله فليس مضطرا لإلغاء وجود ما لا يرضيه، لأنه لا يتأذى منه أصلا.

وإذا كان الملحد يجد مشكلة نفسية في تقبل وجود الإله مع وجود الشر في هذا العالم، فيجدر به أن يجد مشكلة أكبر في القبول بفكرة فناء هذا العالم المليء بالشر دون وجود مرحلة أخيرة للحساب، ليقتص فيها المظلوم من الظالم، وينال كل مخلوق حقه كاملا، ويعود كل شيء إلى نصابه.

لماذا يبتلينا الله بالمصائب؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “احتج آدم وموسى، فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة” [صحيح مسلم، 2652]، إذن فقد كان مقدرا على بني آدم قبل أن يخلق الله آدم وحواء أن يخرجا من الجنة ويعيشا في هذه الأرض، وأن يكابد أبناؤهم مشقة الحياة، كما تقول الآية {لقد خلقنا الإنسان في كبد} [البلد، 4].

لكن كبد الحياة ومشقتها وكل ما فيها من مصائب لا تشكل بمجموعها الصورة الكاملة، فالخالق أعطى آدم وبنيه قبل أن يُخرجهم من الجنة الأدوات الكافية لمقاومة المشقة وتوظيفها والتعايش معها، بل اعتبر المؤرخ أرنولد توينبي أن التحديات هي التي تدفع الإنسان لبناء الحضارات وإعمار الأرض، حيث رأى من خلال دراسته لتاريخ البشرية أن الظروف الطبيعية القاسية والضغوط البشرية الخارجية توجد استجابة ناجحة لدى رواد المجتمعات من المبدعين والقادة، ولو لم توجد تلك التحديات لركن المجتمع إلى الراحة والدعة وكان مصيره الفناء.

وربما يتذكر كل من يقرأ هذه الكلمات عشرات المواقف الصعبة التي ألمت به حتى كادت تدفعه إلى اليأس، وحتى الرغبة بالموت أو التفكير بالانتحار، إلا أنه تمكن لاحقا من تجاوزها وحتى نسيانها، ولعله يتعجب اليوم من شعوره السابق باليأس ويرى أنه كان مبالغا فيه. فحتى الإنسان السفيه لديه من القدرة على الصبر والتحمل ما يساعده على متابعة الحياة، لكن الذي يتسلح بالإيمان يكون أكثر قدرة بكثير على التجاوز، بل قد يصل إلى مرحلة التلذذ بالابتلاء، وهي درجة يعرفها الزهاد في كل العصور.

المسجد الأموي في حلب
(وكالة تسنيم)

لقد كشفت لنا الحروب والثورات والمحن التي مرت بها شعوب عربية عديدة أن لدى الإنسان قدرة هائلة على التكيف والصبر، فمن دون سابق إنذار وجد الملايين أنفسهم فجأة معرضين للقصف والتهجير وخسارة كل مدخراتهم، وربما خسارة أحب الناس إليهم، فضلا عن خسارة أحلامهم ومستقبلهم. ومع ذلك يفاجأ المراسلون الذين يجرون تغطياتهم الصحفية عن تلك المآسي بقدرة الناس على التعايش مع كل هذا الألم، بل وابتكار أساليب جديدة للعيش ومقاومة الصعاب، فضلا عن الإبقاء على جذوة الأمل حية في قلوبهم، حتى يقال إن بعضهم يجد في وسط تلك المصاعب من الرضا ما يغنيه عما كان فيه من مقومات السعادة.

وحتى في ظروف الحياة الخالية من المآسي، قد يكون أحد الجاحدين مستعدا لبذل جهود جبارة في سبيل النجاح الدراسي والمهني، وقد يفعل المستحيل ليكتسب شهرة أو ينال سلطة أو يُحرز دخلا جيدا أو ترضى عنه امرأة حسناء، بل قد يخاطر بحياته لأجل لذة عاجلة تافهة، أو يتسبب بهلاك أشخاص آخرين من أجل إشباع غروره بالمزيد من جنون العظمة، وهو لا يجد في ذلك معضلة منطقية ولا أخلاقية، بينما تدور الشكوك في رأسه عندما يبدأ التفكير بهذا المنطق نفسه بشأن مشقة عابرة في مقابل نعيم هائل ودائم.

علاوة على ذلك، يمكن لكل منا أن يكتشف بقليل من التأمل أن هناك انسجاما بين الغاية من الخلق وبين الهيئة التي خُلقنا عليها، فالحديث يطول ويتشعب إذا بحثنا في قدرات الجسد البشري وإمكانات تحمله، وكذلك الحال في النفس البشرية وقدرتها على التأقلم والتكيف. وكلما تجردنا عن ذواتنا وأنعمنا النظر في طبائعنا وعجائب خلقنا وجدنا في كَبد الحياة ذاته متعة، بل يكاد الناس جميعا يتفقون على أن الحياة ستكون مملة لو خلَت من مشقتها.

وربما تستوقفنا مئات الكتب التي تحصد أعلى المبيعات كل عام بعناوينها التي تدور حول دروس الحياة ومتعة الإنجاز وعظمة التحدي، فالبشر على اختلاف ثقافاتهم يتفقون على أن الحياة جميلة وتستحق أن تُعاش، غير أنهم سرعان ما يتفرقون مذاهب شتى عندما يتعلق الأمر بالغاية الكامنة وراء هذه الحياة، وكأنهم مستعدون لتحمل مشقتها من أجل لذاتها العاجلة، بينما يتعنت الكثير منهم في الإيمان بما وراءها.

هناك الكثير من الآيات والأحاديث والأقوال والقصص التي تفصّل الحديث في فضل الصبر وثواب الصابرين، وقد تكفي قراءتها لإقناع معظمنا بحكمة الابتلاء وما يتركه من أثر طيب في نفوسنا بالرغم من صعوبته، وهذا أمر يدركه حتى أولئك الذين بلغوا قدرا من الحكمة دون أن يؤمنوا بالله والقدر والثواب، فكثيرا ما نجد لدى ممارسي رياضات التأمل ومدربي التنمية البشرية قدرات فلسفية وعملية على الاستفادة من المصاعب وتحويلها إلى محفزات للتقدم.

لكن ما نهتم به هنا هو الشق الفلسفي من السؤال، فقد يقصد السائل أن يقول: لماذا يبتلينا الله أصلا بالمصائب إن كان قادرا على أن يمنحنا ثواب الصبر ومزايا الحكماء الصابرين دون أن نعاني؟

وهنا نعود أيضا إلى العلة الغائية من الخلق، فنحن نعلم أن خلقنا لم يكن عبثا لكن الوحي لم يخبرنا بما وراء ذلك، وليس للعقل أن يخوض فيما لا يملك أي أداة للبحث فيه. وبالمثل فنحن نعلم أن الله وضعنا في هذه الحياة ليختبرنا -بالسراء والضراء معا- كما قال {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}، ومعرفتنا بهذه الغاية تكفي لمتابعة الحياة ودخول الاختبار حتى لو لم يخبرنا الله تعالى لماذا اختار أن تكون الحياة أصلا محل اختبار، فالمهم أننا نعلم يقينا أن النجاح في الاختبار ممكن، وأن لدينا من الأدوات ما يساعدنا على اجتيازه.

ومن المهم أيضا أننا على يقين بأن الله عادل، وليس ذلك لأنه إله فحسب، بل هو اختار بكرمه أن يكون عادلا كما قال في الحديث القدسي “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا” [صحيح مسلم، 2577]، وهو أيضا لم يتركنا دون فطرة ولا عقل ولا وحي، فهذه الأدوات الثلاث تؤهل الشخص العادي للبحث عن الحق والتعرف عليه والعمل بمقتضاه، ولو اختلفت الوسائل ودرجات الاستجابة والالتزام، لكن الحد الأدنى من الإيمان متوفر لدى جميع الناس الأسوياء.

لماذا يسمح الله بوجود الظلم؟
إذا آمنا بكل ما سبق، وأدركنا أن هذه الحياة قائمة على الابتلاء، فسيسهُل علينا أن نتفهم وجود مخلوقات (من البشر والجن والحيوانات) قد تؤذينا دون مبرر، وهذا لا ينفي عدالة الله طالما أنه وعد بالقصاص، لا سيما وأنه تعالى شدد على تحريم الظلم وتوعد الظالمين بأشد العذاب، بل وأنزل على الكثير منهم جزءا من عذابه في الدنيا ليردعهم.

يقول تعالى في سورة محمد، بعد أن يطالب الصحابة بالقتال ضد المشركين: {ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض} [محمد: 4]، أي أن الله قادر على الانتقام من أعداء المؤمنين وأن يدفع أذاهم، إلا أنه اختار أن يجعل أذاهم ابتلاء واختبار للمؤمنين أنفسهم كي ينكشف المؤمن من المنافق.

يتكرر هذا السؤال الوجودي كثيرا في الفترات التي يشتد فيها البلاء على الناس، لذا تسمى هذه الفترات بالفتن، لأن ضعاف الإيمان يُفتنون فيها وقد يخسرون فيها إيمانهم كله، ومن العجيب أن نجد من المثقفين والفلاسفة من يحاجج بهذه المغالطة (مثل أبيقور المذكور أعلاه) معتبرا أن وجود الشر في العالم دليل على عدم وجود الإله، وهذا خلل كبير في فهم الألوهية، فليس من مقتضياتها أن يمنع الإله وجود أي خلل (شر أو مصيبة) في العالم الذي خلقه ويرعاه، وليس من المنطقي أن يكون العالم المخلوق كاملا كالإله الخالق نفسه.

وإذا كان من الضروري عقلا وجود إله خالق لهذا الكون ومسيّر لأموره [انظر مقال وجود الله]، فإنه ليس من الضروري أن يكون هذا الإله عادلا أصلا، إلا أنه مع ذلك أوجب على نفسه العدل بكرم منه، كما قال في الحديث القدسي “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا” [صحيح مسلم، 2577]، وقال أيضا {إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} [يونس: 44]، لكن السماح بوجود الظلم ليس ظلما بحد ذاته، فالله تعالى وضع جميع المخلوقات في عالم تحكمه طبائع نفسية وسنن اجتماعية وقوانين فيزيائية، وأنزل فيه شرائع لضبط وتوجيه تلك الطبائع والسنن والقوانين بما يحقق العدل، ثم ترك البشر أحرارا في الاختيار والتحكم، مع حثهم جميعا على العدل ووعدهم بالثواب العظيم لمن يحققه، وبالعذاب الشديد لمن يخل به.

ولا يشك أحد من البشر في أن هذه الدنيا فانية حتى لو كان ملحدا لا يؤمن بالبعث، فالظلم إذن مؤقت لا يدوم. كما أن الحث على العدل لم يقتصر على الشرائع التي أنزلها الله، بل وضع الله أيضا فطرة الميل إليه في كل خلقه، فنرى أن الكثير من الأمم التي لم تلتزم بالشرع كاملا تتمسك بالعدل وتسن قوانين صارمة لتحقيقه.

لوحة تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر تبين طريقة وسم العبيد بالكيّ في إنجلترا

ومع أن الله وعد بالحساب والقصاص من الظالمين في الآخرة، فإنه لم يترك المعاملات تسير بما يوافق هوى الناس دون تدخل منه في هذه الحياة، بل وضع بين أيدينا وسائل دفاعية تقينا شر الظلم والأذى، فجعل من حول كل فرد ملائكة تحفظه {له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله} [الرعد: 11]، وربما لو رُفعت هذه الملائكة لوقع الإنسان في عدد لا يحصى من المصائب والحوادث والظلم كل يوم، كما حث الله عباده على الدعاء وشرع لهم أذكارا في الصباح والمساء لتحفظهم من المكاره. ثم توعد الله الظالمين بالعذاب في الدنيا نفسها، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث “اتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب” [صحيح البخاري: 2316، صحيح مسلم: 19]، وفي حديث آخر: “ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده” [المعجم الأوسط للطبراني: 24 وسنده صحيح].

لكن القصاص الدنيوي قد لا يحدث عاجلا فيُمهل الله الظالم لحكمة لا نعلمها ثم يقتص منه بعد سنوات، وقد يُمهله حتى الآخرة، وقد يربط على قلب المظلوم فيرزقه الصبر ويفتح عليه من أبواب الهداية والثبات ما يُشعره بأنه في نعمة.

ولولا وجود الظلم في هذا العالم لما عرفنا قيمة العدل، وقد لا يستشعر الكثير من الناس قيمة عبوديتهم لله وحاجتهم إليه إلا بعد نزول المصائب والظلم، فيطمئن قلبه بعد ذلك إلى أن البلاء الذي حل به كان دافعا لنيل رضا الله ولتطهير نفسه من الكبر وسوء الخلق.

وعلاوة على كل ما سبق، قد تكون المصيبة التي يتعرض لها الإنسان كفارة لذنوبه قبل أن يُحاسب عنها حسابا أشد في الآخرة، فيقول الله تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30]، أي أن كل مصيبة تحل بنا هي نتيجة للذنوب التي لا يخلو منها أحد، بل تشير الآية إلى أن الله يعفو عن كثير من تلك الذنوب والعيوب ولا يعاقبنا إلا على القليل منها. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم “ما يصيب المسلم من نصب ولا وَصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه” [صحيح البخاري: 5318].

وجاء في الحديث أنه “يودّ أهل العافية يوم القيامة حين يُعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قُرضت في الدنيا بالمقاريض” [الترمذي: 2402]، فالذي يجزع من المصيبة والظلم في هذه الدنيا قد يجد لاحقا أن كل عذابه كان مؤقتا وزائلا ومقدورا عليه، وعندما يتلقى النعيم المقيم في الآخرة يتمنى أنه كان قد ابتُلي بما هو أشد. ومع ذلك فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعذب الإنسان نفسه أو حتى أن يتمنى لنفسه البلاء، حيث يروى أن أحد الصحابة دعا الله: “اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا”، فمرض مرضا حتى أضنى على فراشه، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم شأنه، فقال له “إنه لا طاقة لأحد بعقوبة الله، ولكن قل {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}، فقالها الرجل فما لبث إلا أياما أو يسيرا حتى برئ.

ومن العجيب أن يرى البعض في وجود الظلم والمصائب والآلام ما يتناقض مع وجود الله تعالى فيميل إلى إنكار وجوده أصلا، وهو ما نراه في الفلسفات الباطنية التي انبثقت عن الهندوسية وفلسفة اليوغا، حيث تقوم أساسا على فكرة مفادها أن علَّة الألم كامنة في الوجود نفسه، وأن الألم ظاهرة متأصلة في الطبيعة البشرية بسبب انغلاق الوعي في المادة، فلا يتحرر الإنسان من هذا الألم سوى بالتخلص من الألم الكامن في الوجود وبالتوحد مع الحقيقة الكونية. لكن هذا الحل يؤدي إلى مشكلة أكبر، فليس هناك تناقض عقلي بين وجود الإله ووجود الألم، بينما لا يمكن للعالم أن يوجد أصلا بدون إله [انظر مقال وجود الله].

لماذا تنزل المصائب أحيانا بشكل جماعي على الناس؟
إجابة هذا السؤال هي جزء من الإجابات السابقة، فنحن لا ندرك على وجه اليقين الحكمة من نزول أي مصيبة، ولن يختلف هذا الأمر من حيث كون المصيبة فردية أو جماعية، فقد تكون المصيبة واحدة في نزولها على مجموعة كبيرة من الناس إلا أن الحكمة في إصابتها لكل فرد منهم تختلف من شخص لآخر، وهذه الحكمة ليست موضع بحثنا لأنها أمر غيبي في علم الله، لكن الذي يقع في دائرة علمنا وتكليفنا أن نزول المصيبة لا يتنافى مع العدل الإلهي، وأن لكل صابر نصيب من الثواب ومن تكفير الذنوب ومن تزكية النفس وتحسين الخُلق.

ونزول العذاب الجماعي لا يكون إلا بعد قيام الحجة على الناس وظهور الحق. ومع ذلك، قد يتساءل البعض: ما ذنب الأفراد الصالحين الذين يكونون وسط تلك الجماعة الفاسدة؟ وسنجيب على السؤال بعد التفريق بين حالتين:

الحالة الأولى: الاستئصال الجماعي بإهلاك أمة أو شعب ما نتيجة إصرار عامة الناس على العناد والكفر والظلم. ولكي تتضح لنا الصورة بكل أبعادها، سنناقش ثلاث نقاط أساسية:

أولا: قد تكون هناك فئة من المجتمع لا تمارس الظلم والكفر، إلا أنها راضية بالمنكر أو لا تقوم بواجبها في محاولة تغييره، فلو حاول الصالحون أن يغيروا لنجى القوم كلهم، كما تقول الآية {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} [هود:117]، لكن تقصير الصالحين قد يؤدي إلى العذاب الجماعي كما يحذرنا القرآن الكريم بقوله {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب} [الأنفال: 25]، فالفتنة تعم الجميع عندما يعم المنكر.

ثانيا: عندما قضى الله على بعض الأمم السابقة بالاستئصال، وذلك بعد أن أقام الأنبياء عليهم الحجة وأصروا سنوات طويلة على الكفر والظلم والعناد، فقد أوحى الله لأنبيائه بأن يخرجوا مع أتباعهم الصالحين من قراهم قبل حلول ساعة الهلاك، مثل النبيين نوح ولوط عليهما السلام، ليحل الهلاك بالجاحدين المعاندين فقط، كما تقول الآية {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا} [الأعراف: 165].

ثالثا: بالرغم من نجاة الصالحين في القصص التي ذكرها القرآن الكريم، فإن نزول الهلاك على أمة ما بوجود الصالحين فيها لا ينفي عدل الله تعالى، فالهلاك نفسه قد لا يكون هو الإجراء العقابي الذي استحقوه، بل هو بالأحرى استئصال للشر الذي عمّ بسبب فسادهم، فيموتون جميعا بما فيهم الفئة الصالحة، أما العقوبة فتكون في الآخرة وليست في لحظة نزول الكارثة التي لا يدوم عذابها إلا ساعة من نهار.

وفي حديث يروى عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن السوء إذا فشا في الأرض فلم يُتناه عنه، أرسل الله بأسه على أهل الأرض، فقالت: يا رسول الله، وفيهم الصالحون؟ قال: نعم، وفيهم الصالحون يصيبهم ما أصابهم، ثم يقبضهم الله إلى مغفرته، ورضوانه [رواه أحمد]. كما تروى عدة أحاديث بذات المعنى، ومنها “إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم” [رواه البخاري].

ويمكننا أن نفهم من هذين الحديثين أن الموت نفسه ليس مصيبة، فنزول القضاء بهلاكهم الجماعي يكون لتخليص الأرض من السوء الذي فشا على يد أهلها، ثم يحاسب الله كل فرد منهم بالعدل يوم القيامة، فمن كان صالحا وقام بما يقدر عليه من الإصلاح نجا من العذاب إلى رضوان الله، وهذا أدوم وأبقى من نعيم الدنيا أو عذابها.

وحتى لو قلنا إن ساعة نزول الكارثة الجماعية تتضمن من الفزع ما يكفي لاعتبارها عذابا، فإنا لا ندري ما يحل بقلوب الصالحين حينئذ، فطالما كنا مؤمنين بعدل الله وقررنا أن هذا الفزع بمثابة العذاب للعصاة فمن البديهي أن نفترض أن الله تعالى سيربط على قلوب الصالحين، فيقبض أرواحهم في تلك الساعة دون خوف، أو يجعل تلك الساعة من العذاب بمثابة كفارة لذنوبهم كما هو حال المؤمن الصابر على أي مصيبة أخرى، والله أعلم.

مدينة بومبي الرومانية في إيطاليا كانت عاصمة للإباحية قبل أن يلقى أهلها حتفهم ببركان مباغت عام 79م وما زالت جثثهم محفوظة تحت الرماد المتحجر
(Lancevortex)

الحالة الثانية: نزول المصائب الجماعية على أمة أو شعب أو فئة من المجتمع دون هلاك، وما قلناه في مناقشة نزول المصائب الفردية على الناس يمكن أن يقال هنا، فالحكمة الإلهية في المصيبة الفردية قد تكون هي ذاتها الحكمة من وراء ابتلاء كل شخص على حدة عندما ينزل البلاء على الجميع.

ولو قلنا إن مدينة يسكنها الملايين تعرضت لزلزال مدمر، فإن كل فرد من أهلها سينال ثوابه وتُكفر ذنوبه على قدر صبره واحتسابه، كما سيتحقق له من فوائد المكابدة واللجوء إلى الله ما يتحقق أيضا في حال نزول مصيبة أخرى عليه وحده.

ولو أدت الكارثة إلى مقتل بعضهم، فقد يكون في ذلك عقوبة معجلة لبعضهم، وراحة من كبد العيش وتكفيرا للذنوب للبعض الآخر. فلا أحد يعلم استحقاقات كل فرد إلا الله، كما لا يعلم أحد ما يحل بكل فرد من راحة ونعيم وصبر وعذاب وجزع إلا الله وحده.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم “عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط” [رواه الترمذي وقال حديث حسن]، وقال أيضا “أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل” [رواه أحمد].

ولا يعني ذلك أن هناك سنة كونية تقتضي أن يبتلي الله الأمة المؤمنة بالمصائب، فقد كان النبي نوح عليه السلام يعِد قومه بالرخاء إن آمنوا، كما نقلت عنه الآيات التالية: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا} [نوح: 10-12]، فالابتلاء يمحّص إيمان الناس ليتبين صدقهم من عدمه، والفرد المؤمن الذي يزداد تلذذا بقربه من الله تهون عليه المصائب إلى درجة الاعتياد عليها، حتى تصبح لذة استشعار تذكير الله له بالمصائب أحب إليه من لذة الرخاء الذي يترافق مع الغفلة والتراخي، وهذه درجة عالية من الصفاء الروحي لا تُعمم على الناس.

إذن فنظرة الإنسان للمصيبة وأثرها النفسي تغير مفهومه جذريا إزاء ما يكمن في المصيبة من خير وشر، فما يراه البعض شرا يراه آخرون خيرا، وهذه النسبية تكفي لاعتبار المحاججة نفسها غير كافية للاستدلال بها على وجود إله مطلق ومنزه عن خيارات الإنسان وقناعاته وأهوائه.

كيف تكون المصائب من السنن الكونية والاجتماعية (الخاضعة للبحث والتجربة) وهي في نفس الوقت عقاب إلهي أو كفارة للذنوب (شؤون غيبية)؟

كثيرا ما يقع اللبس في عقول بعض الشباب، وهو ناشئ عن الافتراض المسبق بأنهم أمام سببين متناقضين لا يجتمعان.

من البديهي لمن يقر بوجود خالق للكون أن ينسب إلى هذا الإله أيضا القدرة على التصرف التام والمطلق في خلقه، وذلك على النحو الذي لا يرفض فيه العقل نسبة إرادة ما يحدث في الكون إلى الله، سواء من استمرار الحركات والتفاعلات المنظمة مثل دوران الأرض، أو ما يطرأ من كوارث غير منظمة وغير دورية مع أن لها أسبابا يمكن قياسها تجريبيا كالزلازل.

فالوحي يخبرنا بوضوح أن الله تعالى لم يتخلّ عن الكون بعد أن خلقه، حيث وصف اللهُ نفسَه في القرآن بأنه القيوم، أي القائم على شؤون الكون والمتصرف فيه، وهذا يعني بطبيعة الحال أن الله لم يضع القوانين في الكون كي يسير من تلقاء نفسه، فاستمرارية وجود الكون وسيره مرتبطتان بالقيومية الإلهية.

وطالما كان للإله مطلق التصرف في خلقه، فله أن يخرق السنن التي وضعها متى شاء ولأي سبب شاء، وله أن يجعل بعض الكوارث عقابا لبعض الشعوب التي ساد فيها الظلم والكفر والعناد، كما حدث مع قوم فرعون الذين رأوا بأعينهم تحقق المعجزة على يد موسى عندما تحدى السحرة، حتى آمن به السحرة أنفسهم، فسلط الله على الحكومة والشعب معا عدة كوارث للردع والزجر والتنبيه، كما تقول الآيات: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ} [الأعراف: 133-135]، حيث نرى أن الناس الذين ابتلوا بهذه المصائب ارتدعوا فعلا وطالبوا نبيهم بأن يدعو ربه برفع العذاب، مع أنهم كانوا يعبدون فرعون نفسه ويعتقدون حلول الإله فيه.

وعندما نقول إن العوامل الطبيعية قد تكون جندا من جنود الله التي يرسلها للعقاب أو التذكير، فلا يعني هذا أن تكون الكوارث الطبيعية غير قابلة للدراسة العلمية، بل لا يتعارض ذلك حتى مع إمكانية التنبؤ بحدوثها مسبقاً، فالأمر لا يعدو أن يكون شدة وقعت بعد رخاء، مما يدعو الإنسان إلى التأمل في حاله مع الناس ومع الله تعالى، فمعظم البشر -حتى المشككين بوجود الله- يلجؤون إلى الله لاشعوريا عندما يشعرون بالحاجة إليه، وقد تكون هذه من الحكمة الإلهية في الابتلاء.

زلزال مسينا حصد أرواح حوالي مئتي ألف إنسان في عام 1908 بجنوب إيطاليا

ولنفهم طبيعة العلاقة بين إرادة الله ووقوع الكارثة الطبيعية، علينا أن نميز بين كيفية حدوث للكارثة وبين المسبب لها، فالعلم مثلا يمكنه أن يكتشف كيفية حدوث إعصار ما، وكل الأحداث التمهيدية التي أدت لحدوثه، إلا أنه ليس بمقدور أي عالم أن يعرف لماذا حدث الإعصار، فالتغيرات المناخية التمهيدية ليست هي السبب الذي أدى إلى الكارثة بالمعنى الفلسفي، ولا يمكن للعالم أيضا أن يجزم بأنها هي السبب المباشر للإعصار، لأنها قد تتغير في أي لحظة، وقد لا تحدث في الزمان والمكان المتوقعين.

والأمر نفسه ينطبق على إصابة شخص ما بالمرض، فنحن نعلم أن انتقال جرثومة ما تسبب بالمرض، لكن البحث الفلسفي الأعمق لأسئلة من قبيل لماذا أصيب به الآن ولماذا هو تحديدا من دون بقية العائلة؟ ولماذا لم يستطع جهاز المناعة مقاومة الجرثومة؟ فقد يتمكن العلم من الإجابة على بعض هذه الأسئلة أو كلها إلا أنه لا يجزم بها، فهو يترك هامشا احتماليا للخطأ مهما كانت قياساته وحساباته دقيقة، وهذا الهامش يكفي لنقول إننا لا نستطيع أن نجزم بأن الأسباب المادية تمثل وحدها الصورة الكاملة.

وقد فرغ علماء الكلام المسلمون منذ مئات السنين من الجمع بين الإيمان والعقل، دون الوقوع في الخطأ الذي وقع فيه العلماء التجريبيون في الغرب مع بزوغ “عصر التنوير”، وهو الخطأ الذي تم تصحيحه تجريبياً في القرن العشرين مع انتفاء العلية والسببية في عالم فيزياء الكم، فليست هناك حتمية في قوانين الكون كما كان يظن العلماء في عصر نيوتن مما دفعهم إلى الإلحاد.

هايزنبرغ

في عام 1927 وضع العالم الألماني فيرنر كارل هايزنبرغ مبدأ الريبة أو مبدأ اللايقين الذي يعد اليوم من أهم مبادئ فيزياء الكم، حيث استنتج أنه لا يمكن تحديد خاصيتين مقاستين من خواص جملة كمومية إلا بالتخلي عن اليقين في التعرف على إحدى الخاصيتين. وهذا يعني عمليا أن القوانين الأساسية للكون لا تسمح لأي عالِم بالحصول على معلومات كاملة ويقينية تماما بشأن أي موضوع يخضعه للتجربة، ومن ثم فلا يمكن للعالِم أن يتنبأ بحركة الأشياء مستقبلا بدقة يقينية مهما كانت أدوات البحث دقيقة ومتطورة، وهو ما يعبر عنه هايزنبرغ بقوله إن عدم استطاعتنا معرفة المستقبل لا تنبع من عدم معرفتنا بالحاضر، وإنما بسبب عدم استطاعتنا معرفة الحاضر.

إذن فإرادة الله عز وجل المطلقة غير محكومة بمنطق السببية، ولو صدقت تنبؤاتنا مئات المرات بحدوث الأعاصير والبراكين والفيضانات فهذا لا يعني أننا سنصيب في المرة التالية، بل لا يجرؤ العلماء على الجزم بصحة تنبؤاتهم يقينا، وليس ذلك تواضعا بل لأن العلم نفسه يتبرأ من هذه الحتمية. وهذا يعني بالضرورة أن الكوارث تخضع لإرادة الله التي لا نعلمها، مهما صدقت توقعاتنا.

وقد نص القرآن الكريم بوضوح على أن الله تعالى قد يبتلي أمة ما بالمصائب والكوارث الطبيعية ليدفعهم إلى الإيمان والخشوع، بل نص على أن هذا الابتلاء وقع لكل الأمم التي أرسل إليها أحدا من رسله، والابتلاء لا يعني بالضرورة الإبادة كما حدث لأقوام عاد وثمود، بل قد يكون نوعا من الشدة التي تحدث لنا نحن في هذا العصر، حيث قال تعالى {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضّرعون، ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون}، [الأعراف: 94- 95]، فهاتان الآيتان تقطعان بأن الله تعالى يبتلي الأمم على مر التاريخ، وأنه في كل عصر وبعد كل ابتلاء يبدل بالشدة رخاءً، فيأتي الجيل التالي ويقول “لقد مر آباؤنا بالرخاء حيناً وبالشدة حيناً آخر، وهذه من عادة الطبيعة ولا علاقة لها بعقاب الله”، وهكذا إلى أن يأتيهم العذاب كما أتى الذين من قبلهم، ثم يأتي الجيل التالي ليغفل عن الحقيقة دون أن يتعظ.

لكن هذا كله لا ينبغي أن يبرر للمؤمن التحجج بالإرادة الإلهية لنفي المسؤولية عن نفسه، فالإنسان محاسَب عما يفعله، ولو أنه شخصا طعن شخصا آخر بخنجر مثلا فليس له أن يقول إن إرادة الله هي التي أدت إلى مقتل الآخر بعد طعنه، فالقاتل هنا يُسأل ويُحاسب ويعاقب بناء على فعله الإرادي، أما إرادة الله بشأن مقتل المطعون أو إنقاذه من الموت بالرغم من الطعن فهذا أمر آخر لا يؤخذ به في معاملات الناس.

لماذا يعاقب الله بعض المجتمعات المسلمة بالكوارث والمصائب الجماعية بينما يترك مجتمعات منحلة دينيا وأخلاقيا في أمن ورغد من العيش؟
هذا السؤال قائم على عدة مغالطات، فمن قال إن المسلمين اليوم يطبقون فعلا ما أمر الله به من إقامة مجتمع العدل والعبودية لله؟ ومن قال إن النعم التي يرفل فيها الظالم والجاحد والمنحل أخلاقيا تعني أن الله راض عنه؟ وهل الدنيا دار ابتلاء أم دار حساب؟ لذا سنجيب على السؤال في عدة فقرات كما يلي:

1- عندما نقول إن كارثة ما هي رسالة إلهية إلى البشر لتذكيرهم بحقيقة الدنيا وتحذيرهم من مغبة الإسراف في المعاصي، فهذا لا يعني أن الله تعالى قد ألزم نفسه بإرسال هذه الرسائل إلى كل العصاة، فللّه الأمر من قبل ومن بعد، إن شاء عفى وإن شاء أمهل، وإن شاء عاقب بما يشاء ولمن يشاء.

2- نزول كارثة جماعية على مجموعة من البشر لا ينبغي أن يُفسر جماعيا بحكمة واحدة كما أسلفنا. ومع ذلك، فنحن لا نحكم على أي مجموعة بشرية بأنها معصومة عن الخطأ، كما لا نستطيع أن نقول إن أحدا من أفرادها لا يحمل عيبا واحدا على الأقل.

3- ما يتعرض له أي مجتمع مسلم من كوارث لا يستلزم منا أن نطعن في دين أفراد هذا المجتمع، فقد تكون المصيبة دافعا لإصلاح أنفسهم وتغيير مجتمعهم، وقد تكون أيضا عبرة لمجتمعات أخرى ممن حولهم من المسلمين، وهذا هو معنى قوله تعالى {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون، فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} [الأنعام: 42-43]، فالآية تحث على التضرع عند نزول المصيبة، ما يعني أن الحكمة في البأس والضرر هي تليين قلوب الناس وتذكيرهم بعبوديتهم لله.

وقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف بسندٍ حسن عن صفية بنت أبي عبيد زوجة عبد الله بن عمر أنها قالت {زلزلت الأرض على عهد عمر حتى اصطفقت السرر، فخطب عمر الناس، فقال: أحدثتم، لئن عادت لأخرجن من بين ظهرانيكم}، أي أن الهزة الأرضية لم تقع في المدينة المنورة التي كان يعيش فيها خير القرون على مر التاريخ إلا بسبب ذنوب اقترفوها، وفقا لفهم عمر بن الخطاب.

كما وقعت هزة أرضية في عهد عمر بن عبد العزيز، فكتب على إثرها إلى أهل البلدان “إن هذه الرجفة شيء يعاتب الله به عباده، فمن استطاع أن يتصدق فليفعل؛ فإن الله يقول {قد أفلح من تزكى}”.

الدمار الذي أصاب قرية آتشيه الإندونيسية عام 2004 بسبب موجة المد العاتية (تسونامي)

4ـ من الخطأ الاعتقاد بأن اعتناق غالبية مجتمع ما للإسلام يعني حصول هذا المجتمع على وعد إلهي بالنصر والتمكين والتقدم والحماية من الكوارث، فالقرآن الكريم عندما كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم أثناء تأسيسه للمجتمع المسلم كان ينبههم باستمرار إلى ضرورة تطبيق الإسلام عمليا وتحقيق كل شروطه ومكابدة ما يتطلبه ذلك من مشقة، وذلك قبل أن يعدهم بالحصول على مزايا النصر والحماية، فقد حذّر القرأن الصحابة من الاستئصال بالرغم من إسلامهم فقال: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38]، وقال أيضا: {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير} [التوبة: 39].

5- من الخطأ أيضا الاعتقاد بأن كل مجتمع لا يلتزم بالإسلام ويستجيب للوحي ويطبق العدل فإن مصيره التعرض للكوارث أو الفناء، فكما يبتلي الله المؤمنين بالكوارث ليردعهم ويعيدهم إلى الصواب فإنه قد يبتلي بعض المعاندين في المقابل بالرخاء استدراجا لهم وفتنة، كما قال تعالى {فلما نسوا ما ذُكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} [الأنعام: 44]، وكقوله {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات؟ بل لا يشعرون} [المؤمنون: 55-56].

6- قد لا يقتصر الأمر على أن يبتلي الله المؤمنين بالشدة ويبتلي الكافرين بالرخاء، بل قد يسلط الكافرين أنفسهم على المؤمنين، وذلك عقابا للمؤمنين على تقصيرهم وتخاذلهم وعدم قيامهم بواجبهم في حمل مشعل الوحي إلى الأمم الأخرى وإعمار الأرض بشرع الله. وهذا ما حدث مع بني إسرائيل عندما تخلوا عن شريعة نبيهم موسى عليه السلام فسلّط الله عليهم أقواما وثنية لا تؤمن بالوحي، وهو ما يحدث الآن أيضا بحق المسلمين الذين تخلوا عن شريعة نبيهم فسلط الله عليهم اليهود وغيرهم من الأمم التي لا تؤمن بالوحي وتحاربه.

إذا كانت هناك حكمة في المصائب الفردية والجماعية، فماذا عن الأطفال والمجانين وما يتعرضون له من كوارث مع أنهم ليسوا مكلَّفين؟
لقد أعطى الله جميع خلقه قدرات هائلة على التحمل والصبر والتعلم، لكن معظمها يبقى معطلا عندما لا يستخدمها أصحابها ممن يعتادون على الرخاء، ولا شك في أن الأطفال والمجانين يتمتعون أيضا بتلك القدرات، بل هم أكثر تأقلما مع الشدائد من الكبار، ولديهم من المرونة ما يؤهلهم للصبر والاعتياد دون تذمر.

أطفال قتلهم النظام السوري بالغاز السام في الغوطة بريف دمشق في 21 أغسطس 2013

من الملاحظ أن الأسئلة الفلسفية والشكوك التي نناقشها هنا لا تخطر غالبا على أذهان عامة الناس ممن يعانون من الشدائد، فهي تُطرح عادة من قبل المعتادين أكثر على التمتع بنمط حياة مريح، وهذا لا يعود بالدرجة الأولى إلى التفرغ وازدياد فرص الاطلاع والقراءة، بل هو ناشئ أولا عن الرفاهية نفسها التي تدفع الإنسان لاشعوريا إلى التمرد والتذمر معا.

في المقابل، يكاد يكون من المجمع عليه أن يميل الأشخاص الذين اعتادوا على المكابدة إلى الإيمان بالله وبالقدر، لأن المشقة التي اعتادوا عليها في حياتهم منذ الصغر أبرزت طاقاتهم الكامنة، حتى أصبح الصبر والمكابدة وتحمل الصعاب والشدائد من العادات التي لا تلفت نظرهم ولا تستلزم الكثير من جهدهم، ومن ثمّ فإن الطفل الذي ينشأ في هذا النمط الطبيعي من العيش -وهو الذي اعتادت عليه الأغلبية الساحقة من البشر منذ آلاف السنين- يتمتع بقدر كبير من القدرة على الصبر والتحمل كالكبار، كما لا تتولد في ذهنه عادةً تلك التساؤلات الدالة على السخط.

ومع أن الطفل غير مُكلف ولا مسؤول أمام الله على ذنوبه، إلا أن عدل الله يقتضي أن يكافئه على حسناته وصبره وتحمله. وقد قلنا إن المصائب لا تكون كلها عقابا على ذنب اقترفه الإنسان، بل تكون أيضا تربية وتزكية وبابا من أبواب الثواب في الآخرة، وهي مزايا قد يحصل عليها الأطفال أيضا.

ومن العجيب أن الأشخاص المتنعمين أنفسهم، ممن لا يملكون الكثير من الصبر، قد يكتشفون فجأة أنهم قادرين على مكابدة ما يحل بهم من مصائب ثم تجاوزها ونسيانها، بل كثيرا ما تتحول ذكرياتهم المؤلمة ذاتها إلى تجربة ممتعة ومدعاة للفخر لما يكتسبونه بسببها من خبرة وقوة، ومع ذلك فإن بعضهم يرى في نزول المصائب على الأطفال شرا مطلقا “لا ينبغي” أن يسمح به الله.

لماذا التفاوت في الرزق من حيث المال والجمال والصحة وغير ذلك؟ أليس هذا التفاوت يتعارض مع العدل الإلهي؟
ذكرنا سابقا أننا لا نعرف على وجه الدقة الحكمة النهائية من خلقنا وابتلائنا، إلا أننا نعلم يقينا أننا مكلفون. ومن بديهيات التكليف أن يكون هناك ابتلاء، سواء بالنعم التي قد تُطغي الإنسان وتلهيه عما خُلق له، أو بالشدائد التي قد تلهيه أيضا وتسقطه في اليأس والقنوط. لكن المؤمن الواعي والمجاهد لنزعات النفس يتخذ موقفا وسطا في كلا الظرفين، وهو ما تلخصه القاعدة النبوية في الحديث الصحيح: “عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له” [رواه مسلم]، فالحديث يقف عند نقطة مهمة، وهي أن التعامل الإيجابي مع الظرفين المتناقضين لا يقدر عليه إلا المؤمن، لأنه نتيجة طبيعية للإيمان الواعي بحكمة الله والتسليم له والرضا بقضائه.

وإذا استوعبنا جيدا ما سبق ذكره من حكمة الابتلاء، فإن ما قد يبدو لنا من “اختلال في التوزيع” يمكن فهمه أيضا على أنه نوع من الابتلاء، كما يمكننا التعامل معه بنفس الآلية.

لكن مفهوم الاختلال نفسه ليس صحيحا، فإذا كانت عين الإنسان القاصرة تقف عند خلل ما في إحدى النعم فقد تغيب عنها نعم أخرى لا تحصى، ومع أن أدواتنا البشرية قاصرة عن تعداد كل نعم الله على كل فرد منا، والتي تشمل أدق تفاصيل مقادير الأمور مما يغيب عنا أصلا، فإن ما نعرفه من النعم وحده يكفي لنجزم بأن الله إذا سلب من أحد عباده نعمة ما فإنه يعوضه بنعم أخرى كثيرة.

بالرغم من الرفاهية التي يتمتع بها الشعب الياباني فإن بعض الإحصاءات تؤكد أنه في المرتبة الثانية عالميا من حيث نسبة الانتحار
(Jmho/wikimedia)

فعلى سبيل المثال، قد يتذمر أحدنا من مرض عضال يصيبه ويعكر صفو حياته، ويقارن نفسه بملايين الأصحاء، إلا أنه لا ينتبه إلى أن كل واحد من الأصحاء لديه نقص في نعم كثيرة يتمتع بها هو، ولا يوجد على وجه الأرض شخص واحد اجتمعت لديه كل النعم بكمالها دون نقص، كما لا يوجد شخص آخر اختلت لديه موازين النعم كلها، بل يتمتع كل منا غالبا بقدر ما من كل نعمة ولا تُسلب منه بالكلية، وإن سُلبت منه إحداها تماما فإنه يُرزق نعما أخرى تعوضه، ويكفي لكل سائل متشكك أن ينظر في حال من هو أشد منه ابتلاء في نفس المجال الذي يجد نقصا فيه، ثم ينظر في نعم أخرى يتمتع بها ولم تكن تخطر على باله مما قد حُرم منه آخرون.

وعندما اعترض جبابرة قريش، حسدا وتكبرا، على تخصيص النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة وحده دونهم، نزلت الآية {أهم يقسمون رحمت ربك؟ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون} [الزخرف: 32]، فالآية توضح أن هذا التفاوت في المعيشة هو من لوازم الحياة التي لا يمكن لها أن تستمر لو كان البشر كلهم متساوون في كل شيء، بل كان من الضروري أن يُسخَّر بعضهم لبعض، فيكون فيهم الرئيس والمرؤوس، والذكي ومتوسط الذكاء، والغني والفقير، كي يكون بعضهم محتاجا إلى بعض ومسخرا له. وعلاوة على ذلك، لم يكن الرسول يرفل في النعم الدنيوية، فإذا كان أعداؤه من قريش قد حسدوه على نعمة الرسالة والنبوة فقد رأوا بأعينهم كيف سُلب نعماً كثيرة من نعم الدنيا التي لا يتخلون عنها، فكان صلى الله عليه وسلم من أشد الناس ابتلاء وتعرضا للشدائد.

ولو تأملنا في تعقيد شؤون المجتمع لرأينا أن كل فرد مهما علا شأنه بحاجة إلى الآخرين مهما قل شأنهم، فالغني والعالِم وصاحب السلطة محتاجون جميعا إلى من يعملون في أقل المهن شأنا كي تستمر حياتهم.

أما ما ينتج عن هذا التفاوت والتسخير من طبقية وعنصرية واستعلاء وتجبر، فهي كلها من صنع الإنسان نفسه الذي حذره الله على لسان كل الأنبياء من الغطرسة والظلم. ونجد في آخر الشرائع التي جاء بها خاتم الأنبياء نصوصا كثيرة تنهى عن هذه الأخلاق السيئة وتأمر بالتواضع ولين الجانب لكل الناس، ولا سيما لمن كانوا في الخدمة، وحتى الأرقاء المملوكين.

إذا كان الله غنيًا عنا فلماذا يعذبنا؟
سبق أن قلنا إن الله خيّر آدم قبل أن يحمّله الأمانة والمسؤولية، كما أشهدنا على عبوديتنا له فأقررنا بذلك وشهدت علينا الملائكة، وقلنا أيضا إن العدل ليس صفة لازمة من صفات الألوهية، إلا أن الله تعالى تفضل على خلقه بأن أوجب على نفسه العدل ووعدهم بأنه لن يظلمهم.

ولكن ما الذي كان سيحدث لو أنه جل وعلا لم يلزم نفسه بالعدل؟ وما الذي كان بمقدورنا أن نفعله لو أننا وجدنا أنفسنا مخلوقين في هذه الدنيا دون تخيير وأننا مطالبون بمكابدة مشاق الحياة وتحمل الأذى والظلم والمصائب، ثم وجدنا أن الإله لن يعاملنا بالعدل ولا بالرحمة بل سيعذبنا إلى الأبد؟

من المفهوم والبديهي أننا سنعترض ونتذمر، طالما كنا نملك القدرة على ذلك على الأقل، إلا أن هذا الاعتراض لم يكن سيغير شيئا طالما كان الإله القادر على كل شيء قد حكم علينا بعذاب مقيم.

أليس إلزام نفسه بالعدل إذن هو كرم عظيم منه؟ لا سيما وأنه ليس مضطرا لإكرامنا أصلا، ولن يحاسبه أحد على ما سيفعله بنا. وإذا كان العدل بحد ذاته كرما بالغا، فماذا نسمي النعيم المقيم في الجنة التي وعد الإله الصالحين بأن يخلّدهم فيها؟

نحن البشر نميل ميلا طبيعيا للانتقام ممن يكون خاضعا لسلطتنا ويخرج عليها، ومع أن إنزال العذاب في أعدائنا قد لا يؤدي إلى أي نتيجة عملية إلا أننا نطالب به من قبيل النكاية، ونقر بأن هذا هو العدل، فلماذا نستنكر إذن أن يستحق الإنسان المتمرد (بحجمه التافه) العذاب من قبل الإله العظيم؟

قد يبدو الأمر محيرا عندما يكون التساؤل من منظور شخص يرى أن الإله بعظمته في غنى عن تعذيب هذا الفرد الصغير، لكن الصورة الكاملة تقتضي أن نرى أيضا أن هذا الفرد لديه من الجرأة ما يجيز له التمرد على الإله المسيطر على الكون كله، وأي جريمة أكبر من هذه؟

وعندما نكون أمام حالة متطرفة من العناد، مع الإصرار على الشر، فربما نندفع لمحاولة إصلاح هذا الشخص بكل الطرق الممكنة، فإذا لم نجد منه سوى السخرية والتهتك، فإننا نميل بالطبع لإخضاعه بالقوة، ونعتبر أن كسر كبريائه هو الجزاء العادل الذي يستحقه.

وقد تأخذ بقلبنا الشفقة أحيانا على المجرم المعاند المكابر، فنتوسل إليه أن يتجرد عن جحوده وكبر نفسه وجهالته ليتخلص من العذاب، وكأننا أكثر رأفة به من نفسه، فإذا وافق مرغما على التوبة والاعتذار نفاجأ به وهو يعود إلى أسوأ مما كان عليه، مع علمه المسبق بأنه سيُعذب مجددا، إلا أن الشر أصبح جزءا من كيانه، والكبْر استبد بعقله حتى أسكره.

ولو تأملنا في آيات القرآن الكريم التي كانت تقرّع الجاحدين المعاندين سنجد أنها كانت تصفهم بهذا النوع من الكبر، بل يخبرنا أنهم عندما يذوقون عذاب الآخرة سيطالبون الله بعد دخولهم جهنم بأن يخرجهم ويعيدهم إلى الدنيا ليبدأوا الاختبار من جديد إلا أنهم مع ذلك سيعودون إلى الجحود نفسه دون تغيير، لأن الكفر صفة أصيلة في نفوسهم.

يقول الله تعالى عن هذا الصنف من أهل النار: {وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل، أولم نعمّركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير، فذوقوا فما للظالمين من نصير، إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور} [فاطر: 37-38]، فالآية تخبرنا أن الرد سيأتيهم بأنهم نالوا فرصتهم في الدنيا وجاءهم الوحي لينذرهم ويحذرهم من المصير، ثم تخبرنا الآية الثانية أن الله يعلم ما في صدورهم وأنهم يكذبون وسيعودون إلى الكفر لو عادوا إلى الدنيا مرة أخرى. وهذا ما تؤكده آيات عدة مثل قوله تعالى {ولو رُدوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [الأنعام: 28].

وفي سورة المُلك، يخبرنا الله تعالى أن أهل النار سيعترفون بأنهم كانوا على علم بهذا المصير، فيقول {كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير، قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير} [الملك: 8-9]، حيث تسأل الملائكة التي تشرف على النار (الخزَنة) كل فوج من أهل النار عما إذا كان الأنبياء قد أنذروهم فعلا بهذا العذاب، فيقرّون بذلك وبأنهم كذّبوا الوحي عنادا واستكبارا.

وقد يصح أن نستنتج من هذا أن الذين سيخلّدون في النار هم أولئك المعاندين الجاحدين الذين لا أمل فيه صلاحهم وقيامهم بواجب العبودية الذي خُلقوا له، أما العصاة الذين لم يبلغوا هذا الحد من الجحود فسيذوقون قسطا من العذاب ثم يدخلون الجنة، وقد يكون هذا العذاب في الدنيا فقط، وقد يكون في القبر أو في أهوال يوم القيامة دون دخول النار.

وإذا كنا نستعظم العذاب أمام ذنوب الإنسان، فلماذا لا نستعظم أيضا نعيم الجنة الذي لا يبدو أن أعمال أفضل الناس تفي بحقه. ومع ذلك فقد وعد الله تعالى بألا يُدخل النار إلا من يستحقها بالعدل، بينما وعد بأن يُدخل الجنة الكثير من خلقه برحمته وليس بالاستحقاق، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته يوما: “لن ينجي أحدا منكم عملُه، قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة” [صحيح البخاري: 6098].

هل نحن مسيّرون أم مخيّرون؟ وإذا كان الله قد كتب علي أن أكون كافرا فما فائدة البحث عن الإيمان؟
كي نكشف الخلل في هذا السؤال، سنفترض أن الله تعالى عندما خلقنا لم يكن يعلم ما الذي سنفعله في حياتنا وما إذا كنا سنؤمن أم نكفر، فهل كنا سنقتنع إذن بأنه إله كامل الصفات ويستحق أن يُعبد؟

إذن فكمال صفات الله يستلزم أن يكون عالما بما كان وسيكون، لأن الزمان منبسط في حضرته فليس هناك فرق عنده بين ماض وحاضر ومستقبل، وهذا يعني أن الله يعلم تماما من الذي سيؤمن منا ومن الذي سيكفر، وعلمه هذا لا يعني أنه قد أمر بأن يحدث ذلك طالما أنه منحنا القدرة والاختيار والإرادة.

ويأتي الإشكال واللبس من حيث قياس علم الله وإرادته على صفاتنا البشرية، فنحن نتوهم أنه بمجرد أن علِم ما سيحدث فقد أمر بحدوثه، وهذا ليس لازما ولا ضروريا، أما الضروري فهو أن يكون عالما فعلا بما سيحدث لأن الجهل لا يليق به.

وبعبارة أخرى، إن علمه بمستقبلنا وبأفعالنا ومصيرنا هو من صفات كمال الله، فلا يمكن إلا أن يكون عالما به، أما إكراهنا أو تركنا أحرارا فهو أمر آخر.

وكما ذكرنا سابقا، علينا أن نفرق بين مشيئة الله تعالى وبين ما يرضاه من أفعال عباده، فكل ما يحدث في الكون هو داخل في مشيئته وإلا فلن يكون إلها، ولكن سماحه بحدوث شيء ما لا يعني أنه يرضى به.

يقول تعالى {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} [التكوير: 29]، ومن مشيئته أنه جعل لنا مشيئة مستقلة، فهي غير تابعة لمشيئته إلا أنها ليست ضدها في الوقت نفسه.

وهذه العلاقة بين المشيئتين قد نجربها في حياتنا اليومية مع أشخاص آخرين، فالأب مثلا قد يمنح طفله الصغير قدرا من الحرية في الاختيار بين أمرين، ويخبره بأنه سيتسامح معه في ذلك، وسواء اختار الطفل ما يتوافق مع رضا الأب أم العكس فإن حرية الاختيار التي يمارسها الطفل هي التي أرادها الأب، فقدرة الطفل على الاختيار جاءت نتيجة للفرصة التي منحها له الأب، لكن النتيجة جاءت نتيجة اختيار الطفل وحده.

وبنفس المعنى، يختار كل منا ما يشاء وفقا لحرية الإرادة التي منحها الله لنا، وقد نختار ما لا يرضي الله ولكن ليس ما يخرج عن مشيئته.

أجرى جوناثان سكولر الأستاذ بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا دراسة لفهم النتائج العملية للإيمان بكون الإنسان مسيّرا أو مخيّرا، فوضع أمام كل متطوع شاشة كبيرة، ثم عرض على نصف المتطوعين عبارات تجزم بأن الإنسان لا يملك حرية الإرادة، وعرض على النصف الآخر عبارات معاكسة.

ثم طلب من كل متطوع إجراء اختبار وهمي على حدة، ووضع على الطاولة علبة مليئة بالنقود المعدنية وأخبره أنه سيحصل على دولار مقابل كل إجابة صحيحة، وقبل نهاية الاختبار كان يقول له إنه مضطر لترك الغرفة بسبب انشغاله المفاجئ، ويعطيه نموذج الأجوبة طالبا منه أن يقوم بالتصحيح بنفسه وأن يأخذ الدولارات التي يستحقها.

اكتشف سكولر أن الذين تم إقناع عقلهم الباطن مسبقا بأنهم مسيّرون قرروا أن يسرقوا بضعة دولارات إضافية، وكأنهم اقتنعوا لاشعوريا بأن السرقة أمر خارج عن إرادتهم، بينما كان الآخرون أكثر أمانة والتزاما بالمسؤولية.

والكافر يدرك في قرارة نفسه أنه لم يكفر إلا بمحض إرادته، ويعلم تماما أنه قادر على تغيير قراره والالتزام بالوحي، إلا أنه لا يفعل عنادا، أما التعذر بأنها مشيئة الله فهو مجرد محاولة للتهرب من المسؤولية، كما فعل المشركون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بحسب الآية: {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم، مالهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} [الزخرف: 20]، حيث يرد عليهم الوحي في الآية نفسها بأنهم يتوهمون.

ويوضح القرآن في مواضع عدة أن الهداية نتيجة لمشيئة الإنسان نفسه، فيقول {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} [المزمل: 19]، ويقول أيضا {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها” [الكهف: 29]، ويبدو أن هذه الآية لم تكتفِ بتوضيح حرية الاختيار بل قرنته بالتحذير من مغبة سوء الاختيار.

ويذكر القرآن الكريم أنه لو أراد الله أن يتدخل في مشيئة الناس لفعل، إلا أنه تركهم لحريتهم الشخصية بعد أن دلهم على الطريق، فيقول {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} [الأنعام: 149]، ويقول أيضا {ولو شاء الله ما أشركوا، وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل} [الأنعام: 107]، أي أن الله لم يتدخل في رغبتهم كما لم يجعل للنبي سلطة على اختيارهم، ويقول في آية أخرى مخاطبا النبي صلى الله عليه وسلم {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99]، إذن فقد تركهم لمشيئتهم فكفروا، ولم يكرههم على الإيمان، كما أنه لم يكرههم على الكفر في الوقت نفسه.

وقد يشكل على البعض معنى قوله تعالى {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} [البقرة: 272]، فقد يُفهم من الآية أن الله يختار من يشاء للهداية ويترك الآخرين للضلال، لكن الآية جاءت في سياق الرد على الصحابة الذين كانوا يعطون أقاربهم المشركين بعض الأموال من باب صلة الرحم ثم امتنعوا عن العطاء، فنزلت الآية لتخبرهم عن طريق مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم بأن هداية الناس ليست من شأن أي أحد بل هي بيد الله، فالجملة الأخيرة ليست مطلقة بل هي في سياق نفي قدرة الناس على هداية الآخرين، أما الحديث عن هداية الله للناس بالمطلق فيأتي في مواضع أخرى من القرآن سنذكرها لاحقا.

وعلينا أن ننتبه أولًا إلى أن لفظ الهداية قد يأتي بمعنى الإرشاد إلى الطريق وليس حمل الناس على اتباعه، فالله تعالى يقول {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17]، فلو كانت كلمة “هديناهم” تعني إجبارهم على الإيمان فكيف يفضلون بعد ذلك العمى على الهدى؟

وفي مثال آخر، نجد أن الله يخاطب الرسول في آيتين مختلفتين بقوله {إنك لا تهدي من أحببت} [القصص: 56] وبقوله أيضًا {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [الشورى: 52]، فلو كان مصطلح الهداية يحمل معنى واحدا لكان هذا تناقضا، لكن الهداية في الأولى تعني الحمل على الإيمان بالإكراه (وهي منفية)، وفي الثانية تعني الدلالة والإرشاد.

إذن فالله تعالى لا يجبر أحدًا على الإيمان، كما لم يعط أنبياءه القدرة على ذلك، إلا أنه وعد من يبذل جهده لبلوغ الحق بأن يهديه عندما قال {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69]، وكلمة “فينا” تستلزم الإخلاص أيضا وليس الاجتهاد فقط.

وعندما يعرف المؤمن الطريق فإنه ينسب الفضل في ذلك إلى الله تأدبا كما تقول الآية {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} [سبأ: 50]، وبعد أن يختار هذا الطريق بمحض إرادته ويلتزم به يضاعف الله هدايته كما وعد قائلا {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} [مريم: 76].

وفي المقابل، عندما يختار المرء طريق الضلال، فقد يزيده الله ضلالا ويطمس على قلبه، ولكن الله لا يكرهه على ذلك الخيار من البداية، فيقول تعالى {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها، فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم، وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا، يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا، وما يضل به إلا الفاسقين} [البقرة: 26]، فالآية تتحدث عن قضية واحدة، وهي ضرب المثل بالبعوضة، حيث كانت  بمثابة اختبار واحد يختبر الله به الطرفين، فالمؤمن يهتدي به ويزداد إيمانه، بينما يضل به الفاسق الذي اختار طريق الفسق بنفسه أولا.

وبنفس هذا المعنى يمكننا فهم العديد من الآيات التي نفى الله فيها الهداية عمن يختارون طريق الضلال، فيقول {والله لا يهدي القوم الكافرين}، كما يصفهم في آيات أخرى بالظالمين والفاسقين، وهذا يؤكد المعنى السابق بأن الله لا يُضل ولا يهدي إلا بعد أن يختار المرء طريقه.

في هذا الفيلم الوثائقي، يتحدث الشيخ البرازيلي إسرائيل دوسنتوس عن قصة إسلامه وهو في سن متأخرة، بعد أن كان راعي كنيسة بروتستانتية وهو يحمل شهادة الدكتوراه في علوم اللاهوت، حيث قرر تغيير دينه وحياته والدخول في صدام مع زوجته وأولاده وأتباع كنيسته فجأة، وذلك بعد يومين فقط من قراءة كتاب الطبيب الفرنسي موريس بوكاي “التوراة والإنجيل والقرآن والعلم”، فالهداية قد لا تتطلب سوى وقفة صادقة مع النفس.

بناء على ما سبق، لا يصح الافتراض الشائع بأن الإنسان يكتسب دينه بالوراثة دون اختيار، فالدين ليس من المورثات الجينية التي تجري في دمائنا، ولدى كل منا مشاهدات كثيرة عن تمرد المراهقين على آبائهم في الكثير من التفاصيل التي لا تروق لهم، لأن الإنسان عندما يبلغ سن التكليف وينضج إحساسه بذاته يبدأ بتكوينها بالطريقة التي تناسبه، وقد يتطلب الأمر نوعا من الصدام والمشقة، لا سيما وأنه سيجد في وسائل الإعلام والثقافة المحيطة ما يحرضه على التمرد والتغيير نحو الأسوأ، بينما لا يكاد يجد ما يشجعه على تغيير دينه نحو الإيمان بالله وبالوحي أو نحو المزيد من التقيد بتعاليم الوحي إلا القليل، وهذه من عيوب المجتمعات نفسها وليست عيبا في تركيب الإنسان الذي خلقه الله حرا وقادرا على التمييز واتخاذ القرار وتطبيقه.

والملاحَظ أن غالبية الناس يتلذذون بالكفاح الذي يبذلونه في سبيل التمرد على المجتمع، ولا يجدون في اضطرارهم إلى ذلك أي غضاضة، بينما يتذمر الكثيرون عندما يُطلب منهم الشيء ذاته في سبيل التمرد على شياطين الجنس والإنس وبلوغ سبيل الحق من أجل خلاصهم، وكأن الدنيا تستحق النضال بلا جدال بينما ينبغي أن يكون خلاص الآخرة سهلا وميسرا.

وبالقياس نفسه نجد أن الكثير من الناس يعاتبون آباءهم على أي تقصير في مجال التربية الدنيوية، أي بما يمس نجاحهم الدراسي وصحة أبدانهم، بينما لا نكاد نسمع اعتراضا على حمل الآباء أبناءهم على عبادة غير الله، بل تتوارث الأجيال أديانها المحرفة والوثنية على أنها جزء من ثقافتها التي يجب التمسك بها دون أي تمحيص عقلي، في حين يعلن الجميع أن من أهم سمات التربية الناجحة أن يُمنح الابن والابنة القدرة على التفكير المستقل والنضج النفسي، وهذا التناقض ليس من سمات الإنسان التي خلقها الله فيه وفطره عليها، بل هو من نتائج اتباع الهوى وتقديم المصلحة الدنيوية العاجلة على الآخرة.

لذا أوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسألة بشكل قاطع في قوله: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء”، ثم يقول أبو هريرة واقرؤوا إن شئتم {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [رواه البخاري ومسلم]، فالنبي ضرب مثلا بالحيوان الذي يولد كامل الخلقة خاليا من العيوب، فإذا كبر قطع الناس أذنيه وأنفه وغيروا خلقته، وهذا هو حال الإنسان الذي يولد على فطرة الإيمان فتنحرف فطرته ويُملأ عقله بالأساطير حتى ينشأ على أديان لا أصل لها.

وبالرغم من وضوح حرية الإرادة، قد يبقى في النفس شيء من الشك عندما نرى أن مجتمعات كاملة لا تؤمن بالله في مقابل مجتمعات أخرى يُعطى أطفالها الإيمان دون عناء، والجواب على هذه الإشكالية يتطلب إعادة التذكير بعدالة الله، فطالما كان الله تعالى قد وعد بألا يظلم الناس وأن يؤتي كل مخلوق حقه يوم القيامة فمن البديهي إذن ألا يعذب أحدا إلا عن استحقاق، فالمسلم الذي يولد في أكثر المجتمعات تمسكا بالإسلام قد يقرر الجنوح نحو الكفر والإلحاد يوما ما، كما يحدث فعلا في عصرنا الحاضر، وقد يكفر بقلبه ولا يعلن ذلك، أو ربما ينشأ متشككا وعاصيا وظالما فلا يكاد يتميز عن أي شخص سيئ نشأ في مجتمع لا يعرف الوحي، فيُعاقَب يوم القيامة على عدم إيمانه أو عدم التزامه، ولا يكون الحساب فقط بناءً على كونه مسلما بالاسم.

أما الذي قُدر له أن ينشأ في مجتمع آخر، ولم يُكتب له الاطلاع على الوحي، ولم تكن الظروف مواتية لذلك، فحسابه على قدر صلاحه وبذله الجهد والتزامه بفعل الخير، والله أعلم بمعايير محاسبة كل فرد على حدة.

إذا كان الإيمان علاجا ناجحا للقلق والأمراض النفسية فلماذا يعاني نفسيا الكثير من المؤمنين؟ ولماذا نرى أن كثيرا من الملحدين في المقابل أكثر سعادة؟
ربما ينشأ هذا السؤال المتشكك من المبالغة والسطحية التي نجدها في بعض أطروحات الدعاة إلى الإيمان، فمن المؤكد أن جزءا كبيرا من الأمراض النفسية لا يتعلق بالجانب الروحي لدى الإنسان، مثل الفصام والرهاب والتوحد والوسواس القهري والهلوسة التي قد تصيب أشخاصا في قمة إيمانهم، تماما كما يصابون بالأمراض الجسدية أيضا، وقد تكون هذه الأمراض النفسية من الابتلاءات التي تصيب الناس جميعا بما فيهم المؤمن والجاحد.

ولا يصح أيضا وضع الأديان كلها في خانة واحدة، فالأمر لا يتعلق بما يتركه الإيمان الروحي على النفس من طمأنينة فقط، بل يتأثر أساساً بالعقيدة وبما تتركه في العقل من قناعات فكرية، فالمؤمن بالعقيدة المسيحية وما تتضمنه من أفكار الخلاص والفداء والخطيئة الأولى والرهبانية لا يصح أن نقارنه بالمؤمن بعقيدة الإسلام.

والمؤمنون بالعقيدة الصحيحة ليسوا سواسية أيضاً، فهناك تفاوت كبير بين الأفراد من حيث تعمق كل منهم في العقيدة ومدى فهمه لها وممارسته لشعائرها، وقد يؤدي تركيزه على جانب واحد من العقيدة إلى اختلال التوازن النفسي وسقوطه في الأمراض أكثر من الملحد، والمشكلة هنا لا تتعلق بالدين نفسه بل بفهمه وتطبيقه غير المتوازن.

والنفس البشرية أكثر تعقيدا مما قد يتخيل بعض الدعاة البسطاء وغير المتخصصين في علم النفس، فالمصاب بالاكتئاب قد يعاني من خلل سلوكي لا معرفي، وهذا يعني أن علاجه يتطلب تحريضاً للانفعالات الإيجابية في نفسه وعلاجاً للعقد النفسية المتراكمة في لاوعيه، وليس بالخوض معه في نقاش فلسفي حول حكمة الابتلاء، بل إن هذا النقاش قد يزيد من سوء حالته من خلال تعميق شعوره بالذنب، فيقع حبيساً لهواجس الردة والكفر مع أنه مقتنع عقلياً بحجج الإيمان لكن نفسه البشرية المنهكة هي التي تطلب العلاج.

وليام جيمس

كان الفيلسوف البراغماتي الأميركي وليام جيمس -الذي يعد من رواد علم النفس الحديث- يؤكد في كتاباته على ضرورة الإيمان بوجود الله لمواجهة شعور الإنسان بالعجز والضعف أمام صعوبات الحياة، وكان يرى أن الإيمان يعطي الحياة قيمة ودافعا لتحقيق الأمنيات ومعالجة القلق.

ويجدر بالذكر أن جيمس كان ينظر إلى الإيمان من هذه الناحية العملية فقط، فالبراغماتية تقوم أصلا على إضفاء المعنى للأشياء من حيث منفعتها العملية دون الالتفات إلى وجودها الموضوعي، وهي فلسفة متطرفة لا يسلم بها العقل، فوجود الله وضرورة الإيمان به والانقياد لعبوديته أمران مستقلان عن مصلحة الإنسان.

وإذا تعامل الإنسان مع ربه بهذه العلاقة المصلحية، فقد لا ينال مراده أصلا، ما يعرّض إيمانه كله للتزعزع وفقا للظروف، وهذا يتعارض مع مقتضى العبودية.

ومع أن الكثير من علماء النفس والمتخصصين في مجالات التحفيز وتطوير الذات يؤكدون على أهمية الإيمان لمعالجة القلق، مثل كارل يونغ ودايل كارنيغي وهنري لينك، إلا أن الربط المطلق بين الإيمان والراحة النفسية قد يعرض المؤمن إيمانا سطحيا للشك في إيمانه كله، لا سيما عندما يكون إيمانه قائما على المصلحة أصلا.

ولا ننسى أن الإيمان لا ينفي القلق الوجودي بالكلية، فالمؤمن يتحمل مسؤولية كبرى كما أسلفنا، وهي أمانة لم تحملها السماوات والأرض، ومن يراقب طبيعة حياة الأنبياء وكبار الصحابة يجد أنهم كانوا يجمعون بين الخوف والرجاء في محاولة دائمة للموازنة بينهما.

وفي الحديث القدسي يروى عن الله جل وعلا أنه قال “وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين، إذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة” [أخرجه ابن حبان والبزار والبيهقي وابن المبارك وأبو نعيم وصححه ابن حجر والألباني السلسلة]، وهذا يعني أن المؤمن الذي يعلم حقا حجم المسؤولية الكبرى التي يحملها، وأنه مقبل على موت محتم دون أن يعلم في أي لحظة وعلى أي حال، وأنه ليس بعد الموت توبة ولا رجعة، وأنه قد يُحاسب على كل صغيرة وكبيرة دون أن يضمن رحمة الله، فعليه أن يخاف الله بالقدر الذي يمنعه عن المعاصي ويجعل ثقته كلها بالله وليس بنفسه، أملا في نيل الأمن الدائم يوم القيامة.

لذا حث القرآن الكريم في آيات كثيرة على فضيلة الخوف، ومنها {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175]، {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} [المؤمنون: 57]، {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [الرحمن: 46].

وكلما ازداد قرب الإنسان من ربه استشعر المزيد من عظمته فتضاعف خوفه منه إجلالا وإكبارا، لذا تقول الآية {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]، وهذا ما نراه فعلا في المجتمعات كلها، فالغافل عن الله يرتكب الفواحش دون اكتراث، بينما يرتجف قلب المؤمن خوفا من ربه لأصغر هفوة يرتكبها.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس خشية، ويروى عنه في الحديث أنه قال “لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفُرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله” [رواه الترمذي]، ومع ذلك فإنه لم يأمر الناس بهذا الخوف، فعندما جاءه حنظلة الأسيدي يشكو إليه شعوره بالنفاق، قال الرسول صلى الله عليه وسلم “وما ذاك؟” فقال: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، فقال “والذي نفسي بيده؛ إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة” [صحيح مسلم: 2750].

وعندما سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} [المؤمنون: 60] هل هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال “لا يا بنت الصدّيق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يُقبل منهم” [رواه الترمذي]. وعلّق التابعي الحسن البصري بقوله “عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم. إن المؤمن جمع إحسانا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنا”.

وإذا كانت هذه النصوص تؤدي بالبعض إلى الاعتقاد بأن الملحد أكثر راحة نفسية، لأنه لا يحمل على عاتقه تلك المسؤولية (الأمانة) ولا يخشى حسابا ولا عقابا، فهل هذا يبرر الإلحاد حتى لو كان صحيحا؟ أم أنه لا يدل سوى على الغفلة؟

وهذه الغفلة هي التي كان يقصدها المتنبي في بيته المشهور:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله      وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

فمن يرتضي لنفسه بالغفلة بضع سنين في حياة عابرة، دون أن يشغل نفسه بهمّ التفكير فيما سيحل به بعد ذلك، فهو حتما أحمق.

وإذا كان الملحد أكثر راحة من المؤمن من حيث القلق بشأن الآخرة، فإن المؤمن أكثر راحة بالمقابل من حيث القلق بشأن الدنيا التي يشترك فيها مع الملحد، وهذا النوع من القلق هو الذي اعتنى به علماء النفس الذين أكدوا على ضرورة الإيمان لتوفير الراحة النفسية كما أسلفنا.

فالمؤمن الذي يفهم أن لله حكمة في كل ما يقضيه ويقدّره لا يجد مبررا للحزن والأسى، وكلما ازداد زهدا في الدنيا تضاءل حجم القلق والحرص في قلبه، حتى لا يكاد يشعر بألم المصائب التي قد تحل به.

وهذا هو جوهر العديد من نصوص الوحي، ولعل أوضحها هو هذه الآيات الواردة في سورة الحديد، حيث يقول تعالى {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}، ففي هذه الآية نجد أبلغ وصف لحال الدنيا التي لا تزيد عن كونها فقاعة جميلة يغتر بها السطحيون والحمقى، فهي مثل أرض خصبة تشربت بعض الماء بعد هطول المطر فأنبتت زرعا جميلا، وما إن فرح به المزارعون (وصفهم بالكفار لأن المزارع يكفر البذر أي يغطيه بالتراب) حتى انتهى عمره سريعا واصفر لونه وصار يابسا تذروه الرياح، حتى إن الوقت لم يسعفهم ليستفيدوا منه، كما هو حال الموت الذي يخطف الناس قبل أن يحققوا أحلامهم.

ثم تأتي الآية الأخرى لتوضح الهدف الذي يستحق الاهتمام فتقول {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم}.

وبعدها مباشرة يذكرنا الوحي بأن قلة شأن الدنيا لا تنبع فقط من قصر عمرها، بل من كون المصائب أصلا قدرا مكتوبا من قبل أن يخلق الله الإنسان نفسه، فالله تعالى يقول {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير}.

ويختتم الوحي ببيان المعادلة التي تحقق التوازن النفسي، بعد أن يفهم المؤمن حقيقة الدنيا وغاية وجوده العابر فيها، فتقول الآية {لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور} [الحديد: 23]، وكأن الوحي يقول إذا كانت الدنيا مجرد “متاع الغرور”، وكانت الآخرة هي التي تحقق للمرء كل ما يحلم به في جنة بعرض السماء والأرض، فلا شيء من زخارف الدنيا إذن يستحق الأسى على فواته أو الفرح باكتسابه، وهذه القناعة هي الكنز الذي يحاول الفلاسفة أن ينالوه بشتى السبل، وهي الترياق الذي يحاول علماء النفس ومدربو التحفيز أن يعالجوا مرضاهم به، لكن الملحد لن يناله مهما اقترب منه، لأن زهده في الدنيا إذا لم يقترن بالتطلع إلى حياة أفضل في الآخرة سيؤدي به إلى كارثة أكبر، وسيغرقه في قلق وجودي أشد صعوبة من القلق على الدنيا الزائلة، ففكرة الفناء بعد الموت وانتهاء كل شيء هي فكرة مرعبة للغاية، وهي أصعب على النفس بكثير من القلق الذي يتولد لدى المؤمن من خشية العذاب في الآخرة، فلا يجد الملحد إزاء ذلك مفرا من الاستمتاع بملذات الدنيا بدلا من الزهد فيها، حتى لو كان هذا سيؤدي إلى قلق آخر وهو قلق التعلق بشيء زائل ومجهول المصير.

علاوة على ذلك، يعاني الملحد من قلق غياب العدالة واستحالة تحققها أبدا، فالمؤمن يصبر على الظلم انتظارا لحساب أخروي عادل، ويعلم أنه سيقتص بنفسه من كل من ظلمه، حتى لو كان خصمه هو أكثر الطغاة تجبرا ممن لا يحلم بأن يتمكن حتى من الاقتراب من قصورهم في هذه الدنيا. بينما يدرك الملحد أنه لن يقتص لنفسه ولا لغيره في الدنيا، ولا أمل له أيضا في شيء بعد الموت، وهذا الخلل يكفي لنفي مزاعمه بالراحة والطمأنينة.

بالرغم من هذا، يحاجج البعض بأن الدول التي ينتشر فيها الإلحاد هي التي تتمتع شعوبها بأعلى قدر من السعادة، مثل الدول الإسكندنافية، وذلك بحسب العديد من استطلاعات الرأي التي تجريها بعض الجهات الإعلامية وفقا لمؤشرات عديدة، مثل الشعور بالأمن وتوفر الخدمات الأساسية، وسيادة القانون والديمقراطية وحرية التعبير. لكن هذه المؤشرات لا تتعلق غالبا بمدى الرضا النفسي لدى الأفراد، بل تهتم بمؤشرات الرفاه المتعلقة بالحاجات الأساسية لدى الإنسان ومدى إشباعها، وهي حاجات مادية واجتماعية فقط.

والأهم من ذلك أن استطلاعات الرأي المتعلقة بالسعادة الشخصية (الرضا) تقدم نتائج متباينة جدا بسبب اختلاف معاييرها، فعلى سبيل المثال نشرت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية في 9 يناير/كانون الثاني 2016 استطلاعا للرأي أجراه معهد “غالوب” الأميركي عن الدول الأكثر سعادة في العالم، فجاءت الدول العشرة الأولى بالترتيب التالي من الأسعد إلى الأقل سعادة: كولومبيا، فيجي، السعودية، أذربيجان، فيتنام، الأرجنتين، بنما، المكسيك، الإكوادور، وأخيرا الصين وأيسلندا معا في المركز العاشر.

وقد أبدت الصحيفة اندهاشها الكبير من هذه النتائج، فمعظم هذه الدول تعاني من أزمات تنموية ومشاكل في مجال حقوق الإنسان، بل تفتقر المدن الكبرى في الدولة الأولى (كولومبيا) لأبسط مقومات الأمن والسلامة نظرا لانتشار العصابات والفساد الحكومي، بينما جاءت الدولة الأوروبية الوحيدة (أيسلندا) في آخر قائمة الدول العشر.

أما المرتبة الأخيرة في هذه القائمة التي شملت ثمانية وستين دولة، فكانت من نصيب فرنسا وإيطاليا معا، وجاءت اليونان قبلهما.

وقد يزداد القارئ دهشة إذا علم أن الصحيفة نشرت قائمة أخرى بعنوان “الدول الأكثر تفاؤلا”، حيث تصدّرتها دولة إفريقية حافلة بالمشاكل هي نيجيريا.

ولكي تتضح الصورة من كل جوانبها، جاءت نيجيريا نفسها في المرتبة الثامنة والسبعين على قائمة الدول الأكثر سعادة بحسب “تقرير السعادة العالمي” عام 2015، وهو التقرير السنوي الأكثر شهرة. وبما أنه يعتمد على معايير مادية بحتة وليس على استطلاع لرأي الناس أنفسهم حول مشاعرهم ومدى رضاهم عن الحياة؛ فإن الدول الغربية هي التي تتصدر قائمته كل سنة.

ومع أن الإحصاءات السابقة لم تستطلع علاقة الدين بالسعادة، فربما نجد في استطلاع آخر أجرته منظمة “بارم” Barem التركية ومؤسسة غالوب مؤشرًا على أن الشعوب الأكثر سعادة هي التي تقل فيها نسبة الإلحاد، حيث سُئل أكثر من 66 ألف شخص في 67 دولة (لا توجد بينها دولة عربية) عن مدى تدينهم أو عدم التدين أو الإلحاد، وتبين أن الشعوب التي تقل فيها نسبة الإلحاد هي من الشعوب العشرة الأكثر سعادة بحسب استطلاع صحيفة “الإندبندنت” السابق.

ومع ذلك، إذا افترضنا جدلا أن الدول التي تشهد أعلى نسب الإلحاد بين شعوبها هي التي تتصدر فعلا قوائم السعادة بكل المعايير، فلا ننسى أن هذه الدول لم تحقق نجاحها الاقتصادي والتنموي بسبب الإلحاد واللادينية، بل أقامت نهضتها على جملة من العوامل والمتغيرات التاريخية المعقدة، والتي لا نجد الإلحاد من بينها، فالثروة التي بنت عليها أوروبا اقتصادها الحالي هي في معظمها خيرات القارات الأخرى المنهوبة منذ بدء ما يسمى بعصر الاكتشافات الجغرافية في القرن السادس عشر، ومرورا بالاستعمار والاحتلال المباشر في القرنين الأخيرين، وصولا إلى رأسمالية الشركات العابرة للحدود القائمة اليوم. وعندما اعتمدت أوروبا النظام الرأسمالي إبان الثورة الصناعية كان الدين من أهم المحفزات على العمل والنجاح الاقتصادي، وهذا ما يؤكده ماكس فيبر في كتابه “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” الصادر عام 1905.

أما الإلحاد الشائع اليوم في الغرب فلم يتحول إلى ظاهرة جماعية إلا بعد أن استقر النظام العالمي على ما هو عليه، وبعد أن تحولت معظم ثروات العالم إلى تلك البقعة الصغيرة التي لا يسكنها أكثر من عُشر سكان الكوكب، وبعد إبادة عشرات الملايين من السكان الأصليين في أمريكا الشمالية وأستراليا تزامنا مع استعباد عشرات الملايين من العمال والمزارعين بعد شحنهم كالحيوانات من أفريقيا.

فالإلحاد إذن ليس هو سبب سعادة الإنسان الذي يعيش على أنقاض تلك الوحشية المنسية، بل هو أحد أعراض الخواء الروحي الذي جاء كنتيجة حتمية للعلمانية المادية الشاملة، وهو حالة مرَضية شاذة في تاريخ الأمم، وانتكاسة للجنس البشري بعد إغراقه في شرعنة النهب والإبادة والاستعباد.

خلال إحدى جولاته للترويج لأفلامه، قال المخرج والممثل الهوليودي وودي آلان للصحفيين إن صناعة الأفلام هي وسيلته لإلهاء عقله عن التفكير في القضايا الوجودية الكبرى، وإنه يهدف أيضا لإلهاء الناس بالأفلام التي يقدمها لهم كي لا ينشغلوا بالتفكير والقلق، لأنه يرى أن الدنيا إلى زوال وأنه لن يبقى هناك شيء بعد الموت.

وهذه نتيجة حتمية لمن لا يؤمن بالبعث والحساب ولا يطمح إلى الخلود في الجنة، فليس هناك حل للقلق الذي يعصف بالإنسان الملحد أو اللاديني سوى بإلهاء عقله، مع علمه بأنه مجرد إلهاء مؤقت.

ومن الجدير بالذكر أن هذا الاعتقاد ليس محصورا بالملحدين واللادينيين فقط، بل يشاركهم فيه كثير من اليهود والمسيحيين البروتستانت الذين لا يؤمنون بالبعث، فسعادتهم لن تتجاوز ما يتمكنون من تحصيله في هذه الدنيا الفانية.

الأخلاق سابقة على الدين، فقد وجدت قبل الأديان الإبراهيمية، والملحدون يتمتعون بنظام أخلاقي كامل، ولديهم الوازع الذاتي والمثل العليا دون حاجة للإيمان بإله يحاسبهم، فلماذا يقول المؤمنون إن الدين ضروري للأخلاق؟

المقولة الشائعة التي ابتدأ بها السؤال هي مغالطة تاريخية وليست حقيقة، فقد بيّنا في مقال الوثنية أن الأصل هو الدين وليس الوثنية، فالدين ابتدأ مع الإنسان الأول آدم وليس مع إبراهيم عليهما السلام، وشرائع ورسالات الأنبياء كلها كانت تجدد العهد الأول من الله تعالى لآدم، فالأخلاق ليست اختراعا ولا اكتشافا، بل نظام محدد ومنضبط نزل به الوحي مع نزول الإنسان نفسه إلى الأرض.

وما قلناه في الجواب على السؤال السابق بشأن نشوء ظاهرة الإلحاد الحديثة والشاذة يقال هنا أيضا، فالملحدون الذين يتباهون بنظامهم الأخلاقي لا يدركون أنهم يتحدثون عن ميراث أخلاقي أخذوه بالكامل عن آبائهم المؤمنين، فالمجتمعات الغربية التي يقال إن نسبة الإلحاد في بعضها تتجاوز نصف السكان ما زال الدين فيها قائماً مهما تراجع، وما زال ظهور الإلحاد فيها -كظاهرة عامة- حديثاً للغاية ولا يقارن أثره التراكمي على العقول والنفوس بأثر المسيحية واليهودية اللتين تعدان حتى اليوم عاملا جوهريا في تشكيل الثقافة الأوروبية، وفي الخلفية الأخلاقية بطبيعة الحال.

وإذا أردنا تقييم دور الإلحاد كنظام شامل للحياة في الأخلاق فعلينا أن نجد أولا مجتمعا ملحدا بالكامل ولم يتشرب الثقافة الدينية عبر أجيال طويلة، ثم نُخضع أخلاق هذا المجتمع للبحث العلمي لنتحقق من مزاعم نشوء الأخلاق من العقل المجرد دون حاجة للوحي.

والعثور على مجتمع كهذا مستحيل عمليا، فحتى القبائل المعزولة في الغابات النائية تمتلك عقائد وأساطير دينية وسحرية، ولا يمكن لأي باحث أن يجزم بأن هذه الأديان “البدائية” قد تولدت عن عقول أجدادهم لأنه لا يوجد تاريخ مكتوب أو شفوي لأصول هذه الأديان، لذا يؤمن بعض الباحثين الملحدين باحتمال ورود الأديان نفسها من كائنات فضائية، لعدم إيمانهم بوجود إله ولا ملائكة ولا شياطين، وهذا الاحتمال -الممكن عقليا وعلميا- يعني أنه لا يحق لأي باحث أن يجزم بأن الأديان، وبما فيها الأخلاق، قد نشأت حتما عن العقل البشري وحده دون مصدر خارجي.

وبالعودة إلى الوحي المحفوظ من التحريف، نجد ما يؤكد أن الأمم كلها تلقت نصيبها من الوحي الإلهي، حيث يقول القرآن الكريم {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا} [النحل: 36]، ما يعني أن الأخلاق المتبقية في ثقافة الشعوب المعزولة هي ميراثها المتبقي من الدين قبل تحريفه.

وعبر كل قرون التاريخ المكتوب، لا نجد مجتمعا إلحاديا واحدا أقام عقيدته ونظامه الأخلاقي بالكامل على المادية المطلقة، فحتى الأساطير التي استبعدت فكرة الإله الخالق لم تجنح نحو المادية بل آمنت بوجود “حقيقة مطلقة” مفارقة للعالم المادي، وتخيلت وجود عوالم روحية أكثر رقيا، وزعمت استمداد الأخلاق والمثل من تلك العوالم المثالية.

وعندما حاول أبيقور اليوناني إقامة فلسفة مادية إلحادية تتخلى عن الآلهة والغيبيات، لم يستطع وضع نظام أخلاقي سليم يهذّب الإنسان المفعم بالشهوة، فحاول جاهدا أن يفلسف اللذات الحسية ويضفي عليها بعدا أخلاقيا، معتبرا أن السعادة تكمن في اللذة، إلا أنه اضطر إلى إيجاد مفهوم أخلاقي يضبط هذه اللذة كي لا يتحول الإنسان إلى عبد لها، فنصح أتباعه بالاستمتاع بسكينة العقل التي سماها “أتاراكسيا”، وانتهى به الأمر إلى مطالبتهم بتقديم اللذات الروحية على الحسية. لذا سارع تلاميذه بعد موته إلى إزالة هذا التناقض وحذف اللذات الروحية من المعادلة، لأن الإلحاد لا يتناسب أصلا إلا مع المتع الحسية، وتحولت هذه الفلسفة تلقائيا إلى مجرد تقليعة للخلاعة والمجون وليست فلسفة ولا بديلا للدين، ولا يمكن لأي حضارة أن تعتمد عليها لبناء مجتمع متماسك.

وعندما عاد الإلحاد للانتشار في الغرب، كادت الحضارة الحديثة أن تقع في هذا التناقض المفزع، وقدّم عدة فلاسفة ملحدين أطروحات متناقضة بحثا عن أصل فلسفي للأخلاق تتسق مع افتراضهم المسبق بعدم وجود إله، ووصل الأمر بالبعض إلى العدمية التي كان من الممكن أن توقع الغرب كله في مأزق لو قُدر لها الانتشار، إلى أن طرح الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في القرن التاسع عشر فلسفته الأخلاقية التي تفترض وجود مبدأ اسمه الواجب، معتبرا أن الإنسان يلتزم بالأخلاق النبيلة بدافع ذاتي عقلاني، وهو لم يحلّ بذلك معضلة الأصل المثالي المتعالي لهذا الوازع الذي لا يمكن أن ينشأ لوحده في عالم المادة، فكل ما فعله كانط هو أنه أعاد الاعتبار للأخلاق المسيحية ولكن في إطار علماني، لا سيما وأن كانط نفسه نشأ في عائلة شديدة التدين واستمد خلفيته الثقافية من تربيته الدينية، وما زالت فلسفته الأخلاقية هي السائدة في الغرب اليوم لأنها الحامل الفكري الوحيد المتبقي للأخلاق في العالم المادي، مع أنها ليست سوى محاولة لإعادة صياغة الأخلاق الدينية بعبارات جديدة.

والأمر نفسه ينطبق على الدول الشيوعية التي جربت تطبيق الإلحاد المتطرف وفرضته على الشعوب في القرن العشرين، فالأنظمة الدكتاتورية هناك فرضت نظاما أخلاقيا صارما للحفاظ على تماسك المجتمع، ولم تترك الناس ليستمدوا أي وازع من عالم المادة، فالإلحاد لا يمكنه أن يصمد أمام إلحاح الشهوات عندما يقتنع الإنسان بأن حياته القصيرة هي كل شيء، وإذا كان بضعة فلاسفة ملحدين قد نجحوا فعلا في ضبط نزواتهم الجسدية والنفسية فإن تجربتهم لا يمكن أن تعمم على عوام الناس، لا سيما إذا اقتنعوا بأنه ليس هناك إله مطلع على كل أعمالهم، بل حتى على قلوبهم ونواياهم.

في عام 1963 أجرى عالم النفس الاجتماعي الأميركي ستانلي ملغرام تجربة مشهورة حملت اسمه، الهدف منها قياس مدى استعداد الناس للطاعة حتى عندما تتناقض أوامر السلطة مع ضمائرهم، فطلب ملغرام من أربعين مشاركا طرح أسلئة على شخص موجود في غرفة أخرى عبر جهاز اتصال، وأخبرهم أن هذا الشخص يجلس على كرسي كهربائي، وأن كل إجابة خاطئة يقدمها ذاك الشخص ستؤدي إلى صعقه بصدمة كهربائية، وستزداد قوة الصدمة تلقائيا مع توالي الإجابات الخاطئة، ولم يعرف المشاركون في التجربة أن الشخص الآخر كان ممثلا وأن صرخاته وتوسلاته مع كل صدمة لم تكن حقيقية.

كان المشرف على التجربة يوجه تنبيهات جادة للمشاركين كلما أبدوا رغبتهم في التوقف، ويطالبهم بصيغة تتضمن نوعا من الأوامر أن يواصلوا، مع أنه ترك لهم حرية الإصرار على التوقف إذا أرادوا، كما أخبرهم ملغرام أن التجربة ستنتهي تلقائيا عندما تصل قوة الصدمة إلى 450 فولت.

المفاجأة أن 65% من المشاركين استمروا بصعق الرجل وصولا إلى الصدمة القصوى، ولم يقم أي منهم بمغادرة الغرفة للتحقق من سلامة الشخص الآخر في الغرفة المجاورة مع أنه كان يصرخ بشدة، بل لم يصل الأمر بالذين رفضوا المتابعة أن يطالبوا المشرف بإلغاء التجربة نهائياً. والسبب لا يقتصر فقط على أنهم كانوا ينصاعون للأوامر، بل لأن المشرف كان يؤكد باستمرار أنه هو الوحيد الذي يتحمل المسؤولية، وعندما كان بعضهم يسألونه مجددا عما إذا كانوا مسؤولين عن أي أضرار تصيب الرجل المسكين أو حتى موته كان يجيب بكل صرامة أنه هو المسؤول الوحيد بموجب عقد تم توقيعه مسبقا مع المشاركين.

فيديو توضيحي لتجربة ملغرام

أجريت تجارب أخرى عديدة مماثلة، وتم الاستنتاج أن الإنسان العادي يكاد يفقد وازعه الأخلاقي عندما يعلم أنه لن يحاسبه أحد، وأثبتت التجربة أيضا -بشكل غير معلن- أن الإنسان الغربي الذي نشأ على العلمانية الشاملة لم يعد يفكر بوجود إله يراقبه ويحاسبه على إيذاء شخص آخر، فلم يعد يخشى سوى سلطة الدولة.

بعد نحو خمسين سنة على إجراء التجربة، ازداد الانهيار الأخلاقي في الغرب بسرعة مرعبة، حيث تنتشر في السنوات الأخيرة عبر موقع يوتيوب عشرات المشاهد المصورة بكاميرات خفية لتجارب يجريها هواة، فضلا عن برامج تلفزيونية احترافية، رُصدت فيها ردود فعل مئات الناس في مجتمعات غربية إزاء بعض القضايا الأخلاقية، مثل طفل يدعي أنه فقير وهو يرتجف بقميص صفيق في شتاء نيويورك فلا يجد أحدا يساعده، وشخص يتظاهر بأنه مصاب بنوبة قلبية وهو ملقى على الرصيف لعدة ساعات دون أن يتوقف أحد المارة لينقذ حياته، وشخص يتظاهر بالعمى ويطلب مساعدة المارة بتحويل ورقة من فئة المئة دولار إلى “فكّة” فيتعرض لعدة محاولات سرقة.

تجربة اجتماعية لاكتشاف ردود أفعال المارة إزاء طفل يعاني من البرد

كما أثبتت تجارب أخرى مصورة بكاميرات خفية انتشار ظواهر خطيرة في شوارع عدة مدن غربية، مثل التحرش بالجنسين، والتعصب ضد الأقليات، وعقوق الوالدين، بل أظهرت أن غالبية الناس لا تجرؤ على تغيير المنكر عندما ترى شخصا يتعرض للضرب أو الاحتيال مثلا.

في المقابل، أظهرت تجارب مماثلة أجريت في مدن عربية عدة وبثتها عدة قنوات فضائية، وانتشر بعضها على الإنترنت من قبل هواة، أن الوازع الأخلاقي في المجتمع المسلم أقوى بكثير من مثيله في الغرب، وذلك بالرغم من التراجع الشديد لأثر الدين في حياة الناس اليوم.

ولكي تكون المقارنة أكثر مصداقية بين الشرق والغرب، فيجب على الباحث أن ينتبه إلى أن كثيرا من المجتمعات العربية والمسلمة تعاني من أزمات اقتصادية وأمنية خانقة، بينما يسود الرخاء والأمن في المجتمع الغربي غالبا. وفي كل الاضطرابات التي شهدتها بعض الدول الغربية خلال السنوات الأخيرة نرى انهيارا سريعا للأخلاق، وانتشارا لأعمال النهب والشغب، كما جسدت السينما الغربية في أفلام كثيرة هذه الصورة المرعبة لانحدار المجتمعات المتحضرة نحو الوحشية فور وقوع أي كارثة.

ولو عدنا بالزمن قليلا لدراسة أخلاق المجتمعات الغربية إبان الثورات والحربين العالميتين وأزمات الكساد الكبرى في القرن العشرين فقط، لتغيرت نظرتنا جذريا تجاه كل ما يقال عن تحضر تلك المجتمعات، فعندما نحذف من ثقافة مجتمع ما عقيدة البعث والحساب الأخروي، ونستبعد تماما فكرة مراقبة الله للإنسان، فهذا يعني أننا نضعه أمام سلطة واحدة فقط هي سلطة الدولة، وبما أن الدولة (مهما تغوّلت) لن تستطيع أن تراقب كل فرد وفي كل مكان وزمان، فما هو الوازع البديل إذن؟ وما الذي يبقى من الأخلاق في مجتمع كهذا؟