مقالات

الإنسانويّة.. دين بلا هويّة

حين يُطرح مصطلح الإنسانيّة أمامنا، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن مجموعة من معاني الإحسان إلى البشر وإعلاء قيمة الكرامة الإنسانيّة، وإلى هذا الحدّ يتفق الجميع على أهمية ذلك وضرورته، بيد أن مصطلح الإنسانوية يحمل معانٍ أخرى أكثر خصوصيّة، ينفرد بها المنتمون لهذه الفكرة أي الإنسانويّة.

جذور الإنسانويّة

يتبّنى البعض ممن ينتسبون للإنسانوية شعار المذهب الإنسانوي أو الآدمية المشتركة أو الهيومانيّة، ومثلها من المسمّيات التي تدور في فلك هذا المعنى، والذي يجمع هذه الشعارات رفع قيمة الإنسان -وتأليهه أحيانًا- من خلال نزع القداسة عن الإله، وجعلها تحوم حول الإنسان، ليصير بذلك مركز الكون الأول ومصدر الحقيقة.
جذور المذهب الإنسانوي ليست حديثة أو طارئة، بل إن مظاهرها التي تمثّلت في التمركز حول الإنسان تعود إلى الماضي حتى العالم القديم، ابتداءً من العصور الهنديّة القديمة التي اعتقدت إمكانيّة اتحاد الإنسان بالإله عن طريق ممارسة تأمليّة روحانيّة، مرورًا باليهودية المحرّفة التي شوّهت صورة الإله ونسبت إليه صفات النقص في مقدرة عبده يعقوب هزيمته بعد صراع دار بينهما، ثم كانت المسيحيّة المحرّفة التي رأت أن الإله حلَّ في عبده عيسى ابن مريم عليهما السلام، وما تلاها من عصور النهضة والتنوير في أوروبا لمّا اعتمدت على العقل والعِلم وهمّشت الدين، والتي شهدت وفرة المكتشفات في الفلك والصناعة ما أدى إلى تعاظم شعور الإنسان بالسيطرة وإمكانيّة الاستغناء عن الإله بشكلٍ كامل.

لاحقًا، في عصر الحداثة ظهرت فكرة سيطرة العقل على جميع جوانب الحياة العلمية والفكرية والحياتيّة، وصولاً إلى عصر ما بعد الحداثة الذي تراجع عن سلطة العقل في فهم وتفسير كل شيء، وأتاح للإنسان تكوين فهمه الخاص ضمن بيئته وظروفه، وبالتالي لا وجود للحقيقة، بل تصوّر الإنسان للحقيقة.

في  عام 1933 صدر البيان الإنسانوي الأول في الولايات المتحدة الأمريكيّة، وعرّف الإنسانويّة بأنها حركة دينيّة تهدف إلى التعالي وتجاوز الأديان السابقة ذات الأصل الإلهي، وفي عام 1973 صدر البيان الإنسانوي الثاني، تجلّت فيه قطيعة أكبر مع الدين إلى جانب ميول نحو الإلحاد، وأخيرًا أصدرت الجمعية الإنسانويّة الأمريكية البيان الإنسانوي الثالث عام 2003 بيّنت فيه رؤيتها التي تتمثّل في النزوع إلى الإلحاد، وتأليه الإنسان، وإنكار الحياة الأخروية، والاكتفاء بمنجزات العلوم الطبيعية والتجريبية واعتبارها مصدرًا وحيدًا للمعرفة، والقول بنسبية الأخلاق، وفصلها عن الدين، وعلمنة الدولة.

 

أنسنة العلاقات في العالم الإسلامي

خاض المجتمع الإسلامي في تسعينات القرن الماضي تحوّلات فكريّة وسياسية عدّة نتج عنها  تراجع الإعلام السياسي (التوجّه المطّلع نحو الحكم والدولة)، وظهور ما يُسمى اليوم بالدعاة الجدد، أو “إسلام السوق” والذي يمثّل مرحلة ما بعد الإسلام السياسي، حيث يمتاز خطابه بالسيولة، وتبنّي رؤية التنمية البشريّة الأمريكيّة، والبُعد عن الشأن السياسي والقضايا الشائكة، التركيز على الخلاص الفردي، العناية بالمظاهر المدنية الماديّة العولمية، والدعوة المجتزأة للدين.

ومع رواج الخطاب الديني المدني الجديد وعلوُّ صوت الثقافة الغربية الغالبة الداعية إلى المفاهيم الإنسانويّة، فإن عددًا من الدعاة الجدد يحاول بكل ما أوتي من قوة تقديم إسلام خفيف الدسم، سائل في مفاهيمه الحاكمة (كمفهوم الإيمان بالله والجهاد والحجاب وغيرها)، وإثبات أن الإسلام لا يتعارض مع الإنسانويّة بل يقبلها ويعتد بها، وذلك عن طريق إعادة تفسير النصوص والتراث الإسلامي تفسيرًا يُستبعد فيه أية دوافع دينية أو أخلاقية، ويبحث فيه فقط عن الدوافع المادية، يتمسّك بالمتشابهات ويتجاهل المحكمات ابتغاء تأويل الإسلام تأويلاً يتناسب مع الطرح الإنسانوي.

في هذا السياق يعلّق الشيخ بكر أبو زيد في كتابه (معجم المناهي اللفظية) على مفردة الإنسانيّة بقوله: “اتسع انتشار هذه اللفظة البرّاقة بين المسلمين عامتهم وخاصتهم، ويستملِحُ الواحد نفسه عندما يقول: هذا عمل إنساني. وما يدري المسكين أنها على معنى ماسونية، وإنها كلمة يلوكها بلسانه وهي حربٌ عليه؛ لأنها ضد الدين، فهي دعوة إلى أن نواجه المعاني السامية في الحياة بالإنسانيّة لا بالدين”.

ومن أبرز العبارات التي يرددها المدافعين عن الإنسانويّة في البلاد الإسلامية اليوم قولهم: “دع الخلق للخالق”، “من أنت حتى تحكم على الناس”، “لا تدري أيهما أقرب إلى الله”، “علينا أن نقبل الإنسان بصرف النظر عن دينه وعقيدته وميوله”، “الدين لا يفرقنا”، ويعمدون إلى ذكر مفردة الإنسان بصيغة مطلقة دون أي إضافات تخصص أو تُقيّد.

فالمسلم -بحسب الديانة الإنسانويّة- عليه أن يتقبّل الإنسان رغم شذوذه الجنسي، وعليه أن يتقبّل عبادته لما نهى الله عنه، ويُفضّل أن يحافظ على سكوته عندما تُفتح سيرة الأديان، وإن لم يستطع فيؤكد أن الله يقبّل الجميع، والأديان كلها صحيحة، وكلنا إلى الجنّة؛ إذ إن المهم –بزعهم- أن يتقبّل ويتعايش، ويتسامح، أو بالأحرى “يمسح” شخصيته تمامًا أثناء حديثه مع من يُخالفه كي يحافظ على ودّه، وأثناء قيامه بذلك لا بأس أن يُضيّع الله، ومعاييره جلّ وعز، وهويته الدينيّة، وكيانه الشخصي، المهم الإنسان، الآخر.


ويمكن في سبيل ذلك أن يُميّع الإسلام ويردد أنه دين السلام، والتعايش، والمحبّة، وأنه عزّ وجلّ يُحب الجميع، ويغض بصره عن  كلّ الصفات التي وردت في الآيات القرآنية التي تقول بوضوح: {إن الله لا يحب} ولا بأس –برأيهم-.. فإن المهم في النهاية هو الإنسان، سواء كان هذا الإنسان فاسقًا، أو كاذبًا، أو خائنًا، أو ظالمًا، أو كافرًا، أو منافقًا، أو فاسدًا..

كل هذا لا يهم، فهذا –بزعمهم- شأنه وحده، وله الحريّة الكاملة في سلوكه وخُلُقه، وجميعنا مطالبون بمحبته كإنسان حتى ترضى عنّا الديانة الإنسانويّة ومن ينتمون إليها.

أمسِك عليك هويّتك!

ردًا على ما تقدّم،  يقول أ. إبراهيم السكران [في كتابه مآلات الخطاب المدني]، إن أنسنة العلاقات -أي جعلها قائمة على مبدأ الإنسانية بصرف النظر عن الهوية والمعتقَد- تستبعد المضمون الديني في صياغة علاقتنا بالآخرين، وتطمس الأوصاف القرآنية التي ميّز الله على أساسها الناس، كوصف المؤمن والمسلم والفاسق والكافر والمشرك والمنافق، وتضع هؤلاء جميعًا في مرتبة واحدة بناءً على اشتراكهم في الإنسانيّة، ليصبح المسلم واليهودي والوثني سواء لا فرق بينهم طالما أنهم يعملون لسعادة الإنسانيّة والسلام البشري. بينما لا يخفى على من يقرأ القرآن حق ترتيله، نازلاً بنفسه على هوى القرآن وليس نازلاً بالقرآن على هوى نفسه، أن مفردة الإنسان بالمطلق مذمومة في كثير من آيات القرآن إن فَقَد شرف الإيمان، ويُستثنى من عموم الذم أهل الإيمان.

ومن ذلك سورة العصر، في قسم الله بالزمان على خسارة الإنسان التامّة، ثم أتبعها باستثناء أهل الإيمان من هذه الخسارة، فقال: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[العصر: 3]

وذم الله جنس الإنسان بصفة الهلع والجزع والشح ثم استثنى أهل الإيمان، فقال: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا* إِلَّا الْمُصَلِّينَ} [المعارج: 19-22]، بل جعل الله تعالى منزلة الكفّار دون منزلة الأنعام {لَهُم قُلوبٌ لا يَفقَهونَ بِها وَلَهُم أَعيُنٌ لا يُبصِرونَ بِها وَلَهُم آذانٌ لا يَسمَعونَ بِها أُولـئِكَ كَالأَنعامِ بَل هُم أَضَلُّ أُولـئِكَ هُمُ الغافِلونَ} [الأعراف: 179]، فكيف بعد ذلك يصح القول بأن الله كرّم الإنسان بالمطلق بصرف النظر عن هويته الدينيّة، أو قول بعضهم لا تجعلوا الرأي الشخصي يفرّق بين أبناء آدم؟ كم من الآيات القرآنية يجب أن ننتزعها من المصحف ليتناسب القرآن مع المذهب الإنسانوي؟

ومما انبنى على الميزان الإنسانوي أن من يحتكم إليه يرفض التعرّض لبعض الشخصيات غير المسلمة ذات الثقل التاريخي بسبب منجز علمي أو أعمال خيريّة، ويجزم بأنه في الجنة حتى لو كفر بالإسلام.

وفي سيرة سيدنا النبي محمّد ما يحسم ذلك، فهذا عبد الله بن جدعان ملأ الجزيرة العربيّة بالأعمال الخيريّة من إغاثة الملهوفين وإيواء الضعفاء، لكن عندما سألت السيدة عائشة: هل ذلك ينفعه؟ أجابها النبي: (لا إنَّه لم يقُلْ يومًا قطُّ: اللَّهمَّ اغفِرْ لي خطيئتي يومَ الدِّينِ) [أخرجه مسلم في الصحيح]

يضاف إلى ذلك الرؤية الحالمة للمذهب الإنسانوي وما ينقصها من تطبيقٍ عمليّ، إذ لا توجد دولة اليوم تعمل للإنسان بالمطلق، بل إن كل ثقافة معاصرة بلا استثناء تميّز في الجنس الإنساني إما على أساس وطني أو قومي أو عرقي أو غير ذلك من المقاييس، وبذلك يُجيّش لإنسان أمريكا مثلاً ما لا نراه لإنسان أفغانستان أو الصين المسلمة.

المعايير في التشريع الإسلامي.

على عكس ما تدعو إليه الإنسانويّة من قَبول الإنسان بصرف النظر عن عقيدته، وزعمها أن البشريّة كلها في المحبّة والموالاة سواء، يُبين ابن تيميّة [في كتابه العبوديّة] أن “العبد يُحب من المخلوقات ما يُحبّه الله، ويُبغض منها ما يُبغضه الله، ويوالي منها ما والاه الله، ويُعادي منها ما عاداه الله، ويخاف الله فيها، ولا يخافها في الله، ويرجو الله فيها، ولا يرجوها في الله، فهذا هو القلب السليمُ الحنيفُ الموّحدُ المسلمُ المؤمنُ العارِف”. أما محبّة من أعلن الله عن كراهته بوضوح في كتابه؛ فذلك مما يخدش المحبّة الصادقة له تعالى الصادقة، يقول ابن تيميّة: “من تمام حبّ العبد لله أن لا يُحبّ إلا ما يُحبّه الله، فإذا أحببت ما لا يحبُّ كانت المحبَّة ناقصة، فإن لم أوافقه في بغضه وكراهتِهِ لم أكن محبًا له، بل محبًا لما يبغضهُ”.

فالمسلم الحق ينطلق في علاقاته على هَدي الوحي، ويعقد ولايته على مقتضى الإيمان وهو مع ذلك لا يعامل غير المسلمين المسالمين إلا بالبر والإحسان والعدل، يقول تعالى: { لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}[الممتحنة:8] والإسلام منهج كامل، مفاهيمه مضبوطة، مفرداته في جوهرها: كالتسامح والسلام والتعايش، مختلفة عن مفاهيم الثقافة العلمانية، لا مثالية خيالية تُحرّم استخدام القوة فيه وتجعل المجتمع في مهب أطماع الجميع، ولا إفراط في استعمالها دون ضوابط مقننة.

أما التحرّج من حقائق الوحي مجاملة للإعلام، وتماشيًا مع الذوق الجماهيري المدني، “لن تغيّر من حقائق الوحي شيئًا إلا إن استطعت أن تحجب الشمس بكف أرعشها الخجل”، بتعبير إبراهيم السكران.

ولذلك كانت مراقبة الإنسان لقلبه ومفرداته ورغباته ضرورة في عالم يعلو فيه صوت الخطاب المدني الإنسانوي، ويرسم معايير وموازين بعيدة عن الوحي الإلهي، تكون في كثير من الأحيان معايير مضمرة غير معلنة تتنكر في زي التمدّن، وتظهر آثارها في خلجات الترحيب واستبشار الوجوه.
فكم يتسع مقدار الألم في النفس إذا أبصر الإنسان يومًا داخله ليكتشف أن معاييره غير تابعة للمعيار الإلهي، فيصطدم بمشاعره الداخليّة تعظّم من حطَّ الله في قدره، وتستهين بمن رفع الله شأنه.


مراجع للاستزادة:

– مآلات الخطاب المدني، إبراهيم السكران، دار الحضارة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى (2016).
– اختلاف الإسلاميين، أحمد سالم، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، الطبعة الأولى (2013).
– الإنسانوية المستحيلة، إبراهيم الرماح، مركز الدلائل، الطبعة الثانية (2017)
– محاضرة بعنوان تاريخ النفس عند غير المسلمين للدكتور عبد الرحمن ذاكر

– الإنسانوية مقدمة قصيرة جدًا، ستيفن لو، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، الطبعة الأولى (2016).

“الإسلام حبٌّ وسلام” .. فكيف يستقيم أن نغضب ونقاطع؟

بعد إساءة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للنبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم وظهورِ حمية المسلمين وغضبهم نصرةً لنبيّهم، ظهرت دعوات تندّد بحملة الغضب من الداخل الإسلامي وترى تجريمَ الحماسِ للنبي عليه الصلاة والسلام وترفض الخروج بمسيرات الرفض أو الدعوة للمقاطعة بحجة أن ديننا “حبٌّ وسلام وإخاء”، وأنّ نبيّنا عفا عمّن أساء إليه وتجاوز عنهم، ولبّى أمر ربه بالصفح الجميل.

يقولون: لو كان النبي صلّى الله عليه وسلّم بيننا لقال للمسيئين “اذهبوا فأنتم الطلقاء“، ولذا ليس من حقنا نحن أن ننكر عليهم!

فما الموقف من هذا الخطاب؟

هل صحيحٌ أنّ ديننا يأمرنا بالعفو والتجاوز والإعراض عن المسيئين في مثل هذه المواقف؟ وهل صحيح أنّ النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم عاش حياةً كاملة سِمَتها العفو والصفح والتجاوز فقط؟ وما هي مآلات هذا الخطاب وأخطاره على الجيل الناشئ؟

السيرة في ظل الإنسانوية

ينبغي للرد على الخطاب أعلاه أن نوضّح إشكالًا كبيرًا نواجهه في أيامنا هذه، وهو الانبهار بقِيَم الغرب وتقديمها على أصول الدين ومركزيّته، مما يجعل النظر إلى معطيات الإسلام، محصورًا في ضوء ما تقدّسه الحضارة الغربية التي لها أن تقبل أو ترفض منه ما تريد.

ومن أهم قيم العالم الغربي اليوم: الإنسانوية، وهي إعطاء المركزية للإنسان فوق كل مردٍّ آخر وجعله المنطلَق والغاية، بحيث تكون لذته وراحته وخيريّته هدفًا لكل عمل وجهد[1]؛ وبذلك فقد تحوّل العقلُ الإنساني إلى معبودٍ جديد وإلهٍ أرضيٍّ بديلٍ عن الإله العالي، وصار الإنسان وحده مقياسًا لكل شيء ومسوِّغَ وجودِه وغايته[2].

وبالرغم من أنّ الإنسانيّة تحتوي معاني نقبلها ونتفق عليها كحبّ البشر والإحسان إليهم، إلا أنّ الإشكال يكمُن في المغالاة بنزعة الإنسانويّة وجعلها المنطلق والأساس، فهي ترى الأمور كلها بمعيار هذا المخلوق الضعيف البشري المحدود وتتجاهل سلطة مولاه جلّ وعلا.

في هذا السياق لا بدّ من التأكيد على أن تحديد الخير والشر في الإسلام مبنيٌّ على مدى رضا الله أو عدمه، فالقصاص الذي فيه قتلٌ –مثلاً- خيرٌ في مضمونه؛ لأنه استجابةٌ لأمر الله ونصرٌ للمظلومين وحفظٌ للعدل ونشرٌ للأمان في الأمة.

إنّ مضامين الخيريّة لا تبنى على رضا البشر أو سخطهم، وإنما غايتها تحقيق العبودية لله تبارك وتعالى كما يريد؛ ومن ثَمّ فإنّ قراءة السيرة بمنظور نزعة “الإنسانويّة” المجرّدة دون اعتبار أمر الله جل وعلا، فإنه سيقتطع صورًا من حياة النبي دون أخرى، كما سيسلّط ضوءًا معينًا على بعضها دون غيرها، ممّا يعطي نظرة ناقصة مائلة عن الصواب.

وهذا ملاحَظ في حديث من لا يذكر من السيرة إلا مؤاخاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بين المهاجرين والأنصار وعفوه عن مشركي قريش وتجاوزه عن إساءة عبد الله بن أبي بن سلول، بينما يغضّ الطرف عن حزم النبي صلّى الله عليه وسلّم مع بني قريظة وإهداره دم أربعة من المشركين بعد الفتح وخروجه لقتال الروم، رغم أن ذلك كله ثابتٌ في الروايات الصحيحة.

ينبغي لقراءة حياة النبي صلى الله عليه الصلاة والسلام الجمع بين المواقف المختلفة والمصالح التي راعاها النبي فيها لنُولِّدَ صورة متكاملة عن شخصية أسوتنا الحسنة ونهجه عليه الصلاة والسلام.

قف عند رحمة النبي صلّى الله عليه وسلّم ودعائه للمشركين بالهداية وميله للعفو عند المقدرة والإحسان للخلق، وقارن ذلك بموقفه حين لم يرضَ أن تُضعف صورة الإسلام، أو تنسب الذلة لأمته، حيث أمر عليه الصلاة والسلام بمهاجمة قافلة أبي سفيان العائدة من الشام انتصارًا للمهاجرين المظلومين، ممّا أدى لغزوة بدر المشهورة، وأمر حسان بن ثابت رضي الله عنه بالرد على من سبّه، وقال له: “إنَّ رُوحَ القُدُسِ لا يَزالُ يُؤَيِّدُكَ، ما نافَحْتَ عَنِ اللهِ ورَسولِهِ” (أخرجه مسلم).

بين العفو والمهانة

بعد أن أسّسنا لأهمية القراءة الشاملة للسيرة، من الضروري أن نفرّق بين مفهومين يتمّ الخلط بينهما في سياق خطاب من يدعو إلى تجاهل إساءة المسيئين وتجاوزها، وهما: العفو والمهانة.

إن مقولة “العفو عند المقدرة من شيم الكرام” جميلةٌ للغاية، وتدور حول من يسيء إليك من تقدر على عقابه فتعفو عن حقك عنده تكرمًا وتنازلاً.

يقول ابن قدامة المقدسي: العفو أن تستحقّ حقًّا فتسقطه، كعفو عمر بن عبد العزيز عن الرجل الذي سبّه في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم[3]، وضحكه صلّى الله عليه وسلّم للأعرابي الذي جذبه من ردائه حتى احمرّ منه عاتقه (أخرجه البخاري)، وهذه من الصفات الحميدة التي يجاهد المرء نفسه عليها تقربًا إلى الله، فهو تبارك وتعالى الذي دعا أبا بكر ليعفو عن الذي شارك في قذف ابنته أم المؤمنين رضي الله عنها ويتابع نفقته عليه { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[النور:22].

إنّ هذه المعاني العظيمة المحبّبة لا تشبه البتة الذل والمهانة التي تحصل حين يسيء إليك ظالمٌ متجبّر لا تقدر على ردّه أو أخذ حقِّكَ منه، فتسكت مُضطَّهَدًا ثم تتظاهر بأنك اخترت هذا السكوت من نفسك، وقد قال ابن القيم في هذا: فرقٌ بين من حلمُه ذلٌّ ومهانة وحقارة وعجز، وبين من حلمه اقتدارٌ وعزة وشرف.

وكما قيل من قبلُ:

كل حلمٍ أتى بغير اقتدار         حجةٌ لاجئ إليها اللئام[4]

لقد مدح الله تبارك وتعالى المسلم المنتصر ممن ظلمه {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى:39]، يفسر الإمام ابن كثير هذه الآية بأن المقصود أولئك الذين فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم، فهم ليسوا بعاجزين ولا أذلة، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا عفوا، كما كان حال يوسف عليه السلام حين قال لإخوته: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم} [يوسف:92]، فإنه مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه.

وفي هذا المعنى قال شيخ الإسلام ابن تيمية: حمد الله عباده على أنهم ينتصرون عند البغي عليهم، كما أنهم يعفون عند الغضب، ليسوا مثل الذي ليس له قوة على الانتصار، وفعله لعجز أو كسل أو وهن، أو ذل، أو حزن. فإن أكثر من يترك الانتصار بالحق إنما يتركه لهذه الأمور وأشباهها. وليسوا مثل الذي إذا غضب لا يغفر ولا يعفو، بل يتعدّى أو ينتقم حتى يُكَفّ من خارج، فحمدهم على أنهم هم ينتصرون وهم يعفون[5].

ولا شك أن الانتصار لحق الله أولى من الانتصار للنفس، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان لا يغضب إلا لانتهاك حرمات الله، وكذلك قال شيخ الإسلام رحمه الله إن الذي ينبغي في هذا الباب أن يعفو الإنسان عن حقه ويستوفي حقوق الله بحسب الإمكان[6].

وأي حق لله ورسوله أعظم من مقاطعة من يسيء للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم بكل جهده ويدعم ذلك رسمياً وحكومياً؟

أما رحمة النبي وعفوه فكانا عن مقدرة واختيار، لا عن ضعف وجبن، فقد كان عليه الصلاة والسلام أشجع الناس وأشدّهم في القتال، حتى إن عليًّا رضي الله عنه -المعروف بشدته- قال: كنا إذا احمرّ البأس ولقي القومُ القومَ اتّقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يكون أحدٌ منا أدنى إلى القوم منه (أخرجه أحمد بإسناد صحيح). وهو الذي قال لسعد بن أبي وقاص: ارمِ سعدُ فداك أبي وأمي (متفق عليه)، وقال: المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف (رواه مسلم).

فلا الإسلام دين سلبي جامد ولا النبي عاش حياة استكانة أو ضعف، ولا قدّس قيم ما بعد الحداثة التي يريد الناس ترويجها اليوم عبر سيرة الحبيب، لكنه كان متوازنًا حكيمًا يطيع أمر الله ويبحث عن مصلحة الإسلام والمسلمين في اجتهاده.

أما اليوم فحين تسيء دولة قوية لنبينا ونحن في حالة ضعف عام وانقسام، يأتينا قائلٌ ليقول: إن علينا الإعراض عن فعلهم والتشبّه بفعل النبي لمّا عفا عن اليهودية التي سحرته، فما علينا إلا أن نقول: شتّان بين حالنا اليوم وحال المسلمين حينها، وبين العفو عند المقدرة وبين مخادعة تخفي ذلاً وعجزًا ومهانة!

مآلات التسامح المخادع

إن عرض الإسلام على أنّه دين التسامح الدائم والسلام والمحبة المغالى فيها، له أضرار وعواقب كثيرة ينبغي الحذر منها.

فالجيل الناشئ اليوم يكبر موجَّهًا من كل آلات الإعلام لينبهر بالغرب، وليرى في رموزه قدوة لمجرد أنهم بنوا الأبراج واقتحموا الفضاء، وتعمل الآلات ذاتها على توجيهه نحو مقولات حيادية الدين وضعف أثره في الحياة، وإشعاره بأنّه واقع في ذنب عليه أن يبرئ نفسه منه، ثمّ بعد هذا كله يأتي خطاب التسامح المذِلّ ليقول له: لا حق لك أن تدفع عن نبيك ولا حتى بالكفّ عن شراء جبن أو عطر أو مستحضر تجميل!

فكيف يعتزّ هذا الشاب بدينه بعد هذا، وكيف يثبت أمام عشرات الشبهات التي تعرض له كل يوم فضلاً عن أن يكون داعيًا له؟ وكيف يتأسّى بنبيه إن كان لا يعرف إلا جزءًا يسيرًا من سيرته؟

إنّ تصوير التدين على أنه لباسٌ معين مرتبط بانحناء الظهر والمسكنة والانكسار ينتج متديّنين مهزومين لا فخر لهم بهويتهم ولا ثبات لهم عليها، وهو بالتأكيد منافٍ لنهج السلف والصحابة والنبي الكريم عليه الصلاة والسلام.

لقد مدح الله عباده الذين يحبهم بأنهم {أذلَّةٍ على المؤمنين أعزَّةٍ على الكافرين} [المائدة: 117]، فالقوة في الحق مطلوبة لأن المؤمن القوي يُنتج ويَعمل للمسلمين وينتفع المسلمون بقوته البدنية وبقوته الإيمانية وبقوته العملية[7]، والعزة تنتج القوة التي تثبت على الإيمان وترغب فيه. ولذا دعا رسول الله ربه أن يعز الإسلام بأحب العُمَرين إليه (أخرجه الترمذي).

إن دين الإسلام متوازن ومتّزن ومتناسب مع الفطرة، لا يدعو للسكوت على ظلم ولا للانفصال عن واقع، وفيه النفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن، وفيه {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء:33]، وفيه {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى:40]، لأن الله الذي خلقنا أعلم بنفوسنا وطبائعنا وحاجاتنا وما يناسبها.

نسأله تبارك أن يؤتي نفوسنا تقواها ويزكيها هو خير من زكاها، وأن يهديها صراطه المستقيم..

والحمد لله رب العالمين.


[1] سلطان العميري، ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي، ص: 250.

[2] سلطان العميري، ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي، ص: 252.

[3] ابن قدامة المقدسي، مختصر منهاج القاصدين مكتبة دار البيان، ص: 183.

[4] ابن القيم، مدارج السالكين، دار الكتب العلمية، ج2، ص: 223.

[5] محمد بن مفلح بن محمد المقدسي، الفروع في الفقه الحنبلي، ص: 150.

[6] المصدر السابق ذاته.

[7] المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان، ج5، ص: 380.