مقالات

الفردوس الأرضيّ .. عبد الوهاب المسيري والحضارة الأمريكيَّة

لا يُقدِّم لنا الدكتور “عبد الوهاب المسيري” في كتابه “الفردوس الأرضيّ” معلومات عن “الولايات المتحدة الأمريكيَّة” وحضارتها الحديثة؛ لكنْ يُقدِّم لنا ما يمكن اعتباره رؤيةً فلسفيَّةً تأسيسيَّةً في نظرنا لهذه الحضارة في بُعدها الأشمل. ولا يُقدِّم “المسيري” هذه الرؤية إلا عنْ دعامَتَيْنِ واضحتَيْنِ: مُعايشة هذا الواقع الأمريكيّ؛ حيث عاش في أمريكا بين عامَيْ 1963 – 1971م، والفهم النظريّ التأصيليّ لهذه المنظومة الأمريكيَّة. ليَخرج -ونخرج معه- من التجربة وقد امتلكنا رؤيةً تُفَلْسِف الحضارة المُسيطرة على العالَم في هذه العقود، رؤيةً أتتْ من خلفيَّة فكر إسلاميّ وبعينَيْنِ عربيَّتَيْنِ.

سأعمد في هذا المقال إلى التعريف بالأفكار العُظمى التي جاء بها “المسيري” في كتابه؛ لكنْ لا يحسن فعل ذلك دون التعريف بالكتاب الذي لمْ يُشتَهَر بينَ الناس على غير عادة إنتاج “المسيري” الذي يُمثِّل واحدًا من أكبر الكُتَّاب العرب مبيعًا. هذا الكتاب الذي صدر في “بيروت” عام 1979م لمْ يُعَدْ طبعُهُ إلا في “القاهرة” عام 2014م عن دار “تنوير” -وهي الطبعة التي اعتمدت عليها-. وفيه يُدوِّن “المسيري” التجربة في أبواب أربعة؛ مُرتكزًا على عرض فكرته عن الفردوس الأرضيّ، مُعضِّدًا إيًّاها بالكثير من ملامح الحياة الأمريكيَّة في الستينات والسبعينات؛ التي تؤكد على نظرته أو تُبيِّن آثار المُنحنى الفكريّ للتجربة على الأمريكيِّين.

عبد الوهاب المسيري

وقد استخدم منهجًا أقرب إلى التفكيكيَّة، مُعتمدًا على فعل التحليل التأمُّليّ. والكتاب سهل للقارئ العاديّ؛ إلا أنَّه يدخل حيِّز الصعوبة في بعض الأحيان. ومن الطريف في الكتاب أنَّ الكاتب -على عادته- يستخدم أسلوب السخريَّة ويميل إلى نقد بعض الأفكار بالتعبير عنها بصورة مُضحكة. منها تعليقه على فكرة النجاح عند اليهوديّ “بودورتز”: “أخيرًا الآلهة الحقيقيَّة اللُّوكس؛ فحتى الآن كنا نتعبَّد لآلهة درجة ثانية”. وسأبدأ بتعبيره عن الحياة في “أمريكا”، ثمَّ أثنِّي بأهمّ أفكار الكتاب.

المسيري والحياة الأمريكيَّة

أهمُّ ما يُطالعنا عندما ننظر لهذا المُجتمع الأمريكيّ من نظَّارة “المسيري” أنَّه مُجتمع شَرِهٌ تجاه استهلاك السِّلَع بمُختلف أصنافها؛ ولعلَّ هذه الرؤية من الداخل تردُّ على الوهم الذي ربَّانا عليه مُثقَّفونا العابدون للغرب؛ من أنَّ الأمريكيِّيْن أُمَّة تصنيع وعمل، لا أُمَّة استهلاك كما العرب! -وبغضّ النظر عن أنَّ استهلاكيَّتنا قد بدأتْ عندما مشينا على خُطا النموذج الأمريكيّ، وعلى إعاناته-. وكذا سنعرف سهولة التحكُّم في المجتمع الأمريكيّ؛ الذي يرتضع وعيَه من “ماما الإعلام”، الذي بدوره يدين بالولاء الكامل لرأس المال وإملاءاته.

سنجد مُجتمعًا تسيطر عليه الرأسماليَّة وتُخضع كلَّ مَن فيه إلى قواعدها؛ التي تستغلُّ الجميع مُقابل فُتات لا يُذكر. مُجتمعًا لمْ تتركْ له أحبالُ الحياة التي تلتفُّ حول رقبته فرصةً للاهتمام بالعالَم الخارجيّ. وسنجد “المسيري” يُسجِّل قمع المُعارضين مثلما حدث مع “اليسار الأمريكيّ” -الذي يتبع المنظومة الشيوعيَّة في الأُفُق الكُلِّيّ-، وكيف تحوَّلَ إلى كيان مُدجَّن مُقلَّم الأظافر. وسيُنبِّه على حالة الاختناق المُجتمعيّ من أُطُر التجربة الأمريكيَّة التي ولَّدتْ طُرُقًا للاحتجاج عليها.

من تلك الطُرُق حركة “الهِيبي” أو “الهيبيز” التي اجتاحتْ “أمريكا” في تلك الآونة؛ اعتراضًا على نموذج الرجل العصاميّ الناجح الذي يبني نفسه بنفسه من الصفر، الذي تقدِّمه التجربة. فقد أتتْ تلك الحركة لتُقدِّم الفشل وتُعلي من قيمته اعتراضًا على هذا النموذج. وكذا من الطُرُق تنظيماتٌ دينيَّة شتَّى مثل “أهل يسوع”، وحركات وتنظيمات عديدة للأمريكيِّين السُّود اعتراضًا على ما يُعانونه من ألوان اللاإنسانيَّة المُستفحلة في بلاد “الحريَّة والتقدُّم”! لكنَّ جميع هذه الأشكال الاعتراضيَّة لا تستطيع الوقوف أمام طوفان تيَّار المُجتمع العامّ.

حركة "الهِيبي" أو "الهيبيز" في الفردوس الأرضسّ

“الهِيبي” أو “الهيبيز”

ويُقارن “المسيري” في بابه الثالث بين نموذجَيْنِ، أحدهما يهوديّ هو “بودورتز” الذي انسجم مع الحُلم الأمريكيّ العظيم، وراح يُمحور نجاحه على منظومة الأهداف الأمريكيَّة؛ التي ترى النجاح في تحقيق أكبر قدر من الكسب الماديّ والمكانة الاجتماعيَّة المَظهريَّة. والنموذج الآخر مُسلم هو “مالكوم إكس” الذي لمْ ينسَقْ وراءَ الحُلم الأمريكيّ الزائف، لكنَّه أسلم ورأى الأشياء على حقيقتها وفي نصابها دون شطط. ولعلَّ هذا الباب يُعبِّر “المسيري” من خلاله عن زاوية نظره التي تُعظِّم الإسلام دون تدخُّل شخصيّ. لأنَّه لمْ يُحاكِم الحضارة الأمريكيَّة من منظور الرؤية الإسلاميَّة.

وسيُحدِّثنا عن حركات “النسوية” العديدة التي طفحتْ على سطح المُجتمع الأمريكيّ. ونشهد معه اشتهار الدعوة إلى التخلُّص من الرجال، والدعوة إلى حثّ العُلماء على إيجاد طريق للتناسُل بين النساء وحسب، واشتداد الدعوة إلى الإجهاض، وسائر المظاهر في ذلك الأتون المُستعر للنِّسويَّة؛ التي -ويا للأسف!- نجد مُجتمعاتنا تنجرُّ إليها -أو تُجرُّ- بقوَّة وعُنفوان.

التشابه بين الحضارتَيْن الأمريكيَّة والصهيونيَّة

تُطالعنا فكرة التشابُه بين الحضارتَيْنِ الأمريكيَّة والصهيونيَّة جليَّةً واضحةً على صفحات عدَّة من الكتاب. وأستطيع أنْ أُمركِز التشابُهات في وحدة الأصل الفكريّ؛ حيث حُلم الصهيونيَّة عند الحالِمين به من اليهود، وكذا وجود أصله عند الطائفة التي سيطرتْ على مُؤسِّسيْ “الولايات المُتحدة الأمريكيَّة”؛ وهي طائفة “البيوريتانيُّون” أو “التطهُّريُّون”. هؤلاء التطهُّريُّون هُم طائفة من الطائفة البروتستانتيَّة الأوربيَّة المُتطرِّفون، رأوا أنَّ البروتستانتيِّين الأوربيِّين لمْ يخالفوا الكاثوليك بشكلٍ كافٍ، فاعتزلوهم وراحوا يحلمون بتحقيق حُلمهم على تلك الأراضي الجديدة -وقتئذٍ-، بل صرَّحوا بإقامة “صهيون” خاصّ بهم عليها.

وكذا آمَنتْ الحضارتانِ -أو الشعبانِ لحضارة مُتشابهة- بفكرة “الرِّيادة”؛ وتعني أنَّ الأرض التي قَدِمُوا لها -أمريكا وفلسطين- أرض بلا شعب. وأنَّهم مَن أحيوا هذه الأراضي من الموات، وصارتْ بذلك ملكَهُم الأصيل. وكذا آمنتَا بأنَّ كُلًّا منهما ذات رسالة عُليا تفوق فكر وطموح بقايا البشر الموجودِين على هذه الأراضي؛ لذا يجب أنْ يخضع لهما الجميع. وبعد التشابُه في البنية الفكريَّة التي بدأتا بها؛ لَحَظَ “المسيري” أنَّ كُلًّا منهما بدأ احتلاله للأرض بإنشاء مُستعمرات عسكريَّة زراعيَّة، وبإقامة مذابح وإبادات جماعيَّة شتَّى تقتلع أصحاب الأراضي الأصليِّين من جذورهم.

ثُمَّ بعد إقامة كُلٍّ من الدولتَيْنِ اشتركا في النظام الاقتصاديّ الرأسماليّ، وكذا الفلسفة العموميَّة البرجماتيَّة -سيأتي الحديث عنها-. إلا أنَّه في مواضع نبَّه إلى خياليَّة مُغرقة للطرح الصهيونيّ، وأنَّه يُؤمن بانتصاره الحتميّ على الآخرين، بخلاف “أمريكا” التي لا تعتقد هذا. ومن شدَّة تشابُه التجربتَيْنِ صرَّح بأنَّ الفارق بينهما مساحة الدولتَيْنِ على الأرض، وتاريخ طويل يَدَّعِيْه الصهاينة.

لكنَّ العيب الأكبر في الحضارة الأمريكيَّة والكيان الصهيونيّ هو فشلهما في إقناع الآخريْن بمشروعَيْهما. فها هي “أمريكا” تُعاني التفكُّك والتشرذم الداخليّ، وها هو الكيان يرى أكبر تجمُّعَيْن لليهود في العالَم في “أمريكا” و”الاتحاد السوفيتيّ” لا على الأرض الفلسطينيَّة كما أراد. وهذا تصريح تطبيقيّ للنظريَّة الفردوسيَّة التي يرى “المسيري” حتميَّة فشلها.

فكرة الوجود الإنسانيّ .. وتداعيات اختلاله

يعتبر “المسيري” الوجود الإنسانيّ مُشكَّلًا من عنصرَيْنِ: عنصر الوجود الطبيعيّ؛ وهو الوجود الحيوانيّ للإنسان، الذي يخضع لحُكم تركيبه، أو الوجود في “الجسد” الإنسانيّ. أمَّا العنصر الآخر -أو بالأدقّ العِماد الآخر- هو الوجود التاريخيّ؛ وهو في مفهوم عامّ كلُّ ما يجعل الإنسان إنسانًا ويُميِّزه عن طوره الجسديّ. ويقصد به كلَّ المعاني التي تُشكِّل الإنسان المفرد وتُقيِّده، ويُشير حديثُه المُتناثر إلى إدخال عناصر عُظمى كالدين والمنظومة القِيَميَّة في تشكيل هذا الوجود التاريخيّ. وهذا الوجود يربط الأُمَّة بماضيها ومُستقبلها، وهو أيضًا يُمثِّل المُراعاة لخطِّ سير التاريخ الإنسانيّ العامّ. والحضارة الناجحة هي التي تستطيع الموازنة بين الوجودَيْنِ ومُتطلَّبات كُلِّ منهما. فكما تُراعي وجود الإنسان الجسديّ لا يمكن أنْ تغفل وجوده التاريخيّ. ولا شكَّ واضحٌ تأثيرُ خلفيَّة “المسيري” الحضاريَّة على إقراره هذه الموازنة.

وهذه الفكرة التي بدأ بها الكتاب هي مِفتاح الكتاب كلّه -وإنْ بدا أنَّها فكرة قد خلَّفها وراءه-. فقد أرجع “المسيري” سقوط الإنسان في العصر الحديث؛ خاصةً إنسان الحضارة الغربيَّة إلى الإخلال بمُعادلة الوجود الإنسانيّ. بتغليب وجوده الطبيعيّ على وجوده التاريخيّ؛ وهذا التغليب حَصَرَ رؤية الغرب في فكرة “التقدُّم” التي بدأت تحتلُّ اهتمامَه لخدمة الإنسان، ثمَّ صارتْ هدفًا في حدّ ذاتها بغضّ النظر عن خدمة الإنسان نفسه. وصار الغرب في سباق مَحمُوم لإدراك هذا التقدُّم عن الآخرين بأيّ ثمن.

بل في منظور آخر أرجَعَ “المسيري” تراجُع حضور الأديان لهذا الاختلال؛ فقد أبدل إنسانُ العصر الحديث بالغيبيَّة العقائديَّة -التي سمَّاها بالتقليديَّة- “غيبيَّة عمليَّة”. ورأى أنَّ العلم هو خلاصه الوحيد، وشيئًا فشيئًا بدأ يعبده، ويصبغ عليه كلَّ سمات القداسة التي كان يشتكي منها في الغيبيَّة العقائديَّة.

فكرة “الفردوس الأرضيّ”

“الفردوس الأرضيّ” هو المُصطلح الذي عبَّر به “المسيري” عن مُحاولات الإنسان في العصر الحديث لتغيير مجرى الأحداث لصالح إنشاء نموذجه الخاصّ، وتحقيق ما يُريده من أسلوب مُجتمعيّ وحياتيّ بغضّ النظر تمامًا عن مُحدِّدات أو موانع هذه المُحاولات. وهو المُصطلح الذي يُقابل المُصطلح القديم “الفردوس الغيبيّ أو الأُخرويّ” الذي يعتمد على رؤية ما بعديَّة؛ أمَّا أصحاب “الفردوس الأرضيّ” فلمْ يُعوِّلوا كثيرًا على الانتظار، وأرادوا ما أسمَوْه “فردوس هُنا والآن”، ولا تسويف بعد اليوم.

والنزعة الفردوسيَّة هذه ضدّ الإنسان التاريخي؛ أيْ الإنسان في سياقه التاريخيّ. فالإنسان الفردوسيُّ -أيْ المُؤمن بتلك النزعة- إنسانٌ مُعادٍ للتاريخ وقانون الحياة، يريد التخلُّصَ من حُكمه وإخضاعَ جميع عناصر الحياة لحُكم ما يهوى، وإقامةَ فردوس لنْ يتحقَّق أبدًا؛ لأنَّ الدنيا المُرتبطة بالزمان والمكان والإنسان وعلاقاته لا يمكن أنْ تصلح محلًّا لهذا التصوُّر الفردوسيّ. وهذا الفردوس هو لحظة السكون المُطلَق التي لا يدرك الحالِمُ بها استحالة وقوعها في عالَم يقوم على النسبيَّة والتصارُع والتدافُع.

وبدأت الفكرة -كما رأى- مع العصر الصناعيّ، وتحكُّم الرأسماليَّة (وهنا أنوِّه إلى أنَّ “المسيري” كان مُتعاطفًا مع الماركسيَّة، ولعلَّ تفسير هذا التعاطُف من عدَّة جهات يضيق المقام عنها). وبدأتْ تتوسَّع هذه النزعة وتلك الحساسيَّة لإدراك الفردوس منذ العصر الحديث في فكرة “التقدُّم”، وتحقيق فردوس السِّلَع الأرضيّ، وإدراك الحالة الفردوسيَّة عن طريق إشباع الرغبات الإنسانيَّة، بل إتخامها حتى الثمالة.

وبالقطع قدَّمَ “المسيري” هذا المُصطلح؛ وفي القلب من أهدافه تلخيص الحضارة الأمريكيَّة في كلمتَيْن، وكذا دولة الكيان الصهيونيّ. فليس أصدق من هذا المُصطلح في التعبير عن عُمق التجربتَيْنِ! فكلتاهما بادَرَ وأنزل إرادته على الواقع، دون أيّ اعتبار لمعقوليَّة ما يُريده، أو لتكلفته وما سيُسبِّبه للآخرين من دمار. وكلتاهُما اعتقدت أنَّها ستُحقِّق فردوس الأرض ثمَّ تصل بعدها إلى مملكة السلام والسماء التي لا يُكدِّرها مُكدِّر. ثُمَّ ما زالت كلتاهُما تتأكَّدانِ أنَّ ما رأياه في المقدور يبدو في بند المُحال أدخل.

تقديم “المسيري” للفلسفة “البرجماتيَّة”

وبما أنَّه لا يمكن دراسة تجربة دون درس ظهيرها الفلسفيّ الأكبر؛ فقد انصبَّ “المسيري” في عرضه على البرجماتيَّة وخصَّصَ لها آخر مبحث في بابه الأوَّل، دون الرأسماليَّة التي بثَّ نقدها على طول الكتاب. والفلسفة البرجماتيَّة -المذهب الفلسفيّ للتجربة الأمريكيَّة- هي إحدى الفلسفات الحديثة والمُعاصرة، وهي مُتفرِّعة من تاريخ طويل لفلسفات اللذَّة والمنفعة. وباختصار تتمحور أكبر دعائمها في إخضاع المبادئ للنتائج، وأنَّ الأفكار -مهما بلغتْ في ذاتها من رسوخ وصحَّة- هي مجرَّد مشاريع، تثبُتُ فقط حين يختبرها الواقع وتثمر النتائج المرجوَّة منها. وأنَّ الحقائق في ذاتها لا اعتبار لها إلا باعتمادها على واقع فعليّ. هذا ما يُمكنني إضافته في عجالة؛ لكنْ كيَّف عرَّف “المسيري” البرجماتيَّة؟

يرى “المسيري” أنَّها فلسفة تبدأ من مُسلَّمة أنَّ الإنسان يعيش في خطر وسطَ عالَم مُوحِش. لذا يجب ألا يشغل نفسه بالفكر، وأنْ يتقدَّم للفعل ويُعلي من قيمته. وهي تُصوِّر “الواقع” على أنَّه ما يراه الشخص ويقتنع به، لا ما عليه الشيء حقًّا. وبذلك تصير المعرفة نسبيَّةً ذاتيَّةً لا وجود لها في خارج أذهاننا. وترى القِيَم -ومنها الأخلاق والسلوك- هي ما نتفق عليه، لا يُملَى علينا. والحقيقيّ هو ما ينجح، ويستطيع فرض نفسه على التيار العامّ. وكي أُوضِّح هذه الأُسس بمثال؛ ففي نظر البرجماتيَّة أنَّ الأغاني الشعبيَّة بالغة القُبح (المهرجانات) أفضل وأقرب للبشر من أشعار شوقي؛ لأنَّها نجحتْ -آنيًّا- في الوجود، وفرضتْ نفسها على الخطّ العامّ.

كما تُولِيْ البرجماتيَّة مكانةً خاصَّةً للشخص “العبقريّ”؛ حيث لا تعدُّه شخصًا عاديًّا بل هو مُعطًى، وأنَّه ثروة الأُمم، بل العباقرة هُم مُغيِّرو الطبيعة. وبالقطع لهذا تُوليهم حقوقًا ليست لغيرهم؛ ولهذا نجد احتفاءً بشخصيَّة الكاوبوي -الذي قد يحقِّق صورة السوبرمان عند “نيتشه”-. ولهذا أيضًا تحتفي بالرأسماليّ ودوره في تغيير الواقع. ومثالٌ أطرحه للتبسيط على العبقريّ والرأسماليّ في الآن نفسه “ستيف جوبز” صاحب شركة “آبل”، ولعلَّنا الآن ندرك لماذا كلُّ هذا الاحتفاء به.

لكنَّ “المسيري” يتعجَّب من جمع البرجماتيَّة الأمريكيَّة بين المِثاليَّة والماديَّة في تصوُّرها. فهي ماديَّة بكلّ ما تُوليه للواقع من معياريَّة، وهي مِثاليَّة بإيمانها بدور الرأسماليّ كدعامة لتغيير الواقع، وبإيمانها بالفرد الحُرّ الذي لمْ يتقيَّد إلا بالدولة من خلال فكرة “العَقد الاجتماعيّ”. وكذلك في تطبيق الصهيونيَّة للبرجماتيَّة؛ فهي مِثاليَّة بتأسيسها على دعامات دينيَّة وأسطوريَّة تاريخيَّة، رغم أنَّ أفعالها وحاضرها كلَّه مبنيّ على الماديَّة الصِّرفة. بل إنَّه يرى أنَّ البرجماتيَّة الصهيونيَّة أكثر طوباويَّة وعجائبيَّة في إصباغ المثاليَّة على تصوُّرها من تلك الأمريكيَّة.

هذه السُّطور أكتبها تشجيعًا للقارئ الكريم على الإقدام في قراءة “الفردوس الأرضيّ”، والتفكير فيه، وتوالي البحث والنقاش. وبهذا نُحقِّق مجتمع الوعي، وندرك ما رجاه “المسيري” -رحمه الله- لنا.

كيف يرى الغرب مساكينهم؟ النظرة والأبعاد

في أحد صفوفي الجامعية دخلت المدرّسة مرةً حزينة ومهمومة، حكت لنا قصة كلبها المريض الذي وجد البيطري فيه كتلةً تحتاج استئصالاً بعملية جراحية مكلفة لا تستطيع تحمل تكاليفها مع ثمن التخدير، ولذا قالت: إنها مجبرة على ترك الكلب يخوض العملية بآلامها، وأن هذا يؤرقها ويمنعها أي راحة بال.

تأثّر الطلاب بالقصة، وبدأ بعضهم يعبّر عن حزنه وتعاطفه مع الكلب المسكين، وهناك قالت المعلمة: “إن سألتكم الآن أن تدعموني مالياً لدفع تكاليف تخدير الكلب؛ فمن منكم سيساعد؟” لم تكد تكمل جملتها إلا ورفع معظم الطلاب أيديهم.

قالت: “أعلم أن الأمر محزن وأنكم متأثرون بالقصة، وأنا أقدر شعوركم، لكن لو كانت القصّة عن مشرّد يعيش قرب الجامعة فمن منكم كان ليرفع يده؟” تجاهل معظمهم نظراتها، بينما تظاهر البقية بالشرود، أمّا هي فأبدت نظرة حزن وأسف ثم دخلت في موضوع الدرس.

لنتساءل قليلاً: ما سبب غياب التعاطف الواضح من الطلاب تجاه المشرّد الافتراضي؟ وهل هذه حادثةٌ منعزلة؟ أم أنها تحكي خلفيّاتٍ عميقة عن شعوب تقدس الإنتاج وتؤمن إلى حدٍّ كبيرٍ بقدرة الفرد على تحديد مستقبله ومصيره في الحياة؟

دراساتٌ وأرقام

عام 2016 أُجريَت في بولندا دراسةٌ على 420 شخصًا من طلاب المدارس المتوسطة والثانوية والطلاب الجامعيين والبالغين في سوق العمل بهدف معرفة رأي الفئات العمرية المختلفة بالمشردين، وكانت النتيجة أنّ حوالي نصف المشاركين وصفوا شعورًا بالخوف من المشرد، بينما وصفه معظم المشاركين بأنه شخص يجمع الأوساخ والخردة ويتسوّل في الطرقات، وحين سئل المشاركون عن أول الكلمات التي تخطر في بالهم حين يفكرون بشخصٍ مشرّد كانت الإجابات: “وسخ، فقير، تعيس، وحيد، وذو رائحة كريهة”[1].

هذه الدراسة ليست غريبة، فكثيرٌ من الأبحاث تُظهِر غياب التعاطف العام مع المشردين، بل وازدراءهم في فئاتٍ متنوعة من الشعوب الغربية. فقد أظهر بحثٌ سكانيّ في الولايات المتحدة وبريطانيا أنّ غالب الذين لم يمرّوا بتجربة التشرّد يصفون المشرّد بأنه مجرمٌ ومدمن كحولٍ أو مخدرات[2]، كما أظهرت دراسةٌ أمريكية أن كلمة “مشرّد” وحدها تجعل الفقير أكثر عرضة للتنميط والازدراء من غيره من الفقراء في البلاد[3].

وبينما اقترح باحثون أن يكون التعليم العالي حلاً للمشكلة، وجدت عدة دراساتٌ في الولايات المتحدة أن ارتفاع مستوى التعليم يزيد المرء تحمّلاً للمشردين، لكنه يزيد من رفض دعمهم ماليًّا أو تخصيص جزء من الميزانية الوطنية للبرامج المعنيّة بمساعدتهم[4]، ووجدت دراسةٌ على طلاب الطب في كندا أنّ هناك فرقاً واضحاً في التعاطف مع المشردين بين الطلاب وبين الأطباء المشرفين، فالطلّاب يفقدون تعاطفهم كلّما تقدموا في دراستهم، ويشابهون الأطباء المشرفين عليهم في سلبيتهم ناحية المشرّدين[5].

لا قضاء ولا قدر

تظهر التقارير التي تدرس ظاهرة التشرّد أنها تؤثر على عدد كبير من الأشخاص في أوروبا وأمريكا الشمالية، وفي مقدمة البلاد في ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا حيث وصلت أعداد المشردين فيهما إلى 567 ألف، و280 ألف على الترتيب عام 2019.[6]

أما عن الدراسات المعنية بأسباب ذلك فهي تظهر أن الأمر معقدٌ وخارجٌ عن قدرة الفرد في كثير الأحيان، فقد تحدّث باحثون عن غياب التهديد ضد الرأسمالية وظلمها في الغرب، وهي تستمرّ بزيادة الفجوة بين الأثرياء والفقراء وتسمح بارتفاع الأسعار تبعاً لتحكم طبقةً معينةٍ بالسوق، مما يعسّر حصول الفقير على بيتٍ، ويزيد ثراء الغنيّ وعدم اكتراثه بحال ذاك الفقير، بل ولومه على ما وصل إليه،[7] إضافة إلى ذلك فهناك ضعف البرامج الاجتماعية التي تدعم العاطلين عن العمل،[8] وانخفاض سقف الأجور الأدنى، وقلة فرص العمل والتمييز العنصري الذي مازال يؤثر في التعليم المدرسي الحكومي المتاح بأساليب غير مباشرة،[9] وهناك سهولة انحدار المرء في الديون وتراكم فوائدها عليه في النظام الاقتصادي الربوي المعتمد على الاستدانة في تعاملات الحياة اليومية والكبرى، وغيرها من الأسباب التي  تجعل من غير المنصف أن يلام الفرد وحده على انحداره في هذه الدوامة التي يصعب الخروج منها.

لكن رغم ذلك فإن رأي عامّة الناس غالباً ما يصبّ في تحميل الفرد مسؤولية ما أصابه وحده، ولومه على ظروفه السيئة التي آل إليها حاله بغضّ النظر عن تعقيد العوامل التي تؤثر فيه، فقد أظهرت دراسةٌ أجريت على مر 8 سنواتٍ على حوالي 700 أمريكي وجود ميلٍ للاعتقاد بأن المشرّد شخصٌ معيبٌ بشكلٍ ما، وبأنه ذو جاهزية ذهنية خاصّة للفقر وسوء الحظ الاقتصادي، وقد أشارت دراستان سابقتان لذات النتيجة لمّا سَأَلتا عن سبب وجود فقراء في الولايات المتحدة، فكانت غالبية الإجابات مركزةً على نقص الاجتهاد الفردي والموهبة والمهارات الاقتصادية.[10] وهذا ما يبدو مرتبطاً بزيادة المستوى التعليمي الذي يرفع الاعتقاد بمسؤولية الفرد عن تشرده، وينقص قيمة العوامل المجتمعية والبنيوية في ذلك.[11]

ولعل هذا نتاج سنين طويلة من تربية الأجيال على فكر “أنت تتحكم بمستقبلك”، و”أنت من يقرر مصيرك”، وغير ذلك من مكونات الثقافة الغربية التي تلغي أي أثر للقضاء والقدر، ولا تكترث بوجود حوادث خارجةٍ عن سيطرة الانسان، فتجعل هذا الكائن الضعيف الصغير مسؤولاً عما لم يختره ولم يكن له يدُ فيه. وقد لفتني تعليق باحثين لما وجدوا علاقةً بين التعليم وبين نقص الرغبة بمساعدة المشردين، فقالوا في ختام ورقتهم: “نحن نستنتج أن التعليم ينشئ الجيل على الثقافة الرسمية في البلاد، وفي الولايات المتحدة هذا يتضمن الإيمان بمساواة الفرص وحق الاحترام، لكن ليس مساواة النتائج التي يحصّلها الجميع.”[12]

المشردون في محطة مترو الأنفاق في مدينة نيويورك، The New York Times

وإن كان لهذا الفكر نفعٌ من حيث تحميل المرء المسؤولية وتشجيعه على التخطيط وتحديد أهدافه؛ إلا أنه مدمرٌ ومجحفٌ بحق من لم تَسِر الحياة كما يشتهي، فيصير المشرّد ملاماً على فشله في دفع فاتورة بيت وماء وكهرباء وقمامة وضرائب مع خمس تأمينات وطعام وشراب مثقلين لكاهله، وهو ملامٌ لأنّ قانون بلاده يضع العراقيل أمام خروجه من التشرد والقيام من تحت خط الفقر الذي يقبع تحته ملايين آخرون.[13]

وفي النتيجة فإن هذا المشرّد في المنظومة الغربية لا يعتبر إلا فاشلاً وفق معايير النجاح التي تستعبده، فلا تناله شفقة أو رحمة من أحدٍ، ولا يستحق أن يفكر عامة الشعب به أو يخصصوا من ضرائبهم جزءاً له، لأن المقيمين تحت سقف وبين عدة جدران، يجدون نفسهم أذكى وأفضل من أن يصيروا يوماً مثله، رغم أن الجميع في الحقيقة معرضون لأن تسحب الرأسمالية منهم كلّ شيء كما فعلت به، في بيئة غابت فيها المودة والتراحم المجتمعي، وبات الإيمان بالغيب وقضاء المولى وقدره جزءاً من التاريخ.


 

[1] Krajewska-Kulak E, Wejda U, Kulak-Bejda A, et al. Differing attitudes for various population groups towards homeless people. Progress in Health Sciences. 2016;6(1):57. Accessed April 9, 2021. https://search-ebscohost-

[2] Toro, P. A., Tompsett, C. J., Lombardo, S., Philippot, P., Nachtergael, H., Galand, B., … & Harvey, K. (2007). Homelessness in Europe and the United States: A comparison of prevalence and public opinion. Journal of Social Issues, 63(3), 505-524

[3] Jo Phelan, Bruce G. Link, Robert E. Moore, & Ann Stueve. (1997). The Stigma of Homelessness: The Impact of the Label “Homeless” on Attitudes Toward Poor Persons. Social Psychology Quarterly, 60(4), 323–337. https://doi-org.ezp.slu.edu/10.2307/2787093

[4] Phelan, J., Link, B. G., Stueve, A., Moore, R. E. (1995). Education, social liberalism, and economic conservativsm: Attitudes toward homeless people. American Sociological Review, 60(1), 126–140

[5] Fine AG, Zhang T, Hwang SW. Attitudes towards homeless people among emergency department teachers and learners: a cross-sectional study of medical students and emergency physicians. BMC MEDICAL EDUCATION. 2013;13. doi:10.1186/1472-6920-13-112

[6]https://england.shelter.org.uk/media/press_release/280,000_people_in_england_are_homeless,_with_thousands_more_at_risk

State of Homelessness: 2020 Edition – National Alliance to End Homelessness

Toro, P. A., Tompsett, C. J., Lombardo, S., Philippot, P., Nachtergael, H., Galand, B., … & Harvey, K. (2007). Homelessness in Europe and the United States: A comparison of prevalence and public opinion. Journal of Social Issues, 63(3), 505-524.

[7]Toro, P. A., Tompsett, C. J., Lombardo, S., Philippot, P., Nachtergael, H., Galand, B., … & Harvey, K. (2007). Homelessness in Europe and the United States: A comparison of prevalence and public opinion. Journal of Social Issues, 63(3), 505-524

[8] Zlotnick, C., Robertson, M. J., & Lahiff, M. (1999). Getting off the streets: Economic resources and residential exits from homelessness. Journal of Community Psychology, 27(2), 209-224.

Shinn, M. (1992). Homelessness: What is a psychologist to do?. American Journal of Community Psychology, 20(1), 1-24.

[9] Jo Phelan, Bruce G. Link, Robert E. Moore, & Ann Stueve. (1997). The Stigma of Homelessness: The Impact of the Label “Homeless” on Attitudes Toward Poor Persons. Social Psychology Quarterly, 60(4), 323–337. https://doi-org.ezp.slu.edu/10.2307/2787093

[10] Feagin, J. R. (1975). Subordinating the poor. Prentice-Hall.

Kluegel, J. R., & Smith, E. R. (1981). Beliefs about stratification. Annual review of Sociology, 7(1), 29-56.

[11] Tompsett, C. J., Toro, P. A., Guzicki, M., Manrique, M., & Zatakia, J. (2006). Homelessness in the United States: Assessing changes in prevalence and public opinion, 1993–2001. American Journal of Community Psychology, 37(1-2), 47-61.

[12] Phelan, J., Link, B. G., Stueve, A., & Moore, R. E. (1995). Education, social liberalism, and economic conservatism: Attitudes toward homeless people. American Sociological Review, 126-140.

[13]  في الولايات المتحدة يعيش 34 مليون شخص تحت خط الفقر

https://www.debt.org/faqs/americans-in-debt/poverty-united-states/#:~:text=According%20to%20the%20U.S.%20Census%20Bureau%E2%80%99s%202019%20Current,out%20of%20poverty%2C%20was%20at%2011.7%25%20in%202019.%29

 

صناعة التجميل .. والاستغلال الأنيق للأنثى

في متجر مستحضرات التجميل أو طابقها من المحلات الكبيرة، تنتشر ماركات المكياج على مد البصر على الرفوف المضاءة البراقة، محاطةً بالصور العملاقة للمشهورات أو أجزاء من وجوههن المنقّاة من أي شائبة طبيعية لضمان اقتناع المشتري بفعالية المنتج المعروض.

هذا المكان الذي يبيع وعود الشركات وأحلام الزبائن يقنعك أن كلّ آمال الجمال ومشابهة الفنّانات ممكنة وبميزانية أقل بكثير من تلك التي تتطلبها عمليات التجميل، فعبر آلاف آلاف الأنواع من المواد المصنّعة التي لا غاية منها إلا تزيين وجه الأنثى وتغييره ليوافق أحدث صيحات الموضة وابتكاراتها الرائجة تبيع هذه الأماكن ثقافتها الخاصة الممعنة في تقديس الجسد وتهويل أي عيبٍ طفيف في البشرة المغطية له لينتهي الأمر بالزبون وهو يدفع مبلغاً كبيراً مقابل بضع عبوات من الكيماويات الخدّاعة فحسب.

فكيف اقتنعت النساء بأنهن لا يوافقن المقبول إلا إن راكمن عشرات الكيماويات على وجوههن كلّ صباح؟ وأيّ ثقافة هي التي تنشرها محلات مستحضرات التجميل وصناعاتها؟ وهل أنصفت النساء وأوصلتهنّ إلى التحرر التي تدعيه المنظومة الغربية؟ أم أنها حوّلتهنّ إلى مستهلكاتٍ ضعيفاتٍ معرّضات ٍعلى الدوام للاستغلال والانتقاص والتلاعب؟

من كحلٍ وحِنّاء .. إلى آلاف الكيماويات

يعزو الباحثون بدايات المستحضرات التجميلية المبكرة إلى أيام الفراعنة، حيث كانوا يستخدمون الكحل بكميات كبيرة ليرسموا عيونهم وكذلك الحِنّاء لتزيين أيديهم وطلاء أظافرهم وبعض الأصبغة لتلوين حواجبهم. لقد كان الكحل شائعاً في الثقافات القديمة، حيث كان يحضر من بودرة الرصاص والنحاس المؤكسد واللوز المحروق والرماد[i]، وتظهر الكشوف التاريخية انتشار استخدام المواد التجميلية البسيطة والمحضرة منزلياً في غالب الأحيان في معظم الحضارات القديمة، كالصين والهند وفارس وقبائل الجزيرة العربية التي كانت تنسب فوائد طبّية للكحل على العينين[ii].

أما تجارة مستحضرات التجميل وانتشارها وتسويقها كصناعة كبيرة ذات وارد اقتصادي هائل، فإنها لم تبدأ حتى القرن التاسع عشر تزامناً مع بدء الإنتاج الإعلاني وعرضه قبل الأفلام السينمائية وربطه بمشاهير الأفلام المحبوبين[iii]، وقد كان لظهور هوليوود كهيئة إنتاج سينمائي الأثر الأكبر في انتشار مساحيق التجميل ورغبة النساء بها نظراً لتعاقد الشركات مع الممثلات والمغنّيات وعملهم معهنّ على صناعة الموضة التي صارت تختار للنساء رسم العينين الرائج، أو لون أحمر الشفاه المطلوب.[iv]

ولعل أبرز مثال لتغيير الشركات للموضة واستخدامها لرسم الجمال وتغيير فكر الزبائن وقناعاتهم يتجلى في ترويج المستحضرات الخاصة بتسمير البشرة، فبعد أن كانت هيئة التأثر بالشمس سمةً مميزة لعمال المزارع، اختارت شركة Coco Chanel أن تركب منتجاً خاصاً بالتسمير، فحوّلت بإعلاناتها الهائلة وتوظيفها للمشاهير فكرة الاحتراق بالشمس إلى جزء من اتباع الموضة لحيازة ما سموه “sun-kissed look”، بعد ما كان الشحوب الزائد ومستحضرات تفتيح البشرة هي الرائجة والمعنونة للجمال لعقود!

أما اليوم، فقد تعدّت إيرادات الصناعة التجميلية بلايين الدولارات في الولايات المتحدة وفي عام واحد فقط، حيث بلغت مبيعاتها 49.2 بليون دولار في عام 2020 في ارتفاعٍ بحوالي 20 بليوناً عن عام 2003.[v]  ومن ناحية المستهلكين قد أظهرت دراسة على 3000 امرأة أمريكية أنهنّ ينفقن 300 ألف دولار وسطياً على المستحضرات التجميلية التي تطبق على الوجه على مرّ أعمارهن، ووجدت الدراسة أن المرأة في نيويورك تنفق 11 دولار وسطياً كل يوم على مستحضرات التجميل الخاصة بوجهها، في حين تستخدم الشريحة المدروسة وسطياً 16 مستحضراً تجميلاً كل يوم قبل الخروج من البيت، وتقضي الواحدة منهنّ حوالي 20 دقيقة لتطبيق تلك المواد على وجوههن.[vi]

صورة عن مجلة Allure توضح المستحضراًت المستخدمة يومياً من قبل الشريحة المدروسة

الجو العام والانهزام

إن زيارة محلٍّ لمستحضرات التجميل ليست تجربة بسيطة مباشرة على حد قول الباحث الماليزي G.I. Bok، فالبيئة العامة التي تعبد الجمال تجعل من المرأة واعيةً جداً بشكلها الخارجي، وبكلّ تفصيل دقيق من مكونات وجهها الذي خلقه الله لها في أحسن تقويم، مما يضعها في حالة من القلق والانزعاج[vii]، وكما تقول الكاتبة نانسي إتكوف في كتابها “نجاة الأجمل: علم الجمال” فإن نساء اليوم بتن معذّباتٍ بأقل عيبٍ شكليّ يمتلكنه، فهنّ لا ينظرن لغيرهن بعينٍ مجردة موضوعية، إنما بمقارنة مستمرة بين صورة أجسادهن وبين تلك التي لدى الأخريات من ناحية المميزات الشكلية، فيحاكمن ذواتهنّ للآخرين، وتنتج لديهنّ عن ذلك غيرة مؤلمة وشغفٌ بالتقليد في ذات الوقت.[viii] وهذه التفاعلات تكون في حالةٍ حيةٍ محفّزة ومستمرةٍ في محل التجميل، لا بين الزبونة والصور المعلقة في كل مكان فحسب، إنما بينها وبين البائعة التي تحاول رسم صورة المنتج في ذاتها على الدوام[ix].

وفي النتيجة فإن الأنثى التي تدخل هذا المكان لا تقتنع بحاجتها لشراء المنتج المعروض فحسب، إنما تحسّ ببغضٍ لذاتها حين تقف أمام واحدة من مرايا المتجر العملاقة، وتشعر بنقصها ودونية شكلها في جو الجمال والمثالية المفرطة المحيط بها، والذي لن تقترب منه أو تلمس سرابه إلا بعد أخذها للمواد التي تمليها عليها “الخبيرة” التي تقف وراء طاولتها الأنيقة وتحدّثها بتفصيل كبير عن بعض المسامات المفتوحة التي تعيب وجهها أو مواصفاتٍ خاصةٍ ينبغي العناية بها في بشرتها، أو بثرةٍ صغيرةٍ لم تلحظها ولا يمكنها العيش بها يوماً آخر، مما يبدو مقنعاً ومنطقياً جداً للزبونة ههنا وهو يأتيها مرفقاً بابتسامة البائعة المهتمّة ورغبتها البريئة بالمساعدة.

وفي هذا من الاستغلال والخداع ما لا يخفى، فالبائعة لن تبيع إلا وقد أقنعت الزبونة بنقصها دون ذاك المنتج وحاجتها الملحة له، وهذ ما تسهم به ثقافة الشركة ذاتها وهي تموّل ظهور عارضات الأزياء المتزيّنات في المجلات والإعلانات، وكذلك كثيراً من سيدات الانستغرام اللواتي يتأثر بهن ملايين الفتيات في أيامنا هذه.

من زاوية العاملين

إن النظر لهذه الصناعات بعين عاملاتها يعطي بعداً أوسع لفهم إشكالاتها وآثارها، فقد أظهرت دراسة على هؤلاء الموظفين في ماليزيا وسيدني أن إحساسهم المستمر بالحاجة للكذب على الزبون وإقناعه بأنهم مستهلكون مثله قد جربوا المنتج وأعجبهم وصاروا في حاجته، يولد لديهم شعوراً بالغربة والعزلة وتأنيب الضمير والتناقض بسبب تعقيد عملهم وجانبه العاطفي الواضح.[x]

من ناحية أخرى فإن متطلبات عمل الموظفات التي تحتم عليهن وضع كمية مبالغ بها من مستحضرات التجميل كل يومٍ والمحافظة على مثالية بشرتهن ليكنّ الوجه الممثل للشركة التي يعملن فيها تضع إحداهن تحت كثيرٍ من الضغط النفسي، وإن كانت بطبيعتها تحب إبداء زينتها وتجميل ذاتها. تقول إحدى عاملات بيع المستحضرات (Wanita): صعبٌ جداً أن أنجح في عملي إن كانت بشرتي متعبة لسبب ما، فالزبائن يفترضون مباشرةً أنني أستخدم المنتج الذي أبيع وبالتالي ستكون أول فكرةٍ تخطر في بالهم هي “ماذا سيحدث بوجهي إن اشتريت منها؟ هل سأمتلك بشرةً سيئة كالتي لديها؟”[xi]

الوهم في صناعة التجميل

وبغضّ النظر عن تسليع الأنثى الواضح في هذه المهنة وفي بنية الصناعة بحد ذاتها، فإنّ الحاجة إلى الكذب والتألم من الانزعاج منه في الحياة اليومية للموظفات يستحق التوقف ملياً، فالشركة لا تأبه من الموظفة إلا بالرقم الذي سيأتي منها للدرج في آخر اليوم، ولتذهب صحتها وراحتها وحتى القيم التي تؤمن بها حيث تذهب!

ختاماً..

ولنا حين نتأمل في تلك الأرقام والحقائق أن نتفكر في مَن المستفيد من ذاك كله فعلاً، ونسأل: مَن المنتفع من الحال التي وصلت إليها المرأة الغربية اليوم من هَوَس إبراز الزينة والتزام معايير الجمال والعناية بشكل الجسد الذي سيتمتّع به المحيطون بها وينتفع بمستلزماته رؤوس الشركات التي أقنعتها عبر ملايين الإعلانات والصور أن خروجها من البيت دون الكثير من المستحضرات الكيماوية يعدّ خروجاً عن المألوف؟

وأي تحرّر ذاك الذي يدّعي الغرب أنه أوصل المرأة إليه وهي الآن مستعبدة لعشرات المساحيق التي لا تملك أن تخرج من دارها دونها؟ هذا عدا أحذية الكعب الالي واللباس الكاشف (المسمى باللباس الرسمي)، وغير ذلك مما يمتهن المرأة ويحط من كرامتها بشكلٍ بات معتاداً، كما في عمل مضيفات الطيران وكثير من النادلات والعارضات، وقد أظهرت دراسةٌ حديثة أن حوالي 61% من مدراء الاعمال يعتبرونها ميزة مطلوبة في الموظفة أن تلبس ما يبرز جاذبية جسدها في العمل![xii]

ولله الحمد أن جعل قيمتنا كبشرٍ منفصلة عن هيئتنا الخارجية أو معايير الناس الجمالية المتقلّبة والمرهقة للنفوس، وصلى الله على نبيه صلى الله عليه وسلّم القائل: (نَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ) [أخرجه مسلم] وله سبحانه المنة والفضل أن أمرنا بالحجاب والستر الذي يرضيه عنا.


الهوامش والإحالات

[i] Chaudhri, S. K., & Jain, N. K. (2014). History of cosmetics. Asian Journal of Pharmaceutics (AJP): Free full text articles from Asian J Pharm3(3).

[ii] المصدر السابق

[iii] Briot, E. (2011). From industry to luxury: French perfume in the nineteenth century. Business History Review, 85(02), 273-294.

[iv] Chaudhri, S. K., & Jain, N. K. (2014). History of cosmetics. Asian Journal of Pharmaceutics (AJP): Free full text articles from Asian J Pharm3(3).

[v] Beauty industry: revenue in the U.S. 2020 | Statista

https://www.statista.com/statistics/243742/revenue-of-the-cosmetic-industry-in-the-us/#:~:text=The%20revenue%20of%20the%20U.S.%20cosmetic%20industry%20is,been%20controlled%20by%20a%20handful%20of%20multi-national%20corporations.

[vi] How Much the Average Woman Spends on Makeup In Her Life | Allure

https://www.allure.com/story/average-woman-spends-on-makeup

[vii] Bok, G. I. (2018). Relations over the Cosmetic Counter: A Space of Identification, Distance or Hostility? E-BANGI Journal, 15(4), 1–12

[viii] Etcoff, Nancy. “Size Matters, CH. 6 In: Survival of the Prettiest: The Science of Beauty.” (1999). P.67.

[ix] حوالي 89% من عاملي محلات المواد التجميلية هنّ من النساء

Employed persons by detailed industry, sex, race, and Hispanic or Latino ethnicity (bls.gov)

https://www.bls.gov/cps/cpsaat18.htm

[x] Im Bok, G. Beauty Retail Workers: and Alienated.

http://www.ipedr.com/vol42/006-ICKCS2012-K00018.pdf

[xi] المصدر السابق

To be Pretty or Not to Be: The Psychology of Beauty in the Workplace – psychologistmimi [xii]

https://psychologistmimi.com/2013/02/27/to-be-pretty-or-not-to-be-the-psychology-of-beauty-in-the-workplace/

 

 

بين “في كل رطبة أجر” وبين “أنقذوا رالف”.. إلى أين تمضي البشرية؟

هزّ كثيراً من رواد وسائل التواصل الاجتماعي الفيلم الوثائقي القصير “أنقذوا رالف” الذي يستهدف إيقاظ الناس ولفت انتباههم لمعاناة الحيوانات التي يتم اختبار مستحضرات التجميل وغيرها من المواد الكيماوية على أجسادها وأعضائها، وما يتسبب به ذلك لها من آلام وإعاقات وتشوهات لا حاجة لها ولا فائدة منها في كثيرٍ الأحيان.

وبينما كثيرٌ من دول العالم اليوم تعاني الحروب والفقر والمجاعات، ولا يجد عددٌ كبيرٌ من البشر كفايتهم لعيشٍ كريم؛ يكاد يبدو غريباً أن نتحدث عن معاناة بعض الحيوانات، إلا أن حجم الإشكال ومساهمة معظم الناس فيه بغير علمٍ يدعونا كمسلمين لأن نتوقف ونتأمل ونسأل؛ كيف صارت الحيوانات جزءاً من ضحايا الشركات العملاقة؟ ما الذي يقوله ذلك عن إنسانية الحضارة الغربية وأخلاقيات الرأسماليات والفكر الذي بنيت عليه؟ وكيف يمكننا كمستهلكين مسلمين أن نبرأ من المشاركة بهذا النوع من الإجرام المجنون؟

صورة من فيلم "أنقذوا رالف"

من فيلم “أنقذوا رالف”
https://www.youtube.com/watch?v=oBZhGBAQoOI

قصة الدراسات الحيوانية.

من إطعام “منظفات” للأرانب، إلى إلقاء الفئران في الماء لتحاول السباحة حتى تستسلم وتغرق، وحتى إدخال مكونات من ملمّعات الزجاج أو الكحل في عيون الهامستر الصغيرة[1]، وغيرها من الممارسات التي يؤلم تخيلها أو توقع حدوثها في أي مكان في العالم ناهيك عن المختبرات؛ لا تكاد أي من الصناعات الكيماوية التي تمتلئ البيوت بمنتجاتها تخلو من التجارب الحيوانية المرعبة التي تتم دون أي مسكنات للآلام، وتتسبّب بتعذيب وقتل 26 مليون حيوان سنوياً في أمريكا وحدها في سبيل كماليات عاش البشر دونها آلاف السنين، ويمكنهم لولا شره الاستهلاك والربح وإدمان التنعم أن يستمروا بالعيش دون ما تؤدي إليه من إيذاءٍ وتلويث للهواء وإفساد للبيئة دون رقابة أو محاسبة.

وقد بدأ النوع الأول منها في الحرب العالمية الأولى عندما تم فحص الجرعة القاتلة من السم (LD50) على الجرذان والفئران، ورغم مرور عقود على دراسة هذا السم واستمرار المحاولات فيها، إلا أن أثره على البشر لم يتضح ولم يثبت بعد، بل إن تطبيق كل ما تظهره دراساته على البشر لا يعدو 65% في الدقة.[2]

هذا النوع من التجارب صار يعرف بتجارب “السُّمّيّة الحادة” لأنه يحاول معرفة خطر مادة كيميائية أو عنصر واحد منها عبر تعريض الحيوان لجرع عالية جداً منها إما بالإطعام الإجباري، الاستنشاق الإجباري، أو بتعريض مساحات من الجلد أو العين لها. وغالباً ما تنتهي هذه التجارب بمعاناة الحيوان من نتائج حادة سواء في الجهاز الهضمي، التقلصات العضلية، الشلل، نوبات الصرع، أو النزيف من الأنف أو الفم أو الأعضاء التناسلية إلى أن يموت أو يقتَل[3].

أما النوع الثاني منها فهو المعروف بفحص تخرّش وتهيج الجلد والعين الذي يعود لعام 1940، وفيه يتم إدخال المركب المدروس في عين الأرانب أو مسحه على جلدها المحلوق لمعرفة الضرر الذي قد يتسبب به، والذي عادةً يتضمن الحروق، الالتهابات الجلدية، النزف، ضبابية البصر، أو العمى، وذلك على أوقات متفرقة لمدة تصل إلى أسبوعين دون مسكنات[4].

About Animal Testing – Humane Society International

وتظهر الدراسات أن نتائج تلك التجارب تتنوّع ولا ترقى بالمصداقية لأن تطبّق على البشر أو تتوقع تفاعلات أعضائهم لأن عيون الأرانب مختلفة تشريحياً عن عيوننا، كما أن جلد الأرانب أكثر نفوذية من ذاك الذي لدينا، مما يجعل تلك الدراسات غير مجدية بصورة عامة. على سبيل المثال أظهرت دراسة مقارنة بيانات بين دراسات 65 مادة كيميائية والتعرض لها بين الأرانب والبشر أن 45% من تصنيفات المواد الكيميائية بناءً على فحص تخرش وتهيج الجلد والعين كانت غير دقيقة.[5]

وهناك أنواعٌ أخرى من تلك الدراسات تشابه سابقتها بالوحشية وتعذيب الحيوان، وتتضمن فحص حساسية الجلد الذي يُجرى على الخنازير الغينية بتركيزات متزايدة تدريجياً من المواد، كفحص الخلايا السرطانية الذي يجري على الفئران والجرذان على مر سنوات، وفحص سمية الإنجاب والنمو الذي يبحث عن آثار المواد على الخصوبة والصحة الإنجابية على أجيالٍ من حيوانات مختلفة كالكلاب والقرود.[6]

لماذا؟!

رغم أن جزءاً من الحيوانات المخبرية تُستخدم في الدراسات الصحية واختبارات الادوية المفيدة والضرورية لتقدم العلوم الصحية اليوم، إلا أن نسبة كبيرة منها تُقتل وتُعذَّب في سبيل إنتاج مواد استهلاكية كمالية لا تتوقف عندها حياة أو صحة الناس، ومن ذلك المستحضرات التجميلية المصنّعة من تركيبات كيميائية معقدة، ومواد التنظيف ومكوناتها، والمحسنات الغذائية أو المواد الحافظة، وغيرها مما تدخل المواد الكيميائية المصنعة في تركيبه، ومع زيادة استهلاك تلك المواد والطلب عليها وارتفاع سقف المتوقع منها، فإن عدد تلك التجارب يزيد سنوياً ليشبع متطلبات الزبائن، ويؤمن للشركات المنتجة الارتفاع المستمر والمتصاعد في المبيعات.

أما من حيث ضرورات تلك الدراسات، فإن قوانين بعض من الدول ومن ضمنها الصين تشترطها في أي مادة كيميائية تجارية، بينما معظم الدول الأخرى تسمح ببيع المنتجات المدروسة على الحيوان، أو تطلب وجود أي اختبار يدل على أمان المواد المكونة للمستحضرات كالحال في الولايات المتحدة مثلاً. ومنذ عام 1980 كانت جهود الناشطين في جمعيات كثيرة مثل People for The Ethical Treatment of Animals، Animal Free Safety Assessment Collaboration، Humane Society International، تعمل للضغط على الحكومات لمنع الدراسات الحيوانية، مع توعية المجتمعات عن حقيقة ما يجري فيها، وكذلك البحث المستمر عن بدائل مجدية وأكثر فعالية منها للتجارب وتطبيق النتائج على البشر.

وعام 2016 وضع الباحثون في مجتمع Non-animal Methods for Toxicity Testing لائحة طويلة من الاختبارات غير الحيوانية التي يمكن أن تنوب عنها في فحص المواد الكيميائية، وأرفقوها بدراسات تثبت دقتها، والقوانين التي توافق عليها في أوروبا والولايات المتحدة. لكن التكلفة الأعلى لتلك التجارب مقارنة باختبارات الحيوانات مازال يمنع تطبيقها في كثير من الصناعات الكيميائية، الأمر ذاته الذي يمنع الشركات من الإنفاق على مسكنات آلام للحيوانات المدروسة.[7]

بشرٌ بلا فطرة!

ولنا بعد النظرة للحال التي وصلت إليه البشرية اليوم مع هوس الاستهلاك والتمركز حول شهوات الإنسان ومحاولة الانتفاع منها بأي وسيلة لتغذية رؤوس الأموال بغض النظر عن الوسائل أو الأضرار أن نقارن ذاك كله بحال ديننا الحنيف الذي يقرّ بأن الحيوان مسخر للإنسان، ويعلّمنا أن الله كرم ابن آدم وأذن له بالانتفاع بالأنعام، لكنه في الوقت ذاته يحمله مسؤولية الاستخلاف، ويجعله جزءاً من هذا الكون ممنوع عليه إفساده أو الإساءة لغيره من المخلوقات فيه.

ولا أملك مع كل هذا الإجرام الذي أراه من تعذيب الحيوانات في سبيل أحمر اشفاه أو ملمع أرضياتٍ إلا أن أذكر رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر والشجر إذ سكّن أنين الجذع، وردّ السلام على الحجر، ورحمته حتى بالحيوان الذي أذن بأكله والانتفاع به إذ قال: (إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسَانَ علَى كُلِّ شيءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ). [أخرجه مسلم]. وأذكر إذ جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في إطعام كل كبدٍ رطبةٍ أجر، وحكى أن الله غفر لبغِيٍّ من بني إسرائيل لما سقت كلباً ظمآناً.

فسبحان الله، كم خسرت كل مخلوقات الله بغياب شريعته الرحيمة المتوازنة، وكم انحدر البشر حين جعلوا إلههم هواهم فاستخفهم الشيطان وأضلهم حتى فقدوا أبسط مكونات إنسانيتهم وفطرتهم التي تستحسن الحسن وتستقبح القبيح وتعرف مكارم الأخلاق بمجرد أن تراها، فصاروا تائهين لا يعرفون طريقاً إلا أن يلهثوا وراء مزيد من اللذة الحاضرة كل يوم وبكل وسيلة، ولا عجب.

ولا حول ولا قوة إلا بالله..


[1] Toxic and Tragic Consequences of Product Testing on Animals, PeTA, Animals Are Not Ours.

[2] Organisation for Economic Co-operation and Development, “Guidance Document on the Recognition, Assessment, and Use of Clinical Signs as Humane Endpoints for Experimental Animals Used in Safety Evaluation,” OECD Environmental Health and Safety Publications, Series on Testing and Assessment 19 (2000).

[3]B. Ekwall, “Overview of the Final MEIC Results: II. The In Vitro–In Vivo Evaluation, Including the Selection of a Practical Battery of Cell Tests for Prediction of Acute Lethal Blood Concentrations in Humans,” Toxicology in Vitro 13 (1999): 665–673.

[4] M.K. Robinson et al., “Non-Animal Testing Strategies for Assessment of the Skin Corrosion and Skin Irritation Potential of Ingredients and Finished Products,” Food and Chemical Toxicology 40 (2002): 573–592.

[5] M.J. Bartek et al., “Skin Permeability In Vivo: Comparison in Rat, Rabbit, Pig, and Man,” Journal of Investigative Dermatology 58 (1972): 114–123.

[6] B. Magnusson and A.M. Kligman, “The Identification of Contact Allergens by Animal Assay. The Guinea Pig Maximisation Test,” Journal of Investigative Dermatology 52 (1969): 268–276.
G.F. Gerberick et al., “Local Lymph Node Assay (LLNA) for Detection of Sensitization Capacity of Chemicals,” Methods 41 (2007): 54–60.
K. Ennever and L.B. Lave, “Implications of the Lack of Accuracy of the Lifetime Rodent Bioassay for Predicting Human Carcinogenicity,” Regulatory Toxicology and Pharmacology 38 (2003): 52–57.
AltTox, “Toxicity Endpoints and Tests: Reproductive and Developmental Toxicity,” 21 May 2014 .

[7] TABLE OF VALIDATED & ACCEPTED ALTERNATIVE METHODS, Non-Animal Methods for Toxicity Testing, 2016

http://alttox.org/mapp/table-of-validated-and-accepted-alternative-methods/#3

 

 

 

العدو الشرير (6)

دل النجاح اللافت للجنة كريل –المذكورة في المقال السابق- على فاعلية استخدام “العدو” في توجيه الرأي العام وكسب تأييد الجمهور، ومن هنا نشأ ما سمي بـ”الذعر الأحمر”، حيث كانت الشيوعية هي العدو هذه المرة.

وشهد عام 1954 أحد أشهر استخدامات “الذعر الأحمر”، حيث كانت شركة “الفواكه المتحدة” أحد أبرز عملاء إدوارد بيرنيز، إذ كانت تمتلك مزارع موز شاسعة في غواتيمالا وأمريكا الوسطى.

إعلان لشركة الفواكه المتحدة يعود إلى عام 1916

وعلى مدى عقود، كانت الشركة تسيطر على غواتيمالا من خلال الدكتاتوريين الموالين لأمريكا، ولكن في عام 1950 تم انتخاب العقيد الشاب جاكوبو أربينز رئيسًا، والذي وعد بإزالة سيطرة شركة الفواكه عن البلاد، وفي عام 1953 أعلن أن الحكومة ستتولي أمر معظم أراضي الشركة. وكانت هذه كارثة للشركة، فلجأت إلى بيرنيز.

ومع أنّ الرئيس المنتخب وحكومته لم تربطهما أي علاقة بموسكو، إلا أن بيرنيز استغل اندلاع الحرب الباردة وقلق الشعب مما قد تفعله الشيوعية؛ وعمل على تغيير مظهر حكومة غواتيمالا -إعلاميًا- من حكومة منتخبة شعبيًا تعمل لصالح البلاد، إلى ذلك الكيان الشيوعي القريب جدًا من الشاطئ الأمريكي، والمهدِّد للقيم الأمريكية.

تضمنت خطة بيرنيز دعوة صحفيين أمريكيين مؤثرين للقيام بجولة في غواتيمالا، فقلة منهم فقط كانوا يعرفون شيئا عن البلاد وسياساتها، حيث رتب لهم بيرنيز لقاءات مع سياسيين غواتيماليين مختارين ليخبروهم أن أربنز كان شيوعيا تتحكم به موسكو. كما كانت هناك خلال الرحلة مظاهرات عنيفة ضد الولايات المتحدة في العاصمة، ويرجح موظفو شركة الفواكه المتحدة أن بيرنيز هو من عمل على تنظيم المظاهرات.

أربينز

أنشأ بيرنيز أيضا وكالة إخبارية وهمية في أمريكا تدعى “مكتب معلومات أمريكا الوسطى”، وأمطرت هذه الوكالة وسائل الإعلام الامريكية بوابل من نشرات صحفية تدعي أن موسكو تعتزم استخدام غواتيمالا كشاطئ لشن هجوم على الولايات المتحدة.

وفي الوقت ذاته، أقر الرئيس الأمريكي دوايت آيزنهاور بأنه يتعين على الولايات المتحدة الإطاحة -سرًا- بحكومة غواتيمالا. فصدرت التعليمات إلى وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) لتنظيم انقلاب.

وبالتعاون مع شركة الفواكه المتحدة، قامت وكالة الاستخبارات المركزية بتدريب وتسليح مليشيات متمردة، وعثرت على زعيم جديد للبلاد هو العقيد كارلوس كاستيلو أرماس.

وفي الوقت الذي كان فيه الطيّارون التابعون لوكالة الاستخبارات المركزية يلقون القنابل على عاصمة غواتيمالا، قام بيرنيز بحملته الدعائية في الصحافة الأمريكية ليعيد تشكيل الواقع، ويعيد توجيه الرأي العام لرؤية ما يحدث على أنه ثورة يقودها “مقاتلو الحرية” لتحرير غواتيمالا.

من نتائج الحرب في غواتيمالا

وفي عام 1954 فرّ العقيد أربينز من البلاد ووصل الزعيم الجديد أرماس، وفي غضون أشهر زار ريتشارد نيكسون غواتيمالا، وكان حينها نائب رئيس الولايات المتحدة. وأُقيم هذا الحدث تحت إشراف دائرة العلاقات العامة لشركة الفواكه المتحدة، والتي ظهرت -بعد كل هذا- على أنّها مجرد شركة تجارية.

عُرضت على نيكسون أكوام من كتب الأدب الماركسي، وقيل إنهم عثروا عليها في القصر الرئاسي. ثم قدم أرماس ونيكسون خطابهما الجماهيري وخلفهما تلك الأكوام من الكتب؛ وقدما بذلك مثالًا صارخًا على الكلمات الجوفاء التي تملأ الخطاب السياسي لكسب تأييد الجمهور، والتي تم التطرق لها في المقال السابق.

مما قاله نيكسون في خطابه: “هذه هي المرة الأولى في تاريخ العالم التي تتم فيها الإطاحة بالحكومة الشيوعية من قبل الشعب. ولهذا نهنئكم وشعب غواتيمالا على الدعم الذي قدمتموه. ونحن على ثقة بأنّه تحت قيادتكم المدعومة من الشعب -الذي التقيت بالمئات منه في زيارتي- ستدخل غواتيمالا حقبة جديدة يكون فيها الرخاء للشعب والحرية للشعب”.

ما بعد “الذعر الأحمر”

ريغان

بعد أن تراجع التهديد الشيوعي تحتم إيجاد عدو جديد، حيث أوجد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في الثمانينات العدو المناسب، والذي كان “الإرهاب”، فبدأ ريغان “الحرب على الإرهاب” والتي ما زالت مستمرة حتى الآن.

كانت الحرب على الإرهاب هي الحجة الإعلامية الأولى لجميع الفظائع والمجازر التي اقترفتها الولايات المتحدة منذ ثمانينات القرن الماضي حتى الآن، وتبعتها في ذلك كثير من الدول العربية والإسلامية.

وبحجة مواجهة هذا “العدو الشرير”، تم تبرير انتهاكات فظيعة كالتعذيب والاختفاء القسري وسفك الدماء وارتكاب المجازر؛ فضلا عن تردي الوضع الاقتصادي والتعليمي والصحي، فعلى الشعب أن يضحي في سبيل القضاء على “العدو الشرير”.

وقد يأخذ “العدو الشرير” أشكالًا عدة؛ فالإرهاب هو عدو عالمي، لكن هذا لا يمنع وجود “الأعداء” على المستوى الإقليمي، كـ”العدو المجوسي” في الشرق الأوسط (إيران)، و”العدو المجنون صاحب السلاح النووي” في شرق آسيا (كوريا الشمالية).

وبذلك يتم ضمان السيطرة الدائمة على الجماهير، بما يحقق مصالح المنظومة السياسية والاقتصادية، ويبرر الإنفاق الهائل على التسلح، والذي بدوره يضاعف مبيعات الشركات المصنعة للأسلحة.

ختامًا … من هو العدو الشرير حقًا؟
إن هذه السلسلة هي محاولة لإزالة الغشاوة عن عيون اللاهثين وراء غرائزهم ومصالحهم ونزواتهم، من لا يحتكمون لوحيٍ أو دين، فباتوا كالقطيع الضال. هي محاولة لتوضيح من هو “العدو الشرير” حقًا، وهم أولئك الذين لا يُمانعون بأن يتسببوا باندلاع الحروب وإبادة الشعوب في سبيل تحقيق مصالحهم. والذين يملكون الآلة الإعلامية الديمقراطية، ويصنِّعون الأسلحة الدموية الاستبدادية.

هم أولئك الذين يعاملوننا على أننا “قطيع ضال” تجب السيطرة عليه، هم المتوارون في الظلال ويعيثون في الأرض فسادًا. هم شياطين الإنس التي تسعى لأن تُفقَد البوصلة، ويضيع السبيل.


أهم المصادر والمراجع
السيطرة على الإعلام، نعوم تشومسكي، ترجمة أميمة عبد اللطيف، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، ط2، 2005.

The Century of the Self, Adam Curtis, BBC, 2002.