مقالات

الإعجاز التشريعي للقرآن الكريم

إذا شئت أن تصل إلى يقينٍ تامٍّ بأن التشريع الذي يحمله القرآن الكريم بين دفتيه يصل إلى حد الإعجاز، فانظر إلى المجتمعات النائية واقترب من أهلها، فإنك ستجدُ أن قوانيناً بسيطةً تحكمها، إذ لن تجد حياتهم تعقيدات تستلزمُ تشريعاً كاملاً مفصِّلاً لا يدعُ مسألةً صغيرةً أو كبيرةً قائمةً أو لم تولد بعد إلا ويشرِّعها، وهذا ينبئك بأن القرآن الكريم معجزٌ في تشريعه قادمٌ من السماء.

تبدأ المجتمعات بطلب العلم والحث عليه ونشره بين أفرادها، فتشكّل به ثقافةً، وتحقق بها ازدهارا، فتكثرُ مسائلها وتتشعبُ أمورها، وهذا من ثمرة التقدم والتطور، فتجدُ حينها بأنها محتاجةٌ إلى تشريعٍ كاملٍ لا يترك مسألةً إلا ويجد لها حلاً عادلاً يرضي صاحب الحق ويقنع المطالَبُ بأداء الحق.

وهذا ما لم يحدث في الجزيرة العربية إذ كانت البداوة والبساطة يحكمانها، فلا علم ولا ازدهار ولا تقدم، بل جهلٌ وتخلفٌ وقبليةٌ، حتى وصف حالها كسرى يزدجرد مخاطباً النعمان بن مقرن قائلاً: “إني لا أعلمُ أمةً في الأرض كانت أشقى منكم ولا أقلَّ عدداً، ولا أشدَّ فُرقَةً، ولا أسوأ حالاً. وقد كُنَّا نكلُ أمركم إلى ولاة الضواحي فيأخذون لنا الطاعةَ منكم”.

وفجأةً ظهر فيهم تشريعٌ كاملٌ يضعُ حلولاً لمسائلَ واجهتهم ولمسائل أخرى لم يخطر ببالهم أن تواجههم، من الحقوق المدنية إلى الأحوال الشخصية مروراً برسم العلاقات الدولية وليس انتهاءً بوضع نظام السلم والحرب، وقد أشار إلى هذا المعنى الشيخ سعيد البوطي في كتابه من روائع القرآن.

أفيعقل أن يأتي بهذا التشريع أحدٌ من هذه القبائل المتناحرة؟ أم يُظن أن يكون مستمدا من الشرائع اليهودية، وأحبارها كانوا حريصين على ألا يتسرب شيءٌ منها؟ ألا فلينحي الجميع أهواءه جانباً وليقر بهذه الحقيقة التي لا تحتاج إلى إطالة فكر ونظر، ألا وهي أن هذا التشريع وحيٌ من السماء نزل به الروح الأمين على قلب من جاء رحمةً للعالمين.

وإذا كنتَ متعطشاً إلى مزيدٍ من اليقين فاعلم أنه ما من حكيمٍ أو فيلسوفٍ أو مصلحٍ اجتماعي قد أسس منظومةً محدودةً غرضها أن يحتكم الناس إليها إلا وأثبتت الأيام أنها تنطوي على شيءٍ من النقص والقصور أو الظلم والجور، ثم قارن هذا الواقع بالواقع الذي يخبرك بأن رجلاً أمياً لم يسافر في طلب العلم، بل ولم يشتهر قومه بالالتفات إلى علمٍ أو معرفةٍ قد جاءَ بمنظومةٍ تشريعيةٍ كاملةٍ قلبت المجتمع الذي حكَّمها رأساً على عقب وإليكم صورة ذلك على لسان النعمان بن مقرن في خطابه ليزدجرد: “إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا الشر وينهانا عنه. ووعدنا -إن أجبناه إلى ما دعانا إليه- أن يعطينا الله خيري الدنيا والآخرة. فما هو إلا قليل حتى بدَّل الله ضيقنا سعةً، وذلتنا عزة، وعداواتنا إخاءً ومرحمةً. وقد أمرنا أن ندعو الناس إلى ما فيه خيرهم وأن نبدأ بمن يجاورنا.

فنحن ندعوكم إلى الدخول في ديننا، وهو دينٌ حسَّن الحسن كلَّه وحضَّ عليه، وقبَّح القبيح كله وحذَّر منه. وهو ينقل معتنقيه من ظلام الكفر وجوره إلى نور الإيمان وعدله”.

ومن صور هذا التشريع والفوائد المرافقة له ما ذكره د. مصطفى مسلم في كتابه مباحث في إعجاز القرآن: “ففي الصلاة تربية الفرد على النظام وتلقي الأوامر من الرئيس المباشر (الإمام)، ولعل هذا المعنى أثر في نفس عدو الله رستم في القادسية عندما كان يراقب الجيش الإسلامي وهو يؤدي صلاة الجماعة صفوفاً خلف الإمام حيث قال: (لقد مزق عمر كبدي، يُعلِّم الأعراب النظام!).

وفي الزكاة قضاء على الحقد والبغضاء بين الطبقات وإشعار بتكافل المسلمين وتضامنهم.

وفي الصوم إشعار بوحدة الأمة وتعويد لها على الصبر وقوة الإرادة وتنمية مراقبة الله تعالى في السر والعلن.

وفي الحج إبراز المساواة بين الناس وتذكيرهم بالموقف الأكبر وإظهار للمساواة بين المسلمين، ووحدة أمتهم الإسلامية على اختلاف ألوانها وأجناسها وتحقيق لقوله تعالى: {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} [الأنبياء: 92].

إلى جانب تقوية صلة الفرد بالله سبحانه وتعالى وتزكية روحه والتسامي على الأهواء والنزوات المنحطة”. [مباحث في إعجاز القرآن: ص258].

ولقد تكلمنا بدايةً عن وجه الإعجاز الأول من كون التشريع سابقاً لكل تقدمٍ يأتي به، ومرافقاً لبداوةٍ وبساطةٍ وحياةٍ قبليةٍ لا تستلزمه، وعن الوجه الآخر له بأن جاء به فردٌ واحدٌ أميٌّ لم يشتهر بطلب علمٍ ولا بدراسة كتبٍ، أما عن كون هذا التشريع أهلاً للأخذ به أم ليس بأهل فذلك تحدده إجابةُ سؤال: من أتى به؟ أما وقد كان الجواب اليقين الحق الذي لا يقبلُ شكاً الله، واتبع هذا الجواب شيءٌ من فكرٍ قليل، فحينها سمعاً وطاعةً.

ومحور هذا الفكر أن الله الذي أتى به هو خالقنا من العدم، العالمُ بما يصلحنا وما يشقينا، فهو أدرى بالشكل الأمثل الذي ينبغي للأسر أن تسير عليه، ومن ثم النظام الأكمل الذي يجدر بالمجتمع أن يخضع له. وإذا أردت أن تنظر إلى صدق ما أقول، فاقرأ في كتب التاريخ الواصفة لمجتمع الصحابة والتابعين، وإن نظرت إلى كلامي بازدراءٍ، فإني أحيلك إلى ما كتبه المستشرقون المنصفون الذين لم يدينوا بالإسلام ولكن لم يجدوا من قول الحق مهرباً. وإن كنت من الذين لا يصدّقون إلا ما يرونه بأعينهم ناسفين علم التاريخ، فانظر في الأسر التي تطبق الإسلام بحذافيره، بما جاء فيه من أحكامٍ صغيرها وكبيرها، فإنك ستجدُ أسرةً تعيش حياةً هانئةً مطمئنةً، ثم قارنها بالأسر التي لا تعلم من الإسلام إلا اسمه أو تلك التي لا تعلم من الإسلامِ شيئاً، وفي هذا تذكرةٌ وبلاغٌ لمن أراد.

الدروس المستفادة من حوار إبراهيم مع أبيه وقومه في القرآن الكريم

الخلاف في هذا الكون سنة الله في خلقه، خلاف الآراء، والعقائد، والأفكار، والأذواق، قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118، 119].

ولأنَّ الخلاف منتشرٌ في كلِّ الأزمنة والأماكن كان لابد من وسيلة لنبذه أو التقليل منه، وهذا لا يكون إلا بالحوار، فالمتدبِّر للقصص القرآنية يرى أنَّ الحوار هيمن عليها، وهذا دليلٌ على أهمِّيَّة الحوار وفاعليَّته في الخطاب بين الناس.

فالحوار هو (مراجعة الكلام وتداوله بين طرفين، وعرَّفه بعضهم: بأنه نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين يتمُّ فيه تداول الكلام بينهما بطريقة متكافِئَةٍ، فلا يتأثُّر أحدهما دون الآخر، ويغلب عليه الهدوء والبعد عن الخصومة والتعصُّب)[1] .

فالأسلوب الجيد والأنفع لقبول الأفكار هو الحوار والجدال بالتي هي أحسن، قال سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ} [النحل: 125].

فلذلك أولى الإسلام الحوار أهميًّة فريدة، فترى القرآن الكريم حافلاً بالحوارات، إمَّا بين الله تعالى وبين عباده مثل حواره مع الملائكة، أو بين نبيٍّ وكافر مثل حوار إبراهيم مع أبيه، وغير ذلك من الحوارات.

نشأة إبراهيم عليه السلام
يروى عن ابن عبَّاس أن إبراهيم نشأ بغوطة دمشق، ولكنَّ الصحيح أنَّه نشأ في بابل في العراق وهذه الرواية الأصح[2]. وكان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام، وكان أبوه أيضًا مشركًا، وهذا ما ذكره القرآن الكريم، قال تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 52، 53].

وكان إبراهيم قد أوتي رشداً منذ صغره، قال سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء: 51]. وقد أوتي أسلوبًا بليغًا في الدعوة، وهذا ما ظهر في حواره مع قومه وأبيه، حين دعاهم إلى فطرة التوحيد ونبذ عبادة الأوثان، وتوجَّه إليهم بالبرهان السَّاطع، والحجَّة البالغة.

 دعوة إبراهيم لقومه
حتى تنال الدَّعوة القَبول يجب ان تبنى على أسس صحيحة ومتينة، ولا شكَّ أنَّ إبراهيم قد امتلك أدوات الحوار اللَّازمة، وهذا مهم لكل داعية (فبمقدار ما يكون الدَّاعية متمكناً من الحوار محيطاً بآدابه وأساليبه، يكون أقدر للنجاح في دعوته، ولذلك لا بدَّ من دراسة هذا الموضوع والعناية به وتأصيله، ومن ثمَّ الرجوع إليه بين الحين والآخر، ليحاكم الداعية طريقته في النقاش وأسلوبه في عرض الدعوة فيحسن أداءه ويصلح أخطاءه)[3] .

وفي خطاب إبراهيم لقومه تظهر أسسٌ عدَّة أقام حواره معهم على أساسها:

١-المحاججة وإقامة البينة: لا بدَّ لمن أراد الدعوة أن يقيم الحجَّة بالبرهان والبيِّنة، (يقول ابن القيم: إنَّ البينة ليست محصورة في شهادة الشهود بل هي إحدى أنواع البينة، فالبينة هي كل ما يبين الحق)[4].

وإبراهيم جاء قومه بالبينة والحجة المقنعة، ويتجلى خطاب الحجاج في سورة الشعراء: {إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون، قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين} [الشعراء ٧٠-٧١]، فسألهم سؤال المستنكر عليهم، ثم أتاهم بالبينة الصارمة: {قال هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون}[الشعراء ٧٢-٧٤]. فحينها بُهِتوا واقتنعوا بكلامه، وأقرُّوا بأنَّ الأصنام التي يعبدونها لا تسمع ولا تبصر، واحتجُّوا بأنَّهم وجدوا آباءهم يعكفون عليها، وبأنَّهم ظلُّوا على كفرهم كبرًا وعنادًا حتى مع إقامة الحجة عليهم، فحينها لجأ إبراهيم لأسلوب أخر لعله ينفع.

٢-الشدة والإنكار عليهم: بعد أن لقي إبراهيم من قومه الغلظة والتكذيب كان لابدَّ من الشدة عليهم، وهذا ما أخبر عنه القرآن على لسان إبراهيم: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} [ الشعراء ٧٥-٧٧]. حينها ظهرت العداوة بين إبراهيم وقومه، فلم تنفع الشدة معهم، فانتقل لأسلوب جديد.

3-تغيير المنكر باليد: بعد أن صدَّ القوم عن دعوته قام إبراهيم متسلِّلًا إلى معابدهم فكسر الأصنام وأبقى الكبير فيهم، وبعد أن علموا بالأمر جاؤوا إليه واتَّهموه بذلك، ولكنَّه استثمر الموقف وأقام الحجَّة عليهم جميعًا، وهذا ما يصوِّره القرآن: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 62 – 65].

وهنا تظهر قوَّة الخطاب الإقناعي، وكيف استطاع إبراهيم أن يبهت القوم ويحاججهم، فكانت النتيجة أن عاقبه قومه وطالبوا بتحريقه ونصر الآلهة، {قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين} [الأنبياء ٦٨].

وبذلك يكون الحوار قد وصل إلى طريقٍ مسدود، لأنَّهم عاندوا إبراهيم، ورفضوا ما أتاهم به من الحق، لا لأنَّهم لم يقتنعوا بكلامه، بل بسبب كبرهم واستعلائهم على الحق.

دعوته لأبيه
بعد أن دعا إبراهيم قومه كان لابد من دعوة أبيه بِرًّاً به وإقامةً للحجَّة عليه، ولكن لابد من اختلاف أسس الدعوة معه.

كان والد إبراهيم في مقدمة عابدي الأصنام، بل كان ينحتها ويصنعها لقومه، فعزَّ ذلك على إبراهيم لأنَّه كان يحبُّه ويرغب بهدايته، وقرَّر مخاطبة أبيه بتلطُّفٍ وتتودُّدٍ، {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 42 -45].

فيتوجَّه له مشفِقًا عليه، ويحاول بما اصطفاه الله أن يبلِّغ ما أمره ربُّه بتبليغه، فقد جمع الله بإبراهيم الصديقية والنبوة، فهو الصادق في أقواله وأفعاله وأحواله وهو أفضل الأنبياء كلهم بعد محمد صلى الله عليه وسلم.

{يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم ٤٢]. ففي هذا إنكارٌ على أبيه وهو في الوقت نفسه إعلان ببطلان عبادة الأصنام العاجزة.

ثم توجَّه له قائلًأ: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [مريم ٤٣] وفي ذلك إعلامٌ بالنبوَّة التي خصَّه الله بها، فهو موحى إليه من ربِّه، ولا يتكلَّم بهوى نفسه.

ثم ينتقل في خطابه إلى النَّهي عن الشرك وعن اتباع الشيطان: {يا أبتِ لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا} [مريم٤٤]، فهو لم يعبد الشيطان بل عبد الأصنام، ولكن بعبادته لها كان قد استجاب لأمر الشيطان، وذلك كان في الخطاب نوع من التهويل والمبالغة لغرض التحذير والتخويف: {يا أبت إني أخاف أن يمسَّك عذاب من الرحمن}[مريم ٤٥]،وهنا تكمن البلاغة في أسلوبه الخطابي فلم يقل: سيصيبك عذاب من الله ولكن أشعره أنه خائف عليه ليستميل قلبه، فهو يستعمل الخطاب العاطفي مع الخطاب العقلي لغرض التأثير والإقناع.

فماذا كان جواب آزر بعد هذا الخطاب البليغ؟

ما كان منه إلا أن غضب وقال: {أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنتهِ لأرجمنك واهجرني مَليا} [مريم ٤٦].

فقد رد عليه بغلظة وأجابه إجابةُ فظَّة بسبب الكبر الذي أعمى قلبه، ولكن لم يترك إبراهيم الدعوة مع كل هذه الظروف بل صبر، وأراد تغيير الواقع بآلية أخرى تمهِّد لحوار جديد، وهي تحطيم الأصنام كما تمَّ ذكره سابقًا، حيث كانت خطوة مهمة، لأنَّ الهدم أوَّل خطوة للبناء، فكان لا بدَّ أن يهدم معتقدهم ليقيم لهم معتقدًا آخر صحيحًا.

بعض الدروس والعبر
تجلَّت في حوار إبراهيم مع أبيه وقومه في القرآن الكريم دروسٌ كثيرة، من الأهمِّيَّة عرض بعضها، ومن ذلك:

١-ضرورة الصدع بالحق: فما النفع إن كان الإنسان يعلم الحق ويخفيه؟ فهذا إبراهيم صدع بالحق ووقف بوجه قومه وأبيه.

٢- اتخاذ الأساليب يكون حسب رؤية الداعية : فأسلوب إبراهيم اختلف بين قومه وأبيه، فهو مع قومه كان في العموم أشدَّ منه مع أبيه، حيث رقَّق في بعض المواقف خطابه لأبيه تألُّفًا له وتليينًا لقلبه.

٣-كل من يحمل دعوة فإنه معرّض للخطر والإيذاء، فهذا إبراهيم قد حاربه قومه وآذوه وشتموه وانتهى بهم المطاف لرميه في النَّار.

٤-الصبر على الدعوة، فلا ينبغي للداعية ترك الدعوة إن رأى قومه لا يستجيبون له، وهذا ما قام به إبراهيم حين هدَّده أبوه فأجابه إبراهيم: {سلام عليك سأستغفر لك ربي}.

٥-الهداية من عند الله تعالى، فعلى الداعية أن يدعوَ إلى الله، وعلى الله الهداية، فرغم كلِّ محاولات إبراهيم لهداية أبيه إلا أنَّ أباه رفض دعوته، وتكبَّر عليها.

٦-جاهزيّة الداعية للرَّدِّ على دعوات المبطلين وشبهاتهم بما يتوفَّر له من أدوات وطرق للإقناع، فإبراهيم حاول التوجُّه بخطاب عقلاني للقوم، ثم بعد التكذيب حاول تغيير الواقع بيده عبر تكسير الأصنام، قال تعالى: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 80].

7- دِينُ المسلم أعظم من الأرحام والأحباب والمكاسب، فإن خُيِّر المسلم بين دينه ودنياه فعليه اختيار الدِّين لأنَّ فيه صلاح دنياه وآخرته، وهذا ما فعله إبراهيم.

خاتمة
وهكذا كان إبراهيم بدعوته مدرسة في الحوار، ورمزاً من رموز الخطاب، فصحيح أنه لم يستجب له إلا القليل من قومه ولكنَّ الله أثنى عليه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [النحل: 120] لأنَّه واجه الباطل وحده، وحطَّمه بيده، وتبرأ منه ومن أصحابه، وعلى الداعية أن يتدبَّر الأساليب الدعوية التي توخَّاها إبراهيم ليحاجج قومه، حتَّى يكون على نهجه وطريقته.


[1] الحوار آدابه وضوابطه في ضوء الكتاب والسُّنَّة، يحيى بن محمَّد حسن بن أحمد زمزمي، دار التَّربية والتُّراث، مكَّة المكرَّمة، ط1، 1414هـ-1994م، ص22.

[2] قصص الأنبياء، ابن كثير، تح: مصطفى عبد الواحد، مكتبة الطالب الجامعي، مكَّة المكرَّمة، ط3، 1408هـ-1988م، ص156.

[3] الحوار آدابه وضوابطه في ضوء الكتاب والسُّنَّة، ص32.

[4] الحصانة كأساس لرفض البيِّنة المقبولة في الإثبات، أسماء الحمزة، تح: حافظ الشيخ الزاكي، جامعة الخرطوم، د.ط، 1425هـ-2004م، ص14.

الحوار القرآني

لقد تعددت وتنوعت أشكال الحوار في القرآن الكريم، واختلفت مواضيعها وحملت عبراً كثيرة، فمنذ بدء الخليقة يحاور الله ملائكته الكرام عليهم السلام، ويحاور إبليس الذي كان يتوعد بإضلال البشرية، وكذلك نجد الأنبياء يحاورون أقوامهم ويقدمون أحكم الحجج المنطقية والعقلية في سبيل إقناعهم برسالتهم وصدق دعوتهم.

والقرآن الكريم كتاب رباني لهداية البشر من الضلال إلى النور ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ويعتمد على الحوار بشكل أساسي للإقناع، ولوضع الحجة على الرقاب، ثم يُحاسب البشر عما فرطوا فيه وأنكروا، وهذا أكبر دليل على حرية التفكير البشري.

 وبالإضافة إلى ذلك فإنه يحاور قارئه أيضاً فيسأله التأمل والتمعن في عظمة خلق الله في الكون كما في قوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ(21)} [الذاريات:20]، وفي حين آخر يستفزه ويثيره بالأسئلة عن حقيقة وجوده وكيانه: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ(35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ(36)} [الطور:34-35]، وينكر على أهل الضلال أقوالهم ودعاويهم الباطلة فيقول: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111].

بطريقة ما هذا القرآن الذي كتبه [المؤلف حيث يتحدث عن مرحلة ما قبل إسلامه] فيه أسلوب من نوع مختلف يجرك لحوار مع النص.   جيفري لانغ

منهج الحوار القرآني
1.الاستناد إلى العلم
العلم في المصطلح القرآني والفلسفة الإسلامية هو ما يعرفه العلماء بأنه “إدراك الشيء على ما هو عليه بدليل منضبط بقواعد المنطق وأصوله”[1]. والاستناد إلى العلم يعني اعتماد المنهج التوثيقي المنبثق من كل واقع مصحوبا بأدلته الدامغة المسكتة أو “المخرسة” أحياناً.

ويتجلى هذا المعنى في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف:81]، و”إن” هنا شرطية، أي إن تحقق الافتراض الأول يتحقق الثاني، ولكن الافتراض الأول وهو أن يكون لله ولد محال، أي أنني كنت قد اتفقت معك بالإيمان بالشرك لو توافرت الأدلة العلمية على ذلك، ولكن الأمر أنه لا ولد له ولا بنت ولا ملاك ولا شيء، واحد أحد فرد صمد يقيناً لا ظناً، وفي هذا السبك بلاغة عظيمة، لأنه لا يلجم الخصم فقط بل يعلمه أسس التفكير الصحيح وعدم الانحياز لجهة معينة فقط بسبب انتمائه إليها.

وقد كثرت الشواهد على هذا المعنى في القرآن الكريم، فنلحظ أن الله دائماً يطلب من المخالفين إظهار البراهين العلمية وعدم الركون إلى الأمور الظنية: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام:148]، ويردد دائماً على كل من يزعم ويدعي معتقدات باطلة {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}.

2.إيجاد نقاط الاتفاق
يقول تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]. يقول الزحيلي في تفسير هذه الآية: “قل يا محمد: يا أهل الكتاب -وهم اليهود والنصارى جميعاً- أقبلوا وهلموا إلى كلمةٍ عادلة وسطى سواء بين الفريقين اتفقت عليها جميع الشرائع والرسل والكتب التي أنزلت إليهم، فأمرت بها الصحف والكتب الأربعة: التوراة والزبور والإنجيل والقرآن وهي كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وعبادة الله وتفويض سلطة التشريع والتحليل والتحريم إليه، وعدم الشرك به شيئاً، وعدم اتخاذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ، كالوثن والصليب والصنم والطاغوت والنار”[2].

فالبحث عن نقاط الاتفاق يسهل لنا الحوار ويمكِّننا من تحديد نقاط الاختلاف، فعند النقاش مثلاً في مسألة العلمانية، يفيد جداً معرفة ما إذا كنت تؤمن بالله أم لا، وما إن كانت للقرآن حجية عندك، وهذا يجعل من الحوار أكثر دقة وأغزر فائدة.

3.الابتعاد عن مجاملة الخصوم
حيث نذكر هذا هنا في محاولة لوصف ما اعترى أسلوب التفكير الإسلامي الحديث بسبب الشعور العارم بالهزيمة أمام الحضارة الغربية، فأي إعجاز علمي -بغض النظر عن صحته- صار مقبولاً، أي عالم غربي أو حتى مغنية يؤمن، يصبح من كبريات الحجج الإسلامية، بل صار البعض يخجل حتى من ذكر أسماء علماء السلف ويحاول ليَّ عنق النصوص لتناسب أهواءه، وأيضاً هناك الحالة النفسية التي تصيب البعض عندما لا يستطيع هداية أحدهم، من حزن وتحسر أو حتى خوف على خلوده في جهنم، وهذا غالباً ما يحدث مع الآباء عندما يرتد أبناؤهم فيصيبهم الاكتئاب وفقدان الثقة بالنفس وأحياناً التخلي عن العمل الدعوي، وقد كثرت الآيات التي تنبه على عدم نحو هذا السلوك، لأنه لا يورث في صدر الآخرين إلا الشعور بضعف وانهزامية هذا الدين وحتى استحقاراً لمن يدعو إليه، فيقول تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء} [القصص:56]، وفي موضع آخر: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6]، و”باخع نفسك” تعني قاتلها ومهلكها أو مجهدها”[3]، والآثار جمع أثر أي على إثر توليهم وإعراضهم[4]. فالجميع يمتلك حرية الاختيار التي مهما تأثرت بالمؤثرات الخارجية لا تنعدم، فنبوة نوح عليه السلام لم تمنع كفر ابنه ولا ادعاء فرعون الألوهية منع إيمان امرأته.

ومن هنا يجب علينا عدم دخول الحوار بنفس خائرة فاقدة الثقة بتاريخها وحضارتها وثقافتها، وأن لا نجامل أحداً في ديننا بل نكون واضحين وصادقين معه، ونظل حريصين مع ذلك على هدايته وإخراجه من الظلمات إلى النور، ولكن يبقى شعارنا في هذا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 105].   

نماذج من الحوار القرآني
1.مناظرة إبراهيم الخليل عليه السلام مع الملك:

قال تعالى: {ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258].

يذكر الله تعالى مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي ادعى لنفسه الربوبية، فأبطل الخليل عليه دليله، وبين كثرة جهله وقلة عقله، وألجمه الحجة، وأوضح له طريق المحاججة[5].

ولربما يكون هذا الحوار الأكثر ملاءمة لما نعيشه نحن أبناء القرن الواحد والعشرين، فقد صار باب طرح الأفكار مفتوحاً على مصراعيه لمن هو مؤهل ولمن ليس بأهل، بل صار إنكار البديهيات والمسلمات من أهم شعارات ما بعد الحداثة، التي ما هي إلا انتكاسة الفطرة إلى السفسطة.

فهنا يبدأ الحوار بقول إبراهيم: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}، متحدثاً عما أجمعت عليه البشرية بتفرد الله وحده بقدرة الإحياء والإماتة، فيرد عليه الملك بكل عجب ووقاحة: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}، يعني إذا أتي بالرجلين قد تحتم قتلهما، فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر فكأنه قد أحيا أحدهما وعفا عن الآخر[6].

وهذه قمة السفسطة وانعدام المنطق، فمن الواضح أن الإحياء والإماتة ليس بهذا الشكل، وردُّ إبراهيم عليه السلام لم يكن بإعادة شرح معنى الحياة والموت والدخول في تفاصيل كلامية ستجعل النقاش ضبابياً غير واضح، بل انتقل إلى دليل هو أكثر سطوعاً وقوة، حيث قال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، فقدرة الله واسعة لا تنحصر بالإحياء والإماتة، والظالم لنفسه وللآخرين، لن يكون منه إلا الكفر والضلال والتكبر على الحق ورفضه، ومثل هذا لا ينال الهداية بحال من الأحوال.

2.حوار قابيل وهابيل:
قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ(28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ(29)} [المائدة:27-29].

وفي هذا الحوار بين قابيل وأخيه هابيل نتعلم معاني التريث والهدوء، فرغم مصارحة قابيل أخاه بالقتل، لم يهتج لهذا وسارع مباشرة لتهديده بالمثل، بل أجابه بأن الله يتقبل لمن يتقيه ويخشاه، ونجد أن هابيل عوضاً عن أن يغضب ويتوعد، يحاول أن يحذر أخاه وينبهه ويرشده بطريقة غير مباشرة، وإن كان يتحدث بضمير المتكلم لا المخاطب، فالكلمات التي قالها له فيها استثارة لعواطف قابيل وفطرته، ودعوة له للتفكر جيداً قبل الإقدام على هذه الخطوة، التي ستكلفه دخول جهنم والخسارة في الدنيا والآخرة.

يقول الله تعالى بعد ذلك: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة:30]، فلربما تشير هذه الآية إلى أن قابيل قد حادث نفسه بالفعل جراء ما سمع، ولكنها مع ذلك  سوغت له فعلته وطاوعته على قتل أخيه، وبهذا فإنه سن سنة القتل وصار ذنب كل من قتل من بعده في عنقه، ويا لعظم هذا من خسارة.

يوم الفصل
لقد تعددت الآراء و المذاهب والأفكار والمعتقدات التي آمن بها البشر، وتنوعت طبائعها وخصائصها، وكلهم يرون أنهم أهل الحق وأصحابه والباقي أهل الضلال، ولهذا كان الحوار وسيلة من وسائل الوصول للحقيقة، ولا يعني هذا أن الناس سيصبحون على ملة واحدة بذلك، فالله سيفصل بيننا بالحق بعد كل هذا النقاش والجدال، وأن هذا ما هو إلا بلاء منه، فهو القائل: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة:48]، ونجد في موضع آخر أن الله سيسأل الناس عن البراهين التي سوغت شركهم بالله عز وجل فيقول: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون:117]، فهناك كما يبدو نوع من الحوار النهائي يوم القيامة، وبعد ذلك لن يعذب الله  كل من لم تقم عليه الحجة أو تبلغه الرسالة: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15].


الهوامش

[1] البوطي، محمد سعيد رمضان(سنة النشر غير معروفة).أدب الحوار في كتاب الله عز وجل. (مكان النشر غير معروف): نحو القمة للطباعة والنشر.

[2] الزحيلي، وهبة(2009). التفسير المنير ج2 ط10 ص275. دمشق، سوريا: دار الفكر.

[3] مخلوف، حسنين محمد (سنة النشر غير معروفة). وتفسير وبيان كلمات القرآن ص127. دمشق، سوريا: مكتبة دار الإحسان.

[4] الزحيلي، وهبة(2009). التفسير المنير ج 8 ط10 ص222. دمشق، سوريا: دار الفكر.

[5] ابن كثير، إسماعيل (2001)، قصص الأنبياء ط1 ص146. دمشق، سوريا: دار الفيحاء.

[6] ابن كثير. قصص الأنبياء ص147. مرجع سابق.

المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
وهبة الزحيلي، التفسير المنير، دار الفكر:2009.
ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار الكتب العلمية: 1998.
معن محمود عثمان ضمرة، الحوار في القرآن الكريم، جامعة النجاح الوطنية: 2005.
محمد متولي الشعراوي، قصص الأنبياء، دار القدس: 2006.
عبد الرحمن حبنكة، فقه الدعوة إلى الله، دار القلم:1996.
عبد الرحمن حبنكة، ضوابط المعرفة، دار القلم: 1993.
محمد سعيد رمضان البوطي، أدب الحوار في كتاب الله عز وجل، نحو القمة للطباعة والنشر.
ابن كثير، قصص الأنبياء، دار الفيحاء: 2001.
حسنين محمد مخلوف، تفسير وبيان كلمات القرآن، مكتبة دار الإحسان.

بلاغة الحوار في قصة إبراهيم عليه السلام

تتعانق الكلمات في قصيدة وتجلس بود في قطعة نثرية وتصطف بتجهم في رسالة أكاديمية، وتتسامى وتتخاصم، وما بين أسمال الزور وكساء الحق تظهر عوراتها أو تسدد لحاجاتها، فإن ارتقت مرتقى الرأي الحكيم والحوار السديد، سبقت حد الظباة، وأسنة الرماح، فبالكلمة انتصر ابن عباس رضي الله عنه على فئة الحرورية التي إن قوتلت استبسلت، ففصاحة العربي وقوة حجته ورجاحة عقله لا بد أن تستقي من نبع عظيم: {قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ}[1].

القرآن الكريم الذي تصغر أمامه كل الكلمات وتتماهى في حضرته جميع الحوارات، الفصاحة والصرامة، اللين والشدة، القول الذي يعقبه الفعل، وللرافعي إحساس عظيم بمكنونات كتاب كريم حيث قال واصفاً القرآن الكريم: “ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، تذكر الدنيا فمنها عمادها ونظامها، وتصف الآخرة فمنها جنتها وضرامها”[2].

فما بين الوصف اللغوي، والبنية المتناسقة تتجلى الحوارات القرآنية التي اختصت بالبلاغة والوضوح، وسلامة السبك ودقة التعبير، وعمق الفكرة، وحلاوة الإقناع لمن كان له لب حكيم، حيث أن الباطل يزهو وهو صغير، والحق يعلو وهو كبير، ومابين هذا وذاك تكون الحكمة والعقل الرشيد، ومن أوتي الرشد فقد أوتي الخير الكثير: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل}[3].

خليل الله وأبو الأنبياء عليه السلام، الذي أمسك جمرة فؤاده واطمأن أنها على هدى ولم يبالِ بعدها بشيء! {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هذه التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}[4]، إثارة الشك وطرح التساؤل وبيان الاستنكار، منهج النبي الكريم في قلب ميزان الكافرين على ذواتهم المختبأة تحت ظل تمثال! وفيء حجارة! بأسُ الروح الخاوية وجلدُ الباطل الواهي! وانطفاء البصيرة وتحسس آثار من سبق حتى ولو كانوا يمضون إلى الهاوية، لجأ سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى استنزاف الحجة وربط المنطق بواقع الحال واستفزاز صحوة القلوب، وصوت العقول.

وللإمام ابن كثير تفسير واضح وتأويل جميل، فيقول في معنى الآية الكريمة “إن الرشد الذي أوتي لسيدنا إبراهيم تمثل جلياً بالإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله عز وجل، حيث أنهم اعتكفوا لعبادتها واجتمعوا على حجارة لا تضر ولا تنفع”[5].

{قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ}[6]، الحجة السقيمة، التي تلعب على أوتار الزمن بلا تعب، كلما آن لها أن تموت لبى نداءها طائفة من ضعاف العقول فنصروها بقولهم هكذا كان آباؤنا وأجدادنا فاعلين، يعز عليهم كسر صنم الاعتياد، بفأس الحقيقة وساعد الإيمان، عبودية الطين للحجارة أي خواء هذا! بل أي عبادة تلك؟

{قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}، يقول الإمام السعدي رحمه في تفسير الآية الكريمة “من المعلوم أن فعل أحد من الخلق سوى الرسل، ليس بحجة، ولا تجوز به القدوة، خصوصاً في أصل الدين، وتوحيد رب العالمين، ولهذا قال لهم إبراهيم مضللاً الجميع، أي ضلال بين واضح وأي ضلال أبلغ من ضلالهم في الشرك وترك التوحيد وللتوضيح اللفظي أن ليس ما قلتم يصلح للتمسك به وقد اشتركتم مع من سبقكم في الضلال البين”[7].

 {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ}[8]، هكذا قال قوم إبراهيم -لما دعاهم إلى التوحيد- فهم يدركون أن الدين الحق لا يجتمع مع اللعب والباطل؛ وهذا ما يريده بعض المنهزمين أن تعيش الأمة بدين ملفق يجمع أنواعًا من اللعب والباطل مع شيء من الحق، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ}[9]، الحق أبلج والباطل لجلج، وهيهات أن يصبغوا حقنا بباطلهم وأن يدنسوا توحيدنا بشركهم، أراد قوم إبراهيم المفاصلة، فإما توكيد لدعوة الإيمان أو عودة لأهل الأوثان، ولم يعلموا بأن تلك المفاصلة لن تنجب سوى النصر.

{قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمٰوٰتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلٰى ذٰلِكُم مِّنَ الشّٰهِدِينَ}[10]، العقيدة التي انتصر لها سعد ففداه النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم “ارم سعد، فداك أبي وأمي”، التوحيد الذي ذاق حلاوته عمر بصدق الولاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم “الآن يا عمر”، الإسلام الذي أحبته سمية فنالت لقبا ناضل دونه الرجال، هذه الومضات تعلمنا أن خالق السماوات والأرض يهب الإيمان لقلوب حية، لأفئدة تنبض بعزة التوحيد والإسلام، ألقى خليل الله بحقيقة التوحيد أمام أعين المشركين وشهد لهم بذلك، فهل تعشى الأبصار ؟

{وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنٰمَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذٰذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)}[11]، بفأس الحق وساعد الإيمان، بهمة أمة، حُطمت الأصنام واساقطت حجارة الضلال، وتهاوى الباطل في ضعف، وبقي الفأس رمز الحرية من براثن الطغاة، أيقونة المؤمن القوي، الذي اهتدى فآمن فغيّر الفأس الذي ما كان لولا {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}[12].

أبقى خليل الله برهان حجته، كي يعلم من في قلبه حبة خردل من نور أن لا إله إلا الله، وأن لا حول ولا قوة بحجارة لا تدفع عن نفسها ولا عن أمثالها نفعا أوأذى.

{قَالُوا مَن فَعَلَ هٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ الظّٰلِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبْرٰهِيمُ (60)}[13]، يقول الإمام السعدي في تفسير الآيات “فحين رأوا ما حل بأصنامهم من الإهانة والخزي {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ْ} فرموا إبراهيم بالظلم الذي هم أولى به حيث كسرها ولم يدروا أن تكسيره لها من أفضل مناقبه ومن عدله وتوحيده، وإنما الظالم من اتخذها آلهة، وقد رأى ما يفعل بها )[14]، الفتى بعين قومه كان أمة كاملة، المقياس هُنَا أهمية الفرد وإمكانية تغييره لمعادلة الواقع وتبديل المعطيات المحسوسة بإدراك المرء ضرورة إحداث التغيير، بدءاً من هدم طواغيت الذات التي جُعلت أرباباً تُعبد من دون الله بالباطل، فمن غلب هوى نفسه وأمسك جمرة فؤاده يقلبها في كفه كيفما شاء، جُعلت الدنيا أمامه يُغالبها فيغلبُها، فتطوعُ له سيداً عليها قد كفر بأصنامها فأمسى حُراً يُمسك فأس حقه بيمناه، وفسيلة مجده بيسراه، لتطيح أوثان العبودية على وقع هُتاف فردٍ أصبح أُمَّة، وأما من عبدَ وركع وسجد لوحش ذاته الذي اقتات على بقية إنسانيته المتمثلة بحريته ونال من بصيص روحه الذي بهت وخفت فاختفى لأن النور لا يليق بالعبيد، هذا العبد لن تسوؤه عبوديته فهومن ينصب صنماً ويزينه لنفسه ومن ثم يبدأ بعبادته.

{قالوا ءَأَنتَ فَعَلْتَ هٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يٰٓإِبْرٰهِيمُ}[15]، أراد القوم التيقن والتثبت من الأمر، فسألوا النبي الكريم، وهنا كانت حلاوة الإجابة وبرهان الحق إذ قال: {بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ}[16].

المؤمن القوي الذي جمع الحجة والعمل، وضحى بروحه، في سبيل أن يهتدوا، أن يعلموا أن لا إله إلا الله، ما أثمن هذا الكلمات التي تراق على جنباتها الدماء الزكية التي تعبق إيمانا وتنفح توحيداً، أقام الحجة الواضحة، وألقى بالبرهان الجلي ولكنها تعمى القلوب التي في الصدور.

{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوٓا ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فٰعِلِينَ}[17]، ما كل مجادل يبحث عن الحق أويقبله، فإن إبراهيم أقام لقومه أقوى الحجج والبراهين على بطلان أصنامهم، ومع ذلك اتفقوا عناداً “حرقوه وانصروا آلهتكم”.

{قُلْنَا يٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلٰمًا عَلٰىٓ إِبْرٰهِيمَ}[18]، النداء الإلهي، الذي ربت على روح إبراهيم، حتى النار بشدتها وقسوة ملامحها غدت برداً عليه وسلاماً على روحه المنهكة من مقارعة أهل الباطل والجدال، الطمأنينة التي تنساب من ثنايا الآية الكريمة تجعل كل الخيبات والشتات في محراب المناجاة تضيء منها بواعث الاهتداء، يقول المفكر الشهيد سيد قطب “أنتم الأعلون اعتقادا وتصورا للحياة وأنتم الأعلون ارتباطا وصلة بالعلي الأعلى، وأنتم الأعلون منهجا وهدفا وغاية، وأنتم الأعلون قدوة ومكانا ونصرا”[19].

إن حقيقة التوحيد تكمن في كونه درب لا يعبّد إلا بالتضحيات، ففي كل مرة تغرقنا البلايا، وتتصرم من حولنا حبال الخلق السرابية، لن ينتشلنا سوى حبل الحق الممتد للسماء، لنعلم ونوقن أن الله يعلو ولا يعلى عليه.


الهوامش

[1] سورة غافر الآية 28

[2] تاريخ آداب العرب الصفحة 281

[3] سورة الأنبياء الآية 51

[4] سورة الأنبياء الآية 52

[5] تفسير ابن كثير الصفحة 326

[6] سورة الأنبياء الاية 53

[7] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان الصفحة 326

[8] سورة الأنبياء الاية 55

[9] سورة يونس الاية 32

[10] سورة الأنبياء الاية 56

[11] سورة الأنبياء الاية 57 والاية 58

[12] سورة النحل الاية 121

[13] سورة الأنبياء الاية 59 والاية 60

[14] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للامام السعدي الصفحة 327

[15] سورة الأنبياء الاية 62

[16] سورة الأنبياء الاية 63

[17] سورة الأنبياء الاية 68

[18] سورة الأنبياء الاية 69

[19] ظلال القرآن للأستاذ الشهيد سيد قطب في تفسير آية  ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون)

القرآن الكريم في الفكر الحداثي

يمثل الفكر الحداثي أحد الأفكار التي بدأت بالتأثير على الساحة العربية المعاصرة، فهو الفكر الذي أعاد دراسة التراث العربي والإسلامي على أنه مادة قابلة للدراسة الموضوعية بعيداً عن المبادئ والمقدسات الإسلامية، أو الأصول الدينية التي تنظم الحياة الفكرية للمسلمين.

وينظر الحداثيون إلى التراث الإسلامي على أنه تراث مقلوب يمشي على رأسه، ولابد من تعديله لكي يسير على قدميه، وأعلنوا عن نظريتهم المبتدعة في دراسة جديدة للتراث الإسلامي، وهم يحاولون جاهدين نزع الجانب المقدس والإلهي (اللاهوتي) في التراث الإسلامي.

وأن يُنزع التقديس من بعض الأقوال الفقهية للعلماء المسلمين قد يفهم، ومن يفعل ذلك قد يجد له سلفا من علماء الأمة الإسلامية الذين دعوا إلى التحرر من التقليد الأعمى، أما أن يسعى الحداثيون إلى نزع القدسية عن القرآن الكريم فهذا يشكل انقلاباً على المفاهيم الإسلامية، فبناءً على ذلك يكون النص القرآني كأي نص في جريدة أو مادة قانونية وضعت من قبل البشر، فلابد من تسليط الضوء على موقفهم من القرآن الكريم.

تعريف القرآن عند الحداثيين
عرف الحداثيون القرآن الكريم تعريفات متعددة، فعرفه حسن حنفي في كتابه دراسات فلسفية بأنه تجارب الأمم والشعوب على مدى التاريخ، التراكم المعرفي الإنساني الشامل المتحقق مع مراجعة العقل والفطرة وكما تبدو في الحكم والأمثال والمأثورات والآداب الشعبية [ص 103].

وعرفه كذلك في كتابه “دراسات إسلامية” بأنه “مجموعة من المواقف التي طرأت على الواقع الإسلامي الأول والتي استدعت حلولاً وكل موقف يمثل نمطاً مثالياً يمكن أن يتكرر في كل زمان ومكان” [ص 408].

وتناول حنفي القرآن الكريم ضمن مشروعه العلمي الذي وسمه بالتراث والتجديد، فكان لا يتناوله على أنه كتاب منزل من عند الله تعالى، بل على أنه تراث وتاريخ لأمة من الأمم؛ ويقصد بهذا التعريف أن الكتاب وتأويل ما جاء به من أحكام وغيرها ليست ثابتة ومستمرة بل متغيرة حسب الزمان والمكان، وتواكب التطور التشريعي الذي حصل في المجتمعات.

علي حرب

أهمية التأويل المنفلت
القضية الأساسية التي يسعى الحداثيون إلى ترسيخها في أذهان الناس أن كل شيء في النصوص القرآنية يحتمل التأويل، ومن الممكن صرفه عن ظاهره إلى المجاز، وبالتالي نستطيع أن نجعل من الإسلام ديناً مرناً نسقط الكثير من أصوله التي توارثها المسلمون عبر الأجيال، ويستطيع المسلمون من خلال التأويل في كل عصر أن يفصِّلوا إسلاماً يناسب مصالحهم.

يقول علي حرب في كتابه نقد النص: “مع أن مبرر كل مفكر جدير بلقبه أن يمارس التفكير بطريقة مغايرة للذين سبقوه إذا لم يشأ أن يكون مجرد شارح مبسط، أو تابع مقلد، أو حارس مدافع عن العقيدة والحقيقة، والتفكير بصورة مغايرة، يعني: أن نبدل وننسخ، أو نحرف ونحور، أو نزحزح ونقلب، أو ننقب ونكشف، أو نحفر ونفكك، أو نرمم ونطعِّم، أو نفسر ونؤول، فهذه وجوه للتفكير وللقراءة في النصوص لا أزعم أني أقوم بحصرها واستقصائها” [ص 133].

وعلي حرب بهذا النص يهدم كل الضوابط التي وضعها العلماء لاستنباط الأحكام أو تفسير القرآن، وبالتالي لا يوجد نص مقدس منزه عن التأويل، إذ ينظر إلى القرآن على أن التاريخ هو من أسبغ عليه صفة القدسية، لا تنزيله من قبل الله تعالى.

ووضح الحداثيون أنه من خلال التأويل يتم اختراق النص بأفق اجتهادي تجديدي، ومن خلاله نقيم التوازن بين القرآن وبين الواقع المتغير.

وقد استدل نصر حامد أبو زيد على ضرورة التأويل في كتابه “[مفهوم النص، ص 256] وجعله أصلاً، أنه مرادف للتفسير، وأن من السلف من استعملهما بذات المعنى، فالنص القرآني عنده وعند غيره من الحداثيين لا يمكن أن يحتمل معنى واحداً فقط، فهذا النص الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً لا وجود له في الأرض، وقد يكون موجوداً في السماء، فكل نص قابل للتأويل إلى أكثر من معنى، وفق فهم القارئ له.

محمد أركون

أنسنة القرآن ونزع قدسيته
صرح الحداثيون بأن الحديث عن القرآن الكريم وعن غيره من النصوص متساو، فلا استثناء للقرآن، ولا قدسية للنص القرآني، وقد بنوا على ذلك أنه لا توجد لألفاظ القرآن الكريم معان ثابتة، ولا دلالات ذاتية من الممكن الكشف عنها من خلال اللغة واحتمالاتها، بل التاريخ والواقع الاجتماعي هما من يكشف عن معنى النص، فالنص في نظرهم عبارة عن فضاء دلالي، وإمكان تأويلي، ومأزق القراءة في العقل العربي والإسلامي مرجعه إلى النظرة الأحادية لمعنى ألفاظ القرآن الكريم، فلا حقيقة ثابتة للنص، وبالتالي دراسة القرآن الكريم لابد أن تكون إنسانية تاريخية لا إلهية مقدسة (!)، وما دام النص القرآني إنساني فلا يجوز لإنسان احتكار المعنى الحق أو الصواب، فلكلٍ صوابه وحقه، وهذا ما يعني ضياع المعنى بين المؤولين أياً كانوا!

يقول محمد أركون في كتابه “القرآن من التفسير” إن “التقديس للكتب المقدسة خلع عليها وأسدل بواسطة عدد من الشعائر والطقوس والتلاعبات الفكرية الاستدلالية، ومناهج التفسير المتعلقة بكثير من الظروف المحسوسة المعروفة أو تمكن معرفتها، وأقصد الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية” [ص 26].

وهو لا يستثني القرآن من هذا الكلام، بل يعممه على جميع الكتب المقدسة، إلا أنه يستثنيه في قضية فرعية، وهي أن أسباب تقديس القرآن غطت عليها الظروف السياسية والثقافية والتربوية، بحيث لم تكتشف بعد، ولم يحرف، أو يتلاعب بألفاظه، أو معانيه، على عكس الكتب المقدسة الأخرى، فالنص القرآني قدسيته تاريخية لا إلهية!

نقد النظرة الحداثية
لا شك أن الحداثيين يخالفون جمهور المسلمين وعلماءهم الذين يرون القرآن الكريم كلام الله تعالى المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمعجز بنفسه، والمتعبد بتلاوته، المبدوء بالفاتحة والمختوم بسورة الناس، وأنه نص مقدس لا يجوز التعدي عليه بزيادة أو نقصان أبداً.

وما زال علماء الأمة يركزون على قدسية النص القرآني، ويفهمونه ضمن الضوابط التي وضعها علماء التفسير واللغة، فتفسير الحداثيين للقرآن الكريم يؤصل للتفسير الباطني والمنحرف، والذي يؤدي بدوره إلى ضياع الأحكام الشرعية، حيث يتم تفسيرها تفسيرات بعيدة عن حقيقتها المرادة، فمثل هذه التفاسير هي التي جرأت الفرق الباطنية كالإسماعيلية والدرزية والقاديانية لتحريف معاني القرآن وصرفها عن حقيقتها.

قال المفسر أبو حيان في مقدمته لتفسيره (1/104) مبيناً منهجه المتبع: “وتركتُ أقوال الملحدين الباطنية، المخرجين الألفاظ العربية عن مدلولاتها في اللغة، إلى هذيان افتروه على الله، وعلى علىٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، وعلى ذُرِّيته، ويسمونه علم التأويل”.

وقد بين محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون (4/49) خطأ هذا المنهج الذي اتبعه الحداثيون اليوم، واتبعه قبله الفرق الباطنية حيث قال: “ومن هنا بدأ الخروج عن دائرة الرأي المحمود إلى دائرة الرأي المذموم، واستفحل الأمر إلى حد جعل القوم يتسعون في حماية عقائدهم، والترويج لمذاهبهم، بما أخرجوه للناس من تفاسير حملوا فيها كلام الله على وفق أهوائهم، ومقتضى نزعاتهم ونحلهم”.

وفي كلام الحداثيين المنقول مغالطة كبيرة وفهم أعوج، فالتفسير وفي مقابله التأويل لهما ضوابط فصلت في كتب علوم القرآن والتفسير، ولا يجوز لأي قارئ ان يطرح رأيه ويفسر القرآن الكريم على هواه، ولذلك نجد الكثير من العلماء اتبعوا التفسير بالمأثور، ففسروا النص بالنص، ومن عمد إلى التفسير بالرأي فإنه فسره وفق الضوابط والرؤية الإسلامية للنص، ووفق مقاصد الشرع وحدوده، فتأويل الإسلام ينبغي أن يكون تأويلاً منضبطاً لا تأويلاً منفلتاً فوضوياً.


المراجع والمصادر

مفهوم النص، نصر حامد أبو زيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1993م.

قضايا في نقد العقل الديني، آركون، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط:1، 1998م.

نقد النص، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

نقد الحقيقة، علي حرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط:1، 1993م.

دراسات فلسفية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

دراسات إسلامية، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر.

منهج حسن حنفي، فهد بن محمد السرحاني القرشي، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ط: 1.

التراث والتجديد، حسن حنفي، مكتبة الأنجلومصرية، القاهرة، مصر، ط: 3، 1987م.

تفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت، 1422 هـ، 2001م، ط: الأولى، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض.

التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبي، مكتبة وهبة، القاهرة، د/ط.

الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم (1 من 2)

في كل زمانٍ ومكانٍ يدّعي أناسٌ النبوة، وقد قيل: “إن مدعي الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم”، وهذا أول ما يدل على صدقه في دعواه للنبوة، ثم يأتي بالمعجزة، والتي تتحدى القوم فيما نبغوا فيه.

وفي هذا لجوابٌ عن سؤال: لِمَ لم تكن معجزة النبي موسى في الطب ومعجزة النبي عيسى في السحر! والجوابُ أن قومَ موسى برعوا في السحر فجاءت معجزته أن انقلبت عصاه إلى حيةٍ فإذا هي تلقف ما يأفكون، وبرع قوم عيسى بالطب فجاءت معجزته بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله.

والأمر ذاته بالنسبة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام فقد جاء قومه بمعجزة القرآن الكريم متحدياً لهم بالإتيان بسورةٍ واحدة مثله في عصرٍ كانت العرب فيه أمة البلاغة والفصاحة، فكان التحدي حجة عليهم. وهذا المعنى -مجيء المعجزة بما نبغ فيه القوم- أشار إليه الشيخ الشعراوي رحمه الله.

وقد انبهر مشركو قريش ببلاغة القرآن الكريم وأسلوبه، لكن استكبارهم واعتراضهم على كون حامل القرآن فقيرٌ يتيمٌ ليس بسيِّدٍ ولا بارزٍ في قومه جعلهم يرفضون الإيمان به.

ويلتمس بلاغة القرآن كل من قرأه، فهو بليغ الكلامِ، عظيم الوقعِ في النفس، لا فيه حشوٌ مملٌ ولا نقصٌ معيب، ولكن القليل من يُدرك وجوه هذا الإعجاز، فسأركز في هذا المقال على صورتين منه:

خطاب العامة وخطاب الخاصة
إن أشق ما يعانيه الخطيبُ هو أن يوكل إليه مهمة إلقاء حديثٍ إلى جمهورٍ نصفه من العوام ونصفه الآخر من المثقفين، فلا يعلمُ أيُضَمِّن حديثه بالسهل البسيط الذي يألفه العوام ويمقته المثقفون، أم بالبليغ المعقّد الذي يهواه المثقفون وتعجزه عقول البسطاء، إذ لكل فئةٍ خطابٌ يناسبها، وإن أي خطيبٍ يريد التواصل مع جمهوره أو مؤسسةٍ تريد التواصل مع عملائها، فإن أول خطوةٍ يخطوانها هي دراسة الجمهور بالنسبة للخطيب ودراسة العملاء بالنسبة للمؤسسة فيحددان عمر الجمهور/العملاء وجنسهم ومستواهم الثقافي والاقتصادي وجميع ما يتعلق بهم، ليختاروا بعد ذلك الحديث الذي يأتي على مقاسهم فيأثر بهم ويحدث ردة فعل إيجابيةٍ عندهم.    

“فأما أن جملة واحدة تُلقَى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك، فيراها كل منهم مقَدَّرة على مقياس عقله وعلى وفق حاجته فذلك ما لا تجده على أتمِّه إلا في القرآن الكريم. فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم، لا يلتوى على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء. مُيسَّرٌ لكل من أراد {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدَّكر} [القمر: 22]” [النبأ العظيم: 143].

“انظر إلى قوله تعالى، وهو يلفت النظر إلى النار وفوائدها في حياة الإنسان: {أفرأيتم النار التي تورون، أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون، نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين} [الواقعة: 70-73].

فإن “مقوين” التي هي جمع مقوٍ تأتي بمعنى النازل في القواء، أي الصحراء، وتأتي بمعنى الجائع، وتأتي بمعنى المستمتع.

فأما الأعرابي الذي يعيش في البيداء فيتبادر إلى ذهنه المعنى الأول، ذلك أن النار تعتبر متعة كبرى للمقيمين في الصحراء، إذ بها تتعارف منازلهم، ويضيئون ما حولهم. ومن حولها يتكامل ناديهم. وأما الرجل العادي من أهل المدينة فيتبادر إلى فكره المعنى الثاني، إذ إن أعظم فوائدها عندهم يتمثل في كونها وسيلة لا بد منها لإنضاج الطعام وتحضيره، فهي متاع ضروري هام للمقوين أي الجائعين. وأما المعنى الثالث فهو عبارة عن بطاقة مفتوحة مع تطورات العصر والأزمنة، فما من لون من ألوان المتعة والفائدة التي تهتدي إليها المدنية أو العلم من النار وخصائصها إلا ويستوعبه قوله تعالى في وصفها: {متاعاً للمقوين} وهذا المعنى مما يمكن أن يفهمه الرجل العصري للآية دون أي تكلف في فهمها أو تأويل.” [أبحاث في القمة، محمد سعيد البوطي، ص229، 230].

إقناع العقل وإمتاع العاطفة
إنك إذا أردت علماً تغذي به عقلك ويرشدك إلى الحق فحينها تلجأ إلى الكتب، وإذا أردت مشاعراً تغذي بها روحك وتحرك بها عواطفك فحينها تلجأ إلى الشعر والروايات.

إما إذا أردت كلاماً يتضمن علماً تنتفع به ومشاعراً تملؤ بها قلبك فهذا ما لا تجده على أتمه عند أي بَشرٍ كان، فإذا وجدت حكيماً يأتيك بالجملة العلمية المتضمنة المشاعر العميقة فإنك ستجده بجملٍ أخرى يلقي إليك الحكمة ولا يبالي أمتضمنةً مشاعراً أم غير متضمنة، وكذلك الأمر إذا وجدت شاعراً يعطيك البيت العاطفيّ المتضمن حكمة عظيمة فإنه سيلحقه بأبياتٍ كثرٍ مليئةٍ بالعواطف لا يبالي أفيها حكمةٌ أم لا سبيل لها إلى عقلك.

“أَمَا إنَّ أسلوباً واحداً يتجه اتجاهاً واحداً ويجمع في يديك هذين الطرفين معاً، كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقاً وأزهاراً وأثماراً معاً، أو كما يسري الروح في الجسد والماء في العود الأخضر، فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر، ولا هو من سنن الله في النفس الإنسانية.

فمن لك إذاً بهذا الكلام الواحد الذي يجيء من الحقيقة البرهانية الصارمة بما يرضي حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين. ومن المتعة الوجدانية الطيبة بما يرضي حتى هؤلاء الشعراء المرحين؟

ذلك الله رب العالين. فهو الذي لا يشغله شأن عن شأن. وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معاً بلسان. وأن يمزج الحق والجمال معاً يلتقيان ولا يبغيان. وأن يخرج من بينهما شراباً خالصاً سائغاً للشاربين، وهذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت:

  • ألا تراه في فسحة قصصه وأخباره لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة؟
  • أوَ لا تراه في معمعة براهينه وأحكامه لا ينسى حظ القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، وتهويل وتعجيب، وتبكيت وتأنيب؟

أقرأ مثلاً قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى: الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: 178] وانظر:

  • الاستدراج إلى الطاعة في افتتاح الآية بقوله: {يا أيها الذين آمنوا}.
  • وترقيق العاطفة بين الواترين والموتورين في قوله “أخيه” وقوله: “بالمعروف” وقوله “بإحسان”.
  • والامتنان في قوله: “تخفيف من ربكم ورحمة”.
  • والتهديد في ختام الآية.

ثم انظر في أي شأن يتكلم؟ أليس في فريضة مفصلة وفي مسألة دموية؟ وتتبع هذا المعنى في سائر آيات الأحكام حتى أحكام الإيلاء والظهار. ففي أي كتاب من كتب التشريع تجد مثل هذا الروح؟ بل في أي لسان تجد هذا المزاج العجيب؟ تالله لو أن أحداً حاول أن يجمع في بيانه بين هذين الطرفين ففرق همه ووزع أجزاء نفسه، لجاء بالأضداد المتنافرة.” [النبأ العظيم: ص143، 145، 146].

هذان وجهان من وجوه بلاغة القرآن الكريم. وهي المعجزة التي أُلفت فيها كتبٌ ومجلداتٌ، فقد كتب فيها مصطفى صادق الرافعي ومحمد الغزالي ومحمد دراز وسعيد رمضان البوطي وسيد قطب ومحمد الشعراوي، وقد سبقهم في ذلك الإمام الخطابي وفخر الدين الرازي وابن أبي الأصبع، أما أول من ألف في ذلك فقد كان الجاحظ في كتابه “نظم القرآن”.

وقد عجز المقال عن أن يتضمن أكثر من وجهين من وجوه بلاغة القرآن الكريم، لذلك سأتبعه بآخر يتطرق إلى وجهين آخرين من هذا الإعجاز.

البروفيسور جيفري لانغ.. من الإلحاد إلى الإسلام

ولد جيفري لانغ عام 1954 لأسرة مسيحية كاثوليكية، وقد عُمِّد وتلقى تعليمه في مدرسة كاثوليكية، ومُنح تثبيتًا دينيًّا على أنه كاثوليكي[1]، ترعرع مع أخوته الأربعة، بين يدي أم رؤوم، ممرِّضة كاثوليكيَّة ملتزمة، عرفها أبناؤها بالقوَّة والصَّبر والإرادة، ووُصفت بأنها قدِّيسة حقًا، وأبّ مدمن خمر عصبيّ فظّ، أشبع الجو العائلي بالعنف والضياع النفسي، وزرع الأسى في قلب طفل عاش طفولته رعبًا من أنَّ أباه سيقتل أمَّه ضربًا يومًا ما.

كان جيفري يعيش في شَرَك عقدٍ من الذنوب من جهات مختلفة، ذنب كراهيَّته لأبيه بسبب عنفه مع أمه، وذنب أنه ربما هو سبب هذا الغضب الموجَّه ضد أمه، وأقسى ذنب على الإطلاق هو ضعفه أمام أبيه حيال إيذائه لأمه.

وفي السنوات الست الأخيرة من عمرها، أصيبت أمه بانهيارٍ عصبي، وماتت في المستشفى، ثم توفي والده بعدها بعام.. وهنا لا بدَّ أن نذكر أنَّ شكَّه بوجود الله بدأ منذ حداثة سنِّه، عندما كان يصلِّي لكي يزيح الله والده من حياتهم، إلَّا أنَّ والده ظلَّ موجودًا.[2]

كان جيفري متوقد الذكاء، كثير الشك والجدل، فالشَّك من روح العصر الذي يعيش فيه، حتى طال المؤسّسات الدِّينيَّة، فلم يستطع مدرس التَّربية الدِّينيَّة، رغم أنَّه كان كاهنًا متمرِّسًا حقًّا أن يقنع طلابه بأنَّ الله موجود حقًّا، وبما أنَّ جيفري كان مولعًا بالرياضيَّات والمنطق، كان جدله في  فكرة بسيطة تتمثَّل في أنَّ مناقشة علم الوجود ليست برهانًا كافيًا على الوجود، فكان جزاؤه الطَّرد من الفصل ورسوبه في المادَّة، وأصبح ملحدًا في نظر جميع المحيطين به. ومع سيادة روح الشَّكِّ والفوضى والحرب والموت والدَّمار؛ فاغتيال كينيدي ومارتن لوثر كنغ ومخزى الرئيس نيكسون والشَّغب العرقي، ومذبحة فيتنام الغريبَّة، وكل الشغب والفوضى آنذاك، كان يعزِّز الشَّكَّ والتَّساؤل لديه.

وكان يتساءل: لماذا خلق الله هذا العالم العنيف النَّاقص؟ لماذا جعلنا نزَّاعين للإجرام قابلين للفساد؟ لماذا لم يضعنا في السماء منذ البداية بطبيعة غير قابلة للغواية؟ لماذا يعذِّب الأقوياء الضُّعفاء؟[3]

كان الإلحاد أقل رعبًا من كل تلك الأفكار التي تلاحقه حول عقوبة الله للجميع إلا فئة قليلة، وفكرة الخطيئة الموروثة، وإحساسه بغياب العدل الإلهي، وهكذا أصبح جيفري ملحدًا بشكل صريح في عمر الثَّامنة عشرة[4]، ولم يستطع أحد إقناعه بوجود إله، واستمر على ذلك فترة اثنتي عشرة سنة تقريبًا، مع حفاظه على معتقدات الآخرين، لم يكن يعتبر نفسه باحثًا في تلك الفترة من حياته، بالرَّغم من أنَّه كان يبحث دون أن يعي ذلك.[5]

أمَّا عن حياته الاجتماعيَّة، فقد انساق في بداية دراسته الجامعيَّة وراء أصدقاء من اتِّجاهات مختلفة، “ملحدين، يهود، بروتستانت”، ثمَّ بدأ يتجه في السَّنوات الأخيرة إلى “الهندوس والبوذيين”، وبدا له فيما بعد أنَّ تلك الصداقات كانت نموذجًا محددًا في صداقاته، يتطلَّع إلى أفكارهم بشأن الدِّين، وكان إصغاؤه أكثر من كلامه، فلم يضع معتقداته عقبة في طريق صداقاته.

وأمَّا عن حياته العلميَّة والمهنيَّة والعائليَّة؛ فقد أكمل دراسته الجامعيَّة في قسم الرياضيَّات في جامعة كونيتيكت، ثمَّ تزوج بعدها زواجًا نفعيًّا، حيث اتَّفقا على أنَّه يمكن إنهاؤه في أيّ فترة، ورحل مع زوجه إلى لافاييت الغربيَّة (إنديانا) لكي يتابعا دراستهما في جامعة بردوPurdue University [6]، وتمَّ طلاقهما بعد ثلاث سنوات بناءً على طلبها. ثمَّ تابع دراسته إلى أن تخرَّج سنة 1981م، وبقي في نفس الكليَّة محاضرًا حيث درَّس فيها فصلًا واحدًا.[7]

انتقل عام 1982م إلى مدينة سان فرانسيسكو الكبيرة، للتَّدريس في جامعتها، وهي أقدم جامعة يسوعيَّة في أمريكا[8]. وفي أولى محاضراته في هذه الجامعة تعرَّف على شاب وسيم أنيق وثري اسمه محمود قنديل، من أصل سعودي، وتوطَّدت علاقته به بأن عرَّفه على عائلته؛ أخوته (عمر وراجية قنديل)، واتَّخذوه صديقًا مقرَّبًا لها، عاش معهم أوقاتًا سعيدة جدًا، وكان جيفري يناقشهم في بعض الأحيان في الدِّين فيجيبون عن تساؤلاته، فوجد أنَّ أفكارهم الدِّينية تتبع ميثولوجيا محدَّدة وأساساً منطقيًّا معينًّا، وفي يوم أهدوه نسخة من القرآن الكريم مع بعض الكتب عن الإسلام، وبعد أن وجد في القرآن ما وجد، شعر بالانقياد إلى طريق واحد لا ثاني له، فاتَّجه إلى مسجد الكلية ليسأل بعض الأسئلة[9]، وإذ به يسلم وينطق بالشَّهادتين.[10]

تزوَّج من راجية قنديل أخت صديقه محمود، وعاش مع عائلته وبناته الثَّلاث (جميلة وسارة وفاتن) في كنساس، حيث عمل أستاذًا في قسم الرِّياضيَّات في جامعتها، إلى أن استقال مؤخرًا من عمله[11]، ومازال يرفل في سلام وسكينة الإسلام.

عانى في الفترة الأخيرة من أزمات قلبيَّة جعلته ينقطع عن العمل وعن التَّواصل مع النَّاس[12]، وقدَّم الكثير من المحاضرات واللقاءات عن الإسلام، وكانت له عدَّة مؤلفات، ساهمت في تكوين حصيلة من الأدبيَّات الإسلاميَّة المهمَّة في المجتمع الغربيّ.


الهوامش

الكاتبة مساعد العميد في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر.

[1] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 22.

[2] جيفري لانغ. ضياع ديني، ص: 31-33.

[3] المرجع نفسه، ص: 33-34.

[4] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 24. ورد في كتاب ضياع ديني أنه أصبح ملحدًا في سن السادسة عشرة من عمره. انظر: كتاب ضياع ديني، ص: 34.

[5] جيفري لانغ. ضياع ديني، ص: 34.

[6] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 26.

[7] جيفري لانغ. الصراع من أجل الإيمان، ص: 28.

[8] المرجع السابق، ص: 30.

[9] المرجع نفسه، ص: 33-34.

[10] المرجع نفسه، ص: 43.

[11] زغلول النجار. قصة إسلام العالم الأمريكي جيفري لانغ، برنامج أفلا يعقلون، سلسلة الإعجاز العلمي، 22 سبتمبر 2012، رابط المقال:

https://www.youtube.com/watch?v=2LU0x9qG-CE

[12] في رسالة الكترونية أرسلها جيفري لانغ إلي بتاريخ 23 مارس 2017، أخبرني فيها أنه تعرض في ديسمبر 2016، إلى ثلاث عمليات جراحية في القلب خلال أربع وعشرين ساعة، اثنتان منها كانتا حالات حرجة.

التوفيق بين الفلسفة والدين عند الفارابي وابن رشد

محاولة الفارابي (260 – 329هـ)
إن نزعة التوفيق بين الفلسفة والدين تعد نزعة أصيلة في الفارابي، وقد كان في طبعيه يميل إلى الالتقاء لا الاختلاف، لذلك حاول التوفيق بين أفلاطون وأرسطو، رغم اختلاف مذهبيهما، على أن محاولة الفارابي هذه سببها ما نسب لأرسطو خطأ من كتاب “أثولوجيا” أو الربوبية، والكتاب في حقيقته ليس لأرسطو، بل لأحد تلامذة أفلوطين الاسكندري، ويمكننا تفهم صنيع الفارابي كون الفكر المترجم يومها لم يستوعب على حقيقته بعد، والمحافظون الذين توجسوا من الفلسفة، كان لا بد من العمل على تحقيق ما يدعم العقيدة والفلسفة معاً، وأهم الوسائل في نظر الفارابي إظهارها في مظهر موحد متفق عليه، وإثبات أنها تسعى لنفس الهدف الذي يسعى إليه الدين، فمحاولته التوفيق بين أفلاطون وأرسطو غايتها الدفاع عن الفلسفة من جهة، وتهيئة المنهجية لدعم الانسجام والاتساق بين الحقائق الموحى بها، والحقائق العقلية من جهة أخرى.

لاحظ الفارابي أن التوفيق بين الدين والفلسفة ضرورة لنهضة يتعاضد بها الطرفان للإسهام في سعادة الإنسان، لكنه في سبيل ذلك لجأ لتأويل الآيات حتى تنطق بالآراء الفلسفية التي يدين بها.

والحقيقة أن احتمالات التوفيق بين الدين والفلسفة، تجعل المحاولين إما أن يقفوا مع الفلسفة ويطوعوا النصوص لتؤدي فكرتهم المسبقة، وإما أن يجعلوا اليد الطولى للدين، وإما أن يضعوهما في كفتي ميزان متعادلتين، فالكندي أعلن تفوق الدين على الفلسفة ، بينما يكاد الفارابي يرى تكافؤ الفلسفة الصحيحة والدين الصحيح، فإن بدا تناقض؛ فهذا يدل على أن النظام الفلسفي المتناقض مع الدين يعتبر نظاماً واهياً لم تكتمل فيه البراهين المؤدية إلى اليقين.

وقد كان الفارابي مقتنعاً أن الحقيقة واحدة، والتعدد في الطريق إليها لا غير، لذلك لم يرى أي تناقض في أفكار أفلاطون وأرسطو، وهذا التوافق يفتح الطريق للتوفيق بين الفلسفة والدين، كما أسلفنا.

كما أنه كان يرى أن النزعة الإيمانية هي المنطلق للنظام الفلسفي، من خلال الإقرار بالصانع، فيجب البدء من العقيدة السليمة في توحيد الألوهية.

النزعة الدينية تطبع التوفيق
رأى الفارابي خطورة من الاعتداد المسرف بالتفكير النظري، دون مراعاة لبعض الحقائق الدينية التي قد تعي دقتها كبار العقول، وتتجلى محاولة الفارابي التوفيق بين الدين والفلسفة في كثير من بحوثه ومقالاته، ولعل أشهرها مبحث مكونات وشروط الرئيس الحاكم والحكيم الذي يحكم المدينة الفاضلة، وفي نظرته للنبوة والدفاع عنها في وجه خصومها.

الفكر السياسي للفارابي (المدينة الفاضلة)
يرى الفارابي أن المدينة بمثابة الجسد الصحيح الذي تختلف أعضاؤه في الوظائف، لكن فوقها جميعا القلب الذي هو مصدر الحياة، وعلى هذا الأساس اعتبر الفارابي رئيس المدينة السلطة العليا التي تستمد منها جميع السلطات، لذلك رسم لهذا الرئيس مثلاً في غاية الكمال، قل أن يدانيه إنسان، وتفوق شروط الفارابي شروط أفلاطون من حيث المدى والعدد، وتقع شروطه في مجموعتين، إحداهما فطرية، والأخرى مكتسبة، ويحدد الفطرية باثنتي عشرة خصلة وهي:

  1. تمام أعضاء الجسم
  2. جودة الفهم وحسن التصور لما يقال
  3. حفظ ما يراه ويدركه
  4. جودة فطنته وذكائه
  5. حسن عبارته وطلاقة لسانه وحبه للتعليم والاستفادة
  6. حبه للصدق وأهله وبغضه للكذب وأصحابه
  7. كبير النفس محباً للكرامة
  8. ليس همه حب المال
  9. يحب العدل وأهله، ويبغض الظلم وأهله
  10. يعطي النصف من أهله ومن غيره ويحث عليه
  11. يؤتي من حل به الجور
  12. قوي العزيمة

وأما المجموعة المكتسبة فنلمح فيها آثار الثقافة الإسلامية، فإلى جانب ضرورة كون الحاكم حكيماً، يجب أن يكون عالماً بالشرائع والسنن حافظاً لها، جيد الاستنباط فيما لا يحفظ عن السلف فيه شريعة، وأن تكون له جودة رؤية وقوة للأمور والحوادث، وأن يتحرى فيما يستنبطه صلاح أمور المدينة، وأن يستنبط مما احتذاه الأولون، وأن يكون ذا مقدرة على القيام بالأعباء الحربية.

ويبدو من هذه الشروط أن مهمة الحاكم لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تشمل الديني والأخلاقي، لأنه قدوة يقلده الشعب.

ولعل أهم الشروط هو تسامي الحاكم في تدرجه الروحي التأملي حتى يصل إلى رتبة العقل الفعال، والعقل الفعال نوع من العقل المستفاد الذي تثبت فيه صور الموجودات ولكن ترتيبها فيه يختلف عنه في العقل بالملكة، أو العقل بالفعل، فقد كان الفارابي يرى أن العقل الفعال يقع خارج الإنسان، وأن الاتصال به لا يتم إلا عن طريق التصفية والتفكير والتأمل العميق الذي يحيل النفس إلى مبدأ شفاف حساس تنتقش فيه الحقائق، وهذا الشرط لم يشترطه أفلاطون لكن الفارابي أوجبه، وأضحت نظرية الاتصال بالعقل الفعال اللحن المميز لناشدي السعادة في الفلسفة الإسلامية بعد الجهود التي بذلها الفارابي في تشكيلها وشرحها لتفسير مشكلة المعرفة والسعادة والنبوة.

والعقل الفعال يمثل العاشر في سلسلة العقول المفاضة عن الأول في نظرية الفيض المشهورة، وبذلك تعتبر نظرية الاتصال بالعقل الفعال الذي تتحد فيه جميع العقول والصور وهي التطبيق الصاعد لنظرية الفيض التي تبدأ من الأعلى وهو “الواحد” وتنتهي بما تحت فلك القمر.

وهكذا يتطابق السبيلان (الصاعد والنازل) من حيث الوصول إلى الحقائق النهائية، وفي نقطة التقاء التأمل الصاعد بالفيض النازل، وهنا يتفق الفارابي وابن مسرة –وهما متعاصران- في هذا الموضوع.

والمهم في هذا الصدد أن بعض شروط الفارابي لرئيس المدينة أبعدته عن أفلاطون وقربته من الشريعة الإسلامية، بالرغم من التكلف أحياناً والخطأ في أحيان أخرى، ومما يؤكد ذلك نظرته للبشرية على أنها مجمع يسكن المعمورة وهذه النظرة الشاملة هي نظرة الإسلام، وهي على النقيض من نظرة اليونانيين الذين كانوا يفكرون ببدائل فعلية عن مجتمعاتهم الواقعية، دون تفكير في الأمم والشعوب الأخرى.

وبهذا العرض يرى الدكتور محمد كمال جعفر أن الفارابي كان متمسكاً بعقيدته الإسلامية، ويأسف لتهجم الكثيرين عليه وتكفيره وزندقته كما فعل ابن كثير، والغزالي الذي قصده أساساً مع ابن سينا في كتابه “تهافت الفلاسفة” ومثلهما فعل الشهرستاني والرازي وغيرهم.

فاستلهام الفارابي من القرآن دعاه لتأمل مصائر السابقين وعواقبهم للعظة والعبرة، فلم يقتصر في مدينته الفاضلة على النمط الأمثل، فقد تناول المدينة الجاهلة والفاسقة ومدينة الغلبة والبطش، وحكمه على هذه المدن تدل على استيعابه لمكارم الأخلاق كما قررها الإسلام، ويضوع أريج العقيدة الإسلامية في ثنايا فكره عند حديثه عن أدلة وجود الله، وحين يشير لتعدد أسمائه وصفاته مع توحده وتفرده، ويعزف الفارابي لحن الإيمان في أذن كل ملحد يتعلل بعدم وضوح إدراكه لله، فيبين أن ذلك راجع لضعف عقولنا وملابستها المادة والعدم، فإفراط كماله يبهرنا، فلا نقوى على تصوره على التمام.

وهذا عين التعليل الذي تبناه الغزالي في حديثه عن الألوهية وأنوارها الباهرة التي تعشي بصائر العقول فترتد حسيرة عاجزة عن الدنو المفضي إلى كمال المعرفة والتصور.

وبذلك فلم يكن الفارابي مفتوناً بالفلسفة لدرجة نسيان عقيدته، ولم يكن ممن يضحي بدينه في سبيل فكرته، ونلاحظ أنه حينما وضع الشروط التي ينبغي التقيد بها لطالب الحكمة جعل منها تعلم القرآن وعلوم الشرع أولاً، غير مخل بركن من أركان الشريعة وآداب السنة.

فلا محل إذن للاتهامات المتعلقة بنيته وقصده، فهذه الاتهامات لا يؤيدها دليل، ولا يدعمها برهان، بل هي حصيلة تخمين وظن، وسوء استغلال لنصوص الفارابي.

النبوة في نظر الفارابي
وهذا هو الموضوع الثاني الذي يتجلى فيه حرص الفارابي على عقيدته، ومحاولة تعزيزها بالتماس سند عقلي لأساسها ومصدرها الممثلين بالوحي والنبوة، ومع عدم موافقتنا لكل ما جاء به الفارابي، لكننا لا نغفل دافعه لهذه المعالجة، فقد اجتاحت موجة من الشك والإنكار لبعض أسس الإسلام في القرنين الثالث والرابع الهجريين، نتيجة لاختلاط المسلمين بعناصر مختلفة من ذوي عقائد متباينة، وقد بثت معتقداتها وأثارت الشبهات حول عقائد الإسلام، وبلغ الشك قمته مع التعرض لمصدر الدين وهو الوحي والنبوة، واشتغل علماء الكلام للذود عن العقيدة الإسلامية، وكان هذا هو الدور الإيجابي لعلم الكلام قبل انقلابه لسلاح يفتك بالوحدة الإسلامية، وتتابعت الردود على من أنكر النبوة، كما أنكر الدهريون الألوهية، ويتضح لنا أن فترة حياة الفارابي كانت مليئة بالمجادلات والسجالات حول أهم أصول الإسلام ومبادئه.

حجج منكري النبوة
في معرض الحديث عمن ينكر النبوة عادة ما يشار لرجلين وهما ابن الراوندي، والرازي الطبيب، فالأول من أصل يهودي، ويقال إنه انتمى للمعتزلة، ثم خرج عليهم وعلى الإسلام، وأقواله تبين اعتقاده بطلان النبوة وعدم الحاجة لها، فالعقل يغني عن الرسول، وقد يذهب منكرو النبوة لاعتبار إثباتها مجافياً للعدالة الإلهية، لما فيها من اختصاص وتفضيل لبعض الأشخاص، وأما الرازي الطبيب، فينسب إليه أنه تعلق بالآراء المزدكية والمانوية والمعتقدات الهندية، وينكر على الفلاسفة محاولاتهم التوفيق بين الفلسفة والدين، ويرى بالفلسفة وسيلة وحيدة للإصلاح، ويرى في الأديان تنافس على التطاحن والحروب، وتجدر الإشارة أننا لا نملك مصدراً صحيح النسب للرازي يبين صحة اتهامات بعض خصومه له، فمصدرنا حوله هم خصومه أصلا، خصوصاً من أتباع الحركة الإسماعيلية، وقد لمسنا المعادة والتجني عند دراستنا لسهل التستري فلاحظنا أن تهم خصمه الخوانساري له لا تثبت جميعا إلا واحدة وهي رفضه الانتماء للشيعة، لذلك فالأصل أن نتريث في نسبة كل هذه الآراء للرازي الطبيب.

تفسير الفارابي لظاهرة النبوة
لاحظ الفارابي أن منكري النبوة يدين أكثرهم بالبحث العقلي، ويتزعم معظمهم دعوى حرية الفكر، فاشتغل على جانبين أحدهما في رد الشبه، والثاني بالعمل على منح نظرية النبوة أساساً عقلياً ونفسياً يقبله الذين لا يرتضون إلا الأدلة العقلية، فيعودون إلى الدين، حين يقتنعون بأساسه، وهو الوحي والنبوة.

وتتصل نظرية النبوة عند الفارابي بنظريات المعرفة والسعادة والفيض لديه أيضاً، فقمة المعرفة هي قمة السعادة في نفس الوقت، تنم عن الاتصال بالعقل الفعال الذي احتل المرتبة الثالثة في الوجود في نظام الفارابي الفيضي الذي استقى عناصره من الأفلاطونية المحدثة، وحاول بكل طاقاته ص��غه صبغة إسلامية، والعقل الفعال أعلى مرتبة من العقل الإنساني، ويقع خارجه، وفيه توجد كل الصور والحقائق، وهو الذي يخرج العقل الإنساني من القوة إلى الفعل، وبذلك تكون المعرفة هبة وفيضاً آتياً إلى العقل الإنساني من الخارج، وليست حصيلة الاجتهاد والاكتساب.

أرسطو

أساس نظرية النبوة
لا يمكن أن ينكر أثر نظرية الأحلام عند أرسطو في نظرية النبوة عند الفارابي والكندي كذلك، وملخص النظرية أن النوم هو فقد الإحساس، والحلم ناتج عن المخيلة التي تعظم قوتها أثناء النوم لتخلصها من أعمال اليقظة كما يذكر أرسطو، فأثناء النوم تنشط المخيلة التي تختزن صوراً حسية كثيرة تحدث “الأحلام” فالأحلام ثمرة المخيلة ونتيجة من نتائجها، وقد تبنى الكندي والفارابي هذه النظرية، ومتابعتهما لأرسطو تتوقف عند هذا الحد، ثم ينفردان بالاتجاه الديني في تفسير الأحلام الهامة وغيرها.

والأحلام وردت في القرآن والسنة، وكان صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤية إلا جاءت كفلق الصبح، على أن علماء المسلمين يميزون بين الرؤية الصادقة وأضغاث الأحلام، مما يشهد مرة أخرى بمستوى صاحب الرؤية النفسي.

وطالما أن الحواس تخمد أثناء النوم وتبرز الصور الذهنية للإحساسات المختلفة فيتشكل الحلم، فكيف يتم الأمر بالنسبة للنبوة؟

قبل ذلك لا بد لنا أن نقول إن أرسطو لا يفسر ما تصنعه المخيلة في النوم تفسيراً يتصل بالوحي الإلهي أو الإلهام الغيبي، لذلك لا مكان في مذهبه للتنبؤ بواسطة النوم، ولا يمكن اعتبار الأحلام نوعاً من الوحي الإلهي، بينما يرى الفارابي أن الإنسان يستطيع بواسطة مخيلته الاتصال بالعالم العلوي واختراق حجب الغيب، وإذا صح أن يكون لإنسان مخيلة جيدة يمكنها التخلص من ربقة الحس، فإنه قادر على الوصول إلى عالم المعرفة والاتصال بالعقل الفعال.

وعلى هذا فيبدو أن الفارابي جعل الأحلام تفسيراً يمكن أن تشرح النبوة والوحي، فالنبي إنسان وهب مخيلة ممتازة نفاذة عظيمة تمكنه من الحصول على الإلهامات السماوية في مختلف الظروف والأوقات، لذلك ليس الأنبياء بحاجة للنوم لتعطل حواسهم ليتم تفريغ المخيلة، بل يستطيعون ذلك حال اليقظة، لكن الأنبياء ليسوا وحدهم في هذا الميدان، فمعهم الفلاسفة الناضجون قادرون كذلك على الاتصال بالعقل الفعال بواسطة التأمل العميق، وتركيز اليقظة.

ويبدو أن الفارابي -بحسب أقواله-كان يرى أن للنبي طاقة أخرى تمكنه من التقاط الوحي واستيعابه، وعليه فلم يجعل الوحي عماد مخيلة النبي.

نقد النظرية
لهذه النظرية رصيد إيجابي يحسب للفارابي، بيد أن لها جوانب أخرى تعد من أخطر مثالبها، فيحسب لها الانتصار لمبدأ النبوة من حيث هي مبدأ في وجه المنكرين لها، لا بالنسبة للمؤمنين بها، ويلاحظ أن الفارابي خلع على العقل الفعال الصفات المأثورة لملك الوحي جبريل الذي أخبر عنه الإسلام، وهو بمجموع عناصر هذه النظرية (النفسية والتجريبية والدينية)، بنى الدعامة الفلسفية للنبوة والوحي ليثبت اتفاقهما مع العقل، ومن ثم لا يصح إنكارهما، وبذلك اطمأن الفارابي أنه وفق بين الدين والفلسفة، دون أن يلاحظ أنه يوفق بين الدين والفلسفة اليونانية بالذات، مع تعسفه بتأويل النصوص الدينية للوصول لذلك.

كما أن هذه النظرية تسوي بين النبي والفيلسوف، ويبدو أن الفارابي لم يأبه بذلك فالمعلومات سواء كانت مكتسبة بالفكر، أو بواسطة مخيلة، فلا فرق بينهما ما دام العقل الفعال مصدرها جميعاً، فقيمة الحقيقة لا ترتبط بالطريق بل بأصلها، والنبي والفيلسوف يرتشفان من معين واحد، على أن الفارابي يبين مقدرة النبي على الصعود للعالم العلوي عن طريق المخيلة أو عن طريق العقل القدسي، وبالتالي فلا مجال لتفضيل الفيلسوف عليه.

لقد توقف الفارابي عند تكافؤ النبي والفيلسوف من حيث المعرفة والرتبة، وهو بذلك يمهد الطريق لمن سيقول باكتساب النبوة، وهذا يتناقض مع كونها اصطفاء إلهي، كما أن النبوة ليست حصيلة نفسية مخترعة، بل تتمثل في تكيف طبيعة الوحي وسيره مع التسليم الكامل بوجود حقائق موضوعية عليا خارج النفس الإنسانية، وهذه النقطة تبقي الفارابي في حظيرة الإسلام، وهي النقطة التي أراد توكيدها لمنكري إمكان الوحي.

لقد تناول الفارابي النبوة بشكل عام وبصورة تجريدية، على الرغم من أن كثيراً من منكري النبوة في عصره كانوا يقصدون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، تمهيداً لإنكار الدين الإسلامي برمته، فلو أولى فلاسفة الإسلام عنايتهم بإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لحققوا جميع الأغراض التي سعوا إلى بعضها ففشلوا، فإذا كان الفارابي منح النبوة أساساً عقلياً يحسبه مقبولاً، فقد سلبها أخص سماتها المتمثل بالاصطفاء.

نمط من الاستدلال على النبوة
يمكن تناول هذه القضية من جانبين، الأول تاريخي موثق، والثاني موضوعي مشاهد، أما الجانب الأول، فيتصل برجل أمي معروف، ادعى النبوة وقدم أدلتها، وألقى تعاليمه التي لا تخدم مصلحته الفردية أو العائلية، ونجح على سائر القوى المحيطة، ولم يكن متسلطاً، وترك حرية الاعتقاد، وأتى بكتاب يتضمن أخباراً وأحكاماً ونصائح ومواعظ، ولقد قام بعد متنبؤون عجزوا عن تقديم ما قدم.

وأما الجانب الموضوعي فيتمثل في القرآن الذي كان حاملاً أمانة تأديته، وتتصدر كثير من آياته بـ قل، ويسألونك وغيرها، ولم يتصرف بالوحي بأي طريقة كانت، بالإضافة لآيات العتاب وما شابهها، كل ذلك يؤكد أنه أدى الوحي كما هو.

وبالعودة لنظرية الفارابي فقد تبناها عدد من فلاسفة الإسلام ونسجوا على منوالها، فاعتنقها ابن سينا، وجعلها متنفسا لآرائه الميتافيزيقية، وكما قلنا إن غايتهم بالدرجة الأولى الرد على من ينكر مبدأ النبوة، وإمكان فهمها عقلاً، لذلك كتب ابن سينا بعنوان “في إثبات النبوات وتأويل رموزهم وأمثالهم”، ولا شك في أن محاولة جعل حقيقة النبوة أمراً ثابتاً مفهوماً شيء، ومحاولة سبر أغوارها وكشف أسرارها، والتوغل في جوهرها شيء آخر، فالمحاولة الأولى تقف عند حد إثباتها والبرهنة عليها وعرض شواهدها، بينما الثانية اقتحام حمى ليس للعقل طاقة به مهما بلغت قدرته.

ويختم الدكتور محمد كمال جعفر حديثه في هذا الباب بعرض أحد عشر نقطة جوهرية تتعلق بالنبوة كما يبينها القرآن.

تمثال لابن رشد في قرطبة

محاولة ابن رشد (520 – 595هـ)
ظفرت فلسفة أرسطو بعناية ابن رشد، فخصها بالشرح والإذاعة، ونقد علماء الكلام، ودافع عن الفلسفة باستماتة عله يعيد لها بعض الحياة بعد ن كادت تلفظ أنفاسها على يد الغزالي، واتُّهِمَ بالزندقة، واضطهد حتى نفي وطرد هو وابنه من المسجد ومنع من الصلاة مع الناس.

لقد سادت في المجتمع حينذاك موجة سخط على الفلسفة، وخصوصاً بعد حملة الإمام الغزالي، فكانت الفكرة الشائعة في المجتمع الأندلسي أن الفلسفة بعيدة كل البعد عن الإسلام، وكل من يشتغل بها أهل لأن يرمى بالإلحاد والزندقة، حمل هذا الموقف غير المنصف ابن رشد على الدفاع عن الفلسفة والتفلسف الصحيحين، وراح يثبت بالأدلة العقلية والنقلية أن لا تعارض ولا تناقض بين الدين والفلسفة، ولا يختلف ابن رشد عن جهود من اشتغلوا على قضية التوفيق بين الفلسفة والدين حيث أراد القول إن الفلسفة باعتبار أنها طريق اجتهادي وكسبي، تفضي إلى نفس الحقيقة التي دعا إليها الدين وطريقه الوهبي.

لقد كانت محاولة ابن رشد صعبة، فالفلسفة محرمة، والفلاسفة مضطهدون، وضربة الغزالي للفلاسفة من خلال “تهافت الفلاسفة” ما يزال أثرها فعالاً في ربوع العالم الإسلامي، فكيف يثبت ابن رشد اتفاق الدين مع نمط فكري أثبت الغزالي تكفير أهله في مسائل وتبديعهم في أخرى؟

واجه الكندي من قبل عداء الطاعنين للفلسفة، بيد أنه لم يواجه تأليفاً منظماً يهدم أسسها ويكفر أهلها، فكفاه مجادلة الطاعنين وبيان ضرورة التفلسف ونفعها، وأما ابن رشد فقد واجه مؤلَّفاً دقيقاً ينتقد بالتفصيل آراء فلاسفة المسلمين، ومؤلِّفه علم جليل من أعلام الأشعرية كلامياً، ومن أعلام الصوفية، وتلامذته منبثون في الآفاق، لهم وزنهم وتأثيرهم على طبقات المجتمع، فكيف السبيل لرد المكانة للفلسفة وتبرئة ساحتها؟

أدرك ابن رشد أن السبيل الوحيد لذلك، هو الرد بمؤلَّف يفند ما ورد بكتاب الغزالي فأسماه “تهافت التهافت” ولا بد من ملاحظة أن الغزالي لم يقصد هدم الفلسفة، وإلا لسمى كتابه “تهافت الفلسفة” وإنما أراد دحض وإثبات وتفاهة آراء الفلاسفة المسلمين وبشكل مخصوص الفارابي وابن سينا، لذلك سمى كتابه “تهافت الفلاسفة”، ومهما يكن من أمر فإن ابن رشد أراد أن يمهد لإعادة الثقة إلى الفلسفة.

إن عمل ابن رشد المتقن، جعل معالجته علمية تستند إلى البرهان، والتوفيق بين الدين والفلسفة عند ابن رشد لا يعني جعلهما شيئاً واحدا، فهو لم يغفل استقلال الدين عن الفلسفة، وإن كان ذلك لا يعني تناقضهما بالضرورة، ويمكن أن نلخص المبادئ الأساسية التي وضعها ابن رشد لمحاولته بالتالي:

  1. إيجاب الدين للتفلسف (التفكير).
  2. معاني الدين ذات مستويين أحدهما جلي قريب، وآخر خفي بعيد.
  3. لتأويل النصوص الدينية قواعد، حتى سائر الطرائق العقلية.
  4. تقدير قيمة العقل، وتحديد مدى قدرته وصلته بالدين.

ففي النقطة الأولى بين أن الفلسفة ليست أكثر من النظر في الموجودات باعتبارها تدل على صانعها، وهو بذلك يشبه ابن مسرة في معالجته، ويرد على من يقول إن الفلسفة تؤدي للكفر والغواية بالقول إن ما يقع من كفر وغواية لا يرجع لطبيعة الفلسفة وإنما لنقص نظرة الناظر، أو سوء ترتيب نظره في القضايا الفلسفية، وقد يكون ذلك من غلبة شهواته، أو أنه فهم خطأ لغياب المعلم المرشد،  ويستشهد ابن رشد بالحديث في مسألة الرجل الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسقي أخاه العسل لإسهال كان به.

ويؤكد ابن رشد أن الشرع أوجب النظر العقلي واستنباط المجهول من المعلوم من خلال القياس العقلي والبرهاني الذي حث عليه الشرع.

وفيما يتعلق بالمبدأ الثاني الي يشير إلى ازدواج النظرة إلى النصوص القرآنية على مستويين قريب جلي، وبعيد خفي لا يدرك إلا بالتأويل، فالأول يدركه العامة، والباطن له أهل الخاصة من ذوي البرهان، وابن رشد يقصد هنا أن المعنى الباطني لا بطريقته الصوفية، وإنما ما يتوصل إليه من خلال النطاق العقلي المستند لقواعد المنطق، وهو يقسم الناس إلى ثلاث طوائف: الخطابيون والجدليون والبرهانيون، فالأولى طائفة العامة يقتنعون بالأدلة الخطابية، والجدليون علماء الكلام، وهم أحسن من العامة ودون الفلاسفة، لأن الفلاسفة لا يقنعهم إلا الأدلة البرهانية اليقينية بحسب ابن رشد.

ويقرر ابن رشد أن ذوي الاقتناع الخطابي والجدلي عليهم أن يقبلوا النصوص الشرعية على ظاهرها، وليس لهم تأويلها، فذلك شأن البرهانيين وحدهم، وتلعب فكرة العامة والخاصة لدى ابن رشد دوراً رئيسياً في نظرته للتوفيق بين الدين والفلسفة، فللخاصة وحدهم حق التأويل لأنهم بطبيعتهم برهانيون أي فلاسفة، وهذا يعني أننا بحاجة للفلسفة للقيام بهذا الدور التأويلي، والحقيقة أن مبدأ التأويل عند ابن رشد دليل على هدفه التوفيق بين العقل والوحي، أو بين الدين والفلسفة.

الخوارج

تعد فرقة الخوارج أول جماعة تنشق عن جماعة المسلمين وتنفرد بقرارها السياسي وبعقيدتها الدينية، وقد بدأت أولى ملامحها بالظهور عندما تجرأ حرقوص بن زهير التميمي (ذو الخويصرة) على النبي صلى الله عليه وسلم وقال له أثناء تقسيم الغنائم: اعدل فينا يا رسول الله، فقال له النبي “ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟”، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال “دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية” [متفق عليه].

وتحققت نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، فخرجت أفكار الخوارج من رحم الخلاف الذي نشب بين علي بن أبي طالب وعدد من كبار الصحابة عقب مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، رضي الله عنهم جميعا، فكان الخوارج في البداية ضمن فريق علي ضد طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وأم المؤمنين عائشة، حيث طالب الفريق الثاني بتعجيل القصاص من قتلة عثمان في مخالفة لرأي علي بتأجيل ذلك درءاً للفتنة.

اصطدم الفريقان عسكريا في موقعة الجمل عام 36هـ، وينسب المؤرخون للمنافقين واليهود بقيادة عبد الله بن سبأ دورا كبيرا في إشعال الحرب، وقد قُتل خلالها طلحة والزبير، ثم تابع معاوية القتال ضد علي في معركة صفين، وعندما اقترب جيش علي من النصر أمر عمرو بن العاص –قائد جيوش معاوية- برفع المصاحف على أسنة الرماح والدعوة لحقن الدم، وكان علي يرى متابعة القتال لكن معظم قادته أيدوا وضع السلاح، وكان أكثرهم تأييدا لذلك الأشعث بن قيس ومسعود بن فدكي وزيد بن حصين.

اضطر علي لقبول التحكيم وحدد موعدا له، وفي طريق عودته إلى العراق انشق اثنا عشر ألف مقاتل من صفوفه لرفضهم فكرة التحكيم، وكان رأيهم يتلخص في أن الحكم للقرآن وليس للرجال ورفعوا شعار “لا حكم إلا لله”، فعلّق علي عليهم بالقول إنها كلمة حق يراد بها باطل.

وروى الطبري في تاريخه أن عمرو بن العاص لجأ للخديعة أثناء المفاوضات مع الطرف الآخر الذي قاده أبو موسى الأشعري، فأعلن عمرو خلع علي وتنصيب معاوية خليفة، لكن محققين يشككون في هذه القصة، فهي مروية عن أبي مخنف الذي طعن فيه المحدثون، وقال عنه ابن عدي إنه “شيعي محترق” [انظر: الإنصاف فيما وقع في العصر الراشدي من الخلاف، حامد الخليفة]. وما وقع في التحكيم هو أنهما اتفقا على بقاء عليّ في الكوفة وهو خليفة المسلمين، وأن يبقى معاوية في الشام أميرا عليها.

أما الذين خرجوا على عليّ فطالبوا بنقض العهد مع معاوية ومعاودة القتال، وهو أمر رفضه علي، فاجتمع الفريق الذي دعاه لحقن الدماء في البداية مع هذا الفريق في جماعة واحدة، وأصبحوا فرقة مستقلة سُميت بالخوارج، واختاروا عبد الله بن وهب الراسبي أميرا عليهم.

أعلن الخوارج الثورة على عليّ بعد أن كان قائدهم، واستقلوا بقرية النهروان على نهر دجلة، وبدؤوا بالتحرش بأتباع علي، فأرسل لهم عليّ ابن عمه عبد الله بن عباس المعروف بعلمه وفقهه ليحاورهم، فقامت بينه وبينهم مناظرة مشهورة سجلها المؤرخون، ويقال إن ثمانية آلاف منهم اقتنعوا بحجته وعادوا معه إلى الكوفة (مقر علي)، بينما بقي أربعة آلاف على رأيهم، ثم سرعان ما انضمت إليهم حشود من الأعراب والبدو، وازداد تحرشهم بالمسلمين وسفكهم لدمائهم.

الكوفة كانت عاصمة الخليفة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه

كان علي يجهز جيشا قوامه سبعون ألفا لمعاودة قتال معاوية بهدف جمع كلمة المسلمين تحت راية واحدة، فجاءه نبأ اعتداء الخوارج على الصحابي عبد الله بن خباب، حيث قتلوه وبقروا بطن جاريته في الصحراء دون سبب، فبعث لهم علي رسولا يطلب منهم تسليم قتلته فقالوا كلنا قتلته وكلنا مستحل دماءكم، فقرر مع مستشاريه تأجيل الصدام مع معاوية ومحاربة الخوارج قبل أن تشتد شوكتهم، وقاتلهم في النهروان قتالا شديدا، حيث انشق نصفهم قبل بدء المعركة وصمد الباقون (نحو ألفي رجل) حتى قتل معظمهم وعلى رأسهم عبد الله بن وهب وزيد بن حصين.

وكان أبو سعيد الخدري قد روى حادثة ذي الخويصرة مع النبي صلى الله عليه وسلم (انظر مقدمة المقال)، وروى عن النبي أيضا قوله إن آية هؤلاء القوم “رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة”. وقال أبو سعيد بعد أن قاتل في صف عليّ “فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتُمس، فأتي به (وكان من بين القتلى)، حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته”.

وبالرغم من هزيمتهم، لم تلبث أفكار الخوارج أن جذبت مقاتلين آخرين مرة أخرى، فجمعوا شتاتهم وعادوا للتحرش بالمسلمين، حتى تجرأ قائدهم أبو مريم السعدي على اقتحام الكوفة ومطالبة علي نفسه بمبايعته، لكن علياً هزمه. ثم حاول قائد آخر يدعى الخريت بن راشد تكرار المحاولة فهزمه علي ليهرب إلى الأهواز.

المسجد النبوي في المدينة المنورة بمنتصف القرن التاسع عشر

انتقل بعدها الخوارج إلى استراتيجية الاغتيالات لاختصار الطريق بتصفية كبار قادة المسلمين، وفي أول مؤامرة لهم اتفق عبد الرحمن بن ملجم على قتل علي، والحجاج الصريمي على قتل معاوية، وعمرو بن بكر على قتل عمرو، وعلى أن يكون التنفيذ في يوم واحد وهو السابع عشر من رمضان لسنة 40هـ، وقد نجحوا في اغتيال علي، بينما أصيب معاوية بجرح برئ منه، أما عمرو فقُتل بدلا منه نائبه “خارجة” بالخطأ.

بويع الحسن بن علي خليفة لوالده في الكوفة، واحتفظ معاوية بالسلطة في دمشق، وقبل أن يتجدد القتال بين الطرفين تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية، فوجّه الخوارج السلاح إلى الخليفة الموحد، واشتد قتالهم مع عامل معاوية على الكوفة المغيرة بن شعبة، فاضطر الأخير لاستخدام وسائل أخرى كالخداع والمكيدة، كما زج هو وابنه من بعده زياد الكثير من قادتهم في السجن، لكن قوتهم كانت تتعاظم باستمرار وتكتسب المزيد من المؤيدين، نظرا لما تمتعوا به من القوة والتفاني في القتال ومن الحجة في اللسان، في مقابل الظلم والفساد الذي انتشر في بلاط الأمويين.

وعندما أعلن عبد الله بن الزبير التمرد على يزيد بن معاوية -الذي افتتح ظاهرة وراثة السلطة في الإسلام- تجمع الخوارج حول ابن الزبير لقتال الأمويين، لكنهم سرعان ما انفضوا عنه عندما أعلن أنه مؤيد لمواقف علي بن أبي طالب.

ولم يلبث الخوارج أن افترقوا فيما بينهم أيضا إلى عدة فرق، فظهرت فرقة الإباضية نسبة لعبد الله بن إباض، وفرقة الأزارقة نسبة لنافع بن الأزرق، والنجدات من أتباع نجدة بن عامر، والصفرية الذين اصطفوا وراء زياد الأصفر (وقيل عبد الله بن صفار).

وكما هي عادتهم دائما في الصدام مع كل من يخالفهم حتى لو كان حليفهم بالأمس، قاتل الأزارقة ابن الزبير ورجاله في العراق حتى هزمهم، كما اشتبك معهم الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان في الأهواز حتى خارت قواهم. أما نجدة بن عامر فحاول أن يصل إلى هدنة مع عبد الملك ليحصل منه على ولاية اليمامة فاعتبره أتباعه خائنا وقتلوه، ونصبوا مكانه أبو فديك الذي احتل البحرين، قبل أن يقاتلهم فيها عبد الملك ويفرق جموعهم. كما نجح بعض الخوارج في احتلال مناطق واسعة باليمن، ثم انتشروا شمالا حتى دخلوا مكة المكرمة قبل أن يسارع الأمويون إلى طردهم عام 130هـ.

جامع قابوس في مسقط حيث تُعد الإباضية المذهب الرسمي لدولة عُمان
(ShenmueIII)

وعندما انتقلت الخلافة إلى البيت العباسي كانت قوة الخوارج قد تراجعت نسبيا، فتمكن المنصور من دحرهم في عُمان. ولم يستردوا قوتهم حتى منتصف القرن الثالث الهجري عندما سيطروا على الموصل ومناطق واسعة في غرب وشمال العراق، حتى كاد خطرهم يهدد العاصمة بغداد نفسها، إلى أن هزمهم الخليفة المعتمد.

وظلت أفكار التمرد التي حملها الخوارج إلى أفريقية تجتذب قبائل البربر، وخصوصا في صراعهم مع الولاة الأمويين، فسيطر الإباضية هناك على طنجة والسوس، وهاجموا الفاطميين الإسماعيليين في القيروان، إلا أنهم فشلوا في احتلالها وتفرق شملهم، وقد بقيت أفكارهم هناك حتى يومنا هذا.

نبوءات النبي ﷺ بالخوارج
تحدث النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن كثير من الفتن والحروب التي ستحدث في أمته بعد موته وصولا إلى ملاحم آخر الزمان، ولم يأت في السنة النبوية تحذير من فرقة بعينها إلا الخوارج، فقد ورد فيها أكثر من عشرين حديثاً بسند صحيح أو حسن، ما يدل على خطورة مذهبهم والتباسِ أمرهم على الناس. ومع أن النبي لم يذكر الخوارج باسمهم لكن علي بن أبي طالب تأكد أن صفاتهم تنطبق عليهم عندما أعلن عليهم الحرب.

وأول ذكر لهم في السنة الشريفة كان في الحديث الذي يحكي قصة رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام عندما كان يقسم الغنائم بين أصحابه، فقال “اتق الله يا محمد اعدل” فأجابه النبي “ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل”، فقال عمر “دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق”، فقال “معاذ الله يتحدث الناس أني أقتل أصحابي”، وفي رواية “يخرج من قبل المشرق رجال كأن هذا منهم”، وفي رواية أخرى “يخرجون فيكم يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية”.

ومن صفاتهم التي تنبأ بها النبي أنهم صغار في السن، ويغلب عليهم الطَّيش والسَّفه والغرور بالنفس، فقال في الحديث المتفق عليه “يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام”، وفي حديث رواه أحمد “إن فيكم قوما يعبدون ويدأبون حتى يعجب بهم الناس وتعجبهم نفوسهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية”، لذا يدفعهم غرورهم لادعاء العلم والتطاول على العلماء، وعلى مواجهة الأحداث الجسام بلا تجربة ولا رَوية.

كما أشار الحديث الذي رواه البخاري إلى أن “سيماهم التحليق”، وقد كانوا يتميزون عن سائر الناس فعلا في زمن علي بن أبي طالب بحلق شعر رؤوسهم، وفسر القرطبي الحديث بأنهم جعلوا حلق الرأس علامةً لهم على رفضهم زينة الدنيا، وشعارًا ليُعرفوا به. وقال ابن تيمية إن هذه ليست صفة لازمة لهم في كل العصور. لذا يمكن أن يتخذ أتباعهم في العصور اللاحقة مظاهر أخرى كشعارات وسمات يتميزون بها، كلون اللباس وهيئته.

وأوضح النبي صلى الله عليه وسلم أيضا أنهم يجتهدون في العبادة مما يدعو الناس للاغترار بهم، وأنهم يكثرون من قراءة القرآن دون أن يتدبروا معانيه ويهتدوا بهديه، فقال في الحديث المذكور آنفا “يقولون من خير قول البرية،‏ ‏يمرقون ‏من الإسلام كما ‏‏يمرق ‏السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم”، وقال في حديث آخر “يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم”، وقال أيضا “يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم”.

ولما ذهب إليهم عبد الله بن عباس لمحاورتهم في حروراء، قال عند عودته “لم أر قط أشد اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل [أي غليظة] وجوههم معلّمة من آثار السجود، عليهم قمص مرحضة [أي في غاية الطهارة]، وجوههم مسهمة من السهر [أي من قيام الليل]”.

وقال ابن تيمية إن ظهور البدع الأولى في الإسلام كبدعة الخوارج جاء من سوء فهمهم للقرآن، فلم يقصدوا معارضته إلا أنهم فهموا منه ما لم يدل عليه؛ فظنوا أنه يجب تكفير مرتكبي الكبائر، ثم استحلوا دماءهم وأموالهم. كما قال فيهم عبد الله بن عمر “إنهم انطلقوا إلى آيات ‏نزلت ‏في الكفار فجعلوها ‏على المؤمنين‎”.

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم أيضا من قدرتهم على التضليل بحسن الكلام والبلاغة والجدل، فقال في روايات متعددة إنهم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، ويتكلّمون بكلمة الحق، ويقولون من خير قول البريّة. لذا كانوا يطالبون علياً بتطبيق الشرع رافعين شعار “لا حكم إلا لله”، فيرد عليهم بقوله إنها كلمة حق يراد بها باطل.

أما أهم صفاتهم التي ذمها النبي صلى الله عليه وسلم -كما يقول ابن تيمية- فهي التَّكفير واستباحة الدماء، حيث وصفهم بقوله “يقتلون أهل الإسلام ويدَعون أهل الأوثان”، وأوضح ابن تيمية ذلك بأنهم “يستحلون دماء أهل القبلة لاعتقادهم أنهم مرتدون، أكثر مما يستحلون من دماء الكفار الذين ليسوا مرتدين، لأن المرتد شر من غيره”.

والتكفير عند الخوارج له صور كثيرة، كتكفير مرتكب الكبيرة أو التكفير بما ليس بذنب أصلاً، أو التكفير بالظن والشبهات والأمور المحتملة، أو بالأمور التي يسوغ فيها الخلاف والاجتهاد، أو دون التحقق من توفر الشروط وانتفاء الموانع، ولا يَعذرون بجهل ولا تأويل، ويكفّرون بلازم الأقوال ومآلاتها، ويستحلون دماء من يكفرونهم دون قضاء ولا محاكمة ولا استتابة، ولهذا قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم  “يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميّة”، أي يخرجون منه كما يخرج السهم الذي يصيب الحيوان فيدخل فيه ويخرج منه من شدة السرعة دون أن تبقى عليه آثار من جسد الحيوان.

وبالرغم من كل ما سبق، لم يُكفّر أهل السنة والجماعة طائفة الخوارج حسب أرجح الأقوال، بل نقل الإمام الخطابي الإجماع على ذلك، ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإبادتهم قبل أن يظهروا عندما قال “لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد” إلا أن الحكم بقتالهم لم يقترن بتكفيرهم بل كان دفعا لشرهم، وروى عبد الرزاق (10/ 150) وابن أبي شيبة (15/ 332) والبيهقي (8/ 74) عن طارق بن شهاب أنه قال “كنت عند علي بن أبي طالب فسئل عن أهل النهروان (الخوارج) أهم مشركون؟ قال: من الشرك فروا قيل: فمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا قيل: له فما هم؟ قال: قوم بغوا علينا”.

روى البيهقي وابن أبي شيبة أن أحد الخوارج قاطع علي بن أبي طالب وهو يخطب مطالبا بتحكيم شرع الله، فقال له علي “لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا: لن نمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم فيئاً ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا”.

آراؤهم السياسية والدينية
خرجت بذرة انشقاق الخوارج عن جماعة المسلمين من منطلق رؤيتهم لشرعية الحاكم، ولعل أبرز آرائهم المعروفة هي تمردهم على توريث الحكم، كما اختلفوا مع الرأي السائد لدى أهل السنة الذي يشترط أن يكون الخليفة قرشي النسب، فهم يرون أن منصب الإمامة أو الخلافة يُعطى لمن يقدر عليه دون الالتفاف إلى نسبه ولونه، حتى أجاز بعضهم ولاية المرأة، بل رأت فرقة النجدات عدم الحاجة لوجود الحاكم أصلا إذا تمكنت الأمة من تدبير أمورها بنفسها.

شعار الأناركية

وبهذه الأفكار يمكن القول إن الخوارج سبقوا دعاة الحركات الأناركية (الفوضوية) المعاصرة، والتي تدعو إلى إسقاط الحكومات للتخلص من البيروقراطية والفساد والاستبداد وترك الناس يحكمون أنفسهم بأنفسهم في أضيق حدود التحكم.

وقد أوجب الخوارج الثورة على أئمة الجور والفسق والضعف، حتى قالوا إن الوجوب يقع على الأمة إذا بلغ عدد المنكرين على أئمة الجور أربعين رجلا، وهو العدد الذي يحقق ما أسموه “حد الشراء” أي شراء الجنة بالروح، كما أوجبوا على من أعلن الثورة أن يتابع القتال والاستبسال إلى أن ينقص عدد الثوار إلى ثلاثة فقط، وعندها يجوز لهم القعود وكتمان العقيدة، لذا نجد في تاريخهم قصصا عجيبة عن التفاني في القتال حتى الموت، حتى قيل إن شبيب بن يزيد لاقى ثلاثين رجلا منهم وهو على رأس جيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل.

ويقر الخوارج بصحة ولاية الخليفتين أبي بكر وعمر، كما يعترفون بصحة خلافة عثمان باستثناء السنوات الست الأخيرة من حكمه إلى درجة تكفير بعضهم له، كما يكفرون علياً لأنه قبل بالتحكيم، مع اختلاف فيما بينهم على درجة تكفيره.

ونظرا لغلوهم وتشددهم، قرر الخوارج الحكم بالكفر على مرتكبي الكبائر الذين يموتون قبل التوبة، وقالوا إنهم سيخلدون في النار مخالفين بذلك أهل السنة، وانعكس هذا المفهوم على تكفيرهم للحكام الذين ارتكبوا الكبائر، ليمتد إلى تكفير أمم كاملة لسكوتها على الظلم وقعودها عن الجهاد.

ولم يشتهر الخوارج بالاشتغال بالجدل العقائدي المعروف بعلم الكلام، فكانت تغلب عليهم البساطة الفكرية وانتماء الكثير منهم للبيئة البدوية التي تنبذ الاشتغال بالفلسفة والجدل، لذا لا نجد لديهم مذهبا عقائديا متماسكا أو ناضجا، وإن كنا نقرأ لديهم بعض الأفكار التي اقتربوا فيها من المعتزلة مثل قولهم بخلق القرآن.

ومع انقسام الخوارج إلى فرق عدة كما أسلفنا اختلفت بعض آرائهم، لكن التشدد ظل العامل المشترك بينهم جميعا، فعلى سبيل المثال تشدد الأزارقة في اعتبار ديار مخالفيهم ديار كفر، حتى حكموا على من أقام فيها بالكفر، بل رأوا أن أطفال الكفار سيخلدون في النار، أما الصفرية فكانوا أقل تشددا وحرّموا قتل أطفال المخالفين، كما لم يكفّر النجدات مرتكب الكبيرة إذا لم يصر عليها.

على من يُطلق وصف الخوارج؟
أصبح وصف الخوارج تهمة يتراشق بها الكثيرون في العصر الحديث، وبمجرد إطلاقها على جهة أو جماعة أو حزب يصبح من السهل على الجهات الأخرى الإفتاء بقتلها واستحلال دمها، لذا ينبغي تمييز صفات هذه الجماعة وتحديدها بدقة.

من خلال دراستنا لسيرة الخوارج، نلاحظ أنها مرت بثلاث مراحل، الأولى كانت قبل ظهور الخوارج وهي المرحلة التي حذر فيها النبي صلى الله عليه وسلم من ظهورهم، والثانية هي مرحلة ظهورهم الفعلي بدءا بعصر علي بن أبي طالب، والثالثة هي المرحلة اللاحقة على تشكلهم والتي بدأوا فيها بالانقسام والتفلسف.

في المرحلة الأولى، وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بصفات محددة دون أن يسميهم بأي اسم، وأهم صفاتهم الغلو في التمسك بالنص دون تعمق في معناه، والممارسة التعبدية القاصرة حيث يتجاوزون في ظاهرها تعبد الصحابة أنفسهم بينما لا يتجاوز تأثيرها إلى الباطن، والممارسة التعبدية المتعدية حيث يتعبدون بقتل المسلمين واستحلال دمائهم، وضعف التجربة وضعف التفكير (حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام).

في المرحلة الثانية، تأكد علي رضي الله عنه وبقية الصحابة من انطباق صفاتهم على حالهم كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ناقشهم ابن عباس فرجع منهم الكثيرون إلى السنة وبقي بعضهم مصرا على التمرد، ومن خلال هذه المناظرة يمكن استنتاج صفاتهم بدقة، وهي الغلو في التمسك بالنص دون تعمق في معناه، والتكفير بما ليس بمكفّر، سواء بسوء فهمهم لطبيعة الأمور المكفرة وذلك إما بأن يعدوا ما ليس بمكفر مكفرًا أصلاً، أو يأتوا إلى فعل غير مكفر ويسموه باسم فعل مكفر، أو بسوء فهمهم لوقائع التكفير ودلائلها حيث يتعجلون في تلك الوقائع ويجعلونها دالة على التكفير وهي ليست كذلك.

وفي المرحلة الثالثة نجد أنهم انقسموا إلى طوائف، كما تداخلوا مع الاتجاه الكلامي وصارت لهم آراء عقائدية قريبة من آراء المعتزلة، وفي هذه المرحلة ظهرت ثلاث تعريفات للخوارج باعتبارهم طائفة أو مذهبا، وهي كما يلي:

الأول اقتصر على مسألة التكفير، واعتبر الخارجي هو من يقول بأن مرتكب الكبيرة كافر. والثاني اقتصر على مسألة القتال، واعتبر الخارجي هو من خرج على ولي الأمر وحسب، أما الثالث فجمع بين المحدِّدَين: الفكري (التكفير) والعملي (القتال).

وإذا أردنا تطبيق هذه المعايير على الجماعات الجهادية الموجودة اليوم فقد يحدث لبس عندما نجد أنها لا تنطبق على بعضها، لأن بعض الغلاة اليوم لا يكفّرون مرتكب الكبيرة ولم يخرجوا على الإمام الشرعي، لكن هذا الحكم لا يُمثل لحظة التحقق التاريخي الأولى التي تشكل فيها مسمى الخوارج، لذا فإن التعريفات الثلاث المذكورة في المرحلة الثالثة ليست دقيقة تماما، وينبغي العودة إلى الصفات الأولى المحددة في الأحاديث والتي انطبقت على صفات الخوارج الذين قاتلهم علي ومن بعده.

عنصر من تنظيم الدولة الإسلامية

ويجب هنا أن نشير إلى مسألتين:
الأولى: ربط النبي عليه الصلاة والسلام بين الرجل الذي اعترض على حكمه وبين صفات الجماعة قبل ظهورها، ومع أن الرجل لم يقل بمقولات الخوارج التاريخية فقد ربط النبي بينه وبين هذه الصفات، وأهم هذه الصفات:

أن هذا الرجل يظهر بحالة من المزايدة في التدين من حيث التمسك بالعدالة وكأنه أكثر عدالة من النبي، وأنه يرفع شعار العدل، وهو شعار لا يُختلف عليه، كما أن الغلاة اليوم يرفعون شعارات من خير ما يقوله الناس، وأنه يحمل شعار تحقيق العدل وهو لم يفهم معناه ويتعجل في تفسيره، وأنه يستخرج من التفسير العجول لتصرف النبي حكمًا بعدم عدله كما يستنتج بعض الجهاديين الغلاة المعاصرين من خلال قراءتهم الظاهرة أحكامًا خاطئة، وأنه يريد أن يحقق المنافحة عن العدل ولكن من خلال التشكيك في عدالة النبي فهو يريد أن يصل إلى شيء دعت إليه الشريعة ولكن من خلال انتهاك أشياء أعظم.

الثانية: أشارت بعض الأحاديث إلى استمرار خروجهم إلى آخر الزمان، كما في حديث ابن عمر: “كلما خرج منهم قرنٌ قطعه الله” [حسنه الألباني وصححه الأرناؤوط].

وبناء على ذلك؛ فإن الكثير من الصفات الواردة في النص النبوي تنطبق على جماعة الدولة الإسلامية (داعش)، وعلى الجماعات الشيعية المتطرفة التي تقتل مخالفيها من أهل السنة بدافع ديني، غير أن الفارق بينهم وبين الخوارج أن طريقة الجماعات الشيعية في الاستدلال لم تكن تعتمد على ظواهر النصوص كما هو حال الخوارج، وإنما على مرويات منسوبة لبعض أئمة آل البيت، والنصوص لم تشر إلى منهج الاستدلال بقدر ما أشارت إلى سياقه العام وهو قراءة القرآن وعدم التعمق في معناه.

أما إذا طبقنا الصفات التي في النص على طائفة الإباضية اليوم -والتي تُصنَّف في كثير من الكتب على أنها الامتداد الوحيد المتبقي للخوارج- فقد لا ينطبق الكثير منها عليهم، لا سيما في العقود الأخيرة، حيث أصبحوا في الظاهر أقرب للمعتزلة من الخوارج، وقد فصل الإمام الأشعري في بيان اتفاق الطرفين في مسائل التوحيد والصفات وخلق القرآن [مقالات الإسلاميين 1/203]، كما يميل بعض المؤرخين المعاصرين إلى أن الإباضية أسيء فهمها وأنها بريئة من الانتساب للخوارج. [انظر: علي محمد الصلابي، الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج].

والله أعلم.


أهم المراجع

أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت.

محيي الدين يحيى بن شرف النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1972.

أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المجموع: فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، وزارة الأوقاف السعودية، 2004.

محمد عبد الله عنان، تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في المشرق، دار أم البنين، 1980.

محمد عمارة، تيارات الفكر الإسلامي،  دار الشروق، القاهرة، 2007.

علي محمد الصلابي، الخوارج: نشأتهم وصفاتهم، دار المعرفة، بيروت، 2014.

علي محمد الصلابي، الإباضية مدرسة إسلامية بعيدة عن الخوارج، 2019.

علي محمد الصلابي، عصر الدولتين الأموية والعباسية وظهور فكر الخوارج، دار البيارق، 1998.

ناصر بن عبد الكريم العقل، الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام، دار إشبيليا، الرياض، 1998.

ياسر المطرفي، مقال “في معنى الخوارج”، موقع مركز نماء للدراسات والبحوث، 9/3/2014.

عمار الصياصنة، مقال “صفات الخوارج في السنة النبوية”، موقع هيئة الشام الإسلامية، 16/2/2014.

الإنسان والدين

سنستعرض في هذا المقال قصة بدء وجود الإنسان، من خلال روايتين متوازيتين هما الوحي القرآني والنظريات اللادينية، وسنؤجل استعراض روايات أخرى باطنية لتأخذ حيزا أكبر في مقالات مستقلة. كما سنتحدث عن نشأة الدين من منظور الروايتين، فرواية الوحي تؤكد أن الدين ملازم لخلق الإنسان الأول، بينما تبحث النظريات اللادينية في أدلة الأحافير والرسوم والتماثيل الأولى وتضع التفسيرات الاحتمالية لاعتقادها المسبق بأن العلم لا يؤمن سوى بما يراه، ما يعني استبعادها لمفهوم الوحي من الأساس. وسنتوقف في مقالنا هذا عند حدود بدء التاريخ البشري مع ظهور الكتابة، وهي المرحلة التي سنتعرض لبعض تفاصيلها في مقال الوثنية.

بداية واحدة وروايات متعددة
يمكن القول إن هناك ثلاث روايات رئيسة لقصة الوجود، ومن خلالها يتم تصنيف العديد من التيارات والتوجهات التي تحكم رؤيتنا لأنفسنا وللعالم، ومن ثم تصوغ معتقداتنا الوجودية، ونلخص هذه الروايات بما يلي:

1- الرواية العلمية، ونحن نرى أن هذه التسمية بحد ذاتها ترجمة خاطئة لمصطلح science اللاتيني الذي يُقصد به العلم المادي الخاضع لشروط التجربة، أما كلمة “العلم” فهي أوسع من قيود التجربة وحدود المادة. ويبحث أصحاب هذه الرؤية في الوجود المادي من خلال المعطيات التجريبية التي يُفترض أن تقترب قدر المستطاع من النزاهة الموضوعية والتجرد عن الذات، ولعل المشكلة الأبرز لدى هذه الرواية هي افتراض أصحابها المسبق بأن العالم محصور أصلا بالمادة وحدها، ومن ثم استبعاد ما هو غير مادي (الميتافيزيقيا) من دائرة الوجود ذاتها فضلا عن طردها من دائرة البحث، وهذا افتراض فلسفي منحاز لا يدعمه دليل علمي (تجريبي). ومع أنه يحق للعالم التجريبي إخضاع الكائنات الحية وكافة الموجودات المادية للتجربة بحثا عن أصولها وقصة نشوئها و”تطورها” (إن وُجد التطور)، فإن الافتراض بأن العالِم التجريبي قادر على تقديم أجوبة على الأسئلة الوجودية هو مجازفة غير مضمونة، لأن معطيات العلم التجريبي لا تسمح أصلا بالتعرض لما هو خارج عن دائرة الحس، ما يعني أن الأجوبة ستكون مادية حصرا، أما الاعتقاد بأن تلك الأجوبة هي وحدها الصحيحة فهو تحكّم مسبق وغير منطقي. ومنذ بداية العصر الحديث يُقدِم الكثير من العلماء التجريبيين على هذه المجازفة دون التفات إلى تناقضها المنطقي، لكن آخرين يقدمون نتائج أبحاثهم مشفوعة بنقاش فلسفي، مع أن لجوء العالِم التجريبي إلى الفلسفة لا يخرجه من ورطته بل يعقّدها، فهو يسمح لنفسه بدعم رؤيته “غير العلمية” برأي فلسفي بينما يرد على منتقديه في الوقت نفسه بأنه رجل علم وليس من شأنه افتراض وجود عوالم غيبية أصلا، وكأن عجز أدواته عن الخوض فيما هو خارج عن تخصصه يسمح له بتخطئة الرأي المنبثق عن ذلك العالَم الخارج عن تخصصه.

رسم تخيلي ألماني يعود إلى عام 1888 لشخص يحاول اختراق عالم المادة واكتشاف ما وراء الطبيعة

2- الرواية الفلسفية: ونقصد بها كل ما يستند إلى الرأي، دون أن يكون مدعوما بتجربة علمية ولا بوحي سماوي. وقد تكون هذه الرواية وسوسة من عالم الشياطين (أو آلهة الشر والكائنات الظلامية كما يفترض البعض) لتضليل البشر، أو أسطورة خرافية صاغها خيال أديب مبدع أو كاهن دجال، أو رواية زعم أحد المتصوفة الروحانيين أنه تلقاها من مصدر مفارق عن طريق الكشف (العرفان) والإلهام، أو قد تكون محاولة جادة من قبل فيلسوف لتقديم أجوبة منطقية على الأسئلة الوجودية بما يتوافق مع العقل والحس. وحتى في حال افتراضنا أن واضع هذه الفلسفة أو الأسطورة كان صادق النية؛ فإن المشكلة تكمن في أن سقف العقل البشري محدود أصلا بما هو دون العوالم المفارقة التي يبحث فيها، ما يعني أن نتائج البحث لن تبلغ اليقين لاستحالة التحقق، كما أن افتراض التلقي عن طريق الكشف مشفوع بنظريات فلسفية مسبقة، فنتائج هذا البحث لا يمكن أيضا التحقق من صحتها إلا بتجربة شخصية ما يبقيها في دائرة الذاتية.

3- رواية الوحي: ونقصد بها الوحي الصادق الصادر عن الإله الواحد الحق، وهي رواية لا تتناقض ابتداءً مع معطيات التجربة وقواعد العقل، ويمكن ثانيا التحقق من صحتها من خلال التجربة والعقل، وطالما أن صحتها ثبتت بهذين الشرطين فمن المنطقي التصديق أيضا بما ينص عليه ذاك الوحي من أنه السبيل الوحيد المؤدي إلى الحقيقة والخلاص، وسنؤجل في رحلتنا هذه التحقق من صحة هذه الرواية إلى المراحل الأخيرة.

ولن يتسع هذا المقال لاستعراض الروايات الثلاث بتفاصيلها المتشعبة، فسنعرض أهم ما فيها ضمن المقالات اللاحقة، حيث يقدم مقال الغنوصية الرؤية الفلسفية الباطنية للخلق، كما تتشابه قصة الخلق لدى الكتب المقدسة لدى اليهود والنصارى (المسيحيين) مع ما ورد في القرآن الكريم (كتاب المسلمين المقدس)، وسنخصص مقالا منفردا لكل من اليهودية والمسيحية ونستعرض فيهما قصة الخلق.

بناء على كل ما سبق، سنعرض في هذا المقال قصتي ظهور الإنسان وظهور الدين، وسيكون عرضنا لكل منهما حسب روايتين متوازيتين، هما رواية العلم الحديث (وما يوافقه من الفلسفة المادية) ورواية الوحي.

أولاً: قصة الإنسان

الرواية الأولى: حسب العلم الحديث والفلسفة المادية
مع أن الإلحاد (جحود الخالق أو المصدر المفارق للكون) ليس نزعة حديثة، إلا أنه لم يحظ بالانتشار والتأصل إلا في العصر الحديث، وسنتعرض لارتباط هذه النزعة بسقوط قدسية الدين المسيحي وبشيوع العلم التجريبي كمصدر للحقيقة في مقال العلمانية، وما يهمنا هنا هو ظهور نظرية النشوء والارتقاء والتطور مع نشر تشارلز داروين كتاب “أصل الأنواع” عام 1859، فمع أن النظرية لا تتعرض للخلق نفسه، إلا أنها قدمت للمرة الأولى مستندا “علميا” يمكن للملحد أن يحاجج به للتخلي عن الإيمان بوجود خالق، بينما كان الملحد قبل ذلك مضطرا للجوء إلى الأفكار الغنوصية وتبرير وجود الكون بمصدر ما، الأمر الذي جعل الفلسفة والعلم والخرافة تتقاطع كثيرا في هذه الجزئية.

تشارلز داروين

وبعد داروين، أصبحت علوم التاريخ والاجتماع والنفس والأنثروبولوجيا (علم الإنسان) والإثنولوجيا (علم الأعراق) وغيرها تستند إلى مسلّمة (قاعدة) مفادها أن الإنسان تطور عن أسلاف غير عاقلة و”بدائية”، كما أصبح من مسلّمات الوسط العلمي أن أي رفض لنظرية التطور يعني بالضرورة اللجوء إلى نظرية الخلق (والتي باتت تسمى بالتصميم الذكي)، وذلك يفضي بحسب رأيهم إلى التخلي عن العلم والركون إلى الإيمان الديني، وهو أمر يرفضه الكثير من العلماء وغير المتخصصين في الغرب على السواء لأسباب تبدو لنا أنها نفسية.

وبحسب مخرجات نظرية التطور، تعود بداية قصة البشر إلى مخلوق بدائي عاش قبل 2.8 مليون سنة في شرق أفريقيا، وقد سُمي بالإنسان الماهر “هومو هابيليس”، ويُعتقد أنه تطور في سلسلة متصلة كان آخرها ظهور الإنسان العاقل “هومو سابينز” الذي يشبهنا قبل 200 ألف سنة.

ولن نخوض هنا في مناقشة نظرية التطور التي تتعرض منذ ظهورها لانتقادات حادة، ولا لمصداقية افتراض أن البقايا العظمية المكتشفة لتلك المخلوقات هي بالفعل تعود لأسلاف البشر، فالرسوم التي يقدمها العلماء لتخيل شكل الكائنات التي تعود لبعض العظام المكتشفة تتنوع بين خيارات كثيرة، كما أن بعضها يمكن أن يكون عائدا إلى كائن بشري يشبهنا تماما دون الحجة لافتراض أنه كان يشبه القردة ومكسوا بالشعر كما يرسمه التطوريون، فهذه التصورات مازالت مجرد افتراضات لتقديم أجوبة علمية على أصل الإنسان مع اتخاذ قرار مسبق بأنه لم يُخلق على هيئة كاملة دفعة واحدة ثم توالد أبناؤه من بعده [انظر مقال “وجود الله“].

ناشط أمريكي أراد أن يثبت للمتخصصين في علوم الأحياء (البيولوجيا) أن اقتناعهم بنظرية التطور الداروينية ليس قائما على أدلة علمية بقدر استناده إلى “الإيمان”، وتمكن من إحراجهم خلال 12 دقيقة فقط.

حجر عُثر عليه في كهف بولومبُس بجنوب أفريقيا (Chris. S. Henshilwood)

هذا على صعيد بقايا الهياكل العظمية، أما الآثار البشرية فيُعتقد أن أقدم ما تم اكتشافه منها حتى اليوم هو كتلتان حجريتان نُقشت عليهما خطوط هندسية، وقد عُثر عليهما في كهف بولومبُس بجنوب أفريقيا، ويعتقد أن عمرهما 77 ألف سنة (كما سيأتي لاحقاً)، مع أنه لا يمكن الجزم بصحة هذا التقدير.

وتواجه دراسة الأحافير وبقايا الكائنات الحية، وكذلك دراسة آثار البشر المرسومة والمنحوتة، صعوبات جمة يغفل عنها غير المتخصيين، فقياس عمرها يعتمد أساسا على اختبار الكربون المشع، ويعتقد الكثيرون أن هذا القياس يعطي نتائج دقيقة، ولا يدور في خلد القارئ غير المتخصص أن تلك النتائج المنشورة في المجلات العلمية المتخصصة عن أعمار الديناصورات وما يسمى بأسلاف البشر ليست دقيقة، لكن الحقيقية هي أن هناك أبحاثا كثيرة تؤكد أن قياس المواد المشعة في بقايا الكائنات الحية يختلط سهوا أو عمدا بقياس المادة المشعة للصخور والمعادن التي تحجرت فيها تلك الكائنات، فيصبح من الصعب الفصل بين عمر الديناصور وعمر الصخرة التي تحجرت عظامه فيها.

هناك أبحاث تم تقديمها على مدى عقود للتشكيك في الفكرة الشائعة عالميا عن أن الديناصورات انقرضت قبل عشرات ملايين السنين وأن الإنسان العاقل تطور لاحقا وكان ظهوره الأول قبل مئتي ألف سنة، لكن الجيولوجي الأمريكي “مايكل كريمو” ظهر في عدة لقاءات تلفزيونية خلال أربعينيات القرن الماضي متحدثا عن اكتشافاته التي تثبت العكس، وعن القمع الفكري الذي تعرض له من خلال الوسط الأكاديمي الذي يرفض أي مساس بنظرية داروين التطورية ومسلماتها.

ومنذ مطلع التسعينيات، حاولت الجيولوجية الأمريكية ماري شفايتزر جاهدة لإقناع العلماء بنتائج أبحاثها التي تثبت أن عظام الديناصورات التي وجدتها في حالة جيدة (ولاتزال تتضمن مواد عضوية غير متحللة) لا يمكن أن تعود إلى 65 مليون سنة، لكن المجتمع العلمي لم يبدأ بتقبل أفكارها إلا في السنوات الأخيرة، مثل مجلة “نيتشر” العلمية التي كتبت عن أبحاثها مقالا في أكتوبر 2012، وفي العام نفسه قدم الباحثان ماري كلير فان أوسترويتش وجان دي بونتشارا بحثا في مؤتمر بسينغافورة يؤكد أن بعض عظام الديناصورات لا يزيد عمرها عن 40 ألف سنة فقط، فسارع أعضاء المؤتمر إلى رفض البحث بحجة تعارضه مع المعطيات المتفق عليها في المجتمع العلمي.

إذن لم يصل العلم حتى الآن إلى جواب حاسم بشأن تاريخ أسلافنا الأوائل، وبغض النظر عن مناقشة مبدأ التطور نفسه، فإن مجرد افتراض أن أول البشر عاش قبل 200 ألف سنة هو قول غير مؤكد.

في هذا الرابط يقدم باحثون مسيحيون أدلة تاريخية كثيرة تدعم حجتهم في أن الإنسان والديناصورات عاشوا في فترة واحدة، ومع أننا لا نقدمها كدليل قطعي إلا أنها تكفي للطعن في مصداقية النظريات الشائعة في الوسط العلمي.

الرواية الثانية: حسب الوحي
سنؤجل الحديث عن مصداقية الوحي والتحقق من نسبته إلى الله تعالى لنعرضه مفصلاً في مقالات لاحقة، حيث سنكتشف في مقالي اليهودية والمسيحية أن الكتب التي ينسبها أتباع تلك الديانا إلى الوحي قد نالها التحريف، ثم سندرس في مقال تفصيلي آخر صحة نسبة الوحي القرآني إلى الله. إلا أننا سنضطر في هذا المقال إلى عرض رواية الوحي القرآني للاطلاع عليها، وحتى قبل أن نخوض في أدلة صحة القرآن نفسه.

لا يكشف القرآن عن تفاصيل كثيرة بشأن المرحلة السابقة لوجود الإنسان، فما يذكره هو أن الله خاطب الملائكة بقوله {إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} [ص: 71، 72]، وفي سورة أخرى نقرأ أن الله أخبرهم أن البشر سيكون خليفة، وهناك خلاف بين المفسرين بين من قال إن البشر خليفة لله في الأرض ومن قال إنه يعني أن الناس سيخلف بعضهم بعضا، وقد أجابت الملائكة بقولها {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 30]، واختلف المفسرون أيضا في سبب تنبؤ الملائكة بذلك، ولعل أهم الأقوال أنهم علموا ذلك بإعلام الله تعالى لهم وإن كان ذلك لم يذكر في السياق، أو أنهم قاسوه على أحوال الجن الذين ربما أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء قبل وجود آدم.

وعندما نُفخت الروح في جسد آدم، ابتدأت حياته بأن منحه الله العلم، {وعلم آدم الأسماء كلها} [البقرة: 31]، ثم تحدى الملائكة ليظهر أن لدى آدم من العلم ما لا تعرفه الملائكة.

وامتثلت الملائكة للأمر الإلهي بالسجود له تكريما، فمع أن الملائكة مخلوقات نورانية وهي لا تعصي الله أبدا، إلا أن آدم وجنسه كُرّموا من حيث امتلاكهم لحرية الإرادة والاختيار التي لا تملكها الملائكة.

وامتنع إبليس عن السجود تكبرا، وقال مخاطبا الله بشيء من التحدي {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}، فجاء الرد {فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها، فاخرج إنك من الصاغرين} [الأعراف: 13]، وقد طلب إبليس من الله أن يمهله ويطيل عمره إلى يوم القيامة، فكان له ذلك، وتعهد إبليس بأن يصب جام حقده وحسده على آدم وذريته ليغويهم ويحرفهم عن سبيل الحق، كما وعد بأن يسخر شياطين معه في هذه المهمة.

وفي سورة الأعراف: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} [الأعراف: 172، 173]، وبحسب كثير من المفسرين فإن هاتين الآيتين تلخصان مبدأ التكليف البشري، حيث خلق الله أرواح جميع البشر منذ خلق آدم، ثم أنطقهم الله وسألهم إن كانوا يقرون بأنه ربهم فشهدوا بذلك جميعا، ثم نُفخت تلك الأرواح في أجسادها بحسب الترتيب المقدر لها من عمر البشرية، لتدخل مرحلة الاختبار في الحياة الدنيا وتعيش بما يتوافق مع ما شهدت به منذ البداية، وهو الإيمان الذي يتوافق مع فطرتها البديهية، ثم ستُسأل يوم القيامة عن امتثالها لما أقرت به، وعندئذ سيسترجع البشر تلك الشهادة التي شهدوا بها منذ عصر أبيهم آدم، وسيعتذرون بالغفلة وبتقليد الآباء الذين ضلوا قبلهم.

ويؤكد هذا التفسير قول الله في سورة أخرى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا، ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما} [الأحزاب: 72، 73]. وثمة روايات كثيرة لتفسير هاتين الآيتين، وتكاد تتفق جميعها مع ما روي عن الصحابي ابن عباس الذي قال إن الأمانة هي الفرائض (أي التكليف)، فقبل أن يُكلف الله آدم وذريته بالعبادة ويمتحنهم بالدنيا عرض هذه المسؤولية على الموجودات المادية، فخشيت تلك المخلوقات من عاقبة ذلك وطلبت من ربها أن يعفيها، ثم عُرضت المسؤولية على آدم وبنيه، والأرجح أن يكون ذلك قد عُرض على كل إنسان بشكل فردي، فقبلوا جميعا دخول هذه المجازفة، مع علمهم بأن الفشل فيها يقتضي العقوبة، فجاء التعليق الإلهي بأن الإنسان كان ظلوما لعدم وفائه بالأمانة على الوجه الأمثل، وكان جهولا لعدم تقديره فداحة العاقبة الناجمة عن تفريطه بالأمانة.

ليست هناك رواية مؤكدة عن طريقة خلق حواء التي أصبحت زوجة آدم، لكن القرآن يوضح أنها خُلقت من جسده فيقول {ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} [النساء: 1]، وهناك خلاف بشأن الجنة التي قضى فيها آدم وحواء ردحا من الزمن، فالبعض يرى أنها الجنة التي سيؤول إليها المؤمنون بعد البعث، بينما يفسر آخرون النصوص التي تتحدث عنها بأنها كانت تصف جنة أرضية، وأن الهبوط منها كان هبوطا معنويا بمعنى الخروج، مثل الآية التي تقول لبني إسرائيل {اهبطوا مصرا}.

سواء كانت الجنة أرضية أم في مكان غيبي، فالذي يهمنا هنا هو أن الشيطان نجح في تنفيذ وعده من محاولته الأولى بإغواء آدم، فأقنعه مع زوجته بالأكل من الشجرة التي حرمها الله عليه، وكانت عاقبة ذلك خروجهما من الجنة لتبدأ بذلك قصة البشرية والتكليف والامتحان في الدنيا، مع وجود الشياطين التي تبذل جهدها لإغواء البشر.

ثانياً: قصة الدين

الرواية الأولى: حسب العلم الحديث والفلسفة المادية
أوضحنا في مقال “البحث عن الدين” أن مناهج علوم الأديان الحديثة تنطلق من مبدأ لاديني، حتى أصبح هذا المبدأ رديفا لمصطلح العلم نفسه، فلا يُعد البحث علميا -في الأوساط العلمية اليوم- إلا باستبعاده لأي تفسير يؤدي إلى الاعتقاد بوجود إله أو جهة غيبية. إلا أن هذا المبدأ تعرض للكثير من النقد، ما سمح في العقود الأخيرة بظهور تيار علمي يؤمن بنظرية “التصميم الذكي”، والتي تقدم نتائج علمية تؤكد أن هناك “مصمما ذكيا” وراء العالم المادي دون التعرض لماهية هذا المصمم تجنبا لإقحام العلم التجريبي في قضايا دينية، لكن تيار التطور اللاديني ما زالت له الغلبة في الأوساط العلمية غربيا وعالميا، وهو يشكل جماعة ضغط (لوبي) واسعة النفوذ ولديها القدرة على التأثير في العلوم الاجتماعية، والدينية على وجه الخصوص [انظر مقال “وجود الله“].

حجارة مدببة يعتقد العلماء أنها أنصال نحتها “نياندرتال” في أسبانيا قبل 350 ألف سنة

ووفقا للرواية التي يقدمها تيار التطور الدارويني، والتي تُدرس في المدارس والجامعات وتقوم عليها أفلام هوليود ووثائقيات القنوات العلمية وكافة الموسوعات الكبرى، فإن أولى السلالات البشرية في أفريقيا ظهرت قبل نحو مليوني سنة، حيث أُطلق اسم “هومو هيبيليس” (الإنسان الماهر) على كائن قيل إنه كان أقرب للقردة العليا إلا أنه قادر على تشكيل الأدوات الحجرية كالسكاكين، ثم قام هذا المخلوق منتصبا بعد نحو 100 ألف أو 200 ألف سنة واكتشف النار. ومع أنه ليس هناك أي دليل على أن ذلك الإنسان اكتشف النار بعد أن كان جاهلا بوجودها، فقد بنى الباحثون على هذه الفرضية غير المؤكدة فرضية أخرى وهي أن النار كان دافعا لظهور أولى علامات التدين والتفكير السحري والأسطوري نظرا لغموض النار وقدرته على بث الدفء وطبخ الطعام وطرد الوحوش، وافترض الباحثون أن النار بات مقدسا.

جمجمة يقال إنها لكائن نياندرتال اكتشف في فرنسا
(wikimedia/Luna04)

لم تترك تلك السلالات المفترضة سوى بقايا النار المحترقة والحجارة المسننة على هيئة سكاكين وأدوات بدائية، لذا فكل ما يقال عن معتقداتها وطريقة عيشها وما كانت تفكر به ليس سوى افتراضات.

افترض الباحثون أيضا أن “الإنسان المنتصب” بدأ النزوح نحو آسيا وأوروبا قبل 1.8 مليون سنة، وأنه تطور لاحقا إلى سلالة “نياندرتال” التي ظهرت قبل 350 ألف سنة، وأن هذا المخلوق كان يقدس الحيوانات بدليل العثور في كهوف جبال الألب على جماجم دببة مرتبة بطريقة خاصة ومحاطة بقطع من الحجارة، كما عُثر في أماكن أخرى على جماجم محفوظة لحيوانات الثور والماموث، فافترض الباحثون أنه كان يعبدها تقديسا لقدرات الحيوان الجسمية التي تفوق قدراته. ومن الواضح أيضا عدم وجود دليل على أنه كان يقدسها أو يعبدها، فربما كان يستخدم تلك العظام لأغراض أخرى تجميلية أو سحرية للتواصل مع الشياطين، أو لأغراض أخرى لا تخطر على بالنا اليوم.

تم العثور أيضا على مدافن لما يسمى بإنسان النياندرتال في فرنسا، حيث وُجد بجوار الهياكل العظمية آثار للنار ولحيوانات أخرى مدفونة معها ومقبض فأس حجرية، ووُضعت فرضيات تقول إن ذلك الإنسان كان يعتقد بأن الفأس ستحميه في حياته المستمرة بعد الموت وأن النار والحيوان كان لهما معنى روحي، وذلك دون وجود نص مكتوب أو شفهي يبرر هذا التفسير.

رأى آخرون أن وجود جماجم مكسورة لذلك الإنسان في إيطاليا وكرواتيا (وبعضها محروق)، يعني أنه كان يأكل أدمغة موتاه، ثم بُنيت على هذه الفرضية غير المؤكدة فرضيات التبرير الروحي بالقول إنه كان يعتقد بوجود روح في الدماغ وأنه يمكنه الحصول على قوتها بأكلها. علما بأنه ليس هناك دليل أصلا على وجود طقوس أكل الأدمغة فضلا عن التصديق بهذه التفسيرات.

جانب من رسوم كهف شوفيه

الرسوم الأولى
منذ عام 1879 بدأ اكتشاف الآثار المرسومة بيد إنسان ما قبل التاريخ، وكانت البداية مع كهف ألتاميرا في أسبانيا، ثم اكتُشفت رسوم مشابهة في كهوف بفرنسا وشمال أفريقيا وقُدر عمرها بما بين 11 ألف و19 ألف سنة. ثم اكتُشف كهف لاسكو العملاق في فرنسا والذي تحتفظ جدرانه بنحو ألفي رسم لحيوانات وبشر وأعمال صيد وطبعات أيدي وقُدر عمرها بنحو 17 ألف سنة، أما كهف “شوفيه” في فرنسا المُكتشف عام 1994 فقُدر عمر رسومه الجدارية بنحو 32 ألف سنة.

وبحسب تقديرات علماء الآثار فإن أقدم أثر صُنع بيدٍ بشرية هو كتلتان حجريتان عُثر عليهما في كهف بولومبُس بجنوب أفريقيا، ونُقشت عليهما خطوط هندسية يُعتقد أن يبلغ عمرها حوالي 77 ألف سنة كما ذكرنا سابقا، وقد تم اكتشافهما عام 2002. أما إنسان النياندرتال فيفترض علماء التطور أنه انقرض قبل 24 ألف سنة فقط، وأن سلالتنا الحالية سادت المشهد بعده.

اجتهد علماء الآثار والأديان والأساطير في محاولة تفسير الرسوم الكهفية، إلا أنها جميعا ما زالت تخمينات مجردة عن أي دليل، فلا يوجد أي مبرر أصلا لافتراض أنها ذات دلالة دينية أو سحرية فضلا عن محاولة استخراج ما وراءها من معان شعائرية، فقد تكون للزينة والتمتع بالفن، بل ربما كان من يرسمها يسعى للتسلية لا أكثر، لكن بعض الباحثين –مثل جوزيف كامبل- ذهبوا إلى افتراض أن تكون تلك الكهوف بمثابة المعابد الأولى، ثم تابع باحثون آخرون -مثل فراس السواح وخزعل الماجدي من العرب- مسيرة وضع السيناريوهات التفسيرية، مثل افتراض تقديس الإنسان البدائي للحيوانات المرسومة على الجدران استحضارا لقوة العالم الحيواني الموازي، طمعا في الاتصال بعالم غيبي.

وضعيتان لتمثال “فينوس هول فلس”

التماثيل الأولى
يقول المؤرخون إن الإنسان “البدائي” انتقل لاحقا من الرسم والتلوين إلى النحت والتجسيم، فظهرت “تماثيل فينوس الصغيرة”، حيث اكتُشفت خلال القرن العشرين في عدة مناطق أوروبية تماثيل أنثوية صغيرة متشابهة، وأطلق عليها اسم “فينوس” تشبيها لها بآلهة الحب اليونانية، بالرغم من عدم وجود دلائل تربط بين هذه التماثيل وبين أي بُعد أسطوري، ويقول الآثاريون إن أقدمها هو “فينوس هول فِلس” الذي اكتُشف في ألمانيا والمُقدر عمره بما بين 35 ألف و40 ألف سنة.

بعض هذه التماثيل كان منحوتا في جدران الكهوف مثل كهف لاوسيل في فرنسا، وحجمها يتراوح بين 3 سم و40 سم، لذا يُطلق عليها البعض اسم الدمى، وقد نُحتت على هيئة غريبة حيث ضُخمت أثداؤها وبطونها، فرجّح الباحثون أن الإنسان آنذاك كان يبجل وظائف الأمومة فسلط اهتمامه على أعضاء الخصوبة والحمل والإرضاع، في مقابل طمس ملامح الوجه. وفي مراحل لاحقة ظهرت دمى تحمل أشكالا أكثر غرابة، بوجوه أفعوانية وأجساد خنثوية تجمع بين الأثداء وأعضاء الرجل، ما يعني احتمال أن تكون لهذه التماثيل أغراض سحرية شيطانية، كما وُجدت تماثيل صغيرة للرجال ولكن بعدد أقل من للإناث ما دفع الباحثين للاعتقاد بأن القدماء قدسوا الأنثى قبل الذكر.

يستند الباحثون في ربط هذه الدمى بالعبادات الوثنية إلى التشابه بينها وبين تماثيل فينوس وشبيهاتها التي ظهرت بعد اختراع الكتابة (التاريخ)، فعلى سبيل المثال تتشابه دمية مكتشفة في تل المريبط بسورية (يقدر أنها تعود للألف الثامن قبل الميلاد) مع تماثيل الإلهة عشتار التي ظهرت بعد نشوء الكتابة، ما يعطي الباحث مبررا للاعتقاد بأن الدمى البدائية التي ضُخمت فيها الأثداء والعضو التناسلي كانت ترمز فعلا لتقديس الخصوبة مع ربطها بخصوبة الأرض. ومع ذلك، لا نملك دليلا مؤكدا على نوايا صانعي تلك الدمى قبل ظهور الكتابة، فربما كانت آلهة تُعبد، وربما كانت تُستخدم لأغراض سحرية بهدف إيذاء امرأة ما، بل يقترح البعض أنها لم تكن سوى تجسيد لدوافع المتعة الجنسية.

أنصاب ستونهنج في بريطانيا

المعابد الأولى
يعتقد باحثون أن أولى المعابد ظهرت على هيئة كتل صخرية ضخمة أطلقوا عليها اسم “الأنصاب الميغاليثية” وهو مصطلح تم تأليفه بالأسبانية من مقطعين ويعني الأنصاب الحجرية الضخمة، وما زالت بقايا تلك الإنشاءات العملاقة في تركيا ومصر والشام وأوروبا الغربية والشمالية تذهل الباحثين أمام قدرة “البدائيين” على نصب كتل حجرية تزن 300 طن رأسيا ثم رفع كتل أفقية عليها بوزن 100 طن لكل منها.

وهناك عدة أشكال لبناء تلك الأنصاب، وقد اكتُشفت بالقرب من بعضها مدافن صخرية، ما دفع كثيرا من الباحثين للاعتقاد بأن “الديانة الميغاليثية” تتعلق بتقديس أرواح الموتى، حيث كانت منازل الفلاحين في العصر الحجري الحديث (النيوليت) متواضعة جدا ولا يكاد يُعثر لها على أثر، بينما نُصبت للأموات مدافن ومعابد بالصخور الضخمة التي ما زالت قائمة بعد قرون.

يُعد موقع “غوبكلي تيبي” في تركيا -الذي يضم 20 معبدا- أقدم المواقع الدينية المكتشفة حتى اليوم، ويعود تاريخ اكتشافه إلى عام 1994، أما تاريخ بنائه فيعود إلى ما قبل 12 ألف سنة تقريبا، أي إلى أواخر العصر الحجري الحديث، حيث يتوقع الألماني كلاوس شميدت الذي أشرف على التنقيبات في الموقع أنه كان أكبر موقع للعبادة والحج في العالم القديم، وأن القبائل كانت تقصده من أماكن بعيدة، ومازالت حجارته تحتفظ بنقوش تصوّر أشخاصا ونساءً عاريات وحيوانات أسطورية وبرية وحشرات وطيور.

وحسب النظريات التي تقول إن الإنسان كان يعتمد على الصيد وجني الثمار قبل أن يبدأ بالزراعة وتدجين القمح، فإن بناء “غوبكلي تيبي” تزامن مع هذه المرحلة الانتقالية التي شهدت تغيرا كبيرا في مناخ الأرض وانحسار الغابات والأنهار وانقراض أو انخفاض أعداد كثير من الحيوانات، وبعد أن كان الباحثون اللادينيون يفترضون أن الناس تعلّموا الزراعة أولا ثم انتقلوا من حياة البداوة إلى إنشاء مجتمعات حضارية فإن اكتشاف هذا الموقع دفع علماء آخرين إلى افتراض العكس، حيث كان يُعتقد أن المعابد لم تظهر إلا بعد تشكل المدن والحكومات والتفرغ لإنشاء المعابد، لكن الاكتشاف الأخيرة يؤكد أن الدين كان سابقا على ظهور الحضارة، وهو ما يلخصه شميدت بقوله “المعبد ظهر أولا، ثم ظهرت المدينة”.

اكتشاف معابد “غوبكلي تيبي” في تركيا دفع بعض الباحثين إلى إعادة النظر في أفكارهم عن الإنسان “البدائي”، حيث يبدو أن الناس كانوا يمتلكون الكثير من مقومات الرفاه والسعادة، وربما أكثر مما وفرته الحياة في المدن بعد نشوء الحضارة.

(gobeklitepe.info)

يُعتقد أن رموز الكتابة الأولى ظهرت للمرة الأولى في العراق قبل 8500 سنة، لكن التأريخ لم يبدأ إلا على يد السومريين قبل خمسة آلاف سنة تقريبا، حيث تركوا لنا أساطيرهم ورواياتهم مكتوبة ومفهومة، بينما لا يمكن فهم ما كانت عليه معتقدات من كان قبلهم سوى بالمقارنة والتأويل والتخمين.

ويرى باحثون أن ظهور الحضارة نفسها تزامن مع ظهور الكتابة والتأريخ، فالناس كانوا يعيشون قبل ذلك في قبائل، وبدون تنظيم لحدود الدول وسياسة الحكم، لذا لم ترتبط معابد ما قبل التاريخ بنظام حكم وثني مؤسسي قائم على التوافق بين الملك والكهنوت، وهو ما حدث عندما ظهرت الدول الحضرية للمرة الأولى في العراق كما يُخبرنا التاريخ المدون، لكن هذا لا يمنع نشوء حضارات سابقة دون أن تكتب تاريخها.

وسنبحث في مقال الوثنية نشوء هذا النمط من الدين المؤسسي الكهنوتي. ومع أنه لا يختلف عن وثنية ما قبل التاريخ من حيث كونه انحرافا عن الوحي، إلا أنه كان أكثر ارتباطا بالسلطة الحاكمة وأكثر رسوخا في المجتمع.

نقد المنهج المادي
تستند جميع الأبحاث التي تعرضنا لنتائجها سابقا إلى مخرجات علم الأنثروبولوجيا، أي “علم الإنسان”، وهو مجال بحثي ظهر في العصر الحديث ويربط ما بين العلوم الاجتماعية وعلوم الحياة، والعلوم الإنسانية، أي أنه يستفيد من نتائج أبحاث التشريح القائمة أساسا على نظرية التطور، وكذلك من نتائج علمي الاجتماع والنفس، فهو يرصد سلوك الجماعات البشرية من خلال المنظور البيولوجي التطوري.

ويقوم هذا العلم منذ نشأته على البحث عن القبائل المعزولة في غابات أفريقيا والأمازون وأستراليا لدراستها، وافتراض أنها ما زالت تعيش وفق نمط حياتها الراكد منذ آلاف السنين، كما يقوم على دراسة الأحافير والنقوش والأساطير لرسم صورة عامة عن حياة القبائل “البدائية” قبل التاريخ. لكن هذا المنهج ما زال يتعرض لانتقادات منهجية كبيرة منذ نشأته، وأهمها ما يلي:

1- ليس هناك دليل ينفي إمكانية انحدار المجتمعات “البدائية” عن مجتمعات كانت أرقى سلوكا وأكثر تحضرا، وأن ما نراه اليوم من قبائل تعتاش على الصيد ليس سوى حالة انتكاس عن أسلاف متحضرين.

2- هناك الكثير من الباحثين الرواد في هذا العلم ممن أمضوا بضع سنوات في العيش مع تلك القبائل، ثم وضعوا مؤلفات تصف طريقة عيشهم وثقافتهم، وبنى آخرون عليها نظريات علمية ما زالت تُدرس في الجامعات، ويرى النقاد أن هذا لا يكفي لفهم طبيعة حياة البشرية كلها، وأنه تعميم مجحف.

3- تستند معظم الأبحاث في تفسيرها للسلوك والعادات الاجتماعية والتقاليد على أساس الأسبقية الزمنية، فما كان سابقا فهو الأصل، وما جاء لاحقا فلا بد –وفقا لهذا المنهج- أنه اقتبس عن الذي قبله، وهذا افتراض بلا دليل، كما أنه تجاهل لقدرة الإنسان على الفكر والإبداع حتى لو لم يكن لديه اتصال بمن سبقه. كما أن بعض التقاليد قد تتشابه في ظاهرها إلا أنها تختلف كثيرا في وظيفتها وأصلها.

4- من أهم الانتقادات التي باتت شائعة اليوم أن معيار التقدم والتخلف ليس بالبساطة التي يفترضها رواد هذا العلم، فالاكتشافات المتتالية تثبت أن القدماء تمتعوا بعلوم متقدمة للغاية، وأن أنماط الحياة نفسها لم تكن دائما على النحو “البدائي” المفترض، فقد تركوا لنا ما يثبت تمتعهم بحس ذوقي وتقدير عال للجمال والفنون والآداب.

لذا يقترح باحثون معاصرون إعادة النظر في مصطلح “البدائية” لصعوبة وضع تعريف علمي له، فالإنسان “البدائي” كان يفكر بنفس المنطق الذي يفكر به الحداثي، وإذا كانت بعض الشعوب القديمة قد آمنت بالأساطير لتفسير الظواهر الطبيعية فهناك شعوب قديمة أخرى لم تؤمن بها، كما أن معظم تلك الأساطير ما زالت حاضرة اليوم في عقول ملايين البشر، بل لا تكاد تخلو حياة الإنسان الغربي الحداثي من الاعتقاد ببعض الأساطير.

يقول المؤلف لويس ممفرود في كتابه “أسطورة الآلة” إن الأنثروبولوجيين ارتكبوا جريمة في حق إنسان ما قبل التاريخ، حيث اعتبروا أن الأشياء المادية من العظام والحجارة هي البرهان الوحيد الذي يمكن قبوله لفهم حياة الإنسان “البدائي”، فالشعائر الدينية واللغة والتنظيم الاجتماعي التي لم تترك أثرا ماديا كانت أهم ما أنتجه الإنسان آنذاك، ومع أن بعض القبائل الأسترالية على سبيل المثال لم تتمتع باختراعات تقنية متقدمة؛ إلا أن احتفالاتها الدينية منظمة جدا، وهي تملك لغة غنية للغاية.

الرواية الثانية: حسب التراث المنسوب للوحي والقرآن

مرحلة آدم وابنه شيث
سنعرض لاحقاً في مقال “نبوة محمد” ما يؤكد حاجة الإنسان للاتصال بخالقه، كما سنتحدث عن أدلة صحة النبوة باعتبارها الوسيلة الوحيدة الموثوقة لهذا الاتصال، إلا أننا مضطرون في هذه المرحلة إلى الاكتفاء بالسرد التاريخي المبدئي لرواية الوحي (التي جاء بها النبي محمد).

يؤكد الوحي المحمدي أن آدم كان أول البشر وأول الأنبياء معا، ففي الحديث قال أحد الصحابة: يا رسول الله، أنبيّ كان آدم؟ قال: “نعم معلَّم مكلَّم”، وقد ورد هذا الحديث بعدة طرق وصححه الأرناؤوط والألباني. وفي حديث آخر قال أبو ذر: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ فقال صلى الله عليه وسلم “المسجد الحرام”، قال ثم أي؟ قال “المسجد الأقصى”، قال كم كان بينهما؟ قال “أربعون سنة” [البخاري: 3366، ومسلم: 520]. ونستنتج من الحديث أن آدم بنى أول معبد لعبادة الإله الواحد منذ فجر البشرية، ثم بُني المسجد الأقصى في بيت المقدس بفلسطين، ولا ندري إن كان آدم هو الذي بناه أم أحد أبنائه.

وبالرغم من عدم ظهور الشرك في تلك المرحلة، فقد ارتكب أحد أول أبناء آدم الجريمة الأولى، عندما قتل قابيل أخاه هابيل بدافع الغيرة وفقا لما ورد في الكتاب المقدس والقرآن الكريم، إلا أن الانحراف عن الدين نفسه لم يظهر إلا في مرحلة متأخرة.

وبحسب القصص الإسرائيلية، يُعتقد أن الله وهب آدم ابنه شيث عوضا عن هابيل القتيل، وأن شيث كان ثاني الأنبياء بعد أبيه، وليست في أيدينا اليوم تفاصيل إضافية عن حياة شيث، سواء من الوحي أو من الكتابات التاريخية. وتقول القصص التوراتية إن النبي إدريس (أخنوخ بالعبرية) جاء في الجيل الرابع من أحفاده، وسنبحث في مقال الغنوصية الأفكار الهرمسية التي نُسبت إلى إدريس (هرمس لدى بعض الحضارات)، بينما نستعرض في هذا المقال لاحقاً نبذة عن وجوده التاريخي.

وبما أن تلك المرحلة من حياة البشر لم تترك لنا شيئا مكتوبا عن تاريخها، كما لم تذكر لنا نصوص الوحي الإسلامي متى خُلق آدم وكم هي المدة التي تفصلنا عنه، فليست لدينا سوى نصوص قليلة جدا (من بين المكتشف حتى الآن) يمكن الاستئناس بها عن تاريخ تلك المرحلة السابقة للتاريخ، وأولها نص طيني يدعى “قائمة ملوك سومر”، قُسم فيه التاريخ السومري بالعراق إلى ما قبل الطوفان وما بعده.

قائمة ملوك سومر

يُعتقد أن “قائمة ملوك سومر” كُتبت في حوالي عام 2000 قبل الميلاد، وهي تقول إن أول ملوك البشرية هو “إلوليم” (ربما يكون آدم عليه السلام) الذي خرج من الجنة وأنشأ مدينة إريدو (تل أبو شهرين) في العراق بأمر من الإله إنكي، وبقي في الحكم 28 ألف و800 سنة، وتلاه سبعة ملوك كانت مدة حكم كل منهم تتراوح بين ما يقارب 43 ألف سنة ونحو 18 ألف سنة، ثم كان الطوفان الذي أهلك معظم البشر، وأصبحت أعمار الناس بعده أقصر بكثير، ثم سرعان ما نقصت أعمارهم خلال بضع سلالات حتى أصبح متوسط العمر نحو مئة سنة. [Sumer and the Sumerians, p. 24].

ويرى بعض المؤرخين أن كاتب النص أطال في أعمار ملوك ما قبل الطوفان إلى هذه الأرقام الضخمة لأنه لم يجد سوى ثمانية أسماء تملأ تلك الفترة، إلا أن النصوص اليهودية والمسيحية والإسلامية تؤكد على أي حال أن أعمار الناس في تلك الفترة كانت في حدود ألف عام، وقد أجرينا حسابا لمجموع مدة حكم ملوك هذه المرحلة (منذ حياة آدم وحتى بدء التاريخ المدوّن) فكانت النتيجة هي 241 ألف و200 سنة.

وإذا كان تأريخ “قائمة ملوك سومر” لقصة الإنسان منذ ما قبل التاريخ صحيحاً، فهذا يعني أن الإنسان لم يعش في مراحل بدائية متنقلا عبر أربعة عصور حجرية، تبدأ بالرعي والتقاط الثمار وتنتهي بتأسيس المدن والحضارات، بل كان آدم (أول البشر) هو مؤسس أولى الحضارات بتأسيسه لمدينة إريدو، ثم حدث الطوفان بعد عدة قرون ليعاد تأسيس الحضارة من جديد ويبدأ التاريخ مع ظهور الكتابة. لكن تصديق هذه الرواية سيظل مرهوناً بصحة ما جاء في تلك القائمة وصحة تأويلنا لمضمونها، وهما افتراضان لا يمكن الجزم بهما، كما أن تكذيب بعض ما جاء فيها -إن حدث- لا يعني بالضرورة أن كل ما فيها كذب محض.

من جهة أخرى، تؤمن طائفة المندائيين -التي يعيش أفرادها القلائل اليوم في العراق- أنها ما زالت تحتفظ بالكتب السماوية التي أنزلت على آدم وشيث وإدريس. وفي الوقت نفسه يقول الباحث العراقي خزعل الماجدي إن المندائيين هم ورثة الحضارة البشرية الأولى، فهم الذين أسسوا مدينة إريدو بعد الطوفان وقبل ظهور السومريين.

 يؤمن المندائيون بأن كتابهم المقدس “الكنز العظيم” (كنزا ربّا) هو كلام الله ووصاياه الموحى بها إلى النبي آدم قبل نزوله إلى الأرض، كما يضم وصاياه إلى أنبياء آخرين، وهم شيتل بن آدم (شيث)، أنوش بن شيتل، نو (نوح)، سام بن نو (سام بن نوح)، دنانوخ (إدريس)، ويهيا يهانا (يحيى بن زكريا).

وبالجمع بين الروايات قد يصح القول (دون جزم) إن المندائيين كانوا من قوم آدم الذين أسسوا أولى المدن والحضارات (إريدو)، ومن بقي منهم بعد طوفان نوح أعادوا تأسيس مدينتهم نفسها لتصبح موطن الحضارة المعروفة في التاريخ المدون اليوم، ثم تفرعت عنهم بقية حضارات الرافدين.

ومن بين النصوص التي تشير إلى حضارات ضاربة في القدم قبل التاريخ برديّة تورين (نسبة إلى متحف تورين الإيطالي)، التي تشير باقتضاب إلى التاريخ الغابر للحضارة المصرية، فهي تتحدث عن أكثر من 340 ملكا قبل الأسرات الحاكمة التي شاعت تسميتها بالفراعنة.

ويرجع تاريخ هذه الوثيقة المكتوبة على ورق البردي إلى عصر الملك رمسيس الثاني، واكتشفت في القرن التاسع عشر. ومع أنها وثيقة مهشمة وتفتقد لأجزاء كثيرة، إلا أن المؤرخين وجدوا فيها إشارة إلى أن الحضارة المصرية تعود إلى عصر يسمى عصر الآلهة ويمتد إلى نحو سبعة آلاف سنة، وهذا يشبه ما ذكره هيرودت عن عصر ملكي مصري قديم عمره أكثر من 11 ألف سنة.

أضف إلى ذلك ما نقل عن كتاب لمؤرخ يدعى مانيتون، يعتقد أنه احترق في حريق مكتبة الإسكندرية على يد الزعيم الروماني يوليوس قيصر، فتأريخ مانيتون للحكم في مصر يمتد إلى حوالي ثلاثين ألف سنة.

إدريس النبي وهرمس الحكيم
هناك تضارب كبير بشأن شخصية هرمس، فبينما يفترض البعض أنها شخصية أسطورية نُسب إليها خليط من الأفكار والأساطير، يقول البعض إن هناك ثلاثة هرامسة في التاريخ القديم، الأول كان يسكن في صعيد مصر وهو الذي بنى الأهرام وسجل فيها الصناعات والآلات كي لا تضيع العلوم في طوفان نوح، والثاني هو الذي بنى بابل بعد الطوفان وبعد عصر النمرود، والثالث كان مصريا أيضا.

ويتفق كثير من المؤرخين المسلمين على أن هرمس الأول هو النبي إدريس عليه السلام، ويسمى أخنوخ (وكذلك إنوخ وخنوخ) بالعبرية، وقد اشتق العرب اسمه من كلمة درس أي أنه الدارس الحكيم.

ونجد لهذه الشخصية ذكرا في تراث الفرس واليونان والكلدانيين والفراعنة مع اختلاف بسيط في التسمية، وكأنه شخص واحد لكن الأمم اختلفت في تسميته بما يناسب لغاتها، أو أن عدة حكماء لاحقين جاءوا بعده وتمت تسميتهم باسمه “هرمس” أو “هرمز” تيمّنا به. وقد درجت تسمية هرمس الأول باسم هرمس المثلث بالعظمة أو المثلث بالحكمة لأنه جمع بين الحكمة والنبوة والملك.

وبحسب العهد القديم من الكتاب المقدس لدى اليهود، فقد ورد نسب أخنوخ على أنه ابن يرد بن مهلائيل بن أنوش بن شيث بن آدم، وأنه أبو جد نوح. وهو نسب يتطابق تقريبا مع ما ورد عن ابن عباس، كما روي عن الصحابي أبي ذر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء، فأخبره عن عددهم ثم قال “أربعة سريانيون: آدم وشيث ونوح وخنوخ وهو إدريس، وهو أول من خط بقلم”، وهو حديث ضعيف رغم وروده بأربعة طرق. وإذا كان هو أول من خط بالقلم فعلاً فهذا يعني أن الكتابة بدأت في عصره، وأن الوحي الذي أنزل على الأنبياء الذين قبله كان يُنقل شفهياً، لكن أقدم ما وصلنا من التاريخ المدون يعود إلى الحضارة السومرية التي نشأت بعد الطوفان، وليس بين يدينا الآن نص مكتوب مما قبل ذلك.

ونقل المؤرخون المسلمون روايات عن حياة إدريس تداخلت فيها الإسرائيليات غير المؤكدة، ففي كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري عايش إدريس آدم وشيث وكان ثالث الأنبياء، وأنزلت على إدريس ثلاثون صحيفة (أي كتاب سماوي)، وأن بدء انحراف البشرية عن عبادة الله في عصره عندما عبدوا الأصنام بدعوة من إبليس، فحمل إدريس وأتباعه السلاح وكان أول من جاهد في سبيل الله، ولكن هذا القول غير مؤكد، وثمة تفسيرات أخرى لدى المسلمين تميل إلى أن الوثنية بدأت في عصر نوح وليس إدريس، وأن إدريس تابع مهمة آدم وشيث في تعليم الناس وإرشادهم إلا أنه لم يواجه معضلة إعادتهم إلى التوحيد لأن الوثنية لم تكن قد ظهرت بعد.

وهناك حديث لأبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم وصححه ابن حبان، جاء فيه أن الله أنزل مئة كتاب وأربعة كتب وأنه أنزل على خنوخ (إدريس) ثلاثين صحيفة.

ومع إقرار التوراة بأن إدريس تلقى وحيا مكتوبا من السماء، فإن “سفر أخنوخ” المنسوب إليه لا يُعترف به إلا من قبل الكنيسة الأثيوبية التي تعتبره جزءا صحيحا من الكتاب المقدس، وقد تم اكتشافه ضمن مخطوطات البحر الميت في نسخة مكتوبة باللغة الآرامية يعود تاريخها إلى مائة عام قبل الميلاد، وهي تتضمن إشارات لنبوة محمد في آخر الزمان. وسنتعرض للوثنية -التي نعتقد أنها طرأت على رسالة إدريس التوحيدية في مصر- بموضع لاحق من هذا المقال.

النبي نوح وقومه
بحسب العهد القديم من الكتاب المقدس (التوراة التي يؤمن بها اليهود اليوم) فإن نوح كان ابن حفيد إدريس، وقد نشأ في الجيل العاشر بعد آدم، كما نجد ذكر نوح في كتاب “الكنز العظيم” وهو الكتاب المقدس لدى طائفة المندائيين الذين يقيمون حاليا في العراق، وهو يدعى في كتابهم “نو”، وما زالوا يقيمون احتفالا دينيا كل عام في ذكرى الطوفان.

وعلى صعيد الأساطير، نجد ذكر نوح (بطريقة محرّفة) في كل من ملحمتي جلجامش وأتراحاسيس اللتين سيرد ذكرهما في هذا المقال لاحقا، كما نجد أن “قائمة ملوك سومر” المذكورة أعلاه قد قسمت قصة الإنسان أصلاً إلى ما قبل الطوفان وما بعده.

بحسب الرواية الإسلامية للتاريخ، ظلت البشرية على قلة عددها مؤمنة بالله وعلى ديانة أبيهم آدم، إذ يقول القرآن الكريم في سورة البقرة {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه}، وقد فسر ابن عباس الآية بقوله “كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين” [أخرجه الحاكم في المستدرك]، ولعله اقتبس هذا المعنى من حديث يقول إن رجلا قال: يا رسول الله، أنبيّ كان آدم؟ قال: نعم معلَّم مكلَّم، قال: كم بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون. قال: كم كان بين نوح وإبراهيم؟ قال: عشرة قرون. قالوا: يا رسول الله كم كانت الرسل؟ قال: ثلاثمائة وخمس عشرة جمًّا غفيرا. وقد ورد هذا الحديث بعدة طرق وصححه الأرناؤوط والألباني، والراجح أن كلمة قرن ليست محصورة بمئة سنة كما هو متداول في عصرنا بل قد تعني الجيل والأمة، فربما يكون القرن أطول لأن أعمار الناس آنذاك كانت طويلة جدا.

وفي حديث الشفاعة يوم القيامة، يذهب الناس إلى نوح ويقولون له {يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض} [أخرجه مسلم وهو حديث صحيح]، ويبدو من هذين الحديثين أن آدم وشيث وإدريس كانوا أنبياء، إلا أنهم لم يُكلفوا بالرسالة لأن الناس في العصور الأولى كانوا على الإيمان، فربما كانت الصحف (الكتب) التي أنزلت على الأنبياء الثلاثة الأوائل لا تتضمن رسالة إلى الناس بل مواعظ ونصائح ونبوءات، كما يُحتمل أن يكونوا رُسلا وأن يكون تأويل الحديث السابق هو أن نوح كان أول المرسلين إلى كافة أهل الأرض بعد أن مات معظمهم ولم يبق إلا قومه الناجون فكان رسولا إليهم وهم يمثلون كل البشرية.

جاء في حديث قدسي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه {وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا} [رواه مسلم وهو صحيح]. وهذا يفسر الآية التي وردت في سورة نوح بالقرآن الكريم، عندما شكى نوح قومه إلى الله، فقال من بين ما قاله عنهم {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا}، وقد شرح الصحابي عبد الله بن عباس هذه المصطلحات بقوله إنها “أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عُبدت” [رواه البخاري]، أي أن أول جيل بشري عبَد الأصنام هو قوم نوح، وأن ذلك لم يحدث إلا بعد تدخل إبليس، حيث دبر خطته بدهاء وصبر طال عدة أجيال، ففي الجيل الأول أقنعهم بصناعة التماثيل لتكون تذكارا للأموات الصالحين، ثم تطلب الأمر مرور عدة أجيال لينسى الناس سبب صناعتها، فقال إبليس للأحفاد إن أجدادهم صنعوا التماثيل ليعبدوها فتنزل عليهم المطر والرحمة فعبدوها، فأرسل الله إليهم رسوله نوح ليأمرهم بالعودة إلى الإيمان.

ويقول القرآن الكريم في سورة العنكبوت {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون}، أي أن دعوته لهم استمرت 950 سنة، حتى يئس منهم فاشتكى إلى ربه، وقد روى لنا القرآن في “سورة نوح” شكواه التي تؤكد أنه لم يترك سبيلا ممكنا لدعوتهم إلا سلكه، فلم يجد منهم سوى التكبر والسخرية والإصرار على الفساد والإفساد، وقالوا {يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا}، {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن}، وعندها دعا نوح ربه بأن يهلكهم ويأت بقوم آخرين: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، إنك إن تذرهم يُضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا}، ويقال إن من رحمة الله أن أوقف نسلهم فلم تلد النساء أربعين سنة حتى لا يبقى بينهم طفل فيلحقه العذاب وهو غير مُكلَّف، ثم أمر الله نبيه نوح ببناء سفينة وأن ينتظر الإشارة التي تنبئه بموعد الطوفان، فحمل معه الذين آمنوا به وزوجين من كل الحيوانات التي كانت تعيش في المنطقة.

الموقع الذي يعتقد البعض أن سفينة نوح رست فيه
(wikimediaMfikretyilmaz)

تتفاوت الروايات الإسرائيلية عن عدد الذين كانوا معه والمدة التي قضوها في الماء بعد أن تفجرت الينابيع وانهال المطر حتى ملأ الماء اليابسة، لكن القرآن الكريم اكتفى بالقول إن السفينة رست بعد ذلك على جبل الجودي، بينما تقول الرواية اليهودية إنه جبل أرارات، والراجح أن أرارات هي سلسلة من الجبال وليست جبلا واحدا وأن الجودي جزء منها، وقد اكتُشف عام 1948 أثر يُرجح أنه للمكان الذي استقرت فيه السفينة على سفح الجودي، وكُشف في الحفريات عن بقايا المسامير المعدنية التي يعتقد أنها استُخدمت في بناء السفينة وعن ألواح خشبية متحجرة بما يتوافق مع الآية القرآنية {وحملناه على ذات ألواح ودُسر}، وبعد نحو أربعين سنة اكتُشفت في قرية مجاورة مرساة حجرية، ثم تتالى الكشف عن مراسٍ مماثلة على طول الطريق الذي يُعتقد أن السفينة قطعته، حيث يُفترض أنها كانت تعمل على تثبيت السفينة كي لا تقلبها الأمواج الضخمة، فقد ورد في الآية أنها كانت {تجري بهم في موج كالجبال}. ويجدر بالذكر أن اكتشاف هذه الآثار لا يعني بالضرورة أنها تعود فعلا إلى النبي نوح.

هناك من يفسر قصة الطوفان بأنها حدثت في أرض العراق ومحيطها ولم تشمل الكوكب كله، واستبعد أصحاب هذا الرأي أن تتسع السفينة لزوجين من كل الحيوانات والنباتات التي يبلغ عددها ملايين الأصناف والفصائل، مفترضين أن النبي نوح حمل ما كان يقدر على حمله من كائنات تعيش في منطقته لتستمر في التكاثر، وأن البشر على قلتهم كانوا محصورين في تلك المنطقة وحدها. لكن هناك من يرى أن الطوفان شمل الكوكب كله، ويستندون بذلك إلى تكرار قصته في تراث أمم بعيدة، مثل الصين والهند واليونان، وحتى لدى شعوب الدول الإسكندنافية في أقصى الشمال الأوروبي ولدى قبائل الأزتيك بأميركا اللاتينية. ويدافع اليهود والمسيحيون عن هذا الرأي بما يتوافق مع الكتاب المقدس، لكن وجود قصة الطوفان لدى الأمم البعيدة التي عاشت في قرون لاحقة قد يكون نتيجة ورودها على لسان أنبياء بُعثوا إليهم بعد نوح أو أنها انتقلت إليهم عبر أشخاص رحلوا إليهم، دون أن يكونوا قد عايشوا التجربة بالضرورة.

وقد وردت قصة الطوفان في لوح طيني يعود إلى الحضارة السومرية بمدينة نفر “نيبور” العراقية، كما وردت في ملحمة جلجامش الأسطورية التي اكتشفت ألواحها عام 1872 في العراق، وأعاد صياغتها أيضا الراهب البابلي بيروسوس في القرن الرابع قبل الميلاد. وتتشابه أحداث القصة في كل هذه الحكايات مع اختلافات بسيطة بما يتناسب مع السلطة التي كانت تحكم آنذاك.

علاوة على ما سبق، تؤكد الاكتشافات الجيولوجية أن طوفانا هائلا غمر مناطق واسعة في سورية والعراق وتركيا وإيران ومحيط البحر الأسود، لكن زمن حدوثه مازال محل جدل، ويُرجح أنه يعود إلى نحو 8000 آلاف سنة من الآن على أبعد تقدير.

ما بعد الطوفان
ليست هناك أدلة تاريخية محفوظة في المخطوطات أو الألواح الطينية تحكي ما حدث للبشر بعد الطوفان، إلا أن الروايات المحفوظة لدى الأديان السماوية اليوم تؤكد أن نوحًا كان بمثابة أبي البشر الثاني، فكل من جاء بعده كانوا من سلالات أبنائه، ونجد تأييدا لذلك في القرآن الكريم الذي قال {وجعلنا ذريته هم الباقين} [الصافات: 77]، وقد فسر ابن عباس هذه الآية بقوله “لم يبق إلا ذرية نوح”، وقال البعض إن السفينة كانت تقل أشخاصا آخرين ممن آمنوا بنوح إلا أنهم لم يتركوا ذرية من بعدهم، فكان الناس جميعا من أبناء نوح الثلاثة وهم سام أبو العرب (وبقية السلالات في ما يسمى بالشرق الأوسط، ويافث أبو الروم (السلالات الأوروبية اليوم)، وحام أبو الحبش (الشعوب الأفريقية)، ولا ندري إن كان الأبناء الثلاثة قد نزحوا إلى أصقاع الأرض وتوالدوا أم أن سلالاتهم هي التي هاجرت في مرحلة لاحقة.

لوح سومري يعود إلى عام 2350ق.م

يتفق معظم الباحثين اليوم على أن بلاد الرافدين (العراق) هي مهد الحضارات الأولى، فمع أن هناك تجمعات بشرية في مناطق عدة كانت مزامنة لها في جزيرة العرب وتركيا ومصر إلا أن التاريخ المدون يدل على أن أول مظاهر الانتقال من حياة القبائل إلى تشكيل المدن والدول الحضارية القوية كان في العراق، وأن الدولة السومرية كانت هي أولها ظهورا، ويقول الدكتور أحمد سوسة في كتابه “تاريخ حضارة وادي الرافدين” إن السومريين ذكروا في الألواح الطينية أنهم تركوا موطنا في أرض جبلية يمكن الوصول إليها بحراً وهاجروا إلى العراق، ويرجح مؤرخون أن يكون موطنهم الجبلي الأول هو أواسط آسيا (وراء البحر الأسود)، وهو ما يمكن أن يتقاطع مع القول بأنهم قبائل بدوية نزحت من موقع رسوّ سفينة نوح.

لكن ترجيح الرأي القائل بأن الحضارة بدأت بالعراق يستند أساسا إلى أن اختراع الكتابة التي دوّن بها التاريخ حدث هناك أولاً وفق ما تدل عليه الاكتشافات الأثرية، وهذا لا يمنع أن تكون هناك حضارات سابقة في أماكن أخرى.

يقول المؤرخ ابن خلدون في موسوعته “العِبر” إن قوم ثمود انتقلوا إلى جزيرة العرب من بابل لما زاحمهم فيها بنو حام فسكنوا البادية بجزيرة العرب، ثم تحضروا وحكمهم الملوك، وهما من أوائل الشعوب العربية.

وبحسب القرآن الكريم، بعث الله نبيه هود إلى قوم عاد بعد فترة غير محددة من الطوفان، ولم يحدد القرآن المكان الذي عاش فيه هذا القوم إلا أنه وصفه بكلمة “الأحقاف” أي منطقة الهضاب الرملية، كما أطلق عليه اسم “إرَم ذات العماد” أي التي تعلوها أعمدة المباني الضخمة، وهناك جدل واسع بشأن تحديد الموقع، ومازال الباحثون يقدمون اجتهادات مدعومة بحفريات وصور للأقمار الصناعية، مع التركيز على منطقة الربع الخالي ما بين عُمان واليمن والسعودية، وليست هناك نتائج مؤكدة، كما اجتهد بعض المؤرخين المسلمين لتحديد نسب النبي هود، فقال بعضهم إنه كان يسمى “عابر” وهو ابن حفيد سام بن نوح.

انحرف قوم عاد عن التوحيد كما فعل قوم نوح، حيث قال لهم نبيهم هود {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة}، ويحكي القرآن الكريم في أكثر من موضع عما جرى من حوار بينهم وبين النبي هود، حيث كانوا معتدّين بقوتهم وحضارتهم، إذ تقول الآية في سورة فصلت {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة، أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون}، فعوقبوا بالإبادة عندما هبّت على أرضهم ريح عاتية لعدة أيام كما تقول الآية {فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات}، {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما}

وبما أن أرض عاد غير مكتشفة بعد فليس هناك مصدر لتاريخ ذاك القوم سوى القرآن الكريم، وقد ذكر القرآن من بعد عاد قوم ثمود، وهم من أوائل القبائل العربية التي يعتقد أنها انحدرت من سام بن نوح وهاجرت مبكرا إلى الحِجر (مدائن صالح في منطقة تبوك بشمال السعودية حاليا)، وأسست إحدى أولى الحضارات البشرية، وتخبرنا النقوش الصخرية أن الأنباط حفروا تلك المنازل الضخمة في الصخر والتي مازالت باقية إلى اليوم، لكن هناك رسوما أقدم تؤكد أن المعينيين (سلالة ثمود) واللحيانيين سكنوها قبلهم، وأن المعينيين كانوا هم أول من سكنها قبل الميلاد بنحو 7 آلاف سنة.

مدائن صالح التي كانت موطن ثمود (Madain Saleh)

وبحسب القرآن الكريم، فإن ثمود الأوائل انحرفوا عن التوحيد كما فعل قوم نوح وعاد، فأرسل الله إليهم نبيا منهم اسمه صالح، إذ تقول الآية {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم} [الأعراف: 73]، لكن الأسياد تمردوا وتحدوه وطالبوه بمعجزة لتصديقه، فدعا صالح ربه فأخرج لهم ناقة حية من صخرة أمام أعينهم، وحذرهم من إيذائها، فذبحوها بعد فترة، فكان العقاب أن أبيدوا بالصيحة بينما نجى المؤمنون وهم قلة مع نبيهم بمغادرة المكان. وقد أكد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقوع هذه الحادثة في مدينة الحِجر نفسها عندما مر بها مع صحابته أثناء غزوة تبوك.

يقول ابن الأثير في كتابه “الكامل في التاريخ” إن أهل الكتاب من اليهود والنصارى يزعمون أنه لا ذكر لعاد وهود وثمود وصالح في التوراة، ويرد على ذلك بالقول “وأمرهم عند العرب في الجاهلية والإسلام كشهرة إبراهيم الخليل عليه السلام”، أي أن قصصهم لم تدوّن إلا أنها بقيت محفوظة شفهيا بين شعوب الجزيرة العربية حتى نزل القرآن وأكدها.


أهم المراجع
ميرسيا إلياد، المقدس والعادي، ترجمة عادل العوا، دار التنوير للطباعة والنشر، 2009.

جون كيرتشر، كيف وُجدت الآلهة، ترجمة إبراهيم جركس، 1929، نسخة إلكترونية.

فراس سواح، الرحمن والشيطان، دار علاء الدين، دمشق، 2000.

فراس سواح، دين الإنسان، دار علاء الدين، دمشق، 1998.

فراس سواح، مغامرة العقل الأولى، دار علاء الدين، دمشق، 2002.

حبيب سعيد، أديان العالم، دار التأليف والنشر للكنيسة المرقسية، القاهرة، بدون تاريخ.

خزعل الماجدي، أديان ومعتقدات ما قبل التاريخ، دار الشروق، عمّان، 1997.

خزعل الماجدي، كشف الحلقة المفقودة بين أديان التعدد والتوحيد، المركز الثقافي العربي، 2014.

خزعل الماجدي، أصول الناصورائية المندائية في آريدو وسومر، دار فضاءات، عمان، 2013.

لويس مينار، هرمس المثلث العظمة أو النبي إدريس: ترجمة كاملة للكتب الهرمسية مع دراسة عن أصل هذه الكتب، ترجمة عبد الهادي عباس، دار الحصاد، دمشق، 1998.

هدى درويش، نبي الله إدريس بين المصرية القديمة واليهودية والإسلام، دار السلام، القاهرة، 2009.

محمد الغرباوي، نوح عليه السلام بين أهل الكتاب وأهل الإسلام، نسخة إلكترونية، 2009.

ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق عمر تدمري، دار الكتاب العربي، 1997.

كتب تفسير القرآن الكريم الكبرى، مثل تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير والبغوي.

Crawford Harriet & Harriet Crawford‏, Sumer and the Sumerians, Cambridge University Press.

موقع الباحثون المسلمون http://muslims-res.com/

الموقع الإلكتروني لمجموعة معابد “غوبكلي تيبي” http://gobeklitepe.info/

Portfolio Items