مقالات

وجهات نظر  في العزلة والغربة في العمارة

الحديث حول العزلة مفهومًا وسلوكًا وموضوعًا لا يمكن حسمه، إلا أنه من الجيد التطرق له وعرض بعض وجهات النظر التي تدور حوله، خاصة تلك التي انتقلت بتأثيرات متنوعة إلى حقل العمارة وتخطيط المنازل ودور العبادة.

من المعلوم أن بعض الزهاد أثنوا على جمال العزلة، وحثوا عليها مؤكدين أن الإنسان ينبغي أن يعزل نفسه عما يجلب له الضرر أو الفتنة، مستندين إلى حكاية أهل الكهف التي فصّل الله الحديث عنها في كتابه الكريم، وكان مما قال: }وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا{ ] الكهف: 16[.

الكهف مكانًا للعزلة

في منتصف القرن الثاني بدأت مفاهيم الزهد بالتحول إلى سلوك صوفي على شاكلة الرهبنة المسيحية، وظهر ما يسمى بالخانقاه الذي يشبه الصومعة المسيحية التي ينقطع الناس فيه للعبادة، ويرى آخرون أن التصوف جاء رد فعل على انتشار البدع، أو بسبب تغلغل المؤثرات الأجنبية. (1).

في العصر الحالي نرى الكثير من الأشخاص يثنون على غنى العزلة وضرورتها ويحرصون على ترميزها بالكهوف وكيف يمكنها أن تكون وسيط لاستعادة ما يسمى بالطاقة الروحية والإنسانية فيها، إلى جانب الابتعاد عن ضوضاء المدينة وازدحامها، ولفهم الذات والحيز من حول الإنسان والتواصل مع الواقع بشكل أعمق.

من المثير بالاهتمام رؤية الكثير من المشاريع المعمارية متعلقة بالكهوف. ومن الأمثلة على ذلك في الفيديو الآتي، حيث يقول المعماري الياباني كويشي تكادا: “نستمد الإلهام من الطبيعة، لكن بشكل قريب جدًا من المقياس البشري.  تخيّل أن تكون في كهف أو حول الكثبان الرملية، أو تجري في مساحة ضيقة من السوق الشعبي. هناك شيء ما يثير مشاعرك، حيث تبدأ بالاتصال بالفضاء والمساحات من حولك، والاتصال بالمناظر الطبيعية… هذا المكان عضوي للغاية، في كل مرة تذهب إليه يثير أنواعًا مختلفة من المشاعر.”

فيديو للعرض: بناء الكهوف للتواصل مع المكان والفضاء

 

الانتباذ الفضائي

قد يضطر الإنسان الحديث في بعض الأحيان لإيجاد طرق لفهم الواقع بناءً على التجربة الخاصة أو النظريات الموجودة في المجتمع الأكاديمي، وهنا على سبيل المثال يبرز ميشيل فوكو باصطلاحه الشهير عن “الانتباذ الفضائي”.

يجادل فوكو بأننا لم نعد نعيش في عالم من الزمن يتحرك إلى الأمام، ولكن في شبكات من الأماكن المنفتحة على بعضها البعض، وقد وضع فوكو مفهومًا خاصًا للموقع ليقدم نوعًا مكانيًا جديدًا وهو الانتباذ الفضائي Heterotopia. يأتي مصطلح Heterotopia من الطب، حيث يشير إلى إزاحة العضو أو جزء من الجسم من وضعه الطبيعي.

Heterotopia’ by Fiona Ackerman (2011)

تشكل جميع الثقافات حالات للانتباذ الفضائي، ولكن لا توجد قاعدة عالمية معينة لتحديد هذه الأماكن، وهنا يحدد فوكو نوعين من الانتباذ الفضائي، حيث يوجد انتباذ فضائي في أشكال متنوعة ولكن يمكن تصنيفها على نطاق واسع على أنها إما انتباذ فضائي المتعلق بالانحراف Heterotopias of Deviance أو انتباذ فضائي المتعلق بالأزمة Heterotopias of Crisis.

الشكل الأول يوضح الأماكن التي يتم فيها وضع الأشخاص الذين يكون سلوكهم منحرفًا بالنسبة للوسط المحيط أو القواعد الثقافية المعروفة مثل السجون ومستشفيات الأمراض النفسية، أما الانتباذ الفضائي المتعلق بالأزمة، فهي أماكن مميزة أو مقدسة أو ممنوعة، محجوزة للأفراد الذين هم بالنسبة للمجتمع في حالة أزمة، فهي الأماكن التي يعيش فيها الأشخاص الذين يعيشون في حالة أزمة مع المجتمع فيه مثل المراهقين وكبار السن ويمكن أن تنطبق أيضاً على اللاجئين أو المعزولين في جزر سكانية معينة.

Kowloon Walled City, Tung Tau Tsuen Road, 1987. © Greg Girard

المدينة المسورة في هونغ كونغ: مثالٌ على الانتباذ الفضائي

كانت المدينة المسوّرة في هونغ كونغ توفر مكانًا يمكن أن يقيم فيه الأشخاص الذين كانوا في حالة أزمة. على وجه الخصوص، سمحت للاجئين الذين عزلتهم الصين بمكان للعيش في حالة الأزمة، ولكنهم يتعارضون أيضًا مع الأوامر الجديدة للحكومة الاستعمارية، وقد كانت هذه الأماكن هي طريقة الحياة الطبيعية للعديد من المهاجرين في ذلك الوقت، بل واعتبرت جزءًا مقبولاً من سياسة الإسكان غير الرسمية. السمة التي تتعلق بشكل خاص بالمدينة المسورة، هي وظيفية الانتباذ الفضائي Heterotopias ويمكن رؤيتها في شكلين واضحين:

أولهما أنها مساحات من الوهم التي تتعلق بجوانب الحياة المكبوتة داخل المجتمع، حيث يمكن للأطباء والحرفيين العمل دون رخص رسمية. أما الثاني فكونها مساحات للتعويض والتي تشبه مستعمرات القرن السابع عشر، وتأسست فيها الأماكن لتكون بدائية النموذج مناسبة للاحتياجات الخاصة للأفراد على النقيض من المركز الاستعماري.

كانت المدينة المسورة في الغالب مساحة من الوهم حيث كانت تنفذ فيها الإجراءات التي قمعتها الحكومة وقدمت لمطالب اعتبرت غير متوافقة مع المجتمع. أصبحت المدينة المسورة فيما بعد ملاذًا طبيعيًا لجميع أشكال الرذيلة والأفعال غير الحضارية وغير الأخلاقية.

Walled City rooftop view, 1989. © Greg Girard.

من المهم أن نعرف أثر البيئة على الإنسان وأثر الإنسان على البيئة. وهذه الديناميكية قد يكون فيها جهات صراع متناقضة ومن الجيد مناقشتها، لكن أهم شيء ألّا نصل لاستنتاج أن الإنسان والبيئة هو شيء واحد ومتصلان بشكل مطلق، كما هو موجود في بعض الفلسفات المطروحة، والتي تؤدي بالإقرار أن الكون يمر بدورات خلق وانحلال متكررة إلى الأبد. فالإنسان في النهاية يمتلك إرادة تسمح له بتغيير البيئة والظروف المحيطة ومطاوعتها لما يريد.

المتاهة لاستشعار الغربة والعزلة

كنا قد عرضنا في مقال سابق المتاهة الموجودة في المتحف اليهودي في برلين. هناك مثال آخر على المتاهة لكنه مختلف قليلاً، حيث هذه المتاهة في موقع النصب التذكاري للهولوكوست وهي متعددة المسارات، وبذلك نعني أنه لا يوجد مدخل واضح للمكان، فهناك العديد من الأماكن لدخول المشروع، كما أنه لا يوجد مخرج واضح أيضًا، وحينما يدخل الإنسان للمكان، يفقد الإحساس بشبكة الأعمدة والهيكل التنظيمي الموجود في المكان ويبدأ الشعور بالمتاهة يسيطر على تصوره. وهذا يوضح تولد شعور الغربة لدى المستخدم للمكان.

فيديو للعرض: المتاهة وربطها بالغربة في موقع النصب التذكاري للهولوكوست في برلين، ألمانيا

 

في الختام فإنه من الجيد معرفة آثار العزلة على الإنسان، ومن المفيد بكل تأكيد معرفة سبب شعور الإنسان بالغربة وكيف يمكنه التعويض عنه بشكل صحي ومستدام، فالعزلة ليست قدرًا مستقرًّا، أو علاجًا حتميًّا، بل قد تكون شكلًا من أشكال الأنانية والضعف في بعض الأحيان، كما أنها في الوقت ذاته قد تكون ضرورية لتضميد آثار مواجهة التناقض وغياب المعنى وانتشار العبثية في أحيان أخرى. وهذا ما يدفع كل منا لفهم ما هو مناسب لمحيطه، حتى ينفع نفسه والآخرين.


أهم المراجع:

  • التصوف. د. ثائر حلاق، أ. أحمد دعدوش. مقال منشور في موسوعة السبيل. https://cutt.ly/lnQQX3I. تاريخ الزيارة: 07/06/2021
  • مقال بعنوان (Kowloon Walled City Heterotopia in a Space of Disappearance). https://cutt.ly/pnQWez0. تاريخ الزيارة: 07/06/2021
  • Sudradjat, I. (2012). Foucault, the Other Spaces, and Human Behaviour. Procedia – Social and Behavioral Sciences 36. 28 – 34. Retrieved from https://cutt.ly/3nQErCp

دور  العمارة البنيوية في تعزيز هوية المكان

ثمة –في حقل العمارة- عدد من النظريات المستخدمة، شأنها شأن بقية الحقول التجريبية والنظرية، وإذا ما أردنا رصد قائمة بنظريات الهندسة المعمارية، فسنجد النظرية الوظيفية واحدة من أبرز نظريات العالم المعماري عبر التاريخ، ومُنذ أن بدأ ما يُعرَف بعصر الأنوار أو عصر العقل مطلع القرن الثامن عشر صار ينظَر إلى المجتمع على أنه منتَج عقليّ محض بعيدًا عن العوامل النفسية والعاطفية، كما أن الآلات التي شكّلت جزءًا أساسيًّا من ثورة الصناعة صارت الملاذ الأهم لأصحاب رؤوس المال، حرصًا على الوصول للاستفادة القصوى من المال من جهة والآلات الصناعية من جهة أخرى..

إلى جانب ذلك ظهرت نظرية الاستفادة أو العمارة الوظيفيّة في العمارة، وقد كان المعماري السويسري/الفرنسي شارل إدوار جانيريه-كري -المشهور بلقب لو كوربوزييه- أحد أهم روّاد عمارة الحداثة في القرن العشرين، وقد كان أبرز من طبق هذه النظرية في كُل مبانيه وأحد أهم المطورين والداعمين للوظيفية في كل مبادئها .

أدّى مبدأ الوظيفية المحضة في الهندسة المعمارية إلى مشاكل عدة، منها أن مفهوم الوظيفة للمكان أو الآلة أو المبنى قد يختلف من شخص لآخر ومن بيئة لأخرى، فلا يمكن تحديد مفهوم واحد للوظيفة؛ إذ إن لكل سياق خصوصية مكانية وزمانية، ولكل مجموعة من الأشخاص أولويات مختلفة في استخدام الآلة أو المبنى، وبالتالي فإن عبارة (الشكل يتبع الوظيفة Form follows Function) المتداوَلة بين المعماريين العقلانيين الحداثيين بدأت تترجم نتائج تناقضاتها في الواقع الحي.

بوستر يحمل شعار (الشكل يتبع الوظيفة). المصدر: digitalbeauty.com

البنيوية في العمارة

يمكن التأكيد على أن البنيوية في العمارة أقرب لأن تكون ردة فعل على الحداثة، لكن على عكس حركة ما بعد الحداثة، فإن البنيوية تطوّرت بشكل أبطأ وأقل وضوحًا خلال عدة فترات في العقود الماضية.(1)

في عام 2012 قُدِّم السؤال الآتي -حول جائزة المعمارية البريطانية المعروفة اختصارًا بـ RIBA-: “هل ينبغي منح الـ Venturis الميدالية الذهبية الملكية RIBA لهذا العام؟” ويُقصَد بذلك روبرت فينتوري وزوجته دنيس براون اللذان يعدّان من أشهر منظري العمارة في تيار ما بعد الحداثة-.

إلا أن المثير للدهشة هو أن لجنة RIBA لم تمنح Venturis الميدالية، وبدلاً من ذلك، أعطت المعماري الهولندي هيرمان هيرتزبيرجر الجائزة لهندسته القائمة على النظرية البنيوية ومساهماته النظرية.

المعماري هيرمان وأحد تصاميمه المعمارية. المصدر: architectureandeducation.org – alchetron.com/Structuralism-(architecture)

شعور الاغتراب في العمارة المعاصرة

ثمة تحوّل عجيب يلاحَظ في تركيز المعماريين في تيارات ما بعد الحداثة، فمع أن العقلانية الحداثية كانت شديدة الحزم في تعريف العمارة على نحو صلب، إلا أن السيولة التامة في أفكار فينتوري لم تكن لتنقذ الموقف، مع أهمية أفكار النقدية التي قدمها.

لقد كان تعليق جاك برينجل، الرئيس السابق لـ RIBA أن “الميدالية الذهبية الملكية، أرقى جائزة بريطانية، يجب أن تذهب إلى مهندس معماري يدفعنا إلى الأمام، وليس إلى الوراء”.(2)

لقد كان المعماري الهولندي هيرمان هيرتزبيرجر متأثرًا بالفكر البنيوي على نحو واضح وجذري، وكانت القضية الرئيسية لهيرتزبيرجر هي مشكلة تفاعل المستخدمين مع المبنى وكيفية منع الشعور بالاغتراب الذي تنطوي عليه اللغة المجردة للهياكل النحوية الموجودة في بنية العمارة.(3) وكنا قد تكلمنا عن ذلك سابقًا في مفهومه للتأقلم والاستجابة للتغيير، ونظرياته التي توضح الفرق ما بين المرونة وتعدد الأوجهFlexibility vs Polyvalence .

المشاركة في البنيوية المعمارية

الفكرة الرئيسية التي ترتكز عليها البنيوية المعمارية هي مبدأ المشاركة، حيث إن المستخدمين يكون لهم دور في تحديد هوية المكان، كما يكون تحديد وظيفة المبنى مبنيًّا على حاجات المستخدمين الأساسيّة، فشخصية المستخدمين وهويتهم غير ممسوحة في البنيوية المعمارية وذلك على عكس العمارة الحداثية، وبالرغم من أن هذه المباني صلبة ومجردة مثل العمارة الحداثية، إلا أن ما يجعلها مختلفة عن العمارة الحداثية هي أنها أكثر قابلية لإعادة التأويل في الزمان والمكان، ففيها مساحات كبيرة (حيز مكاني) ومسامات واسعة (في الوظيفة) تسمح بالتغيير وعدم التشدد و تعطي فراغ للمستخدمين لإضفاء على المكان طابع خاص على حسب السياق والوقت (حيز زماني).

إلى جانب ذلك فإن العمارة البنيوية متأسسة على نظام الكبسولات المتعددة، التي تنتشر بحسب السياق وحسب الحاجة، فتكون مثل النسيج المتماسك بخلاياه المتفردة، وبالرغم من أن كل كبسولة تعَدّ كيانًا خاصًّا، إلا أنها مترابطة ومتلاحمة مع الكبسولات الأخرى لتنتج نسيج يجمع ما بين المساحات العامة والخاصة بطريقة تسمح بإضافة جدران إضافية عند الحاجة أو توسيع الفراغات بين الكبسولات لإيجاد أماكن لها طابع خاص.

يجب التنبه هنا إلى أن الكبسولات قد تنتج هوية عامة متماسكة قابلة للتعريف، حيث إن هذه الطريقة في توزيع المساحات والبناء تضمن وجود أماكن عامة وأماكن أكثر خصوصية، ومن الأمثلة على ذلك هو برج كبسولة “ناكاجين” في طوكيو عاصمة اليابان؛ إذ إن البرج متكون من كبسولات منفردة ومتراكبة بشكل متفاعل مع السياق الموجود، فوجود الكبسولات بأمكان واتجاهات محددة يكون بحسب عوامل عدة يتم تقييمها وإيجاد حلول متأقلمة مع العوامل.

برج كبسولة ناكاجين في طوكيو. المصدر: https://www.archdaily.com

التأقلم بين العالمية والمحلية

تكمن أهمية العمارة البنيوية في أنها تجمع ما بين العالمية والمحلية، فهي قابلة للتغير والتأقلم بحسب السياق وتستلهم الحلول من الواقع المحلي، وتعدّ مباني جامعة قطر –من وجهة نظر هندسيّة بحتة- مثالًا واضحًا على قدرة العمارة البنيوية على استلهام النموذج المحلي وترسيخه، فقد صمّمت مباني الجامعة ونفّذت من قِبَل المهندس د. كمال الكفراوي، وتتميّز الأبنية بالتصميم التجميعي لوحدات متكررة مع استخدام الحلول التقليدية المحلية المتمثلة في البراجيل (ملاقف هواء خليجية) والمشربيات والتظليل والحوائط المزدوجة والأفنية الداخلية.(4)

 وهذا يقودنا لضرورة دور فهم خصوصية المكان في استيعاب الواقع؛ حيث إن مبدأ “هوية المكان” صار مهمًّا جداً في فكر ما بعد الحداثة لدى أطياف مختلفة، وذلك لأهميته في حياة الإنسان، فالإنسان يحتاج الشعور بمكانه في هذا العالم ليتمكن من هضم الواقع واستيعابه، وإلا فإنه سيكون تائهًا طوال الوقت دون القدرة على الربط مع المحيط المادي وما يدور حوله من تغيرات.

علاقة الوعي الإنساني بالمكان

من الجدير بالاهتمام وجود الكثير من التركيز على مفهومي الزمان والمكان في العصر الحالي. فإن كنا نعيش في عصر السرعة وتغير الزمان على الدوام، فإن علينا التساؤل: ماذا عن المكان؟ وكيف يمكن أن نفهمه، وكيف نربط وعينا به؟

قد تكون العمارة البنيوية بابًا للإجابة عن هذه الأسئلة، وقد تكون أجوبة غير شافية بالضرورة، نظرًا لكون البنيوية تستلهم نظريّة متشابهة بشكل عام، لكنها تقدم حلولاً قد تبدو مناسبة للبعض، كما أنها تضعنا في قلب الواقع المعاش حتى ندرك حجم الإشكالية وثقلها، وبذلك فإنها تفتح مجالًا لأسئلة وإشكاليات أخرى، تتطلب منا مداومة البحث والنظر، أي أنها تنتظر مبادرة الفردِ ووعيه الخاص لتعطيَ نمطًا مغايرًا، كما أنها تبقى صماء عند غياب شخصية الإنسان.

إن أغلب التصميمات المعاصرة للمباني في عصر ما بعد الحداثة غير واضحة في مدخلها ومخرجها، وفي بدايتها ونهايتها، كأنما تترجم الواقع السريع الذي نحن فيه، حيث كل شيء مؤقت وغير ثابت، لا أهمية له إلا في اللحظة الراهنة.

تعتمد البنيوية المعمارية على وجود الإنسان حتى تنجح، وبدون الإنسان يبقى التصميم غير ناجح ولا يؤدي وظيفته تماماً، فالبنيوية بطبيعتها تهتم بتكوين وحدات مصممة ومتعددة الأوجه شكلياً في جميع مستويات الوجود الإنساني (سواء كان الوجود يتعلق بغرفة أو مبنى أو مدينة). فقط عندما يستحوذ المستخدمون على الهياكل من خلال الاتصال أو التأويل الفوري أو ملء التفاصيل، تحقّق الهياكل وضعها الكامل وتكون قد أثبتت نجاحها.(5) وهنا يمكن لنا إنهاء المقال بهذا الاقتباس من المعماري هيرمان “في البنيوية، يميز المرء بين هيكل ذو دورة حياة طويلة والجيوب بدورات حياة أقصر.”(6)


الإحالات والمصادر:

لكتابة هذا المقال، تم الاستفادة من مقال (ما بعد الحداثة) على موسوعة السبيل. تاريخ الزيارة 11/05/2021 https://cutt.ly/5bSp9f8

  • مقال حول العمارة البنيوية. تاريخ الزيارة 11/05/2021 https://cutt.ly/QbSpUDY
  • المصدر السابق نفسه
  • تم الاستفادة من التغريدة التالية عن عمارة البنيوية لدى هيرمان هيرتزبيرجر https://cutt.ly/sbSpAPv
  • تم الاستفادة من المنشور التالي عن مباني جامعة قطر https://cutt.ly/ybSpDJJ
  • Arnulf Lüchinger, Structuralism in Architecture and Urban Planning, Stuttgart 1980. Structuralism as an international movement. Including original texts by Herman Hertzberger, Louis Kahn, Le Corbusier, Kenzo Tange, Aldo van Eyck and other members of Team 10.
  • مقال حول العمارة البنيوية. تاريخ الزيارة 11 /05/2021 https://cutt.ly/xbSpGRp

 

التفكيكية وتعدد الأوجه الوظيفية في نمط المعمارية زها حديد

تُعَدّ المعمارية الراحلة زها حديد -رحمها الله- واحدةً من بين أكثر المعماريات تأثيراً في العمارة المعاصرة حول العالم. وبطبيعة الحال فإن الجدل يكثُر حول ما قدمته من تغييرٍ في مفهوم العمارة والفضاء المعاش والذي ما زال مثير للجدل والنقاش، حيث إن هناك فئة من المفكرين والمعماريين يرون أن أعمالها تفكيكية لا سياق محدد لها، في حين أن باحثين وناقدين آخرين يرون أن أعمالها حالمة للغاية وغير واقعية، بل إنها -إلى جانب ذلك- مكلفة اقتصادياً وأشبه بشراء تحفة فنية بدلاً من بناء مبنى.

هذا الكلام من ناحية عملية مقبول، إذ إن الدول بالفعل تتباهى بوجود مبنىً من تصميم معماري عالمي –كأعمال زها حديد- وكأنها تحفة فنية صُمّمَت لتعرض للناس، إلى جانب ذلك يرى البعض أن أعمالها مقتصرة على الجانب الجمالي من التصميم دون اعتبار كبير للوظيفة من المبنى أو الجانب الاقتصادي، ولا حتى التاريخ الخاص بالمكان والتقاليد والثقافة الخاصة بموقع المبنى وما يحيطه من سياق.

المصدر: aletihadpress.com

 

هل عند زها حديد رؤيا منعشة ومجردة أم رؤيا أيديولوجية؟

وقد تكون بعض هذه الدعاوى صحيحة وقد تكون مقبولة وصالحة للنقاش، إلا أنه من الجيد دراسة توجهات زها حديد الفكرية والفنية ومعرفة سبب اتجاهها لهذه التصاميم.

في مقابلة لها مع الإعلامي ريكاردو كرم -وكانت تفضل فيها التكلم بالانجليزية مع أنها تفهم اللغة العربية- كانت توضح أنها لا تتقيد بالتقاليد الموروثة. (1)، إلا أن من يدرس كلامها وأعمالها يدرك أن توجهها ليس تفكيكيًّا بالكامل، ومن ثمّ فإنه من غير الإنصاف وضع كل أفكارها في خانة التفكيكية العبثية، نظرًا لكون أعمالها التفكيكية موضوعة لهدف وغاية ووظيفة معينة وليست أعمالاً عبثية لا معنى لها، كما سنرى في هذا المقال، إلى جانب ذلك فإن بعض آرائها المعمارية تعد منطقيّةً للغاية وتفتح الأذهان لطرق جديدة في التفكير الهندسي.

ينبغي علينا -قبل الشعور بالتهديد من التفكيك- تعريف كل من “التقليدي”  وتبيين معنى “الإرث الثقافي” وأهميته وأي جزء منه يستحق الاحتفاظ، قبل البدء بتصنيف الأفكار ما بين (تقليدي) و(غير تقليدي).

ربما يمكننا الانطلاق من تحديد (ما هي الثقافة) وما هو الإرث الثقافي، قبل الغوص في ضرورة تقديس التراث وعدم السماح بمساسه.

 

مطار بكين داشينغ الدولي، المصدر: architizer.com

 

ردة الفعل الفكرية للمعماريين فيما بعد الحداثة

لقد كان توجه زها حديد للنزعة التفكيكية طبيعياً في الوقت والظروف التي كانت فيها؛ إذ إنه مع مشارفة تيار الحداثة Modernism على الأفول، ومحاولة بعض المعماريين إعادة إحيائها، أدركت زها حديد مع معلميها ومعماريين آخرين أن تاريخ الفن الحديث توقف عن النمو، فقالت: لقد أحبِطَ تاريخ الحداثة

(The History of Modernism was aborted).  وبالتالي فإنه كان لا بد من القيام بقفزة تالية وإنجاز أعمال معمارية تفسّر الفن الهندسي وغيره من الأمور بطريقة مختلفة، إذ إن تحدي الواقع يتطلب إعادة ابتكار الرسوم والتصورات والتكنولوجيا وتجارب الفضاء المعاش، وكل هذه الخطوات والتوجهات كانت لتطوير منهج ومشروع نظري لفهم الواقع وفهم العصر بشكل مخالف لما كانت عليه تيارات الحداثة.

من المبادئ المهمة لإيجاد معنى حقيقي ومؤثر للمكان، ألّا يكون مبنيًّا على الرتابة المتكررة التي تم اعتمادها في العمارة الحديثة، وبالتالي فإن فكرة التجاور Juxtaposition كانت في غاية الأهمية لتوليد طرق جديدة لفهم الفضاء المعاش وتغيير نمط وسلوك الناس في تصورهم للمكان، من خلال كسر النمط المعتاد ودمج القديم بالحديث وبالتالي إنشاء تصادم كبير وهدم للمقاييس عبر التفكيك.

أي أن التفكيك كان لهدف محدد، وهو إيجاد معنى وتجربة جديدة مختلفة عن النمطية الصناعية التي خلفتها العمارة الحداثية الوظيفية.

من المثير للاهتمام أن في تصميم المبنى الواحد للمعمارية زها حديد، تكون طوابق المبنى مختلفة عن بعضها البعض، والتالي فإن وجود طوابق عديدة في المبنى الواحد لا يعني أن التجربة المعاشة ستكون نمطية في كل الطوابق، وهذا بالضبط هو عنصر المفاجأة في إيجاد معاني ووظائف جديدة للمكان التي يستشعرها المستخدم ويدرك أن المبنى –وحتى الوجود- لا يقتصر على وظائف جامدة محددة مسبقاً.

ME Dubai hotel, the Opus, Dubai, UAE. Source: architizer.com

رأي زها حديد عن العمارة الإسلامية

من الجدير بالاهتمام أن زها قد سُئلت في مقابلة معها عن رأيها في العمارة الإسلامية -بما أنها عراقية الأصل- وقد يتصور للكثيرين أنها بعيدة كل البعد عن الهندسة المعمارية الإسلامية الشرقية التقليدية، إلا أنه كان مهمًّا فهم رؤيتها لهذا الفن الهندسي.

تقول المعمارية: إنها ليست منفصلة عنه كثيراً؛ لأن الكثير من المهندسين العصريين تأثروا بالهندسة المعمارية الإسلامية. وأوضحت أنها ليست متأثرة بطريقة واضحة وشكلية بفن الخط والكتابة إلا أنه لا شك أن فكرة سلاسة الخط وسيولته موجود في رسوماتها وتصاميمها. حيث إنها تستلهم الأفكار التجريدية والتنظيمية بدلاً من النتائج الشكلية. وبالتالي فثمة تأثير من العمارة الإسلامية في أعمالها، فهي توضح أنها تتعلم وتتأثر بطريقة واستراتيجية التصميم وتنظيم المساحات بدلاً من التعلم والاستلهام مما تسميه بـ”الهندسة المعمارية الإسلامية الفولوكلورية والتقليدية”.

الهندسة تعكس لغة العصر

تكمل حديثها وتقول إن الهندسة تعكس العصر الذي نعيش فيه الآن، ونحن الآن لا نعيش بالطريقة ذاتها التي كنا نعيش فيها قبل 3 آلاف سنة. تنبّه مُحاور المقابلة لهذا الكلام وقال لها “لكن هذا هو إرثنا”، إلا أن المعمارية كانت ثابتة في تأكيد أن الحفاظ على التراث يكون عند الضرورة وبوجود وظيفة معينة له، وهي ليست مقتنعة بالفلوكلورية وربطها بالطراز الإسلامي. وتؤكد ذلك وتقول: “أنا آسفة لكن إن لم يكن كلامي صحيحاً فإن هذا يعني أنه لا يمكن للعالم الإسلامي التقدم لأنه متمسك بتراثه، لا يمكن الجمع بين الإرث والحداثة إلا من خلال استخدام أفكار التراث في تنظيم المساحات الحديثة”.

Niederhafen River Promenade, Hamburg, Germany. Source: architizer.com. Photographer: ©PietNiemann. Source: architonic.com

 

أما عن رأيها بالمعماريين العرب الذين يحاولون الدمج بين الحداثة والتراث، مثل المعماري رفعت جادرجي و د. راسم بدران وحسن فتحي وعاصم سلام، فقد أشادت أنها قد تعجب ببعض أعمالهم إلا أن انتقادها هو لتوجههم الفكري وليس لأعمالهم بشكل تقني، فقد يحترف أحدهم في إعادة تصميم التراث لكن مع ذلك فإن النقد هو ليس للعمل بعينه بل للتوجه. فليس كل ما هو قديم يعني أنه جيد في النهاية، وتظن أن اتجاه الكثير من المعماريين في هذا العمل فظيع ومريع.

نقد توجهات العمارة الإسلامية

لتأكيد وجهة نظرها بطريقة موضوعية ولتثبت أنها ليست معادية للطراز الإسلامي وأنها تحاول توضيح طريقة ومنهج فكري لإنقاذ الطراز الإسلامي من حصره بشكل ونمط معين، تقول: إنه من الجيد التعلم من التراث في فهم كيفية تنظيم المدينة وكيفية العيش وفقاً لطرق واستراتيجية التنظيم، وحتى تتكون أفكار ملهمة ذات معنى مناسب للعصر وناجحة لا تناقض فيها.

ترى أن هذا التوجه أفضل من جعل الإرث أداة للتزيين، وذلك لئلا تبنى ناطحات سحاب عليها أقواس خارجية بهدف تسمية ذلك بـ”الطراز الإسلامي”، إذ إنها ترى أنه لا يمكن حصر الطراز الإسلامي بأشكال معينة وإن كانت بعض الأشكال المعهودة جزءًا من الطراز بصورة عامة، وذلك بهدف التجديد وعدم الجمود، إذ ليس الهدف هو التخلص من الجماليات أو التخلص من الطراز الموروث، وإنما إعادة النظر في الاجتهاد البشري المعماري الذي فرضت أشكالاً كبيرة منه الأحوال التاريخية والبشرية ووضعته موضع التقديس.

CityLife Shopping District, Milan, Italy. Source: architizer.com

في ختام المطاف، فإن اجتهادات زها قد يوافقها البعض، ومن الطبيعي أن ينتقد آراءها آخرون، فهي تقول وجهة نظرها وهي قابلة للأخذ والترك. إلا أنها تفتح آفاق للنظر بكيفية ربط تصورات الإنسان الحديث بالمكان وكيفية إنشاء معنى للوجود وتوضح الطرق التي ينشأ بها هذا المعنى، وتقربه في الوقت ذاته لفهم المسلم المعاصر بطريقة تجعله يتقبل تراثه ويحترمه، مع حرصها على ألّا يحصره بأنماط أو أشكال وأزمان محددة.


الإحالات:

(1) مقابلة في برنامج Zaha Hadid | وراء الوجوه – مقابلة مع زها حديد: https://www.youtube.com/watch?v=Av__gx3i8vc&t=1817s

ظاهرة التعقيد في تصميم المدن الإسلامية القديمة

في كثير من الأحيان نجد ربطًا مباشرًا بين ضياع الإنسان وتشوّش أفكاره وبين الروحانية في بعض الأعمال الأدبية والفنية والمعمارية الحديثة، ويتجلّى ذلك في اعتماد تصميم مساحات معقّدة ومتداخلة التي يشار إليها بمصطلح المتاهة Maze)) وتوصف في بعض الأحيان بمصطلح ((labyrinth الأكثر توصيفًا في الفلسفة الغربية، مع وجود اختلاف في تطور أنواع المتاهة على اختلاف تأويل فكرة المتاهة والهدف منها.

توضيح لمفهوم الجذمور والفطريات. المصدر: literariness.org

أشير لهذه المصطلحات في الأدب والفلسفة الغربية الحديثة بكثرة، كما نرى عند الفيلسوف جيل دولوز وعالم النفس فيليكس غوتاري، اللذان طوّرا المفهوم الفلسفي للـ “جذمور” (تعدّد الوجوه في إطار الجذر الواحد) في مشروعهما للرأسمالية والفصام (1972-1980)، فوفقًا لدولوز وجوتاري، فإن ثقافة ما بعد الحداثة تشبه “الجذمور” [مصطلح في علم النبات يقصَد به الجذر المتفرّع] أكثر من الشجرة.

إن الجذمور أو الفطريات كائن حي من ألياف حية مترابطة ليس لها نقطة مركزية أو أصل مؤكّد، ولا شكل أو وحدة أو بنية معينة. لا يبدأ الجذمور من أي مكان أو ينتهي في أي مكان؛ بل ينمو من كل مكان، وعلى هذا النحو، فإنه لا يوجد للجذمور مركز، مما يجعل من الصعب اقتلاعه أو تدميره(1)؛ لأن “الجذور” ليس لها بداية أو نهاية؛ إنه دائمًا في الوسط، بين الأشياء، فهو اللحن الفاصل كما أنه نقطة البداية، فالحركة المستمرة من الجذمور تقاوم التسلسل الزمني والتنظيم، وبدلاً من ذلك فإن الجذمور يفضل نظام الترحّل للنمو والانتشار.

الجُذْمورُ وشتات ما بعد الحداثة

قد يكون هذا الشرح مناسبًا لمفهوم الهوية الفردية والجمعية للثقافات المختلفة في عصر ما بعد الحداثة، وقد يكون الجذمور الوجه الأمثل لتشبيه المقاومة الحاصلة لرفض التمركز الحاصل في الحداثة، وأيضاً يمكن التخمين أنه قد يكون رد فعل لمن لا يعرفون تاريخهم أو لا أصل واحد محدد لهم. فيكون جوهر وجود هؤلاء الأشخاص مبنيًّا على ربط الظواهر وتفسيرها اللحظي والتأقلم مع اللحظة الراهنة.

لقد أعطت الحداثة صورة شمولية للواقع بغض النظر عن السياق أو الظروف، إلا أنه تبيّن أن الوصف لا يغطّي جميع تجارب البشر، وهذا ما دعا بعض البشر إلى تطوير التشابُك الخاص بهم، ليكون مبنيًّا حصراً على التجارب الشخصية والتفاعلات مع البيئة، كما هو حال الجذمور، فيكون هذا التشابك مرتبطًا بشكل مباشر مع التكيّف اللحظي بالسياق الدقيق والخاص، وقد يكون من دون اعتبارٍ مباشر للنظرة الشمولية للواقع.

هل بنيت المدن الإسلامية على نظام المتاهة العشوائية؟

من الممتع حقيقة التوسّع في موضوع الجذمور والظواهر الفكرية القريبة منه، ومن الجميل فهم الواقع بناء على هذه النظرة المتشعّبة، إلا أننا قد نحتاج معرفة نتائج هذه الفلسفات قبل ربطها بأنماط محددة، فمثلاً نجد الربط الدائم ما بين مفهوم المتاهة labyrinth وبين تصميم المدن الإسلامية القديمة لدى بعض المستشرقين أو الناقدين(2)، وبالرغم من أن تصميم المدن القديمة كان معقداً ومتداخلاً بالفعل، إلا أن هذا لا يعني أن ذلك التعقيد والتداخل نابع عن العشوائية كما في حال ما بعد الحداثة أو مفهوم الجذمور، بل لأنها مصممة على نمط معيّن من المدن الإسلامية، بل إن المدن الإسلامية بريئة من ربطها بالعشوائية!

وأيضاً قد يكون هذا المنحى عند الربط بين ما هو طبيعي وعفوي وبين ما هو بدائي. فمع أن الإسلام مبني على الفطرة والطبيعة الأصلية للبشر، إلا أنه ينبغي التأكيد أن الإسلام لا يقبل أن نكون بدائيين، وبذلك فإن الواقع الإسلامي لا يكون مبنيًّا فقط على حالة البداوة بمعناها البسيط من حيث الاستجابة المباشرة للواقع دون تخطيط، بل إنه يطلب منا أن نتخذ القرار بشكل تنظيمي وغير عشوائي.

جمعت الحداثة الغربية كل ما هو غير (حديث) –بالمعنى الاصطلاحي- في خانة واحدة تحت مسمى (exotic) أي الغريب والشاذ وغير المألوف، وبهذا فإن تصميم المدن الإسلامية قد يكون متشابها مع المتاهة كما في تصميم المقابر الأوروبية القديمة، أو المتاهات الشيطانية المستوحاة من الأساطير اليونانية.(3)

مسقط رأسي لأحد أحياء المدن الإسلامية القديمة. المصدر: urbanplanningschool.blogspot.com

أين الإنصاف في هذا الادعاء؟

إلا أن التأكيد على أن المقصود بهذا التصميم هو العشوائية فإنه أمرٌ غير دقيق وبعيدٌ عن الإنصاف، وقد أفاض البروفيسور مصطفى بن حموش في الحديث عن ظاهرة عدم إنصاف المستشرقين في ربطهم المدن الإسلامية بالعشوائية وخضوعها للتصرفات الآنية للأفراد، وعدم وجود نظام هندسي تقوم عليه(4) فأكد بطلان الربط بالعشوائية، حيث إن العمران هو وعاء تتشابك فيه حقوق الأفراد والجماعات وتتدافع فيه المصالح(5).

إن الكثير من الأشكال الهندسية المعقدة يمكن تفسيرها عبر التفاعل بين الأحكام الفقهية والمعطيات المتميزة لموقعٍ ما في المدينة، وذلك مثل استقبال القبلة، والتعلّي في البنيان، ومنع التكشّف وغير ذلك مما نجده من مسائل في كتب الفقه الإسلامي والنوازل والفتاوى(6).

ومن الجدير بالاهتمام أن نرى العمران الإسلامي من منظور آخر، فيكون أخذ قرار في البناء أو الهدم أو التعديل أشبه بإصدار فتوى شرعية مناسبة لذلك السياق، حيث إن من فقه العمارة الإسلامية الاعتماد على مبدأ نفي الضرر.

لكن السؤال هو: هل المعماريون المسلمون الآن مؤهّلون لإصدار هذه الفتاوى؟

بالرجوع لمفهوم المتاهة في البناء فإننا نرى أن المتاهة نتيجة وليست منهجًا، ومن هنا فقد يكون الاطلاع على مخططات وخرائط المدن الإسلامية القديمة مرجعًا مهمًّا لحل شيفرات كثيرة، ومعرفة كيف توصلوا لهذه التصاميم المعقدة، وهذا الأمر –كما يرى مالك بن نبي (7)- إن تحقق فإنه سيعيننا في إدراك ميكانيكية الظاهرة وتصوّر المنهج.


المراجع:

  1. المفهوم الفلسفي للجذمور: https://cutt.ly/jvZ5rKF. تاريخ الزيارة 23/04/2021
  2. في كتاب للباحثة سمية فلاحات، والذي هو رسالة بحثية تجمع بين الاستشراق والاستغراب، ولعلنا نخصص لها مقالًا منفصلًا. Falahat, S. (2014). Re-imaging the City. Springer: Berlin
  3. مقال عن أساطير يونانية وعلاقتها بمفهوم المتاهة. https://www.worldhistory.org/Daedalus/. تاريخ الزيارة 23/04/2021
  4. د. مصطفى بن حموش، فقه العمران الإسلامي من خلال الأرشيف العثماني الجزائري، دبي، 2000، دار التراث وإحياء التراث، ص 7
  5. المصدر نفسه. ص 29
  6. المصدر نفسه. ص 30
  7. مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، دار الفكر، ص 62

توجهات العمارة في تيار ما بعد الحداثة

أنتجت الفلسفات المتعددة أنماطًا معماريّة مختلفة، لعل آخرها نمط التكثيرية، والمحاكاة مع الطبيعة، وقد أتاح ذلك ظهور فلسفات جديدة تتخذ من أفكار ما بعد الحداثة ديدنًا لها، وهنا يمكن أن نتساءل إلى أين يمكن أن تتجه هذه الأفكار؟

بينما لم تكن أطروحة فينتوري بالتأكيد بيانًا سياسيًا، إلا أن كلماته تقرَأ اليوم على أنها دعوة لمجتمع شامل، حيث قال: “أتحدث عن بنية معقدة ومتناقضة حول ثراء التجربة الحديثة وغموضها، أرحب بالمشكلات وأستغل الشكوك، أحب العناصر الهجينة بدلاً من “النقية”، والمساومة بدلاً من “النظافة”، أنا مع الحيوية الفوضوية على الوحدة، يجب أن تجسّد بنية التعقيد والتناقض الوحدة الصعبة التضمين بدلاً من الوحدة السهلة للاستبعاد.” (1)  وقد أدّت أفكاره للتوجه تحو فكرة التعددية التي بلغت أوج الترويج لها من خلال بيارك انجلز في عام 2009.

ما بعد ما بعد الحداثة: نعم هو الأكثر(Yes is More)
سنأخذ مثالاً على مفهوم (نعم هو الأكثر) من خلال دراسة مشروع (كوبنهاجن المستقبل –منتزه سوبركيلين) وهو أحد أعمال وإشراف المعماري بيرك انجلز، والذي حاز على جائزة آغا خان في العمارة بسبب تركيزه على دمج وصهر الأقليات في المجتمع.

منتزه سوبركيلين

مفهوم الجمال والقيمة الجمالية في المشروع
يقول جيكوب فيغنير، الفنان من الفريق الاستشاري في مشروع (منتزه سوبركيلين) والمسؤول عن القطع الفنية الموزعة في المشروع: “أعتقد أنه يشكّل نوعًا غريبًا .. أعني الأشياء التي لها وظيفة ولكنها مجمّعة معًا ولديهم هذا النوع من الجماليات التي تتعارض مع بعضها البعض، وهو على ما يبدو شيء لطيف، يبدو المكان جيدًا على ما أعتقد”(2).

مفهوم الهوية والانتماء: جدلية السياق
حتى نفهم الهوية، من الجيد تعريف السياق الذي يجعل الإنسان ينتمي وينحاز لفئة معينة من زمان ومكان وأحداث وأشخاص، إذ إن المكان العام بشكله المجرد لا قيمة عاطفية له، إلا أن الذكريات في الإنسان هي ما تجعله يشعر بالانتماء للسياق وتدفعه ليستجيب بعاطفته للمكان، ومن المهم جدًّا التفصيل في مفهوم السياق ومفهومي الزمان والمكان في هذا العصر حتى نحافظ على المعنى والهوية دون عبثية ودون تسطيح لهذه المفاهيم حتى لا نخسر جوهر القضية.

تصاميم متناقضة خارجة عن السياق. هذا لتأكيد أهمية السياق من أجل الانسجام مع المحيط

تصاميم متناقضة خارجة عن السياق. هذا لتأكيد أهمية السياق من أجل الانسجام مع المحيط

تسطيح الهوية بالتمسك بالمادة
حين نقول إننا نشتاق لتراب الوطن -على سبيل المثال-، فإننا نقول ذلك بشكل مجازي، فنحن لا نركض لشم وتجميع التراب حين وصولنا لوطننا، وإن تحمس بعض الأشخاص وفعلوا ذلك بالفعل، فإنه أمرٌ مبالغٌ فيه أو هو مظهر لعاطفة زائدة؛ إذ ليس الأصل من مفهوم الاشتياق للمكان تلمّس جدرانه وأجزائه، لكن بعض المعماريين أخذوا الموضوع بشكل حرفي، وهو ما حصل في مشروع (منتزه سوبركيلين)، حيث خُصّص مكان من المشروع لفتاتين سافرتا لإحضار تراب من فلسطين ووضعه في بعض أجزاء المنتزه.

قد نرى بعض الأشخاص في زمن الحرب من تأخذهم العاطفة ويبدأون بتجميع أحجار بيتهم المدمر للاحتفاظ بذكريات البيت، وهذا موضوع محزنٌ جدًّا ويدفع للتعاطف، إلا أنها لا تخرج عن كونها ردة فعل عاطفية لا يمكن بناء منظومتنا الفكرية وتوضيح مفهوم الهوية والانتماء بناء عليها، إذ الموضوع أعمق وأكبر من ذلك.

تراب أحمر من فلسطين في منتزه سوبركيلين

تسطيح الهوية بالتمسك بالزمان
إلى جانب تسطيح الانتماء للمكان، سيتم تسطيح الزمان في العمارة، وستصبح في المستقبل مثل بيع السلع اليومية كالأجبان، حيث أصبح للزمن قيمة وعُرِّف المنتج الأقدم بأنه الأكثر جودة، فقط لكونه قديمًا ونقيًّا لم تلمسه أيدي البشر الحداثيين، فالتاريخ لم يعد مصدرًا للمعرفة والفهم فحسب، وإنما أصبح مقدسًا بذاته لأن عامل الزمن مرّ عليه، وإن لم يكن يرمز لشيء معين.

صور مشروع منتجع شرعان في العلا

قد يكون الاتجاه مقبولًا لمن يهتم بالتاريخ الأصيل بهدف أن تكون المعلومات المستخرجة أصيلة وصحيحة، إلا أن هذا الاتجاه يلجأ لجعل الأرض والبشر والزمن المعيار لتحديد قدسية المكان، وحينها يصبح المكان مقدسًا لقدمه، بغض النظر إن كان فيه قيمة ثقافية أم لا. وهو ما سنراه أكثر في دراسة المشروع (منتجع شرعان في العلا).

مشروع (منتجع شرعان في العلا)
سيتضمن المنتجع الذي ينحَتُ في جبال العلا بالمملكة العربية السعودية -المتوقّع إنجازه في عام 2023-، أجنحة فندقية، ومنتجعاً صحياً، وموقعاً لعقد القمم. كما يتميز المنتجع بتصميم مستوحىً من مملكة الأنباط وهو من تصميم المعماري الفرنسي جون نوفيل.

الإنصات لصوت الطبيعة Genius Loci
يوضح الفيديو السابق النمط المستخدم في العمارة، وهنا نرى أهمية هوية المكان عند المعماريين، لكن الهوية هنا غير مرتبطة بالثقافة أو للناس بل متعدية لها بهدف فهم إيحاءات المكان وطبيعة الميتافيزيقا، وهو ما يعرف في العمارة بمفهوم “Genius loci”. حيث نشأ مصطلح “Genius loci” من الأساطير الرومانية ويشير إلى الروح الحامية للمكان. أو الطابع السائد أو الجو العام للمكا ويقصد به  رئيس أو روح مكان.(3)

في الدين الروماني الكلاسيكي، كان “Genius loci” يمثل الروح الواقية للمكان، وغالبًا ما كان يصور في الأيقونات الدينية كشخص يحمل سمات مثل الوفرة أو باتيرا أو على هيئة ثعبان، وقد تم تخصيص العديد من المذابح الرومانية الموجودة في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية الغربية لمواقع “Genius loci” معينة.(4) وهذا يذكر بقوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا}. ]الجن: 6[

من المهم الإشارة إلى أن من جملة عمليات تسطيح مفهوم الهوية حصره برموز من المادة أو الزمن، مما يجعل المعنى الكامن فيه بلا معنى، حيث يجعله التسطيح شيئًا ثانويًّا قد يتركه الإنسان حالما يرى أنه غير فعال أو مستدام، أو عندما يدرك أنه موجود لبعد عاطفي وحسب، مما يجعل العاطفة بحد ذاتها لا معنى لها وبذلك يتشتت ويثقل ويأخذ من مساحة المكان ويصبح مثل الرمز والوثن بلا عملية أو وظيفة له، ومع الوقت، إما يتخلى عنه الإنسان لعدم وجود وظيفة له أو أن يتوجه لعبادته وتقديسه لأنه الشيء الوحيد الذي تبقّى دليلًا للحفاظ على هويته، وبكلا الحالتين فقد تم تسطيح مفهوم الهوية ليصبح مفهوماً متنقلاً غير مستدام وعائقًا في الحياة العملية.

التحيز والإقليمية
الطبيعة تحكم والمعماري يرفع يديه ويستسلم للعفوية والفوضى، وهنا نعود لحركة (نعم هو الأكثر)، حيث نرى أن المكان أصبح يحدّده المستخدم وليس المعماري، فعندما تترجم الهوية بإحضار تراب من بلد ما، أو وضع رمز على شكل عيادة طبية من مكان ما، فإننا نرى أمامنا أن العبثية تحاول إيجاد معنى بطريقة أكثر عبثية.

نرى في حركة (نعم هو الأكثر) أنها تحاول إيجاد معنى وهوية للثقافات المختلفة من خلال إحضار رموز مختلفة مهما كانت رأسمالية، تاريخية، ثقافية، دينية، وطنية.. إلخ، وبنفس الوقت تحاول إيجاد الترتيب والتنظيم والهيكلية في المدينة من خلال ضم كل الثقافات للخضوع للمجتمع التعددي والاندماج القسري.

هو وهم الحرية والانفتاح إذًا، أحضر ما تريد من بلدك وثقافتك، يمكنك إحضار الزعتر والملوخية، لكنك يجب أن تعيش في نهاية المطاف مثلنا وتستمتع بما نراه مناسبا لك، ونريد أن نأكل معك أيضا.

تدافع الحيوانات الإقليمية عن منطقتها ضد الغزاة

يمكن اعتبار هذا الواقع بأنه اشتراكية جديدة على مستوى عالمي، حيث يخضع كل البشر لسلطة رموز الأم الطبيعة، وحين نجعل هويتنا وكينونتنا مقتصرة على الحيز الذي نحتله خاصة عند فقدان معنى الوطن الذي غدا ظاهرة عالمية، فإن ذلك سيعيدنا لغريزتنا الحيوانية في القتال من أجل الحيز للتعبير عن هويتنا، كما في الصورة الأخيرة، حيث نرى مدافعة الحيوانات عن منطقتها ضد الغزاة.


الهوامش:

  1. https://cutt.ly/Nh8ls6N
  2. https://cutt.ly/ph8lUvj
  3. https://cutt.ly/Fh8lInI
  4. https://cutt.ly/8h8lOQx

مصادر الصور:

https://cutt.ly/Ph8lQG5

https://cutt.ly/0h8lPZ2

https://cutt.ly/Sh8lWON

https://cutt.ly/yh8lENR

https://cutt.ly/Gh8lR0A

محاكاة الطبيعة وتسليع الإنسان في العمارة

من النتائج الجيدة للحداثة هي اعتراف الانسان جزئيًّا بأنّه ليس المسيطر على كل شيء، إلا أن هذا الاستنتاج لم يكن كافيًا للإنسان حتى يكون تواضعه لله، وإنما لقوى الطبيعة، ومن ثم قرّر المعماريّ جعل عملية اتخاذ القرارات في التصميم تابعة لما تريده (الأم الطبيعة) –كما يقال-، وبالتالي فإن عليه التواضع الكامل والإنصات للصوت العلوي للطبيعة وعدم إبراز الاستياء، وكل من يحاول الاعتراض سيصنّف بأنه جاهل ولم يدرك الغاية الأسمى من عمارة الأرض.

الخط الزمني لأهم الفلسفات والعبارات الرنانة في العمارة*
بعدما تم نقد مبدأ المينيماليزم وأوضحنا أوجه الخلل فيه في مقال (باوهاوس والنمط العالمي الموحد)، حان الوقت لنقد الأوجه المعاكسة له وردات الفعل الحاصلة، والهدف ليس محض الانتقاد ورفض كل فكر جديد، وإنما تبيين مكامن الخلل في هذه الفلسفات التي تضر بالمبدأ الإسلامي الأهم أي “الوسطية” والسعي للوصول إليها، وذلك حتى لا تنجرف ردات فعلنا من خطأ إلى خطأ آخر، كما يجب التنويه أن مصطلح (ما بعد الحداثة) من الصعب تعريفه وتحديد أفكاره الخاصة وتوجهاته أو حتى الفترة الزمنية الخاصة به، كما أن فترة (ما بعد ما بعد الحداثة) متقاربة معها، وفيها تسربات مختلفة لبعض الأفكار والتوجهات، لكن سنوضح أوجه الاختلاف التي أوجبت تحديدها وتفريقها عن فترة ما بعد الحداثة بسبب سرعة التغيرات الطارئة.(1)

*تنويه: التصنيف خاص بهذا المقال وليس له مرجع محدد

العصر تاريخ قول العبارة القائل العبارة بالعربية العبارة بالإنجليزية الأسس الفلسفية لقب الحركة* توجه الحركة فكريًا واجتماعيًا وتنظيميًا**
الحداثة 1947 ميس فان دير روه الأقل هو الأكثر Less is More الانسانوية

Minimalism

التقليلية
اشتراكية
ما بعد الحداثة 1966 روبيرت فينتوري الأقل هو الأكثر ضَجَراً Less is a bore العبثية + العدمية

Maximalism

التكثيرية
رأسمالية وتمهيد للتعددية
ما بعد ما بعد الحداثة 2009 بيارك إنجلز نعم هو الأكثر Yes is More الانسانوية + نظرية الفوضى

Pluralism

التعددية
التعددية: اشتراكية جديدة تحكمها الطبيعة

* تنويه: قد لا يكون هذا اللقب مطلقًا من قبل نفس قائل العبارة، لكنه يلخص مفهوم هذه الحركة وتوجهاتها
** تنويه: من الممكن مثلا استخدام نمط التقليلية في بناء برج عملاق لشركة رأسمالية، لكنه ليس الهدف والأصل من منبع هذه الفلسفة

الماكسيماليزم (الاستهلاكية المفرطة) والمينيماليزم (البساطة المفرطة): قصة صراع بين الرأسمالية والاشتراكية

توضيح للصراع الحاصل بين اتجاهين معاكسين في العمارة. على اليمين روبيرت فينتوري وعلى اليسار ميس فان دير روه

توضيح للصراع الحاصل بين اتجاهين معاكسين في العمارة. على اليمين روبيرت فينتوري وعلى اليسار ميس فان دير روه

ما بعد الحداثة: الاستهلاكية المفرطة: الأقل هو الأكثر ضَجَراً
هذه العبارة من مقولات المعماري الشهير روبرت فينتوري في كتابه (التعقيد والتناقض في العمارة) وقد صنّفت هذه العبارة كردّة فعل للصرامة الشديدة في التصميم، حيث أراد للتصميم والفن أن ينزل إلى مستوى الشارع فيصبح شعبيًّا في مضمونه وشكله بهدف فهمه من قبل الناس، كما روّج لمفهوم “البشع العادي” والتواضع في الحياة للخروج من المثالية شبه المستحيلة في الفن والعمارة، خاصة في عصر السرعة والتغيرات الدائمة.

ومن المفيد التأكيد إلى أن توجهاته الفنية خالية تمامًا من أي سياق تاريخي، ويتم تحليلها حصريًا من أجل قيمتها التركيبية، كما أنه لا يولي أولوية كبيرة للقيمة الأخلاقية في التصميم، فما دام مؤديًا للغرض فهو مقبول كما في كتابه (التعلم من لاس فيغاس) الصادر عام (1972)، كما نُظِرَ لأفكاره على أنها نص تمهيدي لتيارات ما بعد الحداثة في العمارة، على الرغم من إصرار فنتوري باستمرار على كونه معماريًّا حداثيًا(2).

كان لهذا الاتجاه نتائج موازية في عالم الفن والموضة والتصميم من خلال المقولة: الأكثر هو الأكثر والأقل هو الأكثر ضَجَراً. فبالنسبة لآيريس أبفيل المختصة في الأزياء، فإن مقولة: “لا يوجد قواعد” هي القاعدة الذهبية لها، وتتحدث قائلة: لماذا تهتم؟ نريد كسر الأنماط فقط! (3)

 

قد يخطر ببال كثيرٍ منا اليوم، أننا بحاجة للروح الحرة في التصميم، خاصة عندما تبدو المباني السكنية الجديدة كالصناديق التي لا هوية فيها، وذلك يساعدنا على إنشاء “ممالك خيالية”.(4)

 

إلا أن الاستجابات العاطفية لم تكن إيجابية دائمًا، حيث انتقدت أدا لويز هوستابل -ناقدة الهندسة المعمارية الشهيرة في نيويورك تايمز- تيار ما بعد الحداثة بأنه ثقيل اليد ويفتقد الذكاء، كما وصف الناقد اللغوي والثقافي نعوم تشومسكي ما بعد الحداثيين بـ “الدجّالين المسلّحين”، في حين وصف روبرت ماكسويل، العميد السابق للهندسة المعمارية في جامعة برينستون، نظريات المهندس البريطاني جون أوترام بأنها “عمل من أعمال الإرهاب المعماري المطلق”(5)، ويمكن الإضافة على ذلك بأن ما بعد الحداثيين يعتزون بهويتهم المتغيرة بشكل أخرق وطفولي لا معنى له.

التصميم للأقليات في المجتمع في عصر ما بعد الحداثة
مثال آخر لنمط التكثيرية على مستوى الهوية الثقافية والدينية للأقليات، كما في الساحة الإيطالية في لويزيانا، في الولايات المتحدة الأمريكية. حيث أنشئت الساحة للتواصل مع هوية الأمريكيين الإيطاليين في المدينة وتزويدهم بمكان للاحتفال بعيدهم السنوي (سانت جوزيف).

لقد تحقّق الأمر حين أنشئ البناء وتوزعت المساحات على شكل خريطة ايطاليا، كما استخدمت أنماط من الثقافة الإيطالية تعود لحقبات تاريخية مختلفة لإيطاليا، ووضعت بركتان صغيرتان من الماء لمحاكاة البحر الأدرياتيكي والبحر التيراني. مع أن التصميم قد يعجب البعض ويراه مناسبا، إلا أن مفهوم الهوية ليس مختصًّا بالتزييف السطحي لرموز المكان، إذ إن الزائر أو الناظر لن يشعر أنه في إيطاليا عندما يكون توزيع المساحات على شكل خريطة إيطاليا، ولا عند استخدام كل الأنماط التاريخية بشكل مرصوص وفوق بعضه البعض، فهذا تسطيح لمفهوم الهوية.

تصميم لمحاكاة الطبيعة: اللجوء للكهف في مشروع (Amdavad Ni Gufa)
ما نراه في هذه الصورة ليس مجرد كهف أو مكان طبيعي وإنما بناءٌ من صنع الإنسان، وقد تم بناؤه وتصميمه من قبل بالكريشنا دوشي، وهو كبار المعماريين في الهند، حيث صمم هذا المبنى في أحمد آباد عام (1994)، وبُنيَ تحت الأرض وجعل سقفه مكانًا يمكن للزوار المشي عليه والجلوس والتفاعل مع بعضهم البعض، أما الجزء الداخلي للكهف، فانه يستخدم أعمدة غير منتظمة تشبه الرواسب المعدنية، وتوفّر -مثل الكهوف عادةً- ملاذًا متميّزًا من الحرارة في الهند(6).

مبنى Amdavad Ni Gufa

لقد أتاح نمط التكثيرية والمحاكاة مع الطبيعة ظهور فلسفات جديدة تتوجه إلى ما بعد ما بعد الحداثة، حيث نرى وجود توجه واضح وتغير من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، لكن إلى أين يتجه؟

هذا ما سيحتاج منا مقالاً آخر بإذن الله.


الهوامش

(1) تم الاستفادة من مقال (ما بعد الحداثة) على موسوعة السبيل
(2) https://cutt.ly/1h8liui
(3) https://cutt.ly/Eh8loXQ
(4) https://cutt.ly/Lh8lafJ
(5) المرجع السابق نفسه
(6) https://cutt.ly/jh8lYtK

مصادر الصور:

https://cutt.ly/Mh8ljcN

https://cutt.ly/Fh8llnP

https://cutt.ly/th8lz2s

https://cutt.ly/Th8lxL7

https://cutt.ly/qh8lcVY

https://cutt.ly/Ch8lv5Z

https://cutt.ly/4h8lbTh

https://cutt.ly/0h8lnRE

https://cutt.ly/nh8lmZi