مقالات

الإلحاد ومبدأ التشويه

لا يُعَدّ الإلحاد الفرديّ ظاهرة طارئة على الفكر الإنسانيّ، إذ إنّه –بالرغم من ضعف انتشاره بشكلٍ عام في مختلف البلاد الإسلاميّة- موغِلٌ –كنزعات فرديّة- في التاريخ، بخلاف ظاهرة التديّن ذات الطابع الجماعيّ، إلا أنّه في شأنه التاريخيّ قديمٌ كشأن البحث والحديث في الإيمان والألوهيّة.

تتنوّع ركائز الإلحاد –بطبيعة الحال- بتنوّع الرؤى والسياقات والبواعث النفسيّة والاجتماعيّة التي تحيط بالشخص المتوجّه نحو “الإلحاد”، إلا أنه بالرغم من ذلك فإنّ انتشاره ظاهرةً متفشّيةً لم يرصَد تاريخيًّا إلا بالتوازي مع ظروف اجتماعيّة وتشوّهات معنوية ونفسيّة معينة، كما في انتشار ظاهرة الإلحاد والتفلّت من المعنى المطلق إلى النسبيّة المطلقة وظهورها في مدارس أدبية وفكريّة متعددة بالتوازي مع تصاعد الحروب مطلع القرن العشرين وانعكاساتها على الفكر البشري، أو كتسارع الوقوع في الشبهات مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضيّة في قرننا الحالي المتوازية مع الكوارث البشرية والطبيعية في العقدين الأخيرين .

الإلحاد وتشويه اليقين
يلاحَظ من خلال متابعة وفحص مقولات الإلحاد –بما هو موقف معرفيّ رافض للإيمان بوجود إله- وجود سمات مشتركة في خطاب الإلحاد باعتباره عقيدةً للتبرّؤ من الدين والإيمان بالغيبيات، وأبرز هذه السمات هي تشويه مرتكزات الخطاب الإيمانيّ، بدءًا من تشويه مبدأ الألوهية والإيجاد من العدم، مرورًا بتشويه العلم باستغلال منجزاته وتأويلها في سبيل تدعيم الحجج العقلية المتناقضة لرفض الإله وصولاً إلى تشويه الأخلاق والمرجعية الدينيّة المشتركة لها، وذلك في إطار السعي لإضفاء مشروعيّة للإلحادِ، باختراع افتراضات أغرب من الخيال، كفرضية الأكوان اللانهائية.

يبدأ الإلحاد بتشويه الميتافيزيقا والإيمان بالغيبيات، وتوجيه النظر إلى التفكير المادّي، ووصف العالم الطبيعي بأنّه خارج عن نطاق الإيمان، وتشويه البراهين اليقينية لوجود الإله وإدخالها في حيّز الفرضيات، واقتراح بدائل أرضيّة/مادّيّة لها، ثم تدعيم هذه الفرضيّات بالتطبيع والترويج المستمر ليغدو الإيمان بوجود الإله وجهة نظر قابلة للدحضِ لا يقينًا معرفيًّا وروحيًّا، وبالتالي سلب المعرفة أحد أهمّ أسبابها اليقينيّة، أي سلبها القدرة على الترجيح؛ إذ إن اليقين سواءً كان دينيًّا أو علميًّا يستند على البراهين العقلية الخارجة عن نطاق الحسّ ذاته، وبذلك فإن رفضها ونقضها تمهيد لنقض العلم نفسه بنفسه.

لا تقتصر آثار تشويه اليقين عند قضيّة الإيمان بالله، بل يمتدّ الأمر لتشويه الوعي والعمل على صناعة وعي زائف بواقع الحياة ومنظومة العلاقات التي تحكمها، وهذا ما نراه ماثلاً أمامنا من خلال التأثر المتصاعد بالشخصيات “الخطابية” التي تظهر إعلاميًّا منافحة في الندوات عن الإلحاد بالتوازي مع الضخ المنظّم لأفكارهم في المسلسلات والسينما والروايات بهدف تطبيع الأجيال الناشئة معها والوصول إلى مجتمعات ضائعة، مشوّهة الفطرة، خائبة المسعى.

تشويه الأخلاق
حسنًا؛ إن استطاع الإلحاد تشويه العقل وإفساد مبادئه، فالطريق الآن أهوَنُ أمام هدف تشويه سلوك الإنسان، فقد تحطّم أو تخلخل الأساس الذي تستند إليه قِيَم السلوك، بتفريغ الدين من الالتزام بأوامره ونواهيه الأخلاقية، وهو ما نراه جليًّا بإلقاء اللوم في مآسي البشرِ الناتجة عن الحروب والفقر والفساد البشري على مضامين العقائد الدينيّة، وبالتالي دفع الناس إلى بغض الدين وحذف الإيمان بمصدره من سجلّ الحياة، أو دفعه إلى أضيق زواياه في حال كان تحقيق الهدف الأول مستحيلًا.

إن السؤال الذي يفرض نفسه ههنا: في حال إزاحة الدين عن تصورات الفرد، فمن أين –إذن- يستمدّ الإنسان مبادئ تعامله مع الآخر، وطريقة عيشه مع نفسه ومن حوله؟

أَمِن العقل وحده؟ فعقول الناس لا تتناهى ولا تكاد تتفق دون سنَدٍ تنضبط إليه.

أم يُترَكُ الأمر على عواهنه دون مسار واضح فلا يُعلَم من المظلوم ولا الظالم، ولا يعرَف المذنبُ من البريء؟

يقرّ عامّة الملحدين بأن الطبيعة لا تخضع لحتميّة الخير أو الشر، فهي وجودٌ محضٌ محايدٌ لا يبالي بالبشر وتحوّلاتهم، ومن ثمّ فإنّ الإنسان –بحسب كهنوت الإلحاد- ليس إنسانًا أخلاقيًّا بطبعه، وإنما يتشكّل فهمه للعلاقات ومبادئها والأخلاق وآثارها ضمن المجتمع الذي ينشأ فيه.

هذا الادعاء ينطوي على تناقض داخلي يتجلّى بالنظر إلى مقدمة الكلام وخاتمته، فإن كانت الطبيعة أو المادة خالية من ثنائية الخير والشر، غير خاضعة لهما، فكيف يمكن القول بأن مصدر الأخلاق هو المجتمع الذي هو نتاج الطبيعة، فإذا ما كان الإنسان مادّةً أو ناتجًا عن مادّةٍ، فلماذا لا يتشكّل هو الآخر خاليًا عن ثنائية الخير والشر؟

وإذا ما كان مفهوم الأخلاق مستندًا إلى نسبية البشر وأفكارهم المتفاوتة، فإن ذلك يوصلنا إلى أن إصدار حكمٍ بتخطئة جهة ما أمر أقرب إلى الاستحالة، فيستوي نضال مانديلا بتعذيب سجّانيه، وجبروت هتلر بدماء مقتوليه، وهو ما اعترف به ريتشارد دوكنز بقوله: “داخل العالم الإلحادي المادي الحتمي لا يمكن تخطئة هتلر”[1]، ومن هنا نجد أنّ دوكنز يتّسق مع إلحاده ويلتزم بمآلاته، فيرفض صبغ الوجود بأيّ صفة قيميّة على الإطلاق، ففي هذا العالم لا يوجد شرّ ولا يوجد خير، لا يوجد سوى لامبالاة عمياء وعديمة الرّحمة، ويقرّ في الوقت نفسه أنه من العسير جدًّا الدفاع عن الأخلاق المطلقة على أسس غير دينيّة[2].

ما البديل لأخلاق الوحي
إن المصدر المطلق للقيم والأخلاق الدينية هو الوحي أو الرسالة التشريعية العامة التي أنزِلت إلى الأنبياء لهداية البشر، ولذلك فإن القدر المشترك والقيم الثابتة فيها يمكن أن تستغرق التاريخ كله، وتصلح لكل إنسان بصرف النظر عن جنسه وزمانه ومكانه ونوعه، أما مصدر القيم النظرية فهو العقل أو العرف، ومن ثمَّ فإنه لا يستنكَر فيها تغيّرها من مجتمع لآخر ومن إنسان آخر.

وإذا كان الإنسان المؤمن بالإله يرى قوة الإلزام الأخلاقي في الوحي نابعة من وجود الله وإيمانه به، فإنّ قوة الإلزام في القيم البشرية لا تستند لمبدأ العدالة وإنما إلى السياق الذي يفرض نمطًا معينًا من الأفكار والتوجّهات لدى نخبة من الناس، حيث يستندُ الفَرض إلى السلطة من وجه، وإلى القوة من وجوه أخرى.

هذا البديل المشوّه عن “أخلاق الفطرة” ينتج لنا مآسي لا تكاد تنتهي، بدءًا من تشويه الفطرة، وإباحة كلّ شيء –كما يقول دوستويفسكي-[3]، وصولًا إلى عدم التخطئة ودعم الشذوذ وكل ما يمكن فرضه بمنطق القوة، دون استنادٍ للحق أو العدل، وذلك تحت يافطة المساواة التي تصنَّعُ صنعًا في مطابخ التوجيه والترويج والتطبيع.

إن مبادئ الأخلاق من الأمانة والرحمة والصدق والعطف على الضعيف قد أودعها الله في فطرة المرء وغريزته منذ لحظات تكوينه الأولى، ويأتي دور الدين ههنا ليشذّبها ويدعّمها، وهو ما أشار إليه خاتم الأنبياء بقوله: (إنما بعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق) التي هي جزءٌ أصيل من الرسالة الربانية للبشر.

بهذا يتضح لنا أن مصدر الأخلاق إلهيّ؛ لأن الأخلاق ظاهرةً واقعية في الحياة الإنسانية، لا يمكن تفسيرها تفسيرًا عقليًّا، ولعل في هذا الحجّة الأولى والعملية للدين، فالسلوك الأخلاقي إما أنه بلا معنى، وإما أن له معنى في ظل الإيمان بوجود الله، وليس هناك اختيار ثالث. فإما أن نسقط الأخلاق باعتبارها كومة من التعصُّبات، أو أن نُدْخِل في المعادلة قيمةً يمكن أن نسميها الخلود، فإذا توافر شرط الحياة الخالدة، وأن هناك عالماً آخر غير هذا العالم، وأنّ الله موجود، بذلك يكون لسلوك الإنسان الأخلاقي معنىً وتبرير[4]

 ماذا بعد؟
ليس الأمر كما يشيع لدى بعض الناس، فقد يكون الإنسان ملحدًا وصاحب أفعال حسنةٍ وتعامل خلقيٍّ محترم بين الناس، إلا أنّ ذلك لا يستند –بالضرورة- إلى تشريعٍ إلحاديّ للأخلاق، وإنما إلى طَبْعٍ جبِل عليه المرء ذاته، أو إلى مؤثّرات أخرى، إذ إن التخطئة الأخلاقية في بنية الإلحاد أمر غير وارد، وما ينبغي التأكيد عليه هو أن الإلحاد بذاته ليس أخلاقيًّا ولا يمكن أن ينتج منظومة أخلاقيّة عادلة.

يصطدم الإلحاد –على الدوام- بأمرين لا مفرّ منهما، الإيمان بالإله والغيبيات، إضافة إلى رفض التعاليم الأخلاقية في الأديان، وذلك يقتضي هدم الأسس التي بني عليها الأمران، أي عقيدة الإيمان بوجود “الإله” المطلق، وذلك يوصلنا إلى التشويه الكامل لكل ما يمكن أن يجمع البشر.

إن الأصل في طبيعة الوجود الإنساني أنه لا وجود لأي انفصال بين الحياة والدين والأخلاق والواقع عملاً بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162- 163] ومن ثمّ فإنه لا يمكن للوجود الإنساني ومعارفه أن يصل إلى سويّة النضج واليقين إلا باستناده على الإيمان بالخالق الذي أنشأ الوجود، ولا يمكن أن نصل إلى الخلاص الدنيوي إلا باتباع التعاليم الإلهية التي تحدّد لنا الأفق الحضاري الذي يجب أن نتحرّك فيه، وإلا غدا الوجود عبثيًا بانقطاعه عن الصلة بالله.


[1] ينظر الرابط الآتي: https://bit.ly/37GB22J

[2] نقلاً عن: الأخلاق والإلحاد، إسماعيل عرفة، http://midan.aljazeera.net/intellect/philosophy/2017/9/19

[3] إذا لم يكن الإله موجودًا فكل شيء مباح، على لسان “إيفان” الملحة في رواية الإخوة كارمازوف.

[4] ينظر: الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزة بيغوفتش، ص: 178.