مقالات

إنما نحن مصلحون!

لعل أهون الخطايا في نظر المسلمين اليوم هو التفريط في المحافظة على الأرض ونظامها البيئي المتزن بتقدير من خالقها تبارك الله أحسن الخالقين، وبالرغم من أن هذا الوزر الذي يساء تقديره قد ارتبط بخطيئة عظيمة كالقتل عندما استفهمت الملائكة عن حكمة بارئ الإنسان من استخلافه في الأرض كما قال تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} [البقرة: 30]، فلا يدرك الكثير منا نحن الموكلّون في أعمالنا على الأرض كيفية الحفاظ عليها رغم أنها حديث الساعة في اجتماعات قادة الأمم.

وربما يحتفظ كل منهم بدرسه الأول فقط عن تعليمات النظافة فيلقي المخلفات في سلة المهملات ويعيش على ذلك حيناً من الزمن دون أن يعلم أن ما يستهلكه بإفراط هو في الحقيقة ما يفسد الأرض اليوم من كهرباء وطعام ومواد تجميل والبلاستيك بمشتقاته وخدمات الحوسبة السحابية وغيرها مما يعد من الأساسيات والكماليات على حد سواء.

السعي للاستدامة!

لعلنا في العقدين الأخيرين سمعنا الكثير عن الطاقة النظيفة المتجددة وعن المواد الغذائية مستدامة المصدر، لكننا نتساءل لماذا لا نجد ربطًا بين مخرجات المؤتمرات العالمية عن حلول الاستدامة وأهدافها في الخطاب الديني ومقاصده وكأن الأمر لا يعنينا نحن من أُمرنا بعمارة الأرض وحُمِّلنا الأمانة؟

حقًّا كان الإنسان ظلومًا جهولًا، ألم يظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس؟ أليس ذلك بإنذار يوجب أن نبحث علل فساد الأرض وننأى بأنفسنا عن أن نكون سببًا في إحداث هذه العلل على أضعف الإيمان منا؟

لَم يتردد صدى حلول الاستدامة -التي تعنى بحفظ التنوع الحيوي البيئي- على المستوى العالمي إلا على أعتاب القرن الواحد والعشرين، والسبب في ذلك يعود بشكل أساسي على هيمنة تجارة وصناعة الوقود الأحفوري للطاقة من الفحم والنفط والغاز الطبيعي، والتي أثرت على سياسات الكثير من الدول. كما غيرت التاريخ الحضاري لبعض هذه الدول تباعا، فتراجعت دول وتخلفت بعد أن كانت متقدمة، وتطورت دول وتقدمت بعد أن كانت متخلفة.

هب أن أوراق بحث مشاريع الطاقة النظيفة مثل خلايا الشمس الضوئية وتوربينات الهواء والأمواج وغيرها قد حظيت باهتمام ودعم كبير خلال القرن الماضي لتجد تطبيقاتها النور مبكرا، ألم يكن ذلك ليضع الأرض في حال أفضل من ظاهرة الاحتباس الحراري اليوم مع احتمال بقاء دول بأناسها على وجه البسيطة؟ على أية حال فإن الشركات النفطية الكبرى لم تكن لتسمح بذلك حفاظا على حصتها السوقية وسلطتها السياسية والاقتصادية. ولو أنها ظاهريا مولت أبحاثا للطاقة المتجددة رفعا للعتب، فقد كانت تضع نتائج الأبحاث في الأدراج وتتعلل بالكلف العالية وصعوبة إرجاع رأس المال كما دلّلَ على ذلك في الفيلم الوثائقي الشهير روح العصر (Zeitgeist) وها هي اليوم تتجرع البشرية كأس المرار بعد أن بدت مآسي فساد الأرض والخلل البيئي واضحة على مجتمعاتنا، وقد تداعَت مملكة الحيوانات بتنوعها البيئي إثر ذلك كما نرى في شهادة (السير ديفيد أتينبوروغ) المؤرخ الطبيعي. وهذه كبرى شركات النفط تسجل ضدها أعدادا غير مسبوقة من القضايا بحسب الخبر في صحيفة (الغارديان) والتهمة إخفاؤها جميعا سرا خطيرا يوازي ما أخفته شركات التبغ فيما مضى من ضرر السجائر على الصحة. فقد أوضحت تسريبات كثيرة أن العلماء في هذه الشركات النفطية بحثوا سابقا التأثير المدمر للمخلفات الملوثة ورفعوا تقارير إلى مجالس الإدارات عن الخطب الجلل في التغيير المناخي والذي ستعانيه الأجيال القادمة، لكن ماذا نفعل مع جشع الإنسان وسكوته على حساب الناس والأرض!

اتفاقيات ومحاولات

قبل فوات الأوان وتزامنًا مع ظهور علامات نضوب الوقود الأحفوري، أدركت الحكومات والمنظمات السياسية التهديد الحقيقي للبشرية في البقاء وبدأت تدريجيا ببذل جهود كثيفة مع بداية الألفية لبحث حلول الاستدامة في كل شيء تقريبا؛ كالزراعة، والبناء، والصناعة…إلخ بحثا عن التوازن الثلاثي بين احتياجات الاقتصاد، والمجتمع، والبيئة، أي أن الإنسان ضمنيا ما زال يضع احتياجاته العصرية بكمالياتها أمام النظام البيئي الذي يحويه ويعيش فيه.

وما تزال سياسات الدول وصناعاتها تحكم القرارات لصالح قوتها ونفوذها عالميا بالرغم من توقيع اتفاقية بروتوكول كيوتو لتخفيض الانبعاث الكربوني في أواخر القرن الماضي والتي بالمناسبة لم تصادق عليه الولايات المتحدة الأمريكية. بموجب هذه الاتفاقية فرضت ضرائب على انبعاث الكربون بحسب ما تراه الحكومات مناسبا لتحقيق نسبة الانخفاض المنوطة بها، وألزمت بعض الصناعات بشراء ائتمان كربوني لدعم مشاريع تخفيف انبعاثات الغازات الدفيئة مثل (بخار الماء، ثاني أكسيد الكربون، الميثان، والأوزون) في الغلاف الجوي.

قد تكون لهذه الخطوات إيجابيات تساعد في إبطاء وتيرة الاحترار على سطح الأرض لكن لها سلبيات في التطبيق فقد تنقلب هي الأخرى لتجارة تهتم لتقليل المصاريف ولا تهتم لانبعاث الكربون بالدرجة الأولى. وإلا ما معنى دفع شركة (نستله) ائتمان كربوني لبعض أفرعها بعد فضيحة دعمها استغلال وجرف الغابات المطيرة لزراعة تموينها من زيت النخيل والذي يعد أساس منتجات الحلويات في شركاتها! إذ إن الغابات المطيرة مهمة جدا وتعتبر بمثابة رئة الأرض في تنفيس ثاني أكسيد الكربون بالبناء الضوئي والمحافظة على المناخ ومنع التصحر والكثير من المهام التي لا يمكن للإنسان أن يقدرها يثمن إزاء عجزه عن إيجاد بديل لها.

أفسِد دون توقّف!

يأتي الإنسان المفسد ليضع ثمنا بخسًا لتربة الأرض الخصبة لهدف تخريبي آخر، كأن يزرع نخلا في غير محله وينتج زيتا ضار صحيا لكنه مربح جدا تجاريا. بمعنى آخر إصلاحات الإنسان تتجنب معالجة جذور المشكلة من أساسها وتحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه من الآثار دون التنازل عن رفاهيات العيش المترفة للمستهلكين.

هل سمعت بمصطلح (تأثير الفراشة) الفيزيائي؟ بشكل مبسط، هو مصطلح يعنى بتأثير المحفزات الصغيرة على نظام معقد ضمن دراسة السلوك الفوضوي والتنبؤ بمتغيراته. هناك إجماع تام دون أي شبهة على أن النشاط البشري على كوكب الأرض هو السبب الأول بشكل رئيسي على اختلال التوازن البيئي وارتفاع نسبة الغازات الدفيئة. ولا أدَلَّ على ذلك من أن هذا الإنسان بتصرفاته الأنانية دخيل على هذه البيئة التي ما من شيء فيها إلا يسبح بملكوت الله تعالى وينتظم بتقديره. إذا نُهي عن فعل؛ سخِر من تعظيمه واستصغر نتائجه. وما هذه الأفعال الصغيرة إلا كرفرفة الفراشات تتطور تداعياتها مجتمعة لتصبح إعصارا مدمرا.

خذ مثلا شراء الأطعمة، أليس الاستهلاك المفرط للّحوم هو سبب رئيسي لزيادة نسبة الميثان الصادر من مخلفات المواشي؟ وأيضا مدّ المسطّحات الخضراء لها على حساب الأشجار لتحويلها لمراعي؟ التفاصيل بالأرقام تجعل منظمات حماية البيئة تشعر بالخجل من إنكارها الأمر لسنوات طويلة تحت ضغوط وتهديدات من ملاك تجارة المواشي كما سترى في الوثائقي(Cowspiracy)

وماذا عن استهلاك الحلويات المصنعة؟ قلة هم من يبحثون عن شهادات الامتثال للاستدامة في الزراعة والتصنيع في تلك المنتجات على أضرارها الكثيرة مقارنة بفوائدها، أو استهلاك الأسماك من مصادر مسؤولة تمتنع عن الصيد الجائر وتجريف الحياة البحرية دون مراعاة للبيئة والتنوع البيئي. قد تصاب بصدمة إن شاهدت وثائقيات مثل (Dominion) عن حياة المواشي البائسة وكأنها مواد تحضير بلا إحساس، خاصة إن كانت في بلد شيوعي وملحد عموما لا يُرحم الإنسان فيه فكيف بالحيوان طعاما له. قد تقول: وما لنا ومال الأطعمة التي لم تذبح على الشريعة الإسلامية؟!

هنا نجيبك أنه إن لم ينتهِ هذا الشيء في طعامك فإنه سينتهي في منتج آخر تستهلكه. مثلا دهون الأبقار تستخدم في أحمر الشفاه ومساحيق التجميل والكريمات والصابون ومعجون الأسنان والمتفجرات وكوقود حيوي لطائرة نفاثة أيضًا. وهذا استثمار شاسع لاستغلال أحشاء الحيوانات في تجارات لا تعد من الأساسيات في الحياة وتزيّن للناس على أنها كذلك فتستهلكها بكثرة مما يوجب تكثير المواشي وبالتالي تهديد الأرض والبيئة.

حين تسهم التكنولوجيا في إفساد الحياة!

عندما نتناول موضوع استهلاك الكهرباء على المستوى الشخصي، فنحن لا نتحدث عن توفير الطاقة في تشغيل الإضاءة والتكييف. فذلك يهون مقارنة بما نحن اليوم بصدده من تحول تام للإنترنت والتخزين والمعالجة السحابية والتعدين والكثير من الخدمات الإلكترونية والتي ترزح خلفها مراكز لخوادم تشغيل بيانات ضخمة في جميع أنحاء العالم وتعمل باستمرار دون انقطاع حتى خلال الإصابة بالأعطال أو الصيانة.

ليس هناك إحصائية ثابتة تشير لحجم استهلاك الكهرباء المتنامي لهذه المراكز في العالم، لكن تقدير الاستهلاك بحسب أعداد وحجم تلك المراكز يبين أرقاما مخيفة للغاية. بحسب موقع مجلس الطاقة الأسترالي، هذه المراكز تستهلك 200 تيرا واط ساعية في السنة. بعبارة أخرى، تقدر طاقة هذه المراكز بـ 22.8 جيجا واط، أي ما يمكنه تمديد أكثر من 17.1 مليون منزل بالكهرباء. إن كنت تتساءل ما علاقة كل ذلك باستهلاكك من الانترنت، بحسب الموقع ذاته 90% من البيانات المتاحة اليوم على الشبكة العالمية حمّلت فقط خلال السنتين الماضيتين، هل لك أن تتخيل ذلك؟ 50% من استخدام الشبكة عن طريق الهاتف الذكي، مع كل ضغطة وسحب في جهازك قامت الخوادم بمعالجة طلباتك للمعلومات. إن خمنت جيدا، فإن أكثر البيانات استهلاكا هي مقاطع الفيديو وألعاب الفيديو. وكلما زادت جودة التصوير و(الجرافيكس) وامتدت المشاهدات واللعب لساعات، زاد الحمل على معالجات الخوادم، وزاد استهلاكها للكهرباء. وبالطبع يزيد الانبعاث الحراري منها مما يتطلب تبريدها وصرف المزيد من الكهرباء. من هذا المنظور، هل يحقق تطبيق مثل (التيكتوك) أو لعبة مثل (ببجي) أي فائدة حقيقية تذكر في مقابل تحمل عواقب إهدار هذه الطاقة؟

أما التحول للعملات الرقمية فسيجعل الأمر أسوأ بكثير، وكلما زادت قيمة العملة الرقمية مع مضاربات السوق، زاد السعار خلف تعدينها وتسجيل تبادلها واستهلاك الكهرباء إلى حد بعيد، بل إن تبادل عملة البيتكوين الرقمية وحده لسنة 2021 صرف طاقة تفوق كل مراكز البيانات في العالم مجتمعة والتي سبق ذكرها! وتدفق التبادل هنا ليس بهدف المنفعة كشراء الحاجيات كما هو المفترض من وجود العملات إنما المتاجرة بها كالأسهم في البيع والشراء بخلاف أنه لا مشاريع تنموية أو بضاعة خلفها سوى مصلحة من أنتجها وتاجر بها أو بمؤشراتها.

كل ذلك يطرح أسئلة بشأن استخدامنا التقنيات انطلاقا من الحاجة الأساسية لمشاركة العلم في أهداف تعود بالنفع على الجميع، وليس تسلية الخلق أو خلق بدائل لأساسيات لا يتم حقا التعامل معها كبدائل. فكيف إذا كانت هذه التقنيات تواجه تحديات غير معلنة وهي تعد اليوم واحدة من أسرع القطاعات إنتاجا لغاز ثاني أكسيد الكربون ويقدر أن تستهلك خمس طاقة العالم الكهربائية بحلول عام 2025؟

إدمان الاستهلاك

كثرت الدراسات التي تبحث تحسين مشتريات المرأة لمزاجها، هل سمعت عن مصطلح العلاج بمحلات التجزئة (Retail Therapy)؟ تقول إحدى هذه الدراسات أن ارتفاع مستوى الدوبامين لدى النساء عند النظر للبضائع خلف النوافذ أو تعبئة السلة الإلكترونية في التبضع الإلكتروني، هو نتيجة فقدان سيطرة المرأة على بيئتها من حولها. لذا تتخذ القرارات في تبضع الكماليات لتشعر بإعادة السيطرة. ليس غريبا إذًا أن تتصدر النساء في الولايات المتحدة مشتريات المستهلك على الرجل بنسبة 85%.

لقد أصبحت المرأة رقما صعبا في التأثير على إنتاج العالم للبضائع وتسويقها حيث يقدر صرفها لسنة 2020 بـ 31.8 تريليون دولار بنسبة زيادة 50% عمّا كانت عليه قبل 10 سنوات. ولا تنفك هذه الدراسات عن التحذير من خطر تحول هذه العادة الشرائية لإدمان حقيقي في ظل التحديات التي تواجه ثقة المرأة في نفسها مقارنة بما يعرض يوميا من مقاييس جمال للوجه والجسد والموضة أينما ولّت وجهها. لدرجة أن أصبح هنالك ظاهرة نفسية يطلق عليها مصطلح تأثير حمرة الشفاه (Lipstick Effect) وهو يشير إلى تعزيز مواد التجميل ثقة المرأة بجاذبيتها ورفع مستوى كبريائها.

نتيجة لذلك، تقدر تجارة مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة وحدها بـ 517 مليار دولار. ما يعنينا هنا أن شيء ثانوي لحياة الإنسان قد أصبح من أساسيات العيش. وبحسب (British Beauty Council)  فإن واحدًا من كل ثلاثة أشخاص لا يعلم حقيقة أصل المواد الداخلة في إنتاج مستحضرات التجميل، وخطورة سمّيتها وتأثير تصنيعها والتخلص منها في المراحيض على البيئة لأنها غير قابلة للتحلل في التربة والمياه وتعود إلينا عبر الأمطار والزراعة. ناهيك عن تدميرها البيئة وقتلها التنوع الحياتي فيها. ولأنه يصعب احتواء هذه المواد في عبوات قابلة للتحلل نظرا للكيماويات الداخلة في تركيبها، فإن الأرض تعاني من 120 مليار عبوة تجميل سنويا تزاحم الطبيعة. وهذا كله فقط مثال على منتج واحد مما يتم استهلاكه بإفراط دون حاجة ملحة حقيقية، فكيف إذا تكلمنا مثلا عن شراء أعداد من الأحذية مختلفة الألوان والملمس، أو تشكيلة الملابس الجديدة للصيف أو الشتاء، أو الحقائب النسائية المثالية لكل لباس ومناسبة؟

فتنة الموضة!

لعلك لن تصدق أن صناعة الموضة وحدها تعد ثاني أكبر ملوث للبيئة بنسبة 10% من انبعاثات الكربون و20% من المياه المهدرة. ولا يبرر للملابس كونها من الأساسيات فقد أصبح تصنيعها في دول نامية هو وسيلة لتفادي قيود اتفاقيات حماية البيئة وإنتاجها بمواد رخيصة تنتهك حرمة الحياة على الأرض ثم لا تلبث أن تعود الملابس نفسها لتكتم على أنفاس الأرض بحجة أنها لم تعد تماشي الموضة أو بهتت طباعتها وتمزقت زركشاتها.

أليس من الأجدر أن تصنع الأساسيات لتبقى مدة طويلة عوضا عن أن تصنع لتواكب أحدث التطريزات الموسمية أو (الترندات) العالمية؟ وما هذه الأمثلة البسيطة إلا لتسليط الضوء على مشكلة عظيمة في تصرفاتنا وعاداتنا دون دراية حقيقة بمغبة الاستمرار فيها. فأي جولة في مركز تسوق كبير لمعاينة البضائع والخدمات، ستخرج منها بنسبة قليلة من مستلزمات الحياة الحقيقية مقارنة بالكم الهائل من الكماليات!.

وأي جولة في المدينة ليلا ستوضح لك الفرق في نسبة استخدام الكهرباء في المنشآت الخدمية الضرورية مقارنة بالمطاعم والملاهي والنوادي الليلة. وأي تصفح في الانترنت والتطبيقات المبنية عليه ستلمس فيه ضآلة المفيد من العبث، واستهلاك الكماليات المفرط كما أظهرنا له ثمن فادح. كما أن استهلاك الأساسيات دون مساءلة مصدرها سيجر ويلات على أحفادنا وربما أولادنا قريبا.

على خطى الهادي

من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وشمائله المحمدية تحريم قطع الأشجار في الحرب، ومن هديه أيضا أمره أن نغرس الفسيلة –الشجيرات النامية حديثًا- ولو رأينا الساعة تقوم. كما أمرنا ألّا نسرف في الماء في الوضوء والطهارة وأن نتجنب التبول في الماء الجاري والدائم، وأن نرحم الحيوانات ولا نلعنها ولا نجوعها ولا نكويها ولا نفجع الوالدة بتفريقها عن ولدها وأن نريح ذبائحنا.

إذا كان هذا من هديه صلى الله عليه وسلم، فكيف نرتضي إذًا استهلاك الضرر على علمنا بإضراره؟

العادات الشرائية هي مدعاة التصنيع وطريقة تشكيله، ومقاطعة البضائع المشبوهة هي أفضل وسيلة لفرض سياسة جديدة على تصنيعها وإنتاجها. نحتاج أيضا لمراجعة عادتنا الاستهلاكية وبحث احتياجاتنا الحقيقية بعيدا عما تمليه المظاهر أو تستجديه أهواءنا أو ترتضيه أطماعنا. كل مجهود صغير يدخل في حسبة المحفزات سواء بالكم أو التأثير كما بيّنا.

نعم، ليست وظيفتك أن تحل مشكلة التلوث في الأرض والبيئة، ويستحيل أن تحلها وحدك. لكنك تستطيع أن تكون قرميدة في سد مانع يحفظ الماء من الهدر، وستحاسب على صمودك في ذلك وحدك. ولو خالفت كل الناس في تصرفك، سيأتي كل واحد منهم وزره بقدر ما أهمل وأعرض ولو ظن نفسه مصلحا، ولن تزر وزرهم على الأقل. لا تحتاج لأن تكون إنسانا مثلهم لتفعل ذلك، بل تحتاج لأن تكون مؤمنا. قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11- 12].


مصادر  ومراجع للتوسع

https://www.youtube.com/watch?v=rnRyVK7HqJE

https://www.newcastle.edu.au/…/david-attenboroughs…

https://www.theguardian.com/…/climate-crimes-oil-and…

https://www.businessinsider.com.au/surprising-everyday…

https://www.energycouncil.com.au/…/big-data-a-big…/

https://www.abc.net.au/…/bitcoin-has-a-climate…/13210376

https://www.self.com/…/amount-of-money-women-spend-on…

https://blog.marketresearch.com/global-skincare-market-to…

https://health.clevelandclinic.org/retail-therapy…/

https://girlpowermarketing.com/statistics-purchasing…/

https://www.sustainyourstyle.org/old-environmental-impacts

 

 

طغيان المادة على القيم

من المؤسف أننا نعيش اليوم زمن المادة وأن المعيار الطاغي على سائر المعايير في هذا العصر هو “المادة” وبالتالي فقد بات من النادر الاحتكام إلى القيم الروحية والمعنوية في سياق التعامل، بل إن القليل من الناس يعرفونه، إلا أن حياتهم تكون أجدى وأسمى، فحياة القيمة أرقى بكثير من حياة المادة، وهي الأساس لجميع الرسالات والحضارات وهي الضامن الوحيد لبقاء الإنسان الفطري الذي يعرف معنى الإنسانية.

من المؤكد أنه بوسعنا الحصول على تعريفات مختلفة للقيم والمادة، إلا أن محاولة شرح هذه المعاني لإنسان اليوم أصبح أمرًا معقدًا، حيث إن كل شيء حولنا اليوم يلمع ويبرق بألوانه الزاهية، إلا أن إدراك القيمة العالية أو المتدنية المرتبطة بهذا الشيء صار أمرًا عسيرًا فقد سلبت ثقافة التشييء من الأشياء قدسيتها.

بين القيمة والمادة

لو أننا أردنا تعريف القيمة، فإن الأقرب وصفها بأنه الشيء الجوهري الذي يمنح الفرد أو المجموعة أو الفكر مكانة خاصة لدى العموم، وتكون المعايير ههنا معنوية ذات آثار ملموسة كالتربية والأخلاق والأسرة والمجتمع والدين والفكر، فالقيمة في جوهرها هي أساس الإنسان والأمة، وهي التي تُشعِره بإنسانيّته، كما أنها الأساس الذي ينتج الأخلاق والأفكار أي أنها أساس الفكر الحضاري والديني في المجتمعات على مر التاريخ.

أما المادة فهي في جوهرها الشيء المؤقت والمستهلك، أو ما يمكن تبديله وتغييره بسهولة، وبذلك فإنه ما إن تنتهي إنتاجيته المادية والحسية يزول بريقها وتستبدَل بما سواها، فلا يكون لها قيمة جوهرية على المدى البعيد وإنما قيمتها بالوظيفة أو الحاجة التي تسدها، وبذلك فإن خطورة هذا المعيار في أنها لا تختص بالجماد أو الآلة بل إنه من الممكن أن تنسحب على الإنسان والمجتمع والفكر فيتبدل ويتغير حسب الاحتياج إلى ذلك، ويستغنى عنه متى ما زالت منافعه وبريقه وإنتاجيته.

القيمة والمادة بين الماضي والحاضر

لم تعرف الإنسانية معنى القيمة الحقيقية إلا مع نزول الرسالات السماوية التي أثبتت للإنسان بشكل قاطع أن حياته لا معنى لها دون الخضوع للإله الواحد الذي كلفه بنقل رسالة التوحيد، وأن للإنسان غاية قدسية فيجب عليه ألا يتشبث بمعايير الحياة المتبدلة والمتغيرة، ولكن في نفس الوقت يجب أن نعيشها وننتبه لأعمالنا فيها، حيث إن الآخرة بانتظارنا لنحاسَب على ما عملنا فيها، إلا أن ذلك لا يعني ألا نستمتع بها فهي مرحلة عبور فيها العبادة والمتغيرات اليومية، وعليه لا بد من الموازنة بين الطرفين على ألا يطغى جانب على آخر.

إن الإسلام الذي بلغنا عن نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم هو الدين الوحيد الذي لم يتبدّل ولم يحرّف، ولا عجب في ذلك فقد حفظه الله الواحد الأحد المطلق الذي ليس مثله شيء، ومن هنا جاءت قيمته الثابتة، فالله هو المعيار المطلق لكل ما في الوجود، وبه ترتبط أعمال الخير بشكل عام، ومن هنا ندرك عظمة التشريعات التي فرضها في تنظيم المجتمع والتخلّق بالأخلاق والتربية، إلخ، فهي ذات قيمة اعتباريّة مستمدة من إرادته وحكمته.

لقد عاشت الأمم بمختلف دياناتها فترات طويلة تحاول إنشاء توازن بين القيم والمادة، فالقيمة نابعة من الروح والمادة نابعة من الميل للشهوات –بمعناها العام-، فالقيمة عقل وموازنة وإدراك وإشباع ورضى وكل هذه الأمور تصب في حكمة الإنسان وعمق إدراكه للحياة، فلا يمكن للإنسان الذي يعيش حياة قيمة بشعور النقص والفقر والحرمان، لأن أساس الفكر والمشاعر متعارضة.

أما بالنسبة للمادة فإنه لا يمكن القول: إن شهوات الإنسان شر محض، إلا أن طغيانها في حياة الإنسان شر محض، ولذا نرى الإسلام يضعها ضمن إطارات متعددة ليضمن إشباعها واستقرارها، حيث إن إنكار الشهوات إنكار لطبيعة الإنسان، وفي بعض الأوقات تكون الشهوات الدافع الأول للإنسان والقوة المحركة تجاه الحياة، وهذا من الأشياء المتأصلة في الإنسان.

أهمية المعيار في حياة الإنسان

لقد شعر الانسان من اللحظة الأولى في الحياة بأهمية وجود معايير متجاوزة للحياة المادية للقيمة التي تعطي للحياة المعنى، وإذا بحثنا في جميع المجتمعات على مر العصور نجد أن الإنسان دائما كان له دافع في اتخاذ الأشياء الكبيرة والتي يراها عظيمة آلهة ويعطي للأشياء رمزية، مثل الشمس والقمر والنجوم والكواكب والاصنام.  وكانت تتعدد المعابد في داخل المجتمع نفسه، وكان دافع الانسان البسيط هو حاجته لقوة القوى التي تتجاوز قدراته، وقد استغل الكهنة هذه المعاني لتسيير الناس وضبطهم والسيطرة عليهم وسلب أموالهم بحجة إرضاء الآلهة، واليوم فإننا نرى هذه السيطرة بشكل مختلف، إلا أن الجوهر والقاعدة واحدة، مع التنبه إلى أن الغلاف الخارجي للأشياء يتغير حسب الواقع والعصر.

إن الإنسان عبارة عن مركبات كثيرة من الفرح والحزن، والخير والشر، والذكاء والمكر، والأحلام والتخيلات والأهداف، والعادات والتقاليد، كما أنه يعيش حائرًا بين أن يكون هذا أو ذاك، ويتساءل هل يجب أن أكون الخيّر أم الشرير؟ وهنا يأتي دور العقيدة التي تعطي الإنسان القيمة والمعيار الذي يحضه على البحث والتأمل واختيار الطريق الصحيح؟

لكل إنسان إطار من العادات والتقاليد التي يولد ويعيش فيها، وكلما تقدم في السن اتضحت له أمور كانت تخفى له، وكلما عبر مرحلة زمنية محددة قلّ اعتماده على الدعم الخارجي المعنوي والمادي، وعلى سبيل المثال فإن وجود الوالدين في مرحلة الطفولة يعطينا الاحتياجات العاطفية والمادية، وعندما ندخل عالم العمل والحياة الخاصة يشعر الإنسان في بعض الأوقات أنه يفتقد الأمان فيبدأ في البحث عن هذه الاحتياجات التي تعطي لحياته معنى، فيبني حبّه أو ينضم لحزب أو حركة جماهيرية أو ينغمس في فكر جديد له طابع خاص، ومن الممكن الدافع لذلك شعوره بالنقص وعدم الأمان أو الحرص على التجربة والبحث والتفكر.

مادية العصر الحديث

إن الحياة المادية التي نعيشها اليوم لا تقتصر على سلوك الفرد وحده، فنحن هنا لا نخاطب الإنسان فقط بل نحاول وصف المجتمع والاقتصاد والسياسة والعلوم التي نتعلمها لأنها كلها داخلة في الفكر الاجتماعي المعاصر، ولأن الإنسان جزء لا يتجزأ من هذه المنظومة وأفكار الفرد نتيجة مباشرة لهذه المنظومة الفكرية.

وإذا كانت قيمة القيمة تنبع من الفكر السليم والجوهر المطلق، فإننا اليوم نعيش في عالم المنظومة الرأسمالية التي تحفز على زيادة الإنتاج والدخل دون النظر للظروف المعنوية والروحية، ولذلك فإن من أساسيات زيادة الدخل وجود الإنسان المستهلك الذي تحاول الشركات تحفيزه بكل الطرق لشراء المنتجات سواء كانت ذات قيمة أو بلا قيمة.

بطبيعة الحال فإن هذه الشركات تستخدم الإعلام وسيلة فعالة لعرض منتجاتها، وسواء كان الإعلام صادقًا أو مسيّسًا لجهة أو فكرة ما، فإننا نتأثر به لا شعوريًّا، بل إننا نرى كيف أن المنتجات الإعلانية في الإعلام تتزين بأشكال مختلفة عنه في الواقع لتأخذ طابع المصداقية، وها قد وصلنا لمرحلة أصبح فيها عرض الشذوذ والإباحية أمرًا طبيعيًّا، بل بات يوصف بأنه فكرٌ إنساني لا يهاجم الفطرة الإنسانية، ولذا يجب تقبّله!.

هذه المتاهة الماديّة تدفع الإنسان لإشباع رغباته وشهواته بطرق تنافي العقل والأخلاق والمنطق والقيمة الجوهرية للإنسان، وجميع هذه المحفّزات، تضعف الفرد والمجتمع، مما يؤدي إلى انهيارهما من الداخل، حيث تنتشر فيها الرذيلة والجريمة التي هي مبررة في نظر ناشريها.

ومن هنا يعيش الإنسان ضمن إطار اللذة التي تركز على الاستهلاك، ويكون استهلاك البشر مبدأً في تكوين العلاقات الاجتماعية القائمة على علاقات المنفعة الاستهلاكية، وليس بسبب الاحتياج العاطفي، بل يصبح الوالدان بالنسبة لأولادهما –في هذا المجتمع- مجرد محطة عبور للفرد، فيعيش الإنسان متحررًا في وجهة نظرهم من كل شيء إلى أن يصل لمرحلة الوحدة والاكتئاب، وإذا أراد الانتحار فيمكن له أن يذهب إلى أحد المراكز المتخصصة في تقديم خدمة الموت الرحيم.

إن المنظومة الفكرية التي تبحث عن الشهوة، تبرر في نفس الوقت الموت الرحيم لأنه جزء من منظومة الاستهلاك، فالإنسان ليس أكثر من مستهلك يبحث عن الحرية والتحرر في كل مكان بدافع التطور والحضارة وما دام الإنسان يبحث عن شيء باستمرار فهو فاقده، وهكذا يعيش الإنسان لشهواته المؤقتة وفق مبدأ اللذة التي يستفيد منها المنتج والمروج فقط، وكما ذكرنا سابقًا فإن الشهوات دافع للإنسان وهي جزء من تكوينه البشري، إلا أن العيش على مبدأ اللذة ينهك الفكر والجسد والروح والمجتمع.

إن العقيدة الصحيحة هي أساس فهم الإنسان للحياة، وكلما ارتبط الفكر بقيمة أكبر من المادة زادت قوته ومناعته تجاه الحياة ومصاعبها، فأساس الحياة التبدل والتغير، أما الإيمان القوي بالله فإنه يرتبط بالأهداف الكبيرة التي تتعدى المصاعب، لأنها مرتبطة برضى الله لا البشر، وبالإيمان بالله لا باعتبار مقدار المال أو الجاه الذي يحدد قيمتنا.