مقالات

كيف تحمي أبناءك من الغزو الفكري

لا يخفى على كل ذي لب الانحرافات التي وصل إليها مجتمعاتنا، حيث نرى المثقفين والأطفال والشباب والنساء في جملة ضحايا التطور التكنولوجي، والغزو الرقمي للثقافة والقيم، فقد استطاع عدونا اختراق أفكارنا ومعتقداتنا، فصارت الثقافة الغربية هي الثقافة الغالبة والمسيطرة؛ نظرًا لواقع التجهيل العام الذي نعيشه أمام الغرب في مجالات العلم والتكنولوجيا والسياسية والاقتصاد والعسكرة، ومن ثم نجد بعض المثقفين والنخبويين وبمساعدة الماكينة الإعلامية المحسوبة على العولمة الغربية يحاولون جاهدين إقناع المجتمع العربي بأنه متخلّف في جوهر فكره وتاريخه، بل أنه متخلف في صميم تكوينه، ومن ثَمَّ فلا بدَّ من الانسلاخ عن كل ما يربط المجتمع بماضيه، وإعادة تشكيل المجتمع على الطراز الغربي بحجة تصحيح الموروث الديني، وأن المجتمع العربي عبارة عن طوائف متناحرة!

أسئلة لا بدّ منها!

في خضم هذه الأحداث المؤلمة، ومعترك الأمواج المتلاطمة نرى موجات متصاعدة في الهجوم على القيم، إلى جانب السعي لتجهيل المجتمع والأسرة والطفل في ناحية الأخلاق، بينما كان الحال سابقًا مرتبطًا بالتغيير العسكري وفرض طبائع المحتل وتنظيماته على الأرض المحتلّة وأهلها، فما أسباب لجوء العدو لأساليب حديثة في معركته تجاه أمتنا، وما هو مفهوم حماية الطفل من الغزو الفكري وما سبل مواجهته، وكيف أنقذ ابني من هذا الغزو ذو الأساليب الناعمة، والمدمرة في آثارها ونتائجها؟.

إنّ المتتبع للتاريخ الإسلامي يجد أنَّ أمتنا انتصرت –وإن طال الزمن- في ردّ الغزوات العسكرية التي حاولت اجتياح أرضها، وأن العدو خسر مادياً ومعنوياً وعسكرياً، وقُتل الكثير من جنوده خلال الحملات المختلفة ضدها منذ مئات السنين، وما حملات المغول والصليبيين عنّا ببعيد مثالاً عن ذلك.

مع كل هذه الخسارات الباهظة، وهذا الإصرار والثبات والانتصار الذي اتصف به المسلمون، ومع ضعف المسلمين وتطوّر قوى الأمم المغلوبة سابقًا، كان لابد من تغيير أساليب العدو واستراتيجياته في المعركة، وكان من أبرزها التغيير الفكري، الذي تزامن مع انتشار الإذاعة والتلفاز، حيث بدأت المعركة تختلف في أساليبها ونعومتها عن سابقاتها الخشنة العسكرية، وأخذت المعركة منحاً فكرياً وأيديولوجياً وثقافياً، وبدأ العدو في دس الأكاذيب والافتراءات لتشويه الثقافة العربية والإسلامية، وإقناع العرب والمسلمون أنهم متخلّفون، وأنّ المنقذ لما يعانيه المسلمون من ضياع هو  اتباع “الحضارة” الغربية بكل ما فيها من تفاصيل، والترويج لها بما يضمن ترسيخها واستمرارها في أذهان أبنائنا، وهنا بدأت المعركة التي استطاع العدو من خلالها دخول بيوتنا وعقولنا كما لم يقدر من قبل.

غزو الأفكار بين المستهدَف وسبل المواجهة

لعلنا نتساءل: ماذا يعني مفهوم حماية الطفل من الغزو الفكري، وما هي السبل لمواجهة هذا الغزو؟

وفي الجواب يجب التنويه إلى أن العدو دفع بأقصى قدراته وإمكانياته وطاقاته ليسيطر على العقول، وأحد أخطر أهداف المعركة هو اختراق عقول أبناء الأمة الإسلامية وعقول شبابها، وذلك إما عبر التلفزيون، أو عبر الألعاب الرقمية، أو وسائل التواصل الاجتماعي، ومن هنا فإنه ليس من المصادفة ظهور عشرات الشركات الإعلامية الترفيهية للأطفال، إلى جانب الألعاب الرقمية على الحواسيب والهواتف النقالة، وإضافة إلى تشويه فطرة الأطفال من خلال المسلسلات والأفلام المخصصة لهم عبر دس السموم فيها، مما سهّل تشويه المفاهيم عندهم، وهدم القيم والأخلاق والثقافة، ونشر الشبهات في عقولهم بمختلف الطرق التي تناسبهم.

إن أثر الإعلام شديد على الأطفال، وقد شهدت وسائل الإعلام في وقتنا الحالي تطورًا ملحوظًا، فلم يعد مقتصراً على المطبوعات الورقية مثل الكتب والمجلات والقصص التي كان استخدامها يقتصر على الكبار والبالغين، ولكنه تطوّر بعد انتشار الإذاعة والتلفاز، ثم تطور مرة أخرى بظهور الإنترنت والأجهزة الذكية، والحواسيب التي انتشرت بشكل سريع وغزت معظم البيوت حول العالم، ولم يعد استعمالها حكرًا على الكبار، بل أصبحت بمتناول الأطفال، وأصبح تأثيرها عليهم يفوق تأثير الأهل.

وقوفًا عند هذا، فإنه لابد أن يكون الأهل على قدر كافي من الوعي بكيفية استخدام هذه الوسائل وخطورتها، وإدراكهم سلبيات استخدام طفلهم لوسائل الإعلام دون مراقبة أو متابعة أسرية، فبعض قنوات الأطفال تسعى للتطبيع مع الشذوذ والترويج لكونه أمرًا طبيعيًّا، وبسبب الفضول عند الطفل للبحث عن هذه المواضيع، فإن ذلك قد يسبب له عدة مشاكل سلوكية، هذا غير أنّ الجلوس لساعات طويلة لطفلك أمام شاشة التلفاز أو الحاسوب أو الهاتف، قد تسبب له أمراضاً نفسية كالتوحد والاكتئاب، إلى جانب تراجع قدراته العقلية، هذا غير الأضرار الجسدية التي تسببها.

حصّن أبناءك ضد الغزو الفكري

تربية الأبناء على أسس سليمة، تكفل لهم حياة متزنة نفسياً وجسدياً لمن أهم واجبات الآباء والأمهات، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي يرويه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ – وذكر منها – وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُم) [أخرجه البخاري في صحيحه برقم2409] فمسؤولية الرّجل عن أهل بيته، التّربية والتّعليم والتّهذيب، وتقويم سلوكهم، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6].

وعلى المثل من ذلك فإن مسؤولية المرأة تربية وإصلاح أبنائها وتصويب تصرفاتهم وتصحيح مسارهم في الحياة، فعندما يعلّم الوالد والوالدة أبناءهما القيم، وخصوصاً في السبع سنوات الأولى من حياة الطفل، فإن ذلك أدعى لترسّخها في حياتهم، وكذا في السنوات التالية، حيث يجب على الأب ألّا يعلمه الآداب تلقيناً وحفظاً، وإنما بأن يكون له قدوة وأسوة حسنة، لأن تعليم القيمة يكون بثلاث مكونات، أولها معرفيٌّ، وهذا هو دور التربية الإسلامية، سواء في المدرسة أو المسجد، فالتربية الإسلامية لوحدها لا تربي، وإنما هي المكوّن المعرفي من مكونات القيمة، وثانيها وجداني: وهو أن يعتز الإنسان بقيمته، فيفتخر أنه مسلم، ويشعر بهذا الاعتزاز، فليس الرّقي أن أُدخل عشر كلمات أجنبية في أربع جمل عربية، بل إن الرّقي هو التخلّق بالأخلاق الحسنة والمحافظة على هويتك التي تؤسس لهذه الأخلاق.

عندما تعلّم الأم ابنتها وضع الحجاب، -والحجاب في وصفه الماديّ قطعة قماش- فإنها تصف لها مغزاه ومصدره، فالعبرة الكبرى من ارتداء الحجاب في الوجدان، أن يكون هذا الحجاب رمزاً للعفة، وأنه أمرٌ إلهي لا يختلف عن الأمر بالصلاة والصيام، وأن الفتاة المسلم تفخر به وتعتز بارتدائه، فمن ذا يستحي من أداء أمر ربه، والذي يقتل هذا الوجدان، هو الإرغام والإكراه والتعنيف، عندما تجبر ابنتك على ارتداء الحجاب غصباً، وبالتالي تجعل ابنتك تكره هذه القيمة

أما المكوّن الثالث فهو المكوّن السلوكي، وهذا الجانب هو الذي تظهر فيه القيمة، فالقيمة هنا تترجم إلى سلوك ظاهري، ويتصل هذا الجانب بممارسة القيمة أو السلوك الفعلي، والقيم بناء على هذا التصور تقف كمتغير وسيط أو كمتغير مرشد للسلوك أو الفعل.

ولحماية طفلك وصونه عن التأثر بما يدمّر مستقبله وأفكاره ومعتقداته، لابد من عدة أمور، مثل: تنظيم وقت دراسة طفلك ومساعدته في ذلك، وتخصيص وقت محدد يوميًا، لمشاهدة التلفاز أو ممارسة الألعاب الإلكترونية، ومتابعة ما يلعبه الطفل ودراسة الألعاب (دراسة فكرية وتربوية) ومراقبة ما يشاهده سواء على التلفاز أو على مواقع التواصل، فالكثير من البرامج المخصصة للأطفال تعتبر الأشد تأثيراً على الطفل، باعتبارها تخاطب الطفل بلغته، وتواكب تطلعاته العاطفية والنفسية والعقلية، وهي تسبق الأبوين والأسرة في ذلك.

إلى جانب ذلك فإني أهمس في أذنك قائلاً لك: اقترب من ولدك وامنحه شعور الثقة والأمان وحاوره حول محتوى أي شيء يشاهده، ووضّح له الخطأ والصواب واعمل على ترسيخ المعتقدات والقيم والأخلاق لديه، واعمل على تنمية هوايات طفلك وساعده في ممارستها، بتسجيله في النوادي المخصصة لها كنادي سباحة، أو نادي كرة سلة وغيرها من النشاطات الحركية بعيدًا عن وسائل الإعلام، فإن لم تقم أنت بذلك سيقوم هو بمفرده، ولربما تكون اختياراته خاطئة وكارثية.

وبما أن الأبناء ليسوا منعزلين في عالم مثالي، فلا بد للأبوين من أن يعرفوا من هم أصدقاء ولدهم، وأن يسعى للتقريب بينه وبين الأولاد الصالحين قبل أن يختار هو لنفسه، فقد لا يتقن حسن الاختيار، ويبتلى بأصحاب سوء يؤثرون عليه بشكل سلبي، ويهدون ما تقوم أنت ببنائه في التربية والتعليم.

وأخيراً، أقول للسادة الآباء والأمهات: إنّ العدو وضع أقصى إمكانياته في هذه المعركة الخطيرة، ولم يدخر جهداً في هذا، فلنكون نحن على قدر المسؤولية ولنحوّل هذه الأسلحة إلى أدوات نافعة ومفيدة، فما يقوم به من زخم إعلامي خطيرٌ جداً على الأطفال والكبار والنساء وجميع أفراد المجتمع، فقد وصل الأمر لأن نجد أبناءنا ينجرفون مع تيار التغريب دون وعي أو إدراك، فهم يقلّدون مشاهير الغرب حتى في تسريحة الشعر واللباس، وكأننا نعيش الزمان الذي تحدث عنه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (لتتَّبعنَّ سَننَ من كانَ قبلَكم حذو القُذَّةِ بالقُذَّةِ حتَّى لو دخلوا جحرَ ضبٍّ لدخلتُموه. قالوا: اليَهودُ والنَّصارى؟ قالَ: فمَن) [البخاري في صحيحه 3456]

علينا أن نتقي الله في أبنائنا، ولنعمل على تجنيبهم مواطن السوء وقرناء السوء، وأن نغرس في أنفسهم حب المعالي، وأن نكون لهم الأسوة الحسنة، ليعتزوا بهويتهم الإسلامية وانتمائهم ويفخروا في ذلك، ولنربيهم على مائدة القرآن ليكونوا جيل النصر المنشود، الذي بواسطته تحرر الأوطان، ويُحمى به الدين والعرض والمال، ولن يحصل ذلك إلا بتحمّل المسؤولية وتربية الأولاد على حب الله وحب رسوله والمؤمنين.

الحضارة الإسلامية وعقدة الخواجة

لا يمكن أن نعتبر الحديث عن المركزية الغربية تَرَفًا فكريًّا قد يروق لمفكر ما ويرفضه غيره، إذ إن هذه المركزية النظرية قد غدت منذ أمد بعيدٍ أمرًا مسلّمًا به في الفكر الغربي ومفروضًا في وسائل الإعلام العالمية وغدت ظاهرة في الطابع اليومي لوسائل التواصل الاجتماعي، ومن ثم فإن الحديث عنها مسؤولية نقديّة ينبغي تحمّلها وتبيانها وأداؤها.

أثناء قراءتي للكتاب “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” لعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، لفت انتباهي ما مهّد به الكاتب كتابه حين قال: “باستثناء الغرب، فإنه ما من حضارة تمتلك كيمياء عقلانية، وكذلك الأمر بالنسبة للفن، فربما كانت شعوب أخرى تتمتع بحس موسيقي، غير أن الموسيقى المتكاملة عقلانيًّا وائتلاف الأصوات، كل ذلك لا يوجد إلا في الغرب” [الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية: ص 5-6]، بل إن كثيرًا من المثقفين الغربيين يرون أن الحضارات إنما جاءت ممهّدةً لقدوم الحضارة الغربية.

كيف تسللت هذه الفكرة؟

نجد هذه النظرة الأحادية والفكرة الإقصائية عند كثير من المستشرقين الذين درسوا الحضارات الأخرى، بمنهج عقلاني من جانب أو بعقدة النقص من جانب آخر، إلا أن هذه النظرة ليست حكرًا على الغرب وأهله، بل هي إرث يشترك فيه الكثيرون، فثمة أناس كثيرون –من بني جلدتنا وأفكارنا ومدننا- ينفون عن المسلمين الحضارة، بل ويصفونهم بأنهم أمة الجهل والتخلّف.

لنعد قليلاً إلى كتاب “وعود الإسلام” للمفكر الفرنس روجيه غارودي، حيث يقول فيه: “الغرب عارض، وثقافته مسخ فقد بترت من أبعاد جوهرية، ومنذ قرون ادعت هذه الثقافة بأنها تنحدر من إرث مزدوج: يوناني-روماني، ويهوديمسيحي، في الحقيقة لقد انبثقت أسطورة “المعجزة الإغريقية” لأن هذه الحضارة بُترت عمدًا من جذورها الشرقية. [وعود الإسلام، ص: 15].

بهذا القدر من التعمّد أيضًا، يحاول كثيرون قطع التاريخ الإنساني من سياقه ومحو التراكم الذي جرى فيه واقتلاعه من جذوره، في محاولة لتعزيز وتدعيم النظريات التي تحوم حول تفوق العرق الأبيض على باقي الأجناس الأخرى، والتأكيد على أن الإنسان الغربي هو الأكثر تطورًا من الناحية العقلية والنفسية.

أين الإنصاف؟

يلقى هذا الخطاب صدى متكررًا لدى المستلبين ذهنيًّا، كما أنه يلقى الرفض لدى الباحثين المنهمكين بالبحث في التاريخ الإنساني والمستشرقين المنصفين الذين يجدون في كشف الحقائق متعتهم، ومن هؤلاء نذكر المؤرخ الفرنسي “غوستاف لوبون” والألماني “شبنجلر” والبريطاني “كارين” وغيرهم.

غوستاف لوبون ممن أنصفوا الحضارة الإسلامية

غوستاف لوبون

قبل مدة من الزمن انتشر مقطع مصوّر لأحد المدونين الذين يبسّطون العلوم المعاصرة، تحدث فيه عن موضوع معين، وفي معرض حديثه قال: “لقد أسس فرنسيس بيكون المنهج التجريبي”، وفي هذا مصيبة لا تخفى!

قد يسلّم شخص لم يدرس التاريخ بهذا الأمر، إلا أنه بالنسبة لمن درس التاريخ وخاصة تاريخ العلوم -ليس بتاريخها الذي يراد له أي التاريخ الإغريقي وحسب-، بل التاريخ الإنساني، فإنه أمر عسير التقبّل؛ حيث يدرك أن فرنسيس بيكون لم يسبق أبداً العالم المسلم ابن الهيثم، بل العكس؛ إذ للعالم المسلم فضل السبق في المنهج التجريبي، ولا يحتاج ذلك منا سوى الرجوع إلى كتب القوم واستحضار الشهود، بل إن الأمر أبين من ذلك، فقد احتفلت اليونسكو بالعالم المسلم ابن الهيثم باعتباره مؤسس المنهج التجريبي.

يشير الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه “من تاريخ الإلحاد في الإسلام” إلى موضوعنا هذا، فيبدي رأيه لأولئك الذين يعتبرون أن المسلمون لم يخرجوا من عباءة الحضارة اليونانية وأنهم مجرد مقلدين، قائلاً – غفر الله له-: “يجب ألّا نُخدَع إذاً -بعد فشل الادعاءات- بتأثير الحضارة في الحضارات، بل يجب أن نقوّمه التقويم الصحيح على أساس أن لكل حضارة روحها الخاصة، وأن الاشتراك في التراث لا يدل على شيء بالنسبة إلى روح من يشتركون هذا التراث. لكن ليس معنى هذا أن الحضارة الإسلامية حضارة قائمة بذاتها تكون دائرة حضارة مغلقة، وإنما هي جزء من حضارة كبيرة، الحضارة العربية هي أهم جزء في هذه الحضارة الكبرى” [من تاريخ الإلحاد في الإسلام، ص 24].

ضياع الهوية الثقافية!

أعتقد أن فكرة الدكتور عبد الرحمن تغلق كل المنافذ على المتهافتين من مختلف الجهات –حيث يناقش هنا  آراء مؤرخين أوربيين لا آراء المتعلمين الجدد -كما يقول مالك بن نبي رحمه الله- سواء كانوا من الجانب الذي يقول: إن الحضارة الإسلامية نسخة من الحضارة اليونانية، أو الجانب الذي يرى أنها حضارة خرجت من اللا شيء.

مالك بن نبي

على كل حال، فإن ما يهمنا هنا هم أصحاب القول الأول الذي ينتشر في فضاءات الميديا ويقول به كثير من مبسطي العلوم في العالم العربي، وقد يتضاعف أثر هذا الأمر حين نرى بعض شباب المسلمين والعرب ينافحون عن هذه العقيدة وكأنهم أحد أبناء الأوربيين المتعصبين لأوطانهم وما حيك حولها من نظريات التمجيد للغرب، وربما احتقر هؤلاء ذواتهم وتاريخهم، حتى بات الواحد منهم يعلنها صراحة ويجاهر بعداءه لمجتمعه وأبناء بلده، فيحتقر كل شيء يذكره بنفسه فهو لا يريد اسم “مجيد” راغبًا عنه في أن يسمى بـ “جورج”، ولعله كان يرغب في أن يصبح ذات يوم صاحب شعر أشقر وعيون خضراء ووجه جميل، وحين لا يحدث ذلك يلعن صباحه ومساءه، ويفرغ حقده على نفسه وأبناء قومه.

الغزو الفكري

تظهر السذاجة –أو الجهل- التي يمارسها مبسطو العلوم سواءً عن إدراك واستثمار مربح، أو عن غفلة لا مقصودة، حين نقف عند تعريف الغزو الفكري: فهو –بحسب الشيخ عبد الرحمن حبنّكة الميداني- “كل فكرة أو معلومة أو منهج يستهدف صراحة أو ضمنًا تحطيم مقومات الأمة الإسلامية: العقَديّة والفكرية والثقافية والحضارية، أو يتحرى التشكيك فيه، والحط من قيمتها، وتفضيل غيرها عليها، وإحلال سواها محله، في برامج الإعلام والتثقيف، أو النظرة الكلية للدين والإنسان والحياة” [الغزو الفكري والتيارات المعادية للإسلام، مؤتمر الفقه الإسلامي في الرياض عام 1396ه، ص 507]

إذا ما تمعّنّا جيدا في المحتوى الذي ينشره بعض مبسطي العلوم الذين لا يؤمنون بالقيمة التي قدّمتها حضارتهم الإسلامية للبشريّة، فإننا نرى السير نحو تعزيز الغزو الفكري والسير لدعمه سيراً جاداً، ولهذا نقول: إن مبسّط العلوم يجني على نفسه -حين يمسي بمثابة العميل الفكري عن علم أو جهل- وعلى مجتمعه ودينه بتشكيك الناس في نظم المجتمع وتعاليم الدين، والأدهى من ذلك أنه يزيّف التاريخ فيعلي تاريخ الغرب المستحدَث، ويتغافل عن تاريخ الإسلام المبهر والعظيم، والذي لولاه لما وصلت البشرية إلى ما وصلت إليه، فلولا جهود الخوارزمي الرياضية –مثلاً- ما كتبتُ هذه الأسطر ولا قرأتَها أنت.

شواهد وأمثلةٌ

نستشهد بسبق المسلمين على العالم الغربي ببضع أسطر هي عندنا تعادل كتابًا، يقول روجيه غارودي في كتابه وعود الإسلام:  “وقد مارس العرب التلقيح ضد الجدري بإدخال قليل من قيح دمل متجرثم بمرض الجدري قليلًا، من شرطه في الجلد وذلك قبل ” جيينر  “Jennerبعشرة قرون، ودرس الطبيب الجراح الأندلسي أبو القاسم (المتوفي 1013) مرض السل في الفقرات ” مرض بوت “، قبل بيرسيفال بوت (1713-1788) بسبعة قرون ونصف ومارس ربط الشرايين في حالة البتر قبل امبرواز باريه Ambroise Paré (1517-1590)  بتسعة قرون.. لقد استند علماء الطبيعية الكبار في العصور الوسطى على أعمال العرب” [ص: 107]

إن كثيرًا من الناس لا يحب أن يسمع حقيقة كون الإسلام بانيًا لحضارة عظيمة، فهم لا يعرفون عنه سوى وجود بعض التنظيمات العنيفة التي يصوّرها الإعلام وكأنه المسيطرة على العالم الإسلامي، أما فلسفته وشريعته ونظمه السياسية والاقتصادية التي لا ينكر فضلها المنصفون من الغربيين، فإنهم يكادون لا يعلمون عنها شيئًا.

لقد بنى الإسلام مجتمعات متماسكة وقوية ودولًا تحكُم ولا تسيطر، وذلك مقابل الدولة العلمانية التي خنقت الإنسان وأمسكت بزمام الأمور وانتهت بمجتمعات هي أوهن من بيت العنكبوت، هذا ما لا يعرفونه أو يتجاهلونه.

إننا بحاجة لإعادة تشكيل العقل المسلم، وبرمجته بما يتناسب وتراثه العريق وتاريخه التليد، رغم أن الحال كما قال ابن خلدون: “المغلوب مولع بتقليد الغالب”.