مقالات

التشفير لغة العصر

أظهرت لنا الأحداث المنصرمة قدرة شبابنا على تجاوز معضلة التقييم والمعايير التي تفرضها إدارات ومالكو وسائل التواصل الاجتماعي، سواء من حيث الكتابة بالأحرف غير المنقوطة، أو تغيير بعض الحروف من لغة إلى أخرى، أو فصل الحروف بعضها عن بعض بطريقة دالّة على تعمّد ذلك، وغير ذلك من وسائل وطرق التشفير المتعمّد..

لعله من المناسب القول: إن لغة التشفير هي اللغة المناسبة لهذا العصر، سواء كان ذلك من حيث النص المكتوب، أو الصورة المنشورة، فلكل نص وصورة أكثر من تأويل، لا يدركه إلا من امتلك خلفية واختصاصًا معيّنًا، وذلك بسبب الانفتاح الحاصل بين الشعوب والثقافات.

الحقيقة بين الظاهر والباطن

يقودنا هذا الكلام إلى البحث في المقولة الآتية: وهي أن القدرَ المسلّم به من ظاهر الحقيقة “قد لا يكون كل شيء”، حيث إن خلف ذلك باطن يدركه المختصون ويفهمه المدققون المحقّقون، فقد تعدد الدوائر الثقافية واتسعت، وقلّ -أو كاد يكون إلى الندرة أقرب- وجود المختصين الذين يهتمون لدقائق الأمور، ومن هنا ينبغي الإشارة إلى أن تيارات ما بعد الحداثة قد زادت من حدة هذه التصورات المبطّنة غير المنضبطة، وذلك لعدم وجود معيارية محددة ولا مدرسة فكرية ثابتة تتمحص الحقائق من خلالها.

التشفير

يعمل التبديل والتشفير على فتح مدارك جديدة في الوعي، ويضع المتلقي في حالة ذهول لكبر وعمق الظواهر التي أمامه، وبالتالي يعلم أن الذي أمامه ليس بالشيء البسيط وإن بدا كذلك.

يزعج التشفير -على الأقل- الإنسان؛ إذ يجعله يتخلى عن مسلّماته المسبَقة، ويعمل على تحريك وتبديل أماكن وجود الحقائق في دماغه، فعلى سبيل المثال، لو أن أحداً قام بتحريك جهازك النقال على الطاولة وأنت مشغول بالحديث، فإنك عندما تتفقّده مرة أخرى ستكتشف أنه ليس بالمكان الذي تصوّرت أنه فيه. وليست المشكلة في محض “التحريك”، إذ إنها ليست أمرًا عظيمًا، إلا أن المشكلة تأتي من كونك قد فقدتَ السيطرة على ما تمتلك.

دعنا نتساءل!

ماذا نمتلك من حياتنا هذه في نهاية المطاف؟ ما مدى سيطرتنا على البيئة من حولنا؟ ماذا إن كانت البيئة المصنوعة من حولك هي التي تسيطر على مقتنياتك وحتى تصوراتك؟

نعود ونكرر، إنها ليست نهاية العالم لو أن أحدهم استطاع تحريك جهازك النقال، دون أن تنتبه، فربما حرّكه لمصلحتك، أو ربما كان الجهاز على وشك الوقوع وهو قام بتحريكه حتى لا يقع مثلاً، أي ليبعد الضرر عنك من شيء لم تنبته إليه أو تعلمه، إلا أن المشكلة في ذلك كله هي أنك فقدت السيطرة على ما تمتلك.

لنفكّر الآن في الموضوع من مبدأ أهميّة التشفير؛ إذ إن حدثًا بسيطًا كتحريك الجهاز النقال من الطاولة يمكن تأويله بطرق كثيرة، تجعلنا كل واحدة منها نعاود النظر في كيفية عيشنا لحياتنا اليومية، وتدفعنا لتحليل كمية الرموز التي نتلقّاها من كل فعل أو كلمة نفعلها ونقولها.

ضرورة الدقّة والتخصّص

ماذا إن كان لعامة الناس مطلَق الحق في تفسير الظواهر وجعل آرائهم مهما تناقضت بمثابة القول النهائي الفَصل؟

كثيرٌ من الناس يتسوّر على الاختصاصات الأكاديميّة وينزعج من الدقة التي تقوم عليها، ويسوَّق أن الأمر ليس كما نظن أننا نراه، بل إن بعض الناس يظن أن الأكاديمي قد يخادع الناس بالتقاطه للفروق في مختلف القضايا الأكاديمية الدقيقة، وإبراز ورقة المصطلحات التي قد تكون معقدة للغاية، كما هو الحال في تخصصات الفلسفة وفلسفة اللغة والتأويل.

هنا ينبغي علينا القول: -إنها على الأرجح- ليست بذلك التعقيد وينبغي علينا محاولة فهمها، وإن تطلب ذلك وقت وجهد مثل تعلّم أي علم.

من المؤكّد أن ترك المحترف يقوم بعمله على الوجه الذي يتقنه أفضل وأجدى، إذ إن صاحب الخبرة والاختصاص أكثر دراية فيه منا، ولا ينبغي علينا التذمر من الظواهر التي نراها؛ إذ إن غير المتخصص لا يدرك التفاصيل المختفية تحت الظاهر، فعلى سبيل المثال، نحن نرى أن البنائين يصدرون الجلَبة والضوضاء في عملهم، وأن المكان يغطّى بالإسمنت والتراب وبعض الروائح غير المستساغة.. إلا أننا لا نبني على ذلك حكمًا سلبيًّا، إذ إنهم إنما يفعلون ذلك من أجل إنجاز البناء بشكلٍ متينٍ وهيئة أفضل، وعليه فإننا لا نتذمر من وجود الاسمنت أو الضوضاء الصادرة، إذ إنه من دون ذلك لن يتحسّن البناء.

بالتوازي مع ذلك، فإن لنا الحق في طرح الأسئلة ونقد وتكسير التصورات المسبقة التي بناها لنا أشخاص آخرون في وعينا دون استئذاننا، حتى لو تحجّجوا بالقول إنهم فعلوا ذلك لمصلحتنا، أي ربما نود تحسين المكان بمادة أخرى غير الاسمنت، خاصة إن امتلكنا القدرة على فهم البديل أو إنشاء تصوّر عنه.

جاك دريدا

قد يكون للفيلسوف جاك دريدا وجهة نظر في رؤيته التي تقوم على تفكيك الأبنية الفكرية واللغوية من دون أخذ الإذن من أصحابها، خاصة إذا ما استخدام أفكاره في وجه كلِّ منتَج مليءٍ بالغرابة والخيبة وفقدان المعنى والغاية من حولنا، وحين نفهم الواقع الذي نعيش فيه، ونمتلك الكيفية الصحيحة للتعامل والتفاعل مع ما يحيطنا، من تغيرات في الزمان والمكان، حينها نعلم حقيقة غايتنا من الوجود والمعنى من كل ما نفعله.