مقالات

يهود الفلاشا (اليهود السود)

عبد اللطيف المحيمد


يقال إن تسمية هذه الطائفة من اليهود بالفلاشا تعود إلى كلمة فلسين، ومعناها: الغرباء أو السكان غير الأصليين، أو المهاجرين من الخارج. ويقال إنها مشتقة من “فلاس” وهي لفظة تعني العبور؛ فتكون كلمة العبرية مشتقة منها أيضاً، حيث يسمى اليهود بالعبريين لأنهم عبروا البحر مع موسى عليه السلام حسب بعض المؤرخين.

وتعود جذورهم إلى بلاد كوش “الحبشة” أو ما يسمى اليوم بإثيوبيا، وقد اختلف في أصولهم إلى عدة آراء، وهي:

ـ الرأي الأول: الفلاشا من نسل الأسباط العشرة المفقودة؛ رحلوا إلى إثيوبيا بين القرن العاشر قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي، وذهب إلى هذا الرأي الرحالة اليهودي الداد هدني، ويرى هدني أنه بعد انقسام المملكة اليهودية بين رحبعام بن سليمان ويربعام بن نبط قرر سبط دان الهجرة إلى الحبشة، وعدم المشاركة في القتال، ويوافق الداد هدني في هذا الاعتقاد الحبر اليهودي عوفديا، والحبر دافيد بن زمرا.

ـ الرأي الثاني: الفلاشا هم جزء من يهود مصر، ويرى أصحاب هذا الرأي أنه بعد تدمير الهيكل الأول هاجرت طائفة من اليهود إلى مصر، ومنها إلى الحبشة، ودليلهم التشابه الكبير بين يهود مصر ويهود الحبشة في عادة تقديم القرابين ووجود مصطلحات آرامية في الترجمات الجعزية للكتب المقدسة.

ـ الرأي الثالث: الفلاشا جزء من يهود اليمن “الجزيرة العربية”، ويقوم هذا الرأي على احتمالية هجرة بعض اليهود من الجزيرة العربية عن طريق اليمن إلى الحبشة، فالتقارب الجغرافي والعلاقات التاريخية بين ساحلي البحر الأحمر أسهما في ذلك.

ـ الرأي الرابع: الفلاشا هم نتاج هجرة بعض اليهود من مصر والجزيرة العربية، وهذا الرأي يجمع بين الرأيين الثاني والثالث.

ـ الرأي الخامس: الفلاشا تعود أصولهم إلى قبيلة آجاو الإفريقية، وقد تهودوا في زمن غير معروف، ويستدلون بالتشابه الكبير بين معتقدات آجاو النصرانية الأرثوذكسية وبين تعاليم يهود الفلاشا اليهودية، وممن ناصر هذا الرأي ولندروف.

وتختلف الروايات أيضا حول أعدادهم، مما حدا البروفيسور لسلاو إلى زيارة أثيوبيا في عام 1946م للكشف عن هذا الموضوع، فقدر أعدادهم بعشرين الف نسمة، وكذلك قدرها الدكتور شوشكس، بينما قدرت صحيفة نيويورك تايمز أعدادهم بما يقارب 52 ألفاً.

وينتشر الفلاشا حول بحيرة تانا في الشمال الغربي الإثيوبي، ومن مناطقهم: بجمدر، كوارا، بلسا، لسطا، دمبيا، جوندر، أرمشوهو، وجرا، لقيط، سمين، كما يتواجدون بأعداد قليلة في العاصمة أديس أبابا.

ويتكلم الفلاشا اللغة الأمهرية واللغة التجرية، أما لغة صلواتهم الدينية فهي لغة الجعز، وهي لهجة سامية قديمة كانت تستخدمها الكنيسة القبطية الإثيوبية.

وجميعهم ذوو جلد أسود كبقية الأفارقة، وغالب مساكن الفلاشا مبنية من فروع الأشجار المتراصة والمتلاصقة بالطين، فهي بيوت بدائية، ويعتمدون في الطهي على النار وإشعال الأخشاب، وهم لا يؤمنون بالتجارة لأنها تضطرهم للاختلاط بالأجانب غير اليهود “الغوييم”، حيث ينظرون إلى الأجانب على أنهم رجس، فهم منعزلون من الناحية الاجتماعية.

المعتقدات والطقوس الدينية

أولاً: الكتب المقدسة
يؤمن يهود الفلاشا بخمسة أسفار من أسفار العهد القديم، وببعض الأسفار الخارجة عنه، وهي أخنوخ واليوبيل وباروخ وعزرا، وهي مكتوبة بخط اليد.

وهم لا يعرفون شيئاً عن التلمود، ولا عن الجاؤنيم وهم رؤساء المدارس الدينية اليهودية في بابل، وجميع النصوص الدينية عندهم كتبت بلهجة الجعز السامية التي ترجمت عن نصوص يونانية في عهود نصرانية متقدمة.

ومن كتبهم المقدسة كتاب “أرديت” أو التلاميذ، وأعمال موسى، وجورجوريوس النبي، ومدراش أبا الياهو، وكتب الآباء مثل آدم وإبراهيم وإسحق ويعقوب وموسى وهارون.

ثانياً: الصلاة والكنيس
تقام صلوات الفلاشا الدينية في كنيس مميز عن أكواخ القرية، وينقسم إلى قسمين: داخلي وهو قدس الأقداس وخاص بالكهنة، وخارجي لبقية اليهود، ولابد قبل دخول الكنيس من نزع الأحذية، ولا يغطي عوام اليهود رؤوسهم، بل هو خاص بالكهنة.

ويتوجهون في قبلتهم إلى القدس، وصلاتهم عبارة عن رقصات وحركات بالأيدي وسجود وغناء جماعي، وعدد صلواتهم ثلاث صلوات في اليوم، صلاة السحر وهي بعد طلوع الفجر وقبل الخروج إلى العمل، والثانية في منتصف اليوم، والثالثة بعد غروب الشمس.

كذلك لديهم صلاة يوم السبت، والصلاة السابقة للوليمة واللاحقة لها، وصلاة استقبال الضيف ووداعه وذكرى الأموات والختان والزواج.

ثالثاً: يوم السبت
هو يوم عيدهم الأسبوعي، فهم يزعمون أن الله استراح فيه بعد خلق العالم، وله أسماء عندهم فهو سبت الراحة والسبت المقدس وسبت السلام والسبت الملكة، ويحتفلون بقدومه فيغسلون ملابسهم ويعدون طعامهم، ويبدأ يوم السبت عندهم من غروب شمس يوم الجمعة.

رابعاً: التقويم والأعياد
يحتفل الفلاشا بأعياد التوراة، ولهم أيضا أعيادهم الخاصة بهم، وأبرزها:

ـ رأس السنة: وهو اليوم الأول من الشهر السابع نيسان، ويسمونه يوم شروق النور، وهم على خلاف بقية اليهود الذين يحتفلون به في أول شهر تشرين.

ـ يوم الغفران.

ـ يوم المظال: أو عيد الظل، وهو اليوم الخامس عشر من نيسان، ويستمر ثمانية أيام.

ـ عيد الفصح: وهو في الرابع عشر من نيسان.

ـ عيد الأسابيع: أو عيد الحصاد، وهو بعد خمسين يوماً من عيد الفصح.

ومن أعيادهم: أول كل شهر، والعاشر من كل شهر، والثاني عشر من كل شهر، والخامس عشر من كل شهر.

ويعتمدون في مواعيد أعيادهم التقويم الحبشي والذي يعتمد على الحساب القمري، على عكس بقية اليهود الذين يعتمدون التقويم الشمسي.

خامساً: الصوم
يعبّرون عنه بلفظ عبري معناه: إذلال نفس، وهم يصومون إما تكفيراً عن ذنوبهم أو إحياء لذكرى بعض الأحداث التاريخية، أو امتثالاً لبعض أوامر علية القوم، أو تضرعاً لله تعالى لكشف الكرب.

سادساً: الطعام الحلال “الكوشير”
لا يأكلون اللحم إلا إذا ذبحه الكاهن، ويدفنون دم الذبيحة في التراب، ولا يأكلون لحم غير اليهود “الغوييم” لنجاسة أصحابه في نظرهم.

سابعاً: النجاسة والطهارة
كل من هو غير يهودي هو نجس عندهم، فلا يؤكل لحمه، ولا يمس، ولا يسمح له بدخول بيت اليهودي إلا بعد الغطس في النهر، والميت عندهم نجس، وكذلك نجاسة من قام بتغسيل الميت أو دفنه أو حمله.

ويقولون بنجاسة المرأة الحائض والنفساء، فتعتزلهم خارج البيت إلى خيمة اللعنة، أو خيمة الدم، ولهم طقوس خاصة فيمن تلد ولداً أو بنتاً.

ثامناً: الختان
يعد الفلاشا خاصة واليهود عامة الختان عهداً بين الرب والشعب، وهم لا يزوجون بناتهم لغير المختون “الأغلف”، فيختتنون لأسباب عدة، كالأسباب الصحية والتعبدية، وعادة ما ينفذون هذه العملية في اليوم الثامن من الولادة، ويؤجلونه لليوم التاسع إذا كان الثامن سبتاً على خلاف بقية اليهود.

تاسعاً: زواجهم
للزواج عندهم خيمة خاصة، والزواج يتم بربط خيط ملون عند قدمي العريس، ثم يمرره على بقية جسمه، وتقام له الولائم الخاصة والاحتفالات، وغالباً ما يتم الزواج من غير الأقارب لأنهم يكرهون زواج الأقارب.

عاشراً: الدفن
يتم دفن الميت عند الفلاشا من خلال أربعة رجال، يغسلونه ويصلون عليه صلاة تسمى “فتح”، ومراسم العزاء عندهم تشابه نظيراتها عند بقية الأمم.


أهم المراجع
ـ يهود الفلاشا: أصولهم ومعتقداتهم وعلاقتهم بإسرائيل، الدكتور محمد جلاء إدريس، مكتبة مدبولي، القاهرة.

ـ الفلاشا: الخيانة والمحاكمة، صلاح عبد اللطيف، مكتبة مدبولي، القاهرة.

اليهودية

ربى الحسني


اليهودية مصطلحٌ يُطلق على الديانة التي تُنسب إلى العبرانيين المنحدرين من إبراهيم عليه السلام، والمعروفين بالأسباط من بني إسرائيل وهم اثنا عشر سبطاً، وقد أُرسلت إليهم مجموعة من الأنبياء بدءاً بموسى عليه السلام مؤيداً بالتوراة. ويُعرف أتباعها بأسماء عدة ولكل منها مدلول خاص به، ومنها:

1- اليهود: واختلفت الأقوال في سبب التسمية وأشهر الأقوال فيها عند المسلمين: من التهوّد، وهي التوبة لأنهم تابوا عن عبادة العجل فنقل القرآن الكريم حكايةً عن موسى عليه السلام قوله: {إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ}، أما عند اليهود: فالتسمية جاءت نسبةً إلى يهوذا أحد أبناء إسرائيل (يعقوب)، وقلبت الذال دالاً على لغة العرب، وسبب اختياره من بين إخوته لأن من نسله ظهر داود، ومن داود سيظهر المسيح المنتظر كما يعتقدون فهو المفضَّل عندهم.

2- الإسرائيليون: نسبةً إلى بني إسرائيل (أبناء يعقوب) مع أن معظم أتباع هذه الديانة اليوم لا يجمعهم نسب بإسرائيل، والموسويون أي: أتباع موسى عليه السلام.

3- العبرانيون ومفردها عبري وهم: البدو الرُّحل، وقيل نسبةً إلى النبي إبراهيم وهو إبرام أو عبرام في العبرية وهو التفسير المفضل عند اليهود لتوثيق ارتباطهم به.

أما في الغرب فيطلق عليهم Jewish أو Juif وهي من جوشوا أو يوشوا أي يوشع بن نون، وهو فتى موسى (مرافقه) والنبي الذي تولى قيادة بني إسرائيل بعد وفاته وهو ذو شأن عظيم عندهم.

تاريخ بني إسرائيل
لعل أهم مراحل تاريخ اليهودية هي تلك الحقبة الزمنية الممتدة لألفي عام منذ عهد إبراهيم  إلى ما قبل ظهور المسيح، ومع أن تاريخ اليهودية كدين يبدأ مع بعثة موسى في قومه الذين لم يسموا باليهود إلا بعد بعثته، إلا أنهم حريصون على ربط تاريخهم بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام.

وأهم مصادر تلك الحقبة الطويلة من الزمن: ما ورد في التوراة وبقية أسفار العهد القديم على ما فيها من تناقضات وأساطير يقرُّ بها علماء اللاهوت من اليهود والنصارى فضلاً عن علماء التاريخ والآثار، وما وجده علماء الآثار من مدونات تاريخية مكتشفة حديثاً في مصر والعراق وبلاد الشام، وما اتضح من الحفريات، ونقله الإخباريون من مسلمين وغيرهم مع أن معظم رواياتهم لا يمكن الوثوق بها لمناقضتها لبعض وقائع التاريخ المسجلة وامتلائها بالأساطير والخرافات، إضافة إلى ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة عن بني إسرائيل وأنبيائهم.

وإبراهيم عليه السلام هو الجد الأعلى للعدنانيين (أولاد إسماعيل) كما أنه الجد الأعلى لبني إسرائيل، وله ولدان، الأول إسماعيل الذي خرجت من سلالته القبائل العربية وخاصة قريش التي ظهر منها النبي محمد، والثاني إسحاق الذي ولد له ولدان، هما عيسو ويعقوب.

أما يعقوب فهو إسرائيل الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل، وقد وُلد له اثنا عشر ولداً من زوجتيه ليئة وراحيل وجاريتيهما، منهم يوسف النبي ويهوذا الذي ظهر داود من نسله، وكل واحد من هؤلاء أعقب سبطاً من أسباط بني إسرائيل الاثني عشر.

عاش يعقوب مع أبنائه في أرض فلسطين ثم فُقد يوسف بمكيدة من إخوته، وقصته ذُكرت في القرآن الكريم والكتاب المقدس، حيث وصل به المطاف إلى مصر التي تعرض فيها لسلسلة من المحن، فنجّاه الله منها ليتولى بحكمته وسياسته عملية إنقاذ مصر وما حولها من القحط الشديد الذي أصابها، ما دفع إخوته إلى المجيء إليه ثم استقرارهم مع أبيهم في مصر، وكان ذلك في عهد الهكسوس في القرن السابع عشر قبل الميلاد.

وبعد طرد الهكسوس من مصر وتولي الفراعنة المصريين الحكم بدأت مرحلة اضطهاد شديدة لبني إسرائيل لعلاقتهم السابقة مع الهكسوس الغرباء، وازداد العنت والظلم في عصر رمسيس الثاني الذي ترجح بعض المصادر أنه فرعون الذي أمر بقتل ذكورهم واستحياء إناثهم واستعبادهم حتى هلك منهم الكثير.

وفي زمانه الذي امتد بين سنتي 1304 ق.م و1237 ق.م يُعتقد أن موسى وُلد من سبط لاوي بن يعقوب، وقبله بثلاث سنوات وُلد أخوه هارون. وقصته مع فرعون وقومه وخروجه بهم ومواجهته لانحرافاتهم العقدية المتجددة ذُكرت أيضا في القرآن الكريم والكتاب المقدس، وقد أدت إلى بقائهم في مرحلة التيه أربعين عاماً في صحراء سيناء وحرمانهم من دخول الأرض المقدسة (فلسطين) لأنهم رفضوا أمر نبيهم موسى بمقاتلة الكنعانيين وفتح فلسطين.

لوحة تخيلية ليوشع بن نون وهو يأمر الشمس بالتوقف عن الحركة حتى لا تغرب قبل أن يتم له النصر

وبعد وفاة موسى خلفه تلميذه يوشع بن نون، وهو أول نبي بعده، وهو الذي قاد بني إسرائيل وتمكن من فتح بعض المدن الكنعانية، وبوفاته انقطعت القيادة الاجتماعية لبني إسرائيل وتفرقت الأسباط إلى مجموعات يقود كلا منها قاضٍ أو كاهن، وهو بمثابة الحاكم العسكري، وبدأ بذلك ما يعرف بعصر القضاة، وهو عهد يتصف بالتوتر والضعف والانحراف عقدياً، حيث ارتد فيه بنو إسرائيل عن عبادة الله إلى عبادة بعل وعشتاروت وغيرها من الأوثان وشيدوا لها المعابد وقدموا القرابين وانتشرت فيهم الفاحشة انتشاراً كبيراً، وتسلط عليهم الكنعانيون والفلسطينيون الوثنيون، وفي آخر عصر القضاة ظهر فيهم نبي ترجح المصادر أنه صموئيل، وقد ورد ذكره مبهماً في القرآن الكريم في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا، قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة:246].

وقد طلب بنو إسرائيل من نبيهم أن يختار لهم ملكاً عليهم ليوحدهم في مواجهة أعدائهم، فأوحى الله إليه أنه سيولي عليهم طالوت (أو شاؤل كما ورد في أسفارهم)، فجمعهم للقتال وانتصروا على الفلسطينيين الوثنيين، وذلك بعد أن قام داود -والذي كان ضمن الجيش شاباً صغيراً- بقتل جالوت (جليات).

وبعد موت طالوت تولى داود قيادة بني إسرائيل، وفيه اجتمعت النبوة والملك، ثم خلفه من بعده ابنه النبي سليمان، والذي كان عصره أزهى العصور لبني إسرائيل، فنعمت مملكته برخاء وسلام لم تعرف له مثيلاً من قبل ومن بعد. وبعد وفاته انقسمت مملكته بين ابنه رحبعام وأحد عبيده يربعام، وانقسم معها الأسباط إلى مملكتين:

  • مملكة إسرائيل: بقيادة يربعام في الشمال وعاصمتها السامرة (نابلس)، ومعبدها على جبل جرزيم وكانت تضم عشرة من أسباط بني إسرائيل، واستمرت إلى أن قضى عليها الآشوريون سنة 722 ق.م.
  • مملكة يهوذا: بقيادة رحبعام بن سليمان في الجنوب وعاصمتها أورشليم (القدس)، وتضم سبطي يهوذا وبنيامين، واستمرت إلى أن حطمها نبوخذ نصر ملك بابل سنة 586 ق.م.

رسم تخيلي لتدمير القدس على يد البابليين

انتشرت المفاسد وعبادة الأوثان في المملكتين وظهر فيهم الكثير من الأنبياء، وذكر القرآن اثنين منهم هما إلياس واليسع، بينما تعدد المصادر اليهودية والمسيحية أسماء أنبياء آخرين مثل إشعيا وعاموس وغيرهم، وقد حاولوا تصحيح انحرافات قومهم ولقوا منهم عنتاً واضطهاداً، حتى يقال إن الإسرائيليين قتلوا مئات الأنبياء ونشروا بعضهم بالمناشير كما حدث للنبي إشعيا. وقد أدى فسادهم هذا إلى تسلط أعدائهم عليهم حتى قضي على الدولتين تماماً ودمَّر نبوخذ نصر أورشليم وهدم أسوارها وما فيها وسبى ثلث شعبها وساقهم عبيداً إلى بابل في العراق، كما يقال إنه قتل الثلث منهم.

وفي المنفى بالعراق، عاش اليهود مرحلة جديدة اتسمت بالانعزال والذل، مع الشعور بأنهم شعب الله المختار، وظهر في مرحلة السبي هذه أنبياء آخرون، ونقرأ في مصادرهم أسماء بعضهم ومنهم عزير (عزرا) ودانيال وحزقيال.

استفاد اليهود من تسلط الفرس على الدولة البابلية، واستغلوا نساءهم الجميلات (وأشهرهم إستير) للتقرب من حكَّام الفرس حتى استطاعوا إقناع الملك الفارسي قورش بعودتهم من السبي إلى فلسطين وإعادة بناء أورشليم و”هيكل الرب” كما يسمونه سنة 538 ق.م، وتزعَّم النبيان عزرا ونحميا -حسب مصادرهم- حركة العودة من المنفى.

رسم تخيلي لهيكل سليمان (Israel Truths)

ورغم الدعم والتعاطف الشديد الذي قدمه الفرس لليهود، إلا أن اليهود سرعان ما تحوّل ولاؤهم للقوة الجديدة الصاعدة في المنطقة والمتمثلة في الإمبراطور اليوناني الإسكندر المقدوني الذي تمكن سنة 330 ق.م من القضاء على الحكم الفارسي لبلاد الشام، وخضع اليهود لحكمه وقدموا له المساعدات فعاملهم معاملةً حسنة.

بعد وفاة الإسكندر اقتسم قوّاده إمبراطوريته الواسعة وظهر البطالسة في مصر مع تولى بطليموس الأول حكم مصر وفلسطين، وفي عهده بدأ اليهود تمردهم الأول على اليونان والذي كان نتيجته اقتياد أكثر من 100 ألف منهم أسرى إلى مصر، ثم عاد قسم كبير منهم إلى فلسطين في عهد خليفته بطليموس الثاني الذي أسس مكتبة الإسكندرية الشهيرة، وقد أبدى تعاطفاً كبيراً معهم، كما تمت في عهده ترجمة النسخ المعتمدة آنذاك من التوراة إلى اللغة اللاتينية بواسطة 72 حبراً من أحبار اليهود وخلال 72 يوماً كما يزعمون، مع أن الكثير من الباحثين -ومن بينهم الرهبانية اليسوعية- يشككون في هذه القصة.

ومع انتصار السلوقيين على البطالسة وسيطرتهم على فلسطين بدأ عصر الاضطهاد والإذلال لليهود حوالي سنة 200 ق.م، وجرت محاولات لإجبارهم على ترك دينهم واعتناق الوثنيات اليونانية مما أدى إلى انفجار ثورة المكابيين سنة 166 ق.م على يد يهوذا ابن الكاهن ميتاس ولُقِّب بالمكابي أي: المعيَّن من الرب يهوه.

الحصار الروماني على يد تيطوس وتدمير القدس بريشة ديفيد روبرتس عام 1850

وبحو نحو قرن، خضع اليهود لحكم الرومان الذين سيطروا على القدس سنة 63 ق.م، وبدأت سلسلة من الثورات على حكمهم من قبل اليهود، انتهت بإقدام الحاكم الروماني تيطوس على تدمير أورشليم تدميراً كاملاً سنة 70 م، ففرَّ من اليهود من بقي حياً إلى الجزيرة العربية (تيماء وخيبر والمدينة) ومصر وليبيا وغيرها، وذهب قسم منهم إلى روما وبيعوا عبيدا، ومن هنا بدأت قصة وجودهم في أوربا.

أما في الشرق فاعتنقت إحدى القبائل التركية الوثنية المعروفة بالخزر دين اليهودية في القرن التاسع الميلادي، أي بعد ظهور الإسلام، وكانت قد استوطنت المعبر الحيوي بين بحر قزوين والبحر الأسود ومنها انحدر يهود شرق أوربا (الإشكناز) الذين يشكلون نحو 90 بالمئة من يهود العالم اليوم، وهم الذين يقوم عليهم الكيان الصهيوني في فلسطين.

ومن الملاحظ أن السرد التاريخي لمسيرة اليهود المدوَّن في العهد القديم يتوقف قبيل بعثة المسيح عيسى عليه السلام.

العـقائـد:
أولاً- الإله:
تعد قضية الألوهية في اليهودية من القضايا المشكلة للباحثين، فقد كانت اليهودية في أصلها ديانة توحيدية تدعو إلى عبادة إله واحد لا شبيه له، لا تدركه الأبصار وتعتمد عليه المخلوقات كافة ولا يعتمد على أيٍّ منها بل يسمو عليها. وكثرة الأنبياء فيهم كان هدفها تنقية عقيدتهم باستمرار مما أصابها من شوائب الوثنية المتكررة والتي أدت- إضافةً إلى عوامل أخرى- إلى تطور مفهوم الألوهية عندهم إلى الحلول والمشابهة، فالإله في اليهودية وكما تصفه أسفار العهد القديم كائن يتصف بصفات البشر فهو يأكل ويشرب ويتعب ويستريح ويضحك ويبكي، غضوب متعطش للدماء متقلب الأطوار، ويأخذ الأبناء والأحفاد بذنوب الآباء، بل ويحس بالندم ووخز الضمير، وهو ليس عالماً بكل شيء لذلك نجده مثلاً يطلب من أبناء إسرائيل أن يرشدوه بأن يصبغوا أبواب بيوتهم بالدم حتى لا يهلكهم مع أعدائهم المصريين عن طريق الخطأ.

وباستعراض نماذج مما ذكرته التوراة والتلمود من صفات الرب يمكن استنتاج الملامح التالية لعقيدتهم فيه:

1- يعتقد اليهود أن آدم هو ابن الله لأن الله خلقه من روحه فبثّ فيه جزءاً من ذاته، فهم عندما يدّعون أنهم أبناء الله وأحباؤه لا يقصدون البنوة المعنوية كما يتبادر للذهن للوهلة الأولى لكنهم يقصدون أن أرواحهم جزء من ذات الله لأنهم وحدهم يمثلون نسل آدم وحواء في نقائه وهم أبناؤه حساً ومعنىً على الحقيقة، فآدم وحواء -عندهم- زنى كلٌّ منهما مع عشاق لهما من الجن وأنجبا ذرية ينحدر منها باقي البشر أما اليهود فهم من أبناء آدم وحواء وحدهم.

2- الرب عندهم هو رب الأرباب الأخرى التي يدخل في صراع معها ويدمرها، وهو لا يهتم بأن تعبد الشعوب الأخرى غيره لكنه يهتم اهتماماً شديداً بأن يعبده أبناؤه وشعبه إسرائيل ويغار غيرة شديدة عندما يتجهون لغيره لأنه اصطفاهم وجعلهم أحباءه وأبناءه، لذلك نجده يحجب الهداية عن فرعون ويقسِّي قلبه مع أنه قال لموسى وهارون “صلّيا لأجلي”، أي أنه أراد الهداية ولكن الرب لا يهمه ذلك. وقد استخدم كاتب التوراة أسلوباً بذيئاً حين صوّر الرب وكأنه قد تزوج إسرائيل التي ذهبت تزني مع أوثان وهو يغار عليها ويرجوها أن ترجع إليه كعهدها السابق، فيقول: “حاكموا أمكم -أي إسرائيل- لأنها ليست امرأتي وأنا لست رجلها، لكي تعزل زناها عن وجهها.. ولا أرحم أولادها لأنهم أولاد زنى، لأن أمهم زنت، التي حبلت بهم صنعت خزياً لأنها قالت: أذهبُ وراء محبيَّ الذي يعطون خبزي ومائي وصوفي.. لكن هأنذا أتملقها وأذهب إلى البرية وألاطفها وأعطيها كروماً هناك وهي تغني هناك كأيام صباها.. يكون في ذلك اليوم يقول الرب: إنك تدعينني رجلي ولا تدعينني بعلي” [سفر يوشع 2/ 2- 21]، فالرب -حسب زعمهم- ينفر من كلمة بعل لأن إسرائيل عبدت بعل فأصبح يكره هذه الكلمة، وقد اضطررنا للاجتزاء من النص السابق لأنه يتضمن أوصافا غير لائقة.

3- الله حسب زعمهم لا يريد للإنسان أن يكتسب المعرفة بل أن يبقى جاهلاً حتى لا ينافسه لذلك منعه من أكل الشجرة، بل كان أيضا جاهلاً ولم يعرف أن آدم أكل منها إلا عندما أخبره هو بذلك، ثم طرده من الجنة ومنعه من دخولها خوفاً من يأكل من شجرة الخلد فيشاركه الخلود.

4- الرب في التوراة متجسد على هيئة البشر ويمكن رؤيته في الدنيا وقد رآه كل الأنبياء، ومنهم إبراهيم الذي زاره الإله على هيئة رجل مع اثنين من الملائكة وجلسوا ليستريحوا تحت شجرة وغسلوا أرجلهم وأكلوا وشربوا. كما ظهر لبني إسرائيل على شكل عمود سحاب في النهار وعمود نار في الليل ومشى أمام شعبه ليهديهم الطريق، ويتكرر نزوله إلى الأرض مرات ومرات ويمكن أن يتكلم مع غير المؤمنين أيضاً ليهددهم إن أرادوا إيذاء شعبه المفضل.

5- تنسب التوراة له الندم والبكاء واللطم على وجهه، وقد ظهر ذلك منه بعد أن شرد أبناءه اليهود وخرب بيت المقدس، فخصص ساعات من النهار ليبكي على تشريدهم وصرخ قائلاً “تباً لي لأني صرّحت بخراب بيتي وإحراق هيكلي ونهب أولادي”، وعندما سمع أبناءه يمجدونه بالرغم مما فعله بهم بكي ولطم وجهه وقال “طوبى لمن يمجده الناس.. وويلٌ للأب الذي يمجده أبناؤه مع عدم استحقاقه لذلك لأنه قضى عليهم بالتشريد”.

تابوت العهد كما جاء وصفه في الأسفار والذي يعتقدون أنه يحتوي على الألواح التي أنزلت على موسى وهو مفقود اليوم

6- يعتقدون أنه أمر موسى وهارون ببناء خيمة الاجتماع ليسكن فيها ثم جعل التابوت مقراً له ليكون على مقربة من أبنائه يرعاهم ويدبر أمورهم، ويسمونه “رب الجنود الجالس في التابوت”، وبما أن التابوت وقع في أيدي أعدائهم مراراً فقد سُجن الرب فيه، فقرر أن يسكن في جبل صهيون في أورشليم، وأخيراً بنى له سليمان الهيكل العظيم ليستقر فيه ويرتاح من التجوال، لكن الهيكل نفسه هُدم فانتقل الرب إلى السماء، ومن هنا يتبين حرص اليهود على بناء الهيكل ليعود الرب إليه بزعمهم فهم لا يستطيعون التخلي عن نزعتهم المادية المحسوسة التي تصوروا الإله من خلالها والتي لازمتهم طوال تاريخهم رغم الجهود المضنية التي بذلها الأنبياء لتخليصهم منها.

7- الرب عندهم يحب القرابين واللحم المشوي، وبمجرد أن يتنسم رائحته تنبسط أساريره ويفعل لهم ما يشاؤون من تعذيب الأمم الأخرى وقتلها وحرقها ولا يهم بعد ذلك إن عبدوا الأوثان أو سرقوا الأموال، كما لا يهمه ما إذا كانت اللحم المشوي نفسه من أغنام مسروقة أم لا، فقد زعموا أن يعقوب سرق أغنام خاله وقدّم اللحم المشوي للرب فرضي وقبله بعد أن تنسم رائحته وأعطى يعقوب العهد له ولأولاده. وتطورت هذه الفكرة عندهم حتى أصبحت طقساً راسخاً يقتلون لأجله في كل سنة إنساناً غير يهودي ويستخدمون دمه لصناعة الفطير المقدس الذي يعتقدون أن الرب يحبه كثيراً ويأكل منه كبار الأحبار والكهنة.

وهذا يبرز غلبة الطبيعة المادية عليهم، فحتى مع وجود موسى بينهم وما جاءهم به من الآيات كانوا يطلبون منه أن يجعل لهم رباً مادياً كغيرهم من الوثنيين، ثم امتد أثر هذه العقيدة ليخالط تصورهم للإله، ويقول عباس محمود العقاد: “إن الوحدانية التي يدركها اليهود لم تكن وحدانية تفكير لكنها وحدانية تغليب لرب من الأرباب على سائر الأرباب.. لليهود إله يعلو على آلهة غيرهم من البشر” [إبراهيم أبو الأنبياء، ص112].

وللإله في اليهودية أسماء متعددة وهي:

1- يهوه: وهو أكثر الأسماء قداسة ولا يُعرف اشتقاقه بشكل مؤكد، وأكثر ما قيل فيه إنه مشتق من مادة الحياة أو من مصدر الكينونة في العبرية (أهييه آشر أهييه) أي أكون الذي أكون، أو هي نداء لضمير الغائب أي “يا هو”، وقيل إن معناه سيد ورب في العبرية واستخدمه اليهود في الإطلاق على الخالق سبحانه. ولم يعرف هذا الاسم تاريخياً كما نصت التوراة قبل موسى كما جاء في سفر الخروج [6/2- 3] عندما كلم الرب موسى قائلاً “أنا الرب ظهرت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب بأني الإله القادر على كل شيء وأما باسمي يهوه  فلم أُعرف عندهم”.

ولقداسة الاسم كان اليهود لا يتفوهون به بل يستخدمون كلمة “أدوناي” العبرية بمعنى سيدي أو مولاي للإشارة إلى الإله. وبما أنه مكون من أربعة أحرف فقد استعاضوا عن التلفظ به بكلمة “تتراجراماتون” أي الرباعي، ولا ينطق اسم يهوه إلا الكاهن الأعظم فقط داخل قدس الأقداس بهيكل سليمان في يوم الغفران.

وقد نسب العهد القديم إلى يهوه صوراً عديدة للقسوة، فكان يأمر شعبه بالغدر والقتل كما أنه محدود المعرفة وتنسب إليه صفات النقص في البشر.

2- إلوهيم: اسم من أصل كنعاني وهو بصيغة الجمع لكلمة “إيلوَّه” أي إله، وعدّها بعض الباحثين دليلاً على إيمان اليهود في مرحلة من مراحلهم بتعدد الآلهة، إلا أن المدقق في أوصاف إلوهيم عندما يأتي الاسم في العهد القديم يلاحظ أن صفات إلوهيم تختلف عن صفات يهوه، فإلوهيم إله رحيم خلق السماوات والأرض ولا يشبه مخلوقاته، لذا رجح البعض أن الاسم يدل على الإله مع إضافة لاحقة الجمع (يم) العبرية التي تدل على التفخيم، وظهور هذا الاسم فيهم يشير إلى مرحلة شهدت تنقية عقائدهم من كثير من الشوائب، وهو الاسم الذي شاع استخدامه علماً على الإله في مملكة إسرائيل الشمالية.

3- إيل: لا يعرف أصل هذا الاسم أيضاً، فقيل هي كلمة أكادية وتعني الإله على وجه العموم، وكثيراً ما تستخدم مع لقب من ألقاب الإله مثل “إيل عليون” أي الإله العلي، كما تستعمل كجزء من أسماء عديدة مثل “إيلعازر” أي الإله قد أعان، وهو أسلوب مستخدم حتى يومنا هذا.

وتُذكر للإله في العهد القديم أسماء أخرى كثيرة، منها رب الجنود، ومقدِّس يسرائيل، وإله إسرائيل الذي يتكرر مئات المرات ويترتب عليه أن أبناء إسرائيل وحدهم هم البشر ولهم إله خاص بهم أما باقي الخلائق فليسوا كذلك.

ثانياً- الأنبياء:
من يقرأ الكتب المقدسة عند اليهود يجد أنهم يثبتون بعثة عدد كبير من الأنبياء المتفق على نبوتهم في الإسلام كنوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن جاء من بنيه من رسل، ومنهم موسى وهارون ويوشع بن نون وداود وسليمان وإلياس واليسع وغيرهم.

ويلاحظ الباحث اختلاف مصطلح النبوة عند اليهود عما هو عليه لدى المسلمين، فهو لا يقتصر عند اليهود على من اصطفاهم الله لهذه المهمة العظيمة بل يتسع ليشمل أصنافا متعددة، ومن قراءة أسفار التوراة والكتب الملحقة بها يمكن رسم ملامح مفهوم النبوة كما يفهمه اليهود ويدينون به من خلال النقاط التالية:

1- جاء التصريح في العهد القديم بنبوة بعض النساء مثل مريم أخت موسى وهارون (وهي ليست مريم أم عيسى)، ودبورة التي جمعت بين القضاء والنبوة، وخلدة التي جمعت بين الكهانة والنبوة أيضاً، كما أنها ممكنة للكبار والصغار والعبيد والإماء.

سفر إشعيا

2- النبوة ممتدة في بني يعقوب (إسرائيل) إلى الآن، ففي التوراة نقرأ “قال الرب (لأشعيا): روحي الذي عليك وكلامي الذي وضعته في فمك لا يزول من فمك ولا من نسلك قال الرب من الآن وإلى الأبد”. [أشعيا 59/21].

3- قد يجتمع فيهم مئة نبي في مكان واحد مما يدلُّ على كثرتهم فيهم.

4- دلت الأسفار على أن النبوة تُكتسب اكتساباً وليس اصطفاءً من الله، فزعموا بذلك أن بعض الأنبياء سلكوا طرقاً ملتوية للحصول عليها، كما فعل يعقوب مع أخيه عيسو حين خدع أباه إسحاق وانتزع حق خلافته في النبوة من أخيه البكر عيسو بخطة دبرها مع أمه، وعندما علم إسحاق بذلك سقط في يده ولم يستطع تغيير الأمر الواقع، بل حتى الرب نفسه بزعمهم رضي بالخديعة وقبل نبوة يعقوب الذي سيصبح أباً لشعبه المفضل.

5- قد يرسل الرب أنبياء لإرشاد الأنبياء أنفسهم، “وكان إلى كلام الرب قائلاً يا ابن آدم تنبأ على أنبياء إسرائيل” [حزقيال: 13/2-3]، ما يعني أن الأنبياء قد ضلوا فتطلب الأمر إرسال أنبياء آخرين ليردوهم إلى جادة الصواب، وهذه الفكرة تؤدي بالضرورة إلى رفع العصمة عن الأنبياء، ومن ثم فلا يلزم الناس اتباع أي منهم لاحتمال كذبهم وضلالهم في أي شيء.

6- الباحث في العهد القديم يجد أن الأنبياء المذكورين في أسفاره لا يختلفون عن بقية البشر في شيء، فيجوز عليهم الكذب والغش والخداع والمعاصي كبيرها وصغيرها في حال نبوتهم، كما يجوز عليهم الإشراك بالله ودعوة الناس إلى الشرك أيضاً، كما تذكر الأسفار أنبياء للأوثان كأنبياء بعل وعشتاروت مما يصعب على الباحث مهمة التمييز بين النبي الصادق والكاذب في نظر التوراة، وقد ذهب الحَبر اليهودي موسى بن ميمون إلى أن النبي هو كل مُخبَر بغيب من جهة التكهن والشعور أو من جهة الرؤيا الصادقة ولعل هذا هو سبب تسمية أنبياء البعل وعشتاروت بذلك.

7- ذهب الحبر سعديا الفيومي إلى تعريف النبوة بأنها اصطفاء من الله، وتعريف الرسول بأنه مؤيد بالمعجزات، فيقول: “فأي رسول اختاره الله الخالق لرسالته جعل سبيله أن يعطيه علامة من هذه الأعلام: إما قهر طبائع كمنع النار أن تحرق أو حبس الماء أن يجري أو قلب عين كما يقلب الحيوان جماداً والجماد حيواناً… فإذا دفع إليه علامة من هذه وجب على من رآها من الناس أن يفضلوه ويصدقوه فيما يقول”، وهذا التعريف يخالف ما نجده في التوراة من إثبات نبوة كثير من أنبيائهم.

وعد بلفور

8- استفادت الصهيونية من سعة مصطلح النبوة في العهد القديم وجعلته أكثر سعةً وامتداداً حتى جعلتها في متناول كل من يقوم بدورٍ مهم لخدمة الشعب اليهودي في كل زمان، حتى أصبح كل يهودي مخلص في مصافِّ الأنبياء، فقالوا عن ديفيد بن غوريون إنه النبي المسلح وعن جابوتنسكي نبي محارب، بل يزعم البعض أن رئيس وزراء بريطانيا آرثر بلفور (صاحب وعد بلفور) هو الآخر نبي.

ومضامين الوحي تشمل أوامر الله ونواهيه وتعاليمه لبني إسرائيل، كما تشتمل في رأيهم أيضاً على أمور لا تتناسب مع تنزيه الإله وكرامة أنبيائه، ومنها:
1- الرب يأمر أنبياءه بالفواحش، فيقول “اذهب خذ لنفسك امرأة زنى وأولاد زنى” [يوشع: 1/2]، كما يطلب من نبيه أشعيا أن يتعرى تماماً ويدعو بني إسرائيل لثلاث سنوات ويمدحه على ذلك [أشعيا: 20/2]، وفي المقابل يقول القرآن الكريم {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 28].

2- يطلب الرب من أنبيائه أن يقضوا له حاجاته، فيطلب من داود مثلا أن يبني بيتاً له لأنه كان يسكن في خيمة: “في تلك الليلة كان كلام الله إلى ناثان قائلاً اذهب وقل لداود عبدي هكذا قال الرب أنت لا تبني لي بيتاً للسكنى لأني لم أسكن في بيت منذ يوم أصعدت إسرائيل إلى هذا اليوم بل سرت من خيمة إلى خيمة ومن مسكن إلى مسكن” [صموئيل الثاني: 7/ 6].

3- تتضمن التوراة التي يعتقدون أنها من الوحي سرداً تاريخياً لحياة بني إسرائيل، فأغلب الأسفار هي حكاية تاريخية وبيانٌ لحروبهم وصراعاتهم وتنقلاتهم وأسماء أماكنهم ورجالهم.

4- تحتوي الأسفار على صفات قبيحة للأنبياء يتنزه عنها الرجل العادي فضلاً عن الصالح، فتزعم أن سليمان مال إلى عبادة الأصنام بسبب حبه لنسائه الوثنيات وأنه ختم عمره بعبادتها وبالسحر، وتتهم هارون بأنه هو الذي صنع العجل الذهبي وأمر بني إسرائيل بعبادته في غياب موسى، وتورد قصصا عن محاججة الأنبياء للرب واعتراضهم على أحكامه كما فعل إبراهيم وموسى وإلياهو (إلياس)، أما يعقوب فقالوا إنه علم بزنى ابنه راؤبين بزوجته ومع ذلك سكت عن فعله، ونسبوا إلى لوط الزنا بابنتيه بعد سكره معهما، أما داود فقد شاهد -حسب زعمهم- امرأة عارية تستحم فأعجب بها وزنا بها وتخلص من زوجها (أحد قادة جيشه) بإرساله في معركة وجعله في مقدم الجيش ليضمن قتله، ثم ضم هذه الزوجة إلى نسائه فكانت نتيجة هذا الفعل ولادة ابنه سليمان.

ثالثاُ- الكتب المقدسة:
الكتاب الأول- العهد القديم أو التوراة: هو كتاب اليهود المقدس وشريعتهم المكتوبة، وسمي بالعهد القديم للتمييز بينه وبين العهد الجديد الذي يؤمن به المسيحيون، فقد كُتبت أسفاره قبل عهد المسيح، وهو “عهد الرب” الذي تكرر لإبراهيم ثم إسحاق ثم يعقوب ثم تكرر على لسان موسى والأنبياء من بعده.

ويضم حسب رأي اليهود الأسفار التي جاء بها موسى وأنبياء بني إسرائيل من بعده، ويطلق اسم التوراة على الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم، كما يطلق على الكتاب بكامله لأن أسفارها هي الأقدس عندهم ومن باب إطلاق اسم الجزء على الكل، والأسفار جمع سِفر وهو الكتاب، أما الأسفار الخمسة فهي:

1- سفر التكوين: يبدأ من خلق الكون مروراً بقصة آدم وتعرضه للإغواء وخروجه من الجنة، وقصة نوح والطوفان وما كان من أمر أبنائه بعد الطوفان سام وحام ويافث، ثم قصة إبراهيم وسلالته والعهد الذي قطعه الرب معه، ويذكر بالتفصيل قصة أبناء يعقوب الإثني عشر وقصة يوسف وينتهي بوفاة يوسف.

2- سفر الخروج: يتضمن قصة موسى منذ ولادته أثناء اضطهاد فرعون لبني إسرائيل، ونشأته في قصر فرعون وتحركاته وخروجه إلى مدين وصحراء سيناء وكلام الله له فيها ونبوته، وترد في هذا السفر الوصايا العشر وقانون العهد وهي مجموعة من الشرائع والقوانين، كما ترد في السفر قصة ارتداد بني إسرائيل وعبادتهم العجل وتفاصيل رحلتهم شرقاً.

3- سفر اللاويين (أو الأحبار عند المسيحيين): لاوي هو أحد أبناء يعقوب، ومن نسله تحدر السبط الذي ولد فيه موسى وهارون، وفي نسله تنحصر الكهانة حسب ما جاء في السفر، إلا أن أحبار اليهود تعاونوا فيما بعد على إلغاء هذه القاعدة. وفي هذا السفر يتوقف السرد التاريخي ويبدأ التركيز على التعاليم الخاصة بالحياة الدينية حتى سماه علماء الشريعة الإسرائيلية “القانون الكهنوتي”.

4- سفر العدد: سمي بذلك لبروز ظاهرة التعداد الدقيق فيه، حيث ترد فيه إحصاءات تفصيلية لتعداد بني إسرائيل الراحلين مع موسى في التيه وعدد المدن والذبائح، ويُذكر فيه أن مدة التيه أربعين سنة، ويعود فيه السرد التاريخي لقصة موسى وقومه ويكثر فيه تذمرهم منه والاحتجاج عليه وعلى ربه حتى يصل إلى التآمر عليه من إخوته هارون ومريم أنفسهم.

5-سفر التثنية: هو آخر الأسفار الخمسة، ومعناه تثنية الشريعة أي إعادتها وتكرارها على بني إسرائيل مرة ثانية عند خروجهم من صحراء سيناء ووصولهم إلى سهول النقب وجنوب الأردن، وتضمن نسخاً لبعض تعاليم الشريعة الأولى أو إضافة أشياء لم ترد من قبل، ويتحدث عن وفاة هارون واستخلاف يوشع بن نون تلميذ موسى وخادمه، ثم وفاة موسى في جبل مؤاب وعدم معرفة قبره إلى الآن. فيقول في الفقرتين 5 و6 “فمات هناك موسى.. وتم دفنه في الوادي في أرض مؤاب تجاه بيت فاعور ولم يعرف أحدٌ قبره إلى يومنا هذا”.

أما القسم الثاني من العهد القديم فهو كتاب “الأنبياء”، ويضم بدوره قسم الأنبياء الأول وقسم الأنبياء الآخر، ويتضمن الأول أربعة أسفار يتتابع فيها السرد التاريخي لمسيرة الاسرائليين وهي: يوشع بن نون، والقضاة، وصموئيل، والملوك. ويتضمن الثاني أسفار خمسة عشر نبياً عندهم تولوا قيادتهم الروحية في ظروف سياسية واجتماعية حالكة، ومنهم عاموس وإشعيا وإرميا وحزقيال.

والقسم الثالث من العهد القديم هو “الكتب” أو “أسفار الحكمة”، وهي أسفار يغلب عليها الطابع الأدبي شعراً ونثراً وتتضمن قصصاً وحكماً تواترت لديهم وتحتوي تمجيداً لبطولاتهم في الاستقرار في فلسطين أو الرجوع إليها بعد السبي البابلي، وعددها اثنا عشر سفراً وأهمها: مزامير داود (وهو الزبور)، وأمثال سليمان، وأيوب، ونشيد الأناشيد، ودانيال، وإستير، وعزرا.

كان علماء اليهود واللاهوت المسيحي يعتقدون أن موسى هو الذي كتب الأسفار الخمسة، وأن الذي نزل من السماء مكتوباً هو لوحان فقط، وأن موسى كسرهما عندما رأى بني إسرائيل يعبدون العجل. كما اعتقدوا أن بقية أنبياء بني إسرائيل كتبوا الأسفار المنسوبة إليهم، وأن معظمها كُتب باللغة العبرية وبعضها بالآرامية، ثم تُرجمت في عهد بطليموس الثاني (246ق.م) إلى اليونانية، وذلك على يد 72 حبراً من أحبار الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد، فسميت بالترجمة السبعينية، وهي الترجمة المعتمدة لدى معظم الطوائف اليهودية والمسيحية.

الفيلسوف اليهودي الهولندي باروخ إسبينوزا كان من أوائل الباحثين الأوروبيين الذين اجترأوا على نقد العهد القديم وكشف تناقضاته في القرن السابع عشر

لكن هذه الاعتقادات بدأت بالتلاشي في القرن الثامن عشر، حيث أكدت أبحاث كثيرة أن الأسفار الخمسة كتبها مئات الأحبار على مدى القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، أي بعد وفاة موسى بقرابة ألف عام، وأنها جُمعت بشكلها الحالي بعد ذلك بكثير، كما وجدوا أنها عبارة عن كتب تجمع أساطير وأشعار وتراث شعوب وحضارات الشرق الأدنى المتنوعة، وأن قيمتها تقتصر على الجانب الأدبي فقط

كما أثبتت الدراسات أن الأسفار المنسوبة للأنبياء لم يكتبها الأنبياء بل اشترك في كتابتها عدد كبير من المؤلفين والأحبار الذين لم تُعرف أسماؤهم، وكذلك بقية أسفار العهد القديم.

وبالنتيجة اضطر الكثير من علماء اللاهوت والأحبار لتغيير موقفهم، فقالوا إن الأسفار لم يكتبها موسى والأنبياء إلا أن روح الرب كانت تظلل الكتَّاب المجهولين على مدى ألف عام، وبهذا فقد أسقطوا المعنى الحقيقي للوحي، كما رأوا أن وجود الأخطاء التاريخية في الأسفار لا ينفي عنها صفة الإلهام لأن الوحي من الله لا يمنع الوقوع في أخطاء وتناقضات -حسب تصورهم- ورتبوا على ذلك ضرورة فهمها بالمعنى الإجمالي، وتأويل ما يناقض العلم والتاريخ وإن كان تأويلاً متعسفاً

وأرجع الباحثون في العهد القديم أسفار موسى الخمسة إلى أربعة مصادر رئيسية هي:

1- المصدر أو النص اليهَوي: حيث يُذكر الله باسم (يهوه) الذي كان شائعا في مملكة الجنوب يهوذا في القرن التاسع قبل الميلاد، ويتحدث هذا النص عن بدء الخليقة وينتهي بموت يعقوب، ويتميز بأنه تصويري وساذج ومليء بالأساطير، حتى أنه يجسد يهوه بصورة بشرية.

2- المصدر الإلوهيمي: حيث يذكر اسم الله باسم (إلوهيم) الذي كان شائعا في مملكة الشمال إسرائيل وعاصمتها السامرة، وزمان كتابته متقدم على النص اليهوي في القرن الثامن قبل الميلاد. وموضوعه الأحداث الخاصة بإبراهيم وذريته، وأسلوبه أكثر اعتدالاً لا سيما في تصويره للرب الذي يتحدث عنه بتنزيه أكبر، وأنه رب العالمين وليس خاصاً بإسرائيل وحدها. ويمتاز هذان المصدران بكثرة الروايات والقصص وندرة التشريعات، وقد أدمجا في مجموعة واحدة في القرن السابع قبل الميلاد.

3- مصدر سفر التثنية (تثنية الاشتراع): وهو سفر تتكرر فيه الشرائع والقوانين، وقد أعلن العثور عليه في زمن الملك يوشياهو ملك يهوذا سنة 620 ق.م، وأسلوبه مختلف عما سبق ويتميز بالإنشاء الخطابي.

4- النص الكهنوتي: وهو يتألف من فصول كتبها الكهنة في عصر النفي إلى بابل وما بعد النفي، أي في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد في زمن عزرا (عزير في القرآن الكريم)، ويتميز هذا النص بالتكرار والتشدد والميل إلى كل ما يتعلق بالذبائح والطقوس والكهانة.

وبعد كتابة الأنواع الأربعة السابقة، جمعها الأحبار في كتاب واحد أسموه “التوراة” أو أسفار موسى الخمسة، وذلك في عصور متأخرة جداً تصل إلى ما بعد ظهور المسيح عيسى. وهذا يفسر التناقض الكبير بين الأسفار نفسها.

ويقول الباحث اليهودي إدمون جاكوب في كتابه “العهد القديم” إنه لا يوجد نص واحد للعهد القديم بل نصوص كثيرة، ففي القرن الثالث قبل الميلاد كان هناك -على الأقل- ثلاث مدونات للنص العبري للأسفار الخمسة وهي: النص الماسوري أي المحقق الذي تم اعتماده بعد عصر موسى بحوالي 2300 سنة، والنص السامري الذي تؤمن به طائفة يهود السامرة، والترجمة السبعينية إلى اليونانية [موريس بوكاي، ص39]

وثمة شكوك أيضا حول الترجمة السبعينية، حيث ترى المسكونية الفرنسية أنها تمت خلال فترة زمنية طويلة بواسطة كتَّاب لم يلتزموا بدقة الترجمة، بل كان لهم حق الإضافة والحذف. كما صرحت دائرة المعارف البريطانية (الطبعة 15: 2/879) بأن النص اليوناني يختلف عن النص العبري اختلافاً بيناً، وفيه زيادات كثيرة في مختلف الأسفار.

ويقول جاكوب إن ما يرويه العهد القديم عن موسى والأنبياء لا يتفق إلا بشكل تقريبي مع المجرى التاريخي للأحداث، لكن الرواة كانوا يعرفون كيف يضفون الأناقة والخيال على مروياتهم بحيث يربطون بين أحداث شديدة التنوع، وقد نجحوا في تقديم هذه الأحداث في شكل حكاية لما حدث في أصل العالم والإنسان، أي أن كتَبة التوراة أضافوا بخيالهم إلى النص أشياء كثيرة لم تحدث.

وهذا يؤكد ما جاء في القرآن الكريم عن تحريف اليهود للتوراة الأصلية تحريفاً كبيراً، حيث يتفق علماء الإسلام على وقوع هذا التحريف بيد أنهم يختلفون في معناه على قولين، هما:

القول الأول: التحريف والتبديل وقع في التأويل والنص ولكن في أجزاء محدودة من التوراة، مثل زعم الأحبار أن الله صارع يعقوب طوال الليل ولم يستطع أن يتغلب عليه، وأنه سبحانه تعب بعد خلق السماوات والأرض فاستراح في اليوم السابع وهو يوم السبت، وأن النبي لوط زنى بابنتيه بعد أن شرب الخمر، وغيرها مما رأى النقاد الأوروبيون أنفسهم -في عصر النهضة وبعده- أنه لا يمكن أن يكون من الوحي الإلهي.

القول الثاني: التوراة التي أنزلت على موسى بُدِّلت كلها أو أكثرها، ولا يوجد تطابق بين توراة موسى والتوراة الموجودة اليوم في شيء، والشذرات الصحيحة المنبثَّة في الأسفار الحالية نادرة جداً. وهذا القول هو الأرجح الذي ذهب إليه المتبحرون في دراسة الأسفار ومقارنة الأديان، مثل ابن حزم الأندلسي، وأبي حامد الغزالي، وإمام الحرمين الجويني، وابن تيمية، وابن القيم، والقرطبي صاحب التفسير، ورحمة الله الهندي وغيرهم.

أما أنواع تحريف التوراة التي نبَّه إليها القرآن فهي: تحريف بالتبديل ويكون بوضع كلمة مكان كلمة أو جملة مكان جملة، وتحريف بالزيادة والنقصان ويكون بزيادة أو حذف كلمة أو جملة، وتحريف بتغيير المعنى دون تغيير اللفظ. وهناك قسمٌ من أصل التوراة نسيه اليهود وفُقد منهم بسبب بذنوبهم، كما بيّن ذلك القرآن بقوله: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 13].

ويرجع الباحثون أسباب ضياع التوراة إلى عوامل عدة منها: الحروب التي خاضها بنو إسرائيل مع أعدائهم، وما تعرضوا له من سبي وشتات، وانحرافاتهم العقدية وارتدادهم المتكرر عن دينهم حتى عبدوا البعل وعشتروت ومولوخ وغيرها من الأوثان كما تذكر أسفار العهد القديم، فضلا عن اضطهادهم لأنبيائهم إلى درجة قتل بعضهم.

ويرى باحثون مسلمون معاصرون أن أحبار اليهود كتموا ما بقي لديهم من التوراة وأخرجوا للناس نقيضها لإفسادهم وحجبهم عن معرفة الحق، لأن انتشار الإلحاد والفساد بأنواعه يضمن لهم السيطرة على العالم، ويرجح الباحث بهاء الأمير في كتابه “الوحي ونقيضه” أن العائلات اليهودية الكبرى التي تسيطر على إمبراطوريات المال والإعلام في العالم تحتفظ بالتوراة وتبث نقيضها عبر أذرعها في الجمعيات السرية المسيطرة على مفاصل القوة في الدول العظمى. ويقول إن أحد أبرز مظاهر إفسادهم هو تحريفهم لقصة خلق  الإنسان في التوراة، وما ترتب على هذا التحريف من فساد عقدي وتمكينٍ لسطوة الشيطان على الإنسان الذي يضمن سيطرتهم ونفوذهم.

تناقضات وتساؤلات في أسفار العهد القديم
يذكر سفر التكوين قصتين للخلق، ففي الأولى [1: 20- 27] خلق الله النباتات والحيوانات أولاً ثم خلق الإنسان، وفي الثانية [2: 7، 19] خلق الإنسان أولاً ثم خلق النباتات والحيوانات.

المدة الفاصلة بين خلق آدم وطوفان نوح تبلغ في النسخة العبرية 1656 سنة، وفي النسخة اليونانية 2262 سنة، أما في النسخة السامرية فتبلغ 1307 سنة.

في سفر الخروج [6: 2] يخبر الله نبيه إبراهيم بأن اسمه ليس “يهوه”، إلا أنه يؤكد له في سفر التكوين [22: 14] أن اسمه “يهوه”.

يقول سفر العدد إن النبي هارون توفي في جبل هور [20: 28]، بينما يقول سفر التثنية إنه توفي في موسير (موسره) [10: 6].

في سفر صمويل الأول [18: 19]: ابنة شاؤول اسمها ميراب، أما في سفر صموئيل الثاني [21: 8] فاسمها ميكال، ويقول السفر إن داود أخذ بني ميكال الخمسة وأسلمهم للصلب مع إثنين آخرين حتى يرضى الرب ويمنع استمرار المجاعة، لكن نسخا أوروبية حديثة للسفر عدّلت النص وجعلتهم أولاد ميراب.

يقول سفر التثنية “فمات هناك موسى عبد الرب في أرض مواب… ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم” [34: 5- 6]، فلو كان موسى هو كاتب العهد القديم فكيف يكتب عن وفاته واختفاء قبره؟

جاء في سفر حزقيال [18: 20] أن الأبناء لا يحملون ذنوب الآباء، وفي سفر التثنية [24/ 16]: “لا تقتل الآباء بالبنين ولا تقتل البنون بالآباء، بل كل امرئ بذنبه يُقتل”، بينما ينص سفر الخروج [20: 5] على أن الرب ينتقم من الأبناء حتى الجيل الثالث والرابع بسبب ذنوب الآباء.

الكتاب الثاني- التلمود: يأتي في المقام الثاني بعد التوراة، وهو الشريعة الشفوية، ويتألف من قسمين هما المشناة والجمارا.

أحبار يتدارسون التلمود بريشة كارل تشيلشر

أما المِشناة فهي مجموعة من الشرائع اليهودية المروية على الألسنة، حيث يعدها اليهود مصدراً رئيسياً من مصادر التشريع، ويظنون أنها تعود إلى موسى نفسه، فيسمونها “التوراة الشفوية”. ولم يبدؤوا بتدوينها إلا بعد السبي البابلي في القرن الخامس قبل الميلاد واستقرت كتابتها على الوضع الذي نعرفه في نهاية القرن الثاني بعد الميلاد.

تقسم المشناة إلى ستة أقسام تتضمن التعاليم الدينية الخاصة بكل من: الأرض والزراعة، الأيام والأعياد المقدسة، النساء وأحكامهن، القصاص والعقوبات، القرابين وخدمة الهيكل، أحكام الطهارة والحلال والحرام. وقد كتبت بلغة عبرية حديثة قياساً إلى عبرية التوراة.

وبعد الانتهاء من تدوينها انكب أحبار اليهود على شرح المشناة، وأودعوا في شرحهم كل ما أرادوا إشاعته بين عوام اليهود من شرائع وحكايات في كل مجال، فسمي هذا الشرح “جمارا” أي التكملة، وكتب بالآرامية، ومن اجتماع المِشناة والجمارا تكون “التلمود”.

تركزت مدارس الشرح في العراق خلال السبي البابلي كما ظهر لها شرّاح في فلسطين من فلول اليهود التي بقيت هناك بعد السبي، وأدى ذلك إلى ظهور تلمودين: تلمود بابلي شرح المشنة كاملةً، وتلمود أورشليمي ناقص شرح فصولاً منها، وعندما يُطلق التلمود يقصد به التلمود البابلي.

 

رابعاً- عقيدة يوم الرب وعقيدة الماشيَّح المنتظر:
يعتقد اليهود أن الرب اختار إسرائيل شعباً له ووعدهم بإخضاع شعوب الأرض لهم. ومع أن ذلك لم يحدث دائماً، ومع أنهم يقرّون بإصرارهم على التفريط في عهدهم معه وأن الدنيا تبدو بعيدة عن الكمال المطلوب وفق تصورهم لها، فإن ذلك يقتضي أن يُنزل الرب عقابه الصارم وينتقم لشعبه المختار ويكون له مع الدنيا يومٌ عظيم.

وقد ذُكر “يوم الرب” على لسان النبي عاموس في السفر المنسوب له محذراً من الانتقام الإلهي من المخالفين، وخلط اليهود بدهاء قضيتهم بقضية الإله، فهم ينتظرون يوم الرب ليحمل لهم انتصار شعب الرب المختار على الأمم الأخرى التي ستدين لهم بالخضوع فيه، أما كلمات عاموس نفسه فتشير إلى أنه يومٌ تنتصر فيه العدالة الإلهية التي سيرتعد منها الشعب اليهودي رعباً مما اقترفه من آثام. [عاموس 5/18-20].

أما “يوم الرب” بالمعنى الذي قصده الأنبياء من وعيد وانتقام من العصاة، سواء من اليهود أو غيرهم، فهو موضع تهكم وسخرية لديهم حيث أطلقوا عليه اسم “أحَريت هَيَّاميم” أي آخرة الأيام أو اليوم الآخر، ويقصدون به معنىً مختلفاً تماماً عن المعنى المتعارف عليه عند المسيحيين والمسلمين الذين يؤمنون بالآخرة، فهو عندهم اليوم البعيد جداً الذي لن يأتي مما اضطر نبيهم حزقيال إلى تقريعهم وتحذيرهم كما جاء في سفره [12/21 وما بعدها].

أرض الموتى كما تخيلها الرسام جون مارتن في القرن الثامن عشر

كانت النصوص الإسرائيلية القديمة تتحدث عن أرض الموتى (شيول)، وهي مكان أسطوري محايد يذهب إليه الموتى وغير مرتبط بالثواب والعقاب أو البعث والحساب. ثم اختلف مفسرو التوراة وأحبار التلمود في تفسير معنى “جهنم”، فقال البعض إنه “الوادي الملعون” الذي يُعاقب فيه المذنبون داخل الزمان، ودون تحديد لمدى العقوبة، حيث قيل إن الآثمين من بني إسرائيل سيُعاقَبون عاما واحدا ثم تباد أرواحهم، وقيل إنهم سيذهبون إلى الجنة بعد قضاء فترة العقوبة، ورأى آخرون أن كل بني إسرائيل سيبعثون بعد الموت وينقذهم إبراهيم من دخول جهنم، كما أنكر بعض الحاخامات وجود جهنم وقالوا إن أرواح الأشرار ستباد ولن تخلد في العذاب، وفي العصر الحديث أسقط كثير من اليهود فكرة جهنم نهائيا، وما تزال مفاهيم البعث والآخرة غامضة في فكرهم الديني. [موسوعة المسيري: 14/289].

وأما قضية المسيح المنتظر فهي من أهم قضايا اليهود على الإطلاق، والمسيح أو الماشيَّح أو المسيّا هو الممسوح بالزيت، وهو رجل من نسل داود سيأتي حسب زعمهم ليعيد دولة اليهود في فلسطين ويقيم بناء الهيكل المهدم، وبواسطته سيحكم اليهود العالم.

وقد زاد الحديث عنه بكثرة في مرحلة النفي، وفي كل مرحلة ضعف تعرضوا لها ازداد تعلقهم بالمسيا الذي سيأتي ليخلصهم وينتقم لهم من العالم، وتكررت نبوءات الأنبياء بقدومه حتى ملأت معظم أسفار العهد القديم والتلمود البابلي خاصة.

ولا بد من علامات تسبق ظهور الماشيح، فيقولون إنه لن يظهر إلا بعد تجمع اليهود من الشتات في الأرض المقدسة، وتجمع الثروة في أيدي اليهود وسيطرتهم على العالم اقتصادياً بشتى الوسائل المشروعة وغير المشروعة، كما أنه لا يظهر إلا بعد قيام حرب عالمية رهيبة يهلك فيها ثلثا سكان العالم ويؤمن به الثلث الباقي، وتسمى هذه الحرب عندهم “حرب التنين” وهي التي يطلق عليها المسيحيون المتصهينون معركة “هرمجدون” [انظر مقال المسيحية المتصهينة]، فيظهر الماشيح عقبها وتدين له شعوب الأرض كافة بالخضوع.

كما لا بد أن يسبق ظهوره هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل على أنقاضه، ويزعم التلمود أنه بظهوره ستعم البركة والخير والعدل الأرض ويصبح اليهود سادة البشر. واختلف الحاخامات في مدة بقائه فمنهم من جعلها أربعين سنة، وقال بعضهم إنها سبعون سنة، وزعم آخرون أنها آلاف السنين.

ومن أشهر الشخصيات المترتبة على تعلقهم بفكرة المسيح المنتظر وأشدها ارتباطاً به هي شخصية النبي إلياس الذي يسميه اليهود (إلياهو)، وأخباره كثيرة مشهورة في سفر الملوك الأول وكان معاصراً للملك آخاب في مملكة إسرائيل -عاصمتها السامرة- الذي عبد بعل إرضاء لزوجته الصيدونية الوثنية، وكانت له مواقف عديدة في مواجهة الملك وقومه الذين انحرفوا عن عبادة الله وشاع فيهم الفساد حتى رُفع إلى السماء في مركبة نارية كما يذكر العهد القديم.

ودوره الأهم عندهم يتمثل في عودته قبل ظهور الماشيح مبشراً به، كما يقولون إنه ينزل من حين إلى حين إلى هذه الدنيا ليطمئن على اليهود وإقامتهم لشعائرهم، لذلك اقتضت تقاليد عيد الفصح عندهم تخصيص كأس نبيذ ومكان فارغ على مائدة الفصح في كل بيت للنبي إلياهو لعله يحضر الاحتفال كما تصوره قصصهم الشعبية للأطفال كشخصية مماثلة لشخصية “بابا نويل” أو “سانتا كروز” عن المسيحيين.

ويسجل التاريخ ظهور كثير من اليهود الذين ادعى كل منهم أنه المسيح المنتظر، ومنهم داود الرائي (حوالي سنة 1163م) في العراق زمن الخلافة العباسية، الذي استفاد من علوم المسلمين المزدهرة في عصره وأتقن التنجيم والسحر ودعا للذهاب إلى القدس وانتزاعها من يد المسلمين وإعلان حكم يهودي فيها وأنه المسيح المخلص لليهود، ومن أشهرهم في العصر الحديث شبتاي صِبي (زيفي) الذي عاش في الدولة العثمانية حوالي عام 1647م، وقام بدور أساسي في نشوء ما عرف بعد ذلك بيهود الدونمة الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا اليهودية، وكانوا العامل الأبرز في إسقاط الخلافة الإسلامية فيما بعد سنة 1908م.

بالرغم من إنكار الكثير من اليهود المعاصرين، فإن هناك أدلة تاريخية كثيرة على أن الإسرائيليين القدامى تقربوا إلى الإله الكنعاني “مولوخ”، والذي يُرجح أنه تجسيد للشيطان، عن طريق التضحية بالأطفال، وما زال البعض يمارسون هذه الطقوس السرية في العصر الحديث.

نصوص تأمر بالعنف في العهد القديم:
“فضرباً تضرب سكان تلك المدينة بحد السيف وتحرّمها بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف، تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها وتحرق بالنار المدينة وكل أمتعتها كاملة” [سفر التثنية 18: 28].

“حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويستعبد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك” [سفر التثنية 20: 10- 15].

“فالآن أقتلوا كل ذكر من الأطفال، وكل امرأة عرفت رجلا بمضاجعة ذكر اقتلوها” [سفر العدد 31: 17].

“فالآن اذهب واضرب عماليق وحرّموا كل ما له ولا تعف عنهم بل اقتل رجلا وامرأة، طفلا ورضيعا، بقرا وغنما، جملا وحمارا” [سفر صموئيل الأول 15: 3].

“كما أثكل سيفك النساء كذلك تُثكل أمك بين النساء” [سفر صموئيل الأول 15: 33].

“طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة” [سفر المزامير 137: 9].

“ليكن بنوه أيتاماً وامرأته أرملة، ليته بنوه يتماناً ويستعطوا ويلتمسوا خبزاً من خربهم” [سفر المزامير 109: 10- 11].

“تجازى السامرة لأنها قد تمردت على إلهها، بالسيف يسقطون، تحطم أطفالهم والحوامل تشقّ” [سفر يوشع 13: 16].

“وأطعمهم لحم بنيهم ولحم بناتهم فيأكلون كل واحد لحم صاحبه في الحصار والضيق الذي يضايقهم به أعداؤهم” [سفر إرميا 19: 9].

الشريعة اليهودية
تعد الوصايا العشر التي وردت في سفر الخروج عصب الشريعة الموسوية، وقد تكررت في سفر التثنية للتأكيد على أهميتها وجاء فيها: ثم تكلم الله بجميع هذا الكلام قائلاً:

  • أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من دار العبودية لا يكن لك آلهة أخرى أمام وجهي.
  • لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة،… لا تسجد لها ولا تعبدها لأني أنا الرب إلهك إله غيور أتعقب ذنوب الآباء في الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع من أعدائي، وأصنع إحساناً إلى أولف من أحبائي وحافظي وصاياي.
  • لا تحلف باسم الرب إلهك باطلاً، لأن الرب لا يبرئ من ينطق باسمه باطلاً.
  • اذكر يوم السبت لتقدسه في ستة أيام تعمل وتنجز كل أعمالك واليوم السابع سبت للرب إلهك… لأن الرب خلق السماوات والأرض والبحر وكل ما فيها في ستة أيام، وفي اليوم السابع استراح ولذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه.
  • أكرم أباك وأمك كيي يطول عمرك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك.
  • لا تقتل.
  • لا تزن.
  • لا تسرق.
  • لا تشهد على قريبك شهادة زور.
  • لا تشتهِ بيت قريبك، لا تشتهِ امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً مما لقريبك.

عرس يهودي في أوروبا الشرقية في القرن التاسع عشر

كما تتصف الشريعة اليهودية بأحكام تميزها عن غيرها من الشرائع، ففي الزواج مثلاً يعد بقاء اليهودي في العزوبة أمراً منافياً للدين، لأنه يتسبب في أن يتخلى الرب عن شعبه إسرائيل، ويحرم الزواج بين اليهود وغيرهم الذين يسمون في كتب الشريعة عندهم كفاراً أو (الغوييم) أي الأمم الأخرى أو الأغيار، ويستوي في ذلك المسلمون والمسيحيون والوثنيون، ومنهم من تشدد فأكد على ضرورة وحدة المذهب أيضاً، والأولاد الناتجون عن زواج مخالف هم أولاد زنا، ويصح عندهم أن يعقد بين اثنين كان أحدهما أجنبياً ثم اعتنق الدين لكن أولادهما لا يصح أن يكون منهم كهنة في إسرائيل تأكيداً للنزعة العنصرية التي تصبغ أكثر شرائعهم الفقهية. ويجوز للإسرائيلي الزواج من ابنة أخته أو ابنة أخيه ولكن العكس محرم فلا يحل للمرأة الزواج من ابن أختها أو ابن أخيها، ثم حرم كثير من أحبارهم الزواج ببنت الأخ. كما أن تعدد الزوجات كان جائزاً شرعاً ولم يرد نص بتحريمه أو تحديد حدٍّ أقصى له، وكانت عادة اليهود باتخاذ أكثر من زوجة إلى أن أفتى الحاخام جرشوم بن يهودا الفرنسي (توفي عام 1040م) بتحريم تعدد الزوجات، وذلك نتيجة ما لاقاه يهود أوروبا في العصور الوسطى من اضطهاد واحتقار لأسباب منها تعدد الزوجات المحرم عند المسيحيين، لكن فتواه لم تطبق واستمر التعدد سراً وعلناً لاسيما في بلدان آسيا وأفريقيا.

عرس تقليدي لابن أحد الحاخامات

ومن خصائص الشريعة اليهودية مسألة اليِبُّوم، وهي أرملة اليهودي الذي مات ولم ينجب فيجب عندئذ تزويجها لأخيه الأعزب، فإذا أنجب منها فإن المولود لا يحمل اسمه بل اسم أخيه الميت وينسب إليه، وإذا امتنع أخو المتوفى عن هذا الزواج فإنه يشهر به ويخلع من المجتمع الإسرائيلي.

كذلك تهتم الشريعة اليهودية بالابن البكر فهو خليفة أبيه في السلطة والثروة، وكثيراً ما كانت تشتعل المنافسات بين الإخوة الصغار وأخيهم الأكبر بسبب هذا وتنسج المؤامرات، وأوضح الأمثلة قصة يعقوب وتآمره مع أمه على انتزاع حق البكورية من أخيه عيسو المذكورة في سفر التكوين. والعبارة التالية توضح الغاية من هذا التشريع، فقد نص بن شمعون في قانونه على أن: “البكر من الجارية أو الأجنبية لا يمنع البكورة من الإسرائيلية” والمقصود نزع حق النسبة وميراث النبوة من إسماعيل جد العرب من أبيه إبراهيم وإثباتها لإسحاق ونسله فقط، فمع أن إسماعيل وُلد قبل أخيه إسحاق إلا أنه ابن هاجر الجارية المصرية، أما إسحاق المتأخر في الولادة فكان سليل الزوجة سارة التي توصف بأنها عبرية، وكان لا بد من هذا التشريع لتستقيم نظريتهم في شعب الله المختار.

أما بالنسبة للأموال والممتلكات فنجد أن الرِّبا محرم بين اليهود فقط، وعقوبة المخالف لذلك التكفير والخلع، بينما يباح الرِّبا إذا أقرض اليهودي لغير اليهودي. لكن الأحبار تحايلوا على هذا التشريع فيما بينهم أيضاً.

وباستعراض تقاليد اليهود في الطعام والشراب، نجد أنه يحلُّون من الحيوانات كل ما له ظلف مشقوق وليست له أنياب ويأكل العشب ويجتر، وبذلك يحرم عليهم الخيل والبغال والحمير وكذلك الجمل، والخنزير لأنه ذو ناب والسباع بأنواعها كما يحرم عليهم الأرنب وما يتصل به من قوارض آكلة للعشب لأنها ذات أظافر لا أظلاف مشقوقة، كما يحرم من الطيور كل ما له منقار معقوف أو مخلب أو كان ممن يأكل الرمم، وتذبح الحيوانات الصالحة للأكل من منحرها بالطريقة الشرعية وبعد تلاوة بركة تتضمن اسم الرب. أما صيد البحر فكله حرام عليهم باستثناء السمك الذي له زعانف وعليه قشور فقط، كما أن الدم محرم عليهم كتحريمه على المسلمين، ويحرم عليهم الجمع بين اللحم واللبن الحليب أو أي شيء يمت له بصلة في طعام واحد، لذلك يحرم طبخ اللحوم في السمن والزبد بل تطبخ بزيوت نباتية. كما يحرم أن يوضع اللحم في إناء كان قد وضع فيه لبن أو جبن من قبل.

ويولي اليهود اهتماماً شديداً بأعيادهم الدينية لارتباطها بتعاليم التوراة من جهة وبتاريخهم من جهة أخرى، وأكثر أعيادهم أهمية في توضيح عقيدتهم:

طقوس يوم السبت في لوحة من القرن الرابع عشر

1- السبت: هو العيد الأسبوعي لدى اليهود، ويبدأ من غروب يوم الجمعة إلى غروب السبت، وأهم شعائره الكفُّ عن أي عمل في ذلك اليوم لأن الرب -كما زعم كتبة سفر التكوين- استراح فيه بعد أن تعب من خلق السماوات والأرض، حيث يقول “وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع وبارك الله اليوم السابع وقدسه” [التكوين: 2/ 3]. وتقدم ذبيحة في هذا اليوم لأن الرب “يحب اللحم المشوي”، وتتشدد الشريعة اليهودية في أحكام السبت فمن يعمل عملاً فيه يحكم بالإعدام، حيث زعم كتبة التوراة أن موسى قتل رجلاً لأنه احتطب يوم السبت [الخروج: 31/ 14- 15]، وتطبيق شعائره من أهم بنود الوصايا العشر التي جاء بها موسى كما يقولون.

ومن الأمور المحرمة في السبت استدعاء طبيب لمعاينة مريض مهما كانت حالته حرجة، وعدم صنع طعام أو إيقاد نار، لذلك يصنع اليهود المتدينون طعامهم قبل غروب الجمعة، والامتناع عن الكتابة والتعاقد والبيع والشراء والخروج من البيوت والقتال وإبرام عقود الزواج. لكن الأحبار أبدعوا طرقاً للتحايل على هذه القيود، حيث ذكر القرآن نموذجاً منها في قصة أصحاب السبت [البقرة: 65]، وللتحايل على مسألة الحروب والقتال أباحوا للكاهن الأعلى أن يعلن الحرب على أساس أنها حرب دفاعية، ولهذا يسمى جيشهم اليوم بجيش الدفاع الإسرائيلي.

2- عيد الفصح أو عيد العبور أو الفطير: هو أهم الأعياد اليهودية على الإطلاق، فيحتفلون فيه بإخراجهم من مصر ونجاتهم من فرعون، والفصح كلمة عبرية تعني العبور أي عبور البحر، وسمي عيد الفطير لأنهم لا يأكلون فيه إلا فطيراً قبل أن يختمر كما فعل آباؤهم عند خروجهم من مصر حيث أخذوا معهم عجينهم قبل أن يختمر، وتستمر الاحتفالات بهذا العيد سبعة أيام ويقع في شهر أبيب العبري الموافق لشهر أبريل/نيسان، وعلى كل عائلة أن تذبح استعداداً له خروفاً وأن تلطخ بدمه باب بيتها وعتبته وقائمتيه، وذلك إحياءً لما نص عليه سفر الخروج الذي جاء فيه أن الرب عندما قرر إهلاك كل المصريين -وليس فرعون وجيشه فحسب- نزل وتمشى في أرض مصر ليقتل كل المصريين وأبناءهم وبهائمهم، وحتى لا يخطئ الرب ويقتل أحداً من شعبه المختار فقد جعل لهم علامة تيميز بيوتهم عن بيوت المصريين، فأمرهم بأن يذبح كل منهم شاة ويغمس عتبة بيته بدمها كي يتعرف الرب على بيوتهم فلا يمسها بسوء، وفي هذا التصور للإله يبدو واضحا أنه لا يعلم كل شيء.

شوارع تل أبيب فارغة في يوم الغفران (Roy Boshi)

3- يوم الغفران (يوم كِبُّور): هو يوم من كل سنة حددته الشريعة اليهودية للتكفير عن الخطايا ويسمى يوم الكفارة، ويوافق اليوم العاشر من الشهر السابع من السنة العبرية، وينبغي فيه الامتناع عن العمل، مع الصوم والاعتراف بالخطايا وإقامة الطقوس المستمدة من التوراة، حيث ينص سفر اللاويين على أن الرب أمر موسى وهارون بأن يحضرا تيسين، الأول يقدمانه للرب بعد أن يتلو هارون على رأسه كل خطايا بني إسرائيل ويذبحانه ليحملها عنهم، ويلطخان بدمه قدس الأقداس في خيمة الاجتماع وغطاء التابوت الذي فيه الرب، أما الثاني فيحمل خطاياهم ويرسلونه في البرية، وهو مقدم لعزازيل (إبليس نفسه) في طقوس أقرب ما تكون من عبادة الشيطان وتقديم القرابين له، ما يؤكد تسلل عقيدة ثنوية (ثنائية) الآلهة لدى اليهود، انطلاقا من مفهوم ازدواجية الخير والشر في العالم. وبما أن ذنوب الشعب المختار كلها تُكفّر في هذا اليوم فقد أصبح لدى البعض يوماً لارتكاب جميع الموبقات ونكث العهود، بل وإنكار الحقوق والديون والتحلل من الالتزامات، وبعد انتهاء الطقوس تذهب كل الذبائح والقرابين إلى بيت الكاهن.

4- عيد الفوريم أو البوريم أو عيد المساخر: له ارتباط وثيق بسفر أستير الذي يحكي قصة غانية فاتنة من بي إسرائيل اسمها أستير نجحت في الوصول إلى قلب الملك الفارسي أحشويروش أو قورش الأول (الذي حكم بلاد فارس من 485 إلى 465 ق. م) بعد أن علمت أن وزيره هامان يزمع استصدار أمر من الملك بإعدام طائفة من اليهود في مملكته لجرائمهم، فدبرت مكيدة بمساعدة عمها مردخاي بن يائير، وبعد أن أغوت الملك وأسكرته اتهمت هامان بأنه يتآمر عليه، فصدقها وأعدم هامان وأولاده وجنوده، وجعل عمها أحد وزرائه وقرب اليهود، وعندما تولى ابنه (ربيب أستير) العرش وحطم الدولة البابلية استصدرت أمراً بإعادتهم إلى فلسطين. وكلمة “بوريم” الفارسية تعني القرعة، حيث كان هامان قد أجرى قرعة لتحديد اليوم الذي سينفذ فيه الإعدام، فوقعت القرعة على يوم 13 آذار قبل أن تنقلب الأمور عليه ويقتل. وكتب أحبار اليهود سفرا كاملا باسمها في العهد القديم، وما زالوا يتعبدون بتلاوة هذا السفر مع أنه يتضمن قصة إغوائها للملك، ويعتبرونها من أبطال إسرائيل التي أنقذت شعبها. وفي الثالث عشر من آذار من كل سنة يحتفلون بهذه المناسبة بالإكثار من شرب الخمور والفجور، ويلبسون الأقنعة والملابس التنكرية في أجواء احتفالية (كرنفالية)، فاشتهر هذا العيد -وخاصة لدى المؤرخين المسلمين الذين عاش اليهود بينهم- باسم “عيد المسخرة أو المساخر”.

أشهر الفرق اليهودية:
ينقسم جمهور اليهود عرقيا إلى طائفتين كبيرتين هما:

أولاً- الإشكناز: هم من سلالات شعوب “الخزر” التي استوطنت حوض نهر قزوين وشمال أوربا وشرقها، حيث تخلوا عن الوثنية واعتنقوا اليهودية في القرن التاسع الميلادي، أي بعد ظهور الإسلام أيضا، فهم ليسوا من بني إسرائيل ولا يمتون إليهم بصلة، ومع ذلك فهم يشكلون اليوم غالبية يهود العالم الذين يطالبون بعودة بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة.

كانت كلمة “إشكناز” تدل في العصور الوسطى على الأراضي الأوربية التي يسكنها الجنس الجرماني ثم أصبحت تدل على ألمانيا، وكذلك شمال فرنسا وشرقها والنمسا وبولونيا وسائر أوربا الشرقية ودول الاتحاد السوفييتي السابق. ونتيجة البعد الجغرافي عن فلسطين لم يستخدم الإشكناز اللغة العبرية، فحلّت محلها رطانة خاصة بحارات اليهود (غيتوهات) أساسها لهجة ألمانية قديمة ممزوجة بألفاظ عبرية، ومستقاة من المصطلح الديني عند اليهود، فلما عادوا للاهتمام بالعبرية في العصر الحديث ظهرت بينهم لهجة خاصة محرفة، ولهم طقوس خاصة في الأعياد وبعض التقاليد المختلفة في المأكل والمشرب والملبس، وذلك بتأثير الأمم التي عاشوا في كنفها والمناخ البارد الذي اعتادوا عليه قروناً، ومن الإشكناز خرج أقطاب الصهيونية المعاصرة في بدايات القرن العشرين الميلادي.

ثانياً- السفارد (سفارديم): هم اليهود الذين استقروا في حوض البحر الأبيض المتوسط المتحدرون من يهود شبه جزيرة إيبيريا (إسبانيا والبرتغال)، فبعد دخول المسلمين إلى الأندلس تمتع اليهود هناك بحرّية دينية وثقافية واجتماعية كبيرة مما سمح لهم بالمحافظة على استعادة عبريتهم التي فقدوها لقرون، وعندما تعرض اليهود مع المسلمين للاضطهاد في محاكم التفتيش الكاثوليكية بعد سقوط الأندلس عام 1492م، هاجر عدد كبير منهم إلى فرنسا وإنجلترا وإيطاليا واليونان وتركيا وأطلق عليهم اسم سفارديم. ومع تأسيس الكيان الصهيوني نزح معظمهم إلى هناك وشكلوا أغلبية السكان، لا سيما وأنهم كانوا يحافظون على اللغة العبرية التي أصبحت اللغة الرسمية للدولة الناشئة، لكن قادة الصهيونية من الإشكناز سارعوا إلى الضغط على الاتحاد السوفييتي لترحيل ملايين اليهود الإشكناز كي يشكلوا غالبية سكان إسرائيل ويطبعوا الدولة بطابعها الغربي العنصري.

تشير دراسات مختلفة إلى أن اليهود الإشكناز يمثلون 83.33% من مجموع اليهود في العالم، أما السفارديم فنسبتهم حوالي 5.3%، بينما تصل نسبة يهود العالم الإسلامي والشرق إلى 11.39% من مجموع اليهود في العالم والبالغ 13.2 مليوناً.

ويعتبر الكثيرون اليوم أن الإشكناز هم اليهود الغربيون وأن السفارديم هم الشرقيون، وهذا ليس صحيحا، فهناك الكثير من السفارديم اليوم في دول أوربا الغربية، كما ينبغي التمييز بين السفارديم واليهود الشرقيين (المزراحيين)، فمصطلح “اليهود الشرقيين” كان يُطلَق على بني إسرائيل الذين غادروا أورشليم بعد هدمها إلى العراق وإيران وأفغانستان والجزيرة العربية وشمال أفريقيا وجورجيا.

مجموعة من نساء الفلاشا عند حائط البرقاق بالقدس (سبوتنيك)

ومن الصعب أيضا الإقرار بأن كل المزراحيين ينحدرون من سلالة بني إسرائيل، فبالرغم من حرص اليهود على نقاء عرقهم إلا أن الكثير منهم تزوج وصاهر أعراقا أخرى في المشرق العربي والإسلامي، وهناك سلالات يهودية اليوم في الهند، وكذلك سلالة أخرى في الحبشة (الفلاشا).

ويجدر بالذكر أن يهود المشرق يختلفون عن السفارديم بخلفياتهم الثقافية والتاريخية مع أنهم يتبعون النهج السفاردي في العبادة.

وتتسم العلاقة بين الإشكناز الغربيين والسفرديم الشرقيين بتوتر شديد وصراع دائم في الكيان الصهيوني بسبب التمييز العنصري، إذ يعتبر الإشكناز أنفسهم أعلى رتبة من الآخرين، ويحتكرون لأنفسهم أهم مناصب السياسة والامتيازات الاقتصادية، مما يولد أحقاداً بين الطرفين.

وإلى جانب التصنيفات العرقية السابقة، والتي تتبعها فوارق مذهبية وثقافية أيضا، فهناك فرق أخرى انبثقت عن التطور المستمر في الفكر الديني اليهودي، وقد عاشت بعضها لمدة قد تطول أو تقصر بحسب الأحوال والملابسات، بينما اندثر أكثرها، ونذكر من هذه الفرق ما يلي:

السامريون

1- السامريون: هي فرقة صغيرة لا يزيد عدد أبنائها عن المئات، تعيش بجوار مدينة نابلس الفلسطينية التي قامت على أنقاض مدينة السامرة التي ينتسبون إليها، ويزعمون أنهم البقية الباقية على الدين الصحيح، ولا يؤمنون بنبوة الأنبياء الذين جاءت أسفارهم بعد توراة موسى في العهد القديم ويعدونها من صنع البشر باستثناء سفر يوشع بن نون، فيرفضون التلمود وغيره من كتابات الأحبار. ولهم نسختهم الخاصة من التوراة التي تختلف اختلافاً محسوساً عن التوراة الشائعة، ويقدسون جبل جرزيم قرب نابلس ويسمونه جبل الطور تيمناً بالطور الذي كلم الله عليه موسى، ويعيشون في عزلة عن بقية اليهود، وينفون عن عامة اليهود الانتساب إلى إسرائيل أو الإيمان بإله إسرائيل.

2- الفريسيون: هم طائفة علماء الشريعة (الأحبار) قديماً الذين كانت لهم الكلمة العليا في توجيه المجتمع اليهودي على عهد المسيح، كما كانوا من ألدّ خصومه وأكثرهم تعصباً، وامتازوا آنذاك بمنزلتهم عند الولاة الرومان. واسمهم مشتقٌ من كلمة “فروشيم” التي تعني “المفروزون” أي الذين امتازوا على الجمهور وعزلوا أنفسهم عنهم وأصبحوا لعلمهم ومعرفتهم بأسرار الشريعة الصفوة المختارة، ويعتبرون بقية اليهود من “عوام الأرض”. وإذا كان اليهود عامة يرون أنفسهم شعب الله المختار فإن الفريسيين عدّوا أنفسهم “خاصة الخاصة”.

رسم تخيلي لبولس

والفريسيون هم الذين وضعوا التلمود وتعاليمه التي تقرر “أن مخافة الحاخامات هي مخافة الله، وأن أقوالهم أفضل من أقوال الأنبياء، وتعاليمهم لا يمكن نقضها ولا تغييرها ولو بأمر الله تعالى نفسه”. واشتهروا بوضع الحيل للتخلص من قوانين الشريعة التي كانوا يتظاهرون بالتقيد بها، لذا ناصبهم المسيح عيسى بن مريم وابن خالته يحيى بن زكريا عليهما السلام العداء، وامتلأ الإنجيل -الذي أنزل على عيسى- بذمِّهم وفضح نفاقهم حتى أصبحت كلمة “فريسي” تدل على العار.

وكان بولس -وهو أول من بدَّل دين المسيح كما سنرى في مقال المسيحية– يهودياً فريسياً، إلا أن تغلغل اليهود التدريجي في الثقافة الغربية المعاصرة بلغ من القوة أن يقنع المسيحيين البروتستانت -ولاحقا الكاثوليك- بتبرئة اليهود مما ذمهم به المسيح نفسه والنبي يحيى (يوحنا المعمدان)، مع أن اليهود هم الذين اتهموا السيدة مريم بالبهتان وقالوا في المسيح إنه ابن زنا [انظر مقال المسيحية المتصهينة].

3- القنّاؤون: كلمة قنّاء العبرية تعني الغيور أو صاحب الحميّة، والمقصود هو الحميّة الدينية، وتشبه هذه الفرقة بعقائدها وطقوسها الفريسيين إلا أنها أشد تعصباً منهم، فأتباعها يتهمون الفريسيين بالجبن والخيانة لأنهم رضوا بحكم الرومان وتعاونوا معهم فلا يُقبل أن يحكم وثني يهودياً. وقد ظهروا بعد هزيمة المكابيين على يد الرومان وكانوا يقومون بعمليات اغتيال للرومان واليهود المتعاملين معهم، ما دفع السلطات الرومانية الحاكمة إلى قمعهم بقوة، الأمر الذي رد عليه القناؤون بمزيد من التشدد وتشكيل الجماعات السرية.

وكان القناؤون يقتلون كل من يخالف الشريعة اليهودية حتى أطلق عليهم الفريسيون اسم “سيقارين” أي السفاح، وكانوا شديدي العداء للمسيح عليه السلام.

هرتزل

4- الصهيونية: إذا كانت كثير من الفرق اليهودية قد اندثرت وانتهى وجودها فإن آثارها الفكرية امتدت في الحركات اليهودية المعاصرة التي تتشكل منها مجتمعات اليهود اليوم، وأشهرها الحركة الصهيونية التي جمعت بين فكر الفريسيين وتعصب القنائين وأساليبهم.

فالصهيونية حركة سياسية عنصرية متطرفة ترمي إلى إقامة دولة لليهود في فلسطين تحكم من خلالها العالم كله، وقد اشتقت اسمها من جبل صهيون في القدس الذي تطمع إلى أن تشيد فيه “هيكل سليمان” ليكون مركز مملكتها.

وإذا عدّ معظم الباحثين في الصهيونية النمساوي اليهودي تيودور هرتزل (توفي 1904م) الداعية الأول للفكر الصهيوني فإن جذورها الفكرية والتاريخية تعود إلى ثورة المكابيين ومعظم الحركات اليهودية التي أُججت فيها الروح الدينية والقومية، فهي تنظيم وتجديد للصهيونية القديمة.

تقوم الصهيونية على تعاليم التوراة والتلمود، ومع ذلك يوجد من زعمائها من يوصف بالملحد، وهي التي تقود ما يسمى بدولة إسرائيل وتخطط لها، كما أن الماسونية تتحرك بتعاليمها وتوجيهاتها، ويخضع لها الكثير من زعماء العالم ومفكريه، ولها مئات الجمعيات في أوروبا وأمريكا في مختلف المجالات، والتي تبدو متناقضة في الظاهر لكنها في الواقع تعمل كلها لمصلحة اليهودية العالمية.

واليهود اليوم ينقسمون إلى فرق على أساس انتمائهم الديني: فمنهم المحافظون والإصلاحيون والأرذثوكس، إضافة إلى معتنقي فكر القبالاه والحسيدية.

وهناك من يبالغ في قوة اليهود مبالغة كبيرة جداً، كما نجد آخرين يقللون من شأنهم ودورهم في صنع المؤامرات، والرأيان يحتاجان إلى تقويم وتوجيه لتحديد مواطن قوة اليهود ومدى تأثيرهم في العالم وكشف خفايا مؤامراتهم، على أن استقراء الواقع يدل على أن اليهود الآن يحيون فترة علوٍ استثنائية تحتاج من المهتمين إلى الدراسة والبحث [انظر خاتمة مقال الماسونية].

يهود أرثوذكس يتجمعون للصلاة عند حائط البراق (المبكى) وهو جزء من الجدران الخارجية للمسجد الأقصى

أهم المراجع
بولس الفغالي وأنطوان عوكر، العهد القديم العبري: ترجمة بين السطور، الجامعة الأنطونية والمكتبة البولسية، 2007م.

زالمان شازار، نقد العهد القديم، ترجمة أحمد محمود هويدي، رؤية للنشر والتوزيع، 2014م.

د.م. دنلوب، تاريخ يهود الخزر، ترجمة سهيل زكار، دار قتيبة للنشر: دمشق، 2005م.

حسن ظاظا، الفكر الديني اليهودي: أطواره ومذاهبه، دار القلم: دمشق، 1999م، ط4.

محمد علي البار، المدخل لدراسة التوراة والعهد القديم، دار القلم: دمشق، 2011م، ط2.

عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق: القاهرة، 1999م، ط1.

عبد المنعم فؤاد، قضية الألوهية في الأسفار اليهودية، مكتبة الثقافة الدينية: القاهرة، 2004م.

سليمان بن قاسم العيد، النبوة والأنبياء في العهد القديم، جامعة الملك سعود: الرياض، 2003م.

الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي: الرياض، 1989م، ط1.

طارق سويدان، اليهود الموسوعة المصورة، شركة الإبداع الفكري: الكويت، 2009م، ط1.

Jean Schorer, Das Christentum in der Welt und für die Welt, Wien 1949.

الصليبية

ربى الحسني


الصليبية وصف أطلق على الحروب التي شنها الغرب المسيحي على العالم الإسلامي نهاية القرن الحادي عشر الميلادي/الخامس الهجري، واستمرت معاركها العسكرية لمدة تزيد عن مئتي سنة، وكان لأحداثها ونتائجها أثر بالغ في تاريخ العالم الإسلامي لايزال مستمراً بقوة إلى الآن.

وإذا كانت المعارك العسكرية قد انتهت فإن الفكر الصليبي الذي أسس لهذه الحرب وأشعلها لم ينته، بل على العكس لا يزال مسيطراً على الفكر الغربي وعقلية من يحكمونه من نخب سياسية وثقافية واقتصادية.

وسنهتم هنا بدراسة الخلفية الفكرية (الأيديولوجية) لهذه الحروب؛ لا سرد تاريخها ومعاركها، فقد شكلت هذه الأيديولوجية عقيدة راسخة لها أبعادها وخفاياها وليست مجرد فكرة طارئة خرجت من ذهن متهورٍ أو جاهل، كما أن الرؤوس المدبرة لهذه الحروب لازالت موجودة إلى الآن، وتشهد اليوم ذروة قوتها وهيمنتها.

الصراع الإسلامي المسيحي

لوحة تخيلية لمجمع نيقية تعود إلى القرن السادس عشر

تعود جذور الصراع بين الإسلام والمسيحية إلى وقت مبكر من تاريخ الإسلام، فقد بدأت البعثة النبوية في القرن السابع الميلادي عندما كانت الدولة البيزنطية تمثل القوة المسيحية الأساسية الكبرى التي تسيطر على مساحات واسعة من العالم، بما فيها الشام ومصر وشمال أفريقيا، وكان من الطبيعي أن تنظر هذه الدولة عقائدياً بعين العداء لعقيدة جاءت وركنها الأعظم توحيد الإله ونفي الشريك والولد عنه، مقابل ما تبنته تلك الدولة من عقيدة مشوهة منذ عقد إمبراطورها قسطنطين مجمع نيقية (325م) وصدر عنه مقررات اعتمدت تعديلات بولس الرسول (شاؤول اليهودي) القائلة بألوهية المسيح، ثم أضيف إليها فيما بعد ألوهية الروح القدس، فأصبحت بنسختها المعدلة تقر بالتثليث مقابل التوحيد الذي جاء به المسيح نفسه.

وكان الصدام العسكري الأول بين المسلمين والمسيحيين في معركة مؤتة (8هـ- 629م)، ثم تبعتها سلسلة من الصدامات التي دلت على أن الدولة البيزنطية ستتولى قيادة الصراع مع المسلمين في القرون المقبلة. ومع توالي الفتوحات الإسلامية زمن الخلافة الراشدة وما بعدها؛ شكَّل فتح المسلمين لبيت المقدس (16هـ-637م) محطة مفصلية لما تمثله المدينة من مكانة دينية هامة للطرفين، مما سيجعلها المؤثر الأبرز على مستقبل الصراع الإسلامي- المسيحي، بل واليهودي أيضاً كما سيظهر.

وشهد الصراع بين الطرفين مراحل من المد والجذر إلى أن دبَّ الضعف في العالم الإسلامي نتيجة عوامل عديدة، على رأسها التشتت والخلافات، إضافةً إلى عامل مهم تمثل في خضوع أقاليم واسعة منه لسيطرة دول شيعية، أهمها الدولة العبيدية التي تعرف بالفاطمية في مصر وأجزاء واسعة من الشام، مقابل خلافة عباسية سنية ضعيفة في العراق وما حوله، مما جرأ الدولة البيزنطية على التفكير في استعادة ما فقدته من بلاد، وعلى رأسها بيت المقدس، وأصبحت خطابات ملوكها التي توجَّه لجيوشها المقاتلة مشحونة بالعبارات الدينية التي تؤكد الروح العقدية التي تحرك حروبها.

أما في غرب أوروبا -منطلق الحملات الصليبية- فكانت السيادة والهيمنة للسلطة الدينية ممثلةً بالكنيسة الكاثوليكية وبابا الفاتيكان، إضافة إلى مجموعة محكمة التنظيم من الأديرة والكنائس التي تديرها أسر من النبلاء والأمراء الإقطاعيون والتي تمتع بعضها بنفوذ وثروات كبيرة واستقلالية تامة بعيدة عن سلطة الكنيسة وأعينها.

دوافع الفكر الصليبي

يُطلق مصطلح العصور المظلمة على المرحلة التي عاشتها أوروبا قبل الحروب الصليبية التي سمحت لها بالاحتكاك بالمشرق الإسلامي واكتشاف حضارته وعلومه، حيث كانت أوروبا تغرق قبلها في العنف والجهل والأوبئة

بعد استقراء معظم ما كُتب في تحليل دوافع الحروب الصليبية يتبين أن آراء الباحثين تنوعت ما بين من يرجع أسبابها إلى مجموعة من الدوافع الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حركتها وقدحت شرارتها، وبين من يجعل لها سبباً واحداً أسهم في نشأة الفكر الصليبي وما نتج عنه من حروب عسكرية وفكرية.

ويلاحظ تركيز البعض على ضرورة استبعاد الدافع الديني الذي حرك تلك الحشود الضخمة وجعلها تطوف في البلاد وتسفك الدماء، مع أن أفرادها كانوا يرسمون الصليب على أكتافهم ويرفعونه في حروبهم ويصرحون بأن هدف حملاتهم هو “إنقاذ المسيحيين والقدس من المسلمين واستعادة الضريح المقدس”.

ومع البحث يتضح أن لهذا الفكر دوافع عديدة، منها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، إلا أن الدافع الديني هو المهيمن، ويشكل الأصل الذي تفرعت عنه تلك الأسباب كلها، فلا شك أن أوروبا كانت تعاني اقتصادياً وأن معظم شعوبها محرومة من رغد الحياة، مما أطمعها في خيرات الشرق الغني، كما تغلبت رغبة الثراء على عقول الأمراء الإقطاعيين، فكانت الحرب فرصة لتحقيق طموحات استحال عليهم تحقيقها في أوروبا بسبب قانون الإرث الذي يمنح الثروة بأكملها للابن الأكبر، إضافة لما تجلبه الحرب من امتيازات وثروات لتجار الموانئ الأوربية التي تساهم أساطيلها فيها.

أما سياسياً، فقد رغب ملوكها وأمراؤها بتوسيع نفوذهم، وانتبهوا إلى ضعف الدولة البيزنطية (والتي كانت تتبع المذهب الأرثوذكسي وتمتد على تركيا وأوربا الشرقية) مما شجعهم على فتح الباب الشرقي لأوروبا أمام خطر المسلمين، إضافةً إلى خطر إخوانهم في الغرب أي الأندلس الذين كانوا يخوضون معهم حروباً لم تتوقف.

أما على الصعيد الاجتماعي، فكانت أوربا تعيش حالة مزرية مع تفشي الفساد الأخلاقي الذي امتد ليشمل رجال الكنيسة، كما كانت تعاني من انتشار الجريمة، إضافة إلى معاناة شديدة عاشتها جموع الفلاحين والعبيد بسبب حياة الذل والعبودية التي فرضها الإقطاعيون مقابل حمايتهم من هجمات خارجية تشنها عصابات قطاع الطرق.

أوربان الثاني

ساهمت هذه العوامل دون شك في إذكاء الحروب الصلبيبية، لكنها مجتمعة ما كان لها أن تضرم نار سلسلة من الحروب استمرت طوال هذه المدة الزمنية ودمرت وقتلت مئات الألاف، لولا وجود دافع رئيسي مؤثر غذّاها وأمدها بأسباب القوة والاستمرار، ألا وهو الدافع الديني. فالفكر المحرك لتلك الحروب كان ولازال نتيجةَ دافعٍ عقدي رئيسي تفرعت عنه تلك الدوافع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عانى منها الغرب طويلاً، لكنها لم تشعل حرباً على العالم الإسلامي إلى أن ظهرت شخصيات مؤثرة كالبابا أوربان الثاني، الذي كان العامل الديني لديه ولدى كثيرٍ من القواد والأمراء واضحاً منذ البداية، فأفلح في الاستفادة من تلك العوامل وتجنيدها لخدمة غايته العظمى وهي شنُّ “حرب مقدسة” على العالم الإسلامي.

كان الدين هو الهدف المعلن لتلك الحملات التي دعت الحشود إلى “إنقاذ الأرض المقدسة وضريح المسيح والإمبراطورية البيزنطية من المسلمين الوثنيين الكفار”، ونجح البابا في تهييج الجموع الكبيرة التي اجتمعت في كليرمون جنوب فرنسا سنة 1095م لتستمع إلى خطبته الشهيرة، التي أكد فيها أنه يتكلم نيابة عن المسيح نفسه عليه السلام، فقال “ومن ثَمَّ فإنني لست أنا، ولكن الرب هو الذي يحثكم باعتباركم وزراء المسيح أن تحضوا الناس من شتى الطبقات”، كما استخدم نصاً من إنجيل لوقا يقول “ومن لا يحمل صليبه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا”، ووعد المشاركين بالغفران من الذنوب التي كانت شائعة للغاية، فازداد حماسهم في ظل شيوع التعصب الديني والخرافات والاعتقاد بالعودة الوشيكة للمسيح إلى الأرض ونبوءات آخر الزمان، وهي عقائد سادت بقوة في ذلك العصر بفعل اليهود المتغلغلين بقوة في المجتمع الأوروبي بأفكارهم وعقائدهم [انظر مقال المسيحية المتصهينة].

كما استغل البابا قدرته الخطابية في التصوير غير النزيه لمعاناة الحجاج النصارى في الأراضي المقدسة على أيدي المسلمين الذين سمّاهم بالوثنيين، واستثار الحشود التي كان معظمها لا يعرف القراءة والكتابة مؤكدا لهم أن بيت المقدس هو جنة الأرض وقلب العالم المليء بالخيرات، وما إن انتهى من خطبته حتى ثارت الجماهير وصاحت: “الرب يريدها.. الرب يريدها” وهي الصيحة التي صارت شعارًا للحرب بعد ذلك.

تواصل البابا مع المجامع الدينية في أوروبا الغربية ليأخذ رجال الكنائس على عاتقهم مهمة تحميس الناس، وكلّف بطرس الناسك (الذي سيكون له دور بارز في الحملة الصليبية الأولى) بالقيام بجولات مكثفة في أوربا لجمع المقاتلين، مستغلا براعته في الخطابة.

واستثمر البابا حماسة الأمير ريمون الرابع الذي كان يحكم تولوز وبروفانس، وغيره من الأمراء الكبار، ولا سيما الذين شاركوا سابقا في محاربة المسلمين بالأندلس، والذين سبق لهم أن زاروا القدس كحجاج.

لوحة تعود إلى القرن الرابع عشر للحملة الصليبية الثانية

وكان اختيار البابا لفرنسا -موطنه الأصلي- لتكون المكان الذي سيعلن منه بدء الحملات الصليبية مقصوداً، فقد كان جنوب فرنسا بمثابة منطقة تماس مع الحرب التي شنها النصارى الإسبان ضد المسلمين في الأندلس، كما كانت ذات دلالة رمزية وتاريخية خاصة تمثلت في أنها شهدت وقف المدِّ الإسلامي وإعاقته خلال معركة بلاط الشهداء أو بواتييه التي هزم فيها المسلمون سنة (732م)، وهو أمر لم يغب عن بال أوربان الثاني فأراد لها أن تكون منطلق حملاته التي يريد شنَّها على العالم الإسلامي.

وهكذا استطاع أوربان الثاني أن يوحد أوربا في مشروع واحد رغم الاختلاف البيِّن بين شعوبها المختلفة، فتوحدت على الحرب المقدسة ضد الأعداء مع شيوع الاعتقاد بقرب نهاية العالم، وأصبحت الحرب مشروعاً لتحقيق أحلامهم الدنيوية وخلاصهم الأخروي في آن واحد، حتى اعتبروا أنفسهم “فرسان المسيح” و”جيش المسيح” و”الشعب المقدس ” و”شعب الرب “، وآمنوا فعلا بأن الحرب استجابة لأوامر الرب نفسه.

أبعاد خفية
ذكرت دراسات عديدة في الشرق والغرب أن هناك أبعادا أخرى للحروب الصليبية تم إخفاؤها عمداً عن صفحات التاريخ، وكان من أحدث هذه الدراسات التي صدرت حديثاً كتاب “اليهود والحركات السرية في الحروب الصليبيبة” للباحث المصري د. بهاء الأمير، حيث أشار إلى أن تلك الحروب لم يكن لها من المسيحية إلا الغلاف والقشرة، أما في جوهرها فكانت يهوديةً خالصة.

وقد عمد الأمير في كتابه إلى جمع وثائق ومراجع غربية عديدة لكتَّاب من عصور مختلفة والنظر فيها وتمحيصها، ككتاب “الدم المقدس: الكأس المقدسة” لميشيل بيجنت وهنري لنكولن، وموسوعات غربية شهيرة كالموسوعة البريطانية، وما كتبه روبرت لوماس أحد الخبراء في تاريخ الجمعيات السرية وأشهر من أرَّخ للماسونية، وألبرت بايك سيد الماسونية في القرن التاسع عشر وغيرهم، ورجّح من خلالها وجود تلك الدوافع الخفية للحروب الصليبية.

وتفصيل ذلك أن أوروبا عرفت منذ القرن الثالث الميلادي ظهور ما يعرف بالأسرة الميروفنجية، وهي مجموعة من الأسر التي ترتبط فيما بينها بعلاقات نسب ومصاهرة قوية، وتعتبر الفرع الأكبر والأشهر من قبائل الفرانكا (الفرنجة) التي سيطرت على مناطق واسعة من جنوب أوروبا وغربها، فيما كان يعرف قديماً باسم “غالة”، والتي كانت تضم فرنسا وبلجيكا وسويسرا وغرب ألمانيا وجزءاً من أسبانيا، ولم تدخل في المسيحية إلا في القرن الخامس الميلادي، حيث أنشأت سلسلة أديرة خاصة بها في كل أنحاء غالة ودعمتها مادياً ومعنوياً لضمان ولائها لها، ولتبثَّ من خلالها أفكارها في أتباعها، حتى نجحت بالتدريج في التغلغل بالمجتمع وصولاً إلى الطبقة الحاكمة، ولتصل في النهاية إلى تأسيس مملكة دينية من الأديرة والكنائس تنافس الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، وتمنع تسرُّب أفكار الفاتيكان إلى شعوب “غالة” التي صارت تحت حكمها.

ويؤكد في كتابه اعتماداً على وثائق ودراسات غربية أن نسب الأسر الميروفنجية يعود إلى من بقي من سبط بنيامين (أحد أسباط بني إسرائيل الإثني عشر)، الذين فروا بحراً إلى أوربا بعد خراب الهيكل الثاني في القدس على يد الرومان واستقروا فيها، ثم حرصوا على التصاهر مع أسر يهودية من سبطي لاوي ويهوذا، أي أن جذورهم تعود إلى بني اسرائيل ودينهم اليهودي، وأن اعتناقهم المسيحية كان مجرد غطاء.

ولاحقاً، نجحت تلك السلالة من خلال رهبان الأديرة التي أسستها في اختراق الكنيسة الكاثوليكية نفسها، واستطاعت إيصال ستٍ من الباباوات ذوي الأصل اليهودي إلى رأسها، وكان أشهرهم البابا أوربان الثاني الذي أوقد شعلة الحروب الصليبية، فقد كان راهباً يرأس دير كلوني، أحد أكثر أديرة الأسرة الميروفنجية نفوذاً وثراءً.

وبهذا يمكن فهم أبعاد العبارة التي افتتح بها البابا خطبته الشهيرة في كليرمون عندما قال “يا شعب الفرانكا (الفرنجة) العظيم القادم عبر الجبال، يا شعب الله المحبوب المختار”. فقد كان يوجه خطابه إلى الفرانكا وليس إلى المسيحيين أو المؤمنين، ووصفهم بأنهم شعب الله المختار، وهو أسلوبٌ يهودي خالص.

كان أمراء أوروبا يتعاونون مع رهبان تلك الأديرة لتهيئة الأجواء باتجاه الحرب، فوثقوا صلاتهم بالإمبراطور البيزنطي (الأرثوذكسي) وأقنعوه بضرورة الاستعانة بهم لمساعدته في صراعه ضد السلاجقة المسلمين، وعندما استنجد بهم فعلاً أثاروا مشاعر الجماهير للزحف تجاه الأرض المقدسة.

غودفروي دي بويون

ومن الملفت أن قادة الحملة الصليبية الأولى اتفقوا على أن تعيين غودفروي دي بويون حاكماً للقدس (أورشليم) بعد السيطرة عليها، ولم يكن اختياره مصادفةً إذ كان أصرحهم نسباً في الأسرة الميروفنجية، فهو سليل داوود عليه السلام مما جعله في دين اليهود وريث أورشليم الشرعي، ويبدو أن استعادة القدس وتنصيب ملكٍ من بني إسرائيل عليها هو الهدف الحقيقي للحملة الصليبية.

وبالرغم مما قلناه عن الدوافع الاقتصادية للحرب فقد كانت متداخلة مع العقيدة، إذ تؤكد مصادر عديدة أن اليهود كانوا سادة المال والتجارة في أوروبا منذ القرن الخامس الميلادي، وأن التجارة بين أوروبا والعالم الإسلامي أصبحت في أيديهم بحلول القرن العاشر الميلادي، فكان تدبيرهم للحملات الصليبية وسيلة لاستكمال سيطرتهم على المال والتجارة العالمية، حيث راجت التجارة أثناء الحروب الصليبيبة وأثرى التجار (ومعظمهم من اليهود) ثراءً فاحشاً.

ولعل السِّمة اليهودية الأبرز للحملات الصليبية تتجلى في منظمة “فرسان الهيكل” التي كانت أشهر منظمة عسكرية في تاريخ أوروبا، علماً بأن اسمها الكامل هو “الجنود الفقراء من أتباع المسيح وهيكل سليمان”.

ويكتنف الغموض تاريخ هذه المنظمة، إلا أن ما كشفته بعض الدراسات الحديثة ساعد على ربط الكثير من الخيوط وكشف خفاياها، فقد أنشأها عام 1118م رجلان أحدهما الكونت دي شامبان رأس الأسر الميروفنجية، والآخر هو القديس برنار دي كليرفو رأس مملكة الأديرة التي أنشأتها تلك الأسر، وبذلك يعتبر الفرسان نموذجاً مثالياً للتحالف الوثيق بين تلك الأسر والأديرة التي كونتها ومولتها.

“كنيسة المعبد” التي كانت مقرا لفرسان الهيكل في لندن ويبدو من مظهرها أنها كانت أقرب للقلاع من الكنائس المسيحية

نجح دي كليرفو في اختراق الكنيسة الكاثوليكية حتى أصبح أهم مستشاري البابا، وأقام علاقات وثيقة مع ملوك أوروبا وأمرائها، واستطاع بنفوذه الحصول على اعتراف البابا بفرسان الهيكل ومباركته، حتى منحها من الامتيازات ما جعلها خارج سلطة الملوك والأمراء والأساقفة.

أعلنت هذه المنظمة ظاهرياً أن الهدف من إنشائها هو حراسة طرق الحج من يافا إلى أورشليم، وحماية الحجاج المسيحيين من أعمال السرقة والنهب التي كانوا يتعرضون لها بزعمهم، وأظهرت كفاءة قتالية عالية بمشاركتها مع الجيوش الصليبية، وحققت انتصارات كبيرة كان أشهرها معركة تل جازر سنة 1177م، والتي استطاعوا فيها تشتيت جيش صلاح الدين الأيوبي وهزيمته نتيجة خطأٍ عسكري ارتكبه، فزادت امتيازاتها وأصبحت القوة المنظمة الأولى في مملكة أورشليم الصليبية.

وأكد باحثون أن ما أظهرته المنظمة من أهداف وما قدمته من بطولات كانت ستاراً لهدف خفي، وهو الوصول إلى المسجد الأقصى والتنقيب تحته لكشف آثار هيكل سليمان الذي حملت المنظمة اسمه صراحةً، حيث اتخذوا مقراً لهم داخل المسجد، أي بعيداً عن طرق الحج التي أعلنوا عن حمايتها، وحفروا أنفاقاً تحته عُثر عليها سنة 1867م وفيها أدوات وأسلحة تحمل شعاراتهم.

اللباس التقليدي لفرسان المعبد

يدل ارتباط هؤلاء الفرسان بالهيكل دلالةً واضحة على أصلهم اليهودي ويرجح صِحَّة وقوف اليهود خلف الحملات التي رفعت الصليب شعاراً لها، إذ يبدو أن هدفهم من تحريكها كان الوصول إلى الهيكل الذي يصفه تيودور هرتزل بأنه: “عقيدة آبائنا التليدة التي جمعتنا معاً”، فالهيكل هو لبُّ اليهودية، وإعادة بنائه غايتها في كل زمان ومكان، فلا يوضع اسم الهيكل في منظمة أو تنظيم إلا ويكون يهودٌ خلفه، ولا علاقة للمسيحية به من قريب أو بعيد.

ومع أن أورشليم مقدسة عند المسيحيين، إلا أن المقدس فيها هو القبر وكنيسة القيامة وليس الهيكل، لأن خراب الهيكل وهدمه من علامات صدق المسيح عند أتباعه كما نص إنجيل متى. فلماذا تنسب منظمة -تدَّعي أنها كاثوليكية- نفسها إلى الهيكل وتضعه في اسمها إلى جانب المسيح، مع أنه ليس له أي قداسة في المسيحية بل العكس هو الصحيح؟!

لذا يرجح باحثون أن وضعهم كلمة المسيح ضمن اسم المنظمة كان غلافاً يخفي غايتهم الحقيقية وهي “الهيكل”، وهذا من سمات اليهود التي يغفل عنها الكثير من المؤرخين، ولا سيما المتعلقون بظاهر الأحداث.

ومع تنوع أسباب الحروب الصليببية وتشتتها في نظر معظم مؤرخيها، يبدو أن بعض الدراسات الحديثة نجحت أخيرا في الكشف عن انبثاقها من أصل واحد ضمن إطار العقيدة اليهودية، وأن اليهود تعمدوا إظهارها مشتَّتةً لإخفاء الهدف الحقيقي وتركه محل جدل على مدى قرون، وليبقى الآخرون غافلين عن السلاح الفعال الذي لا يمكن مواجهتهم إلا به، ألا وهو عقيدة الوحي غير المحرفة.

 

نتائج الحروب الصليبية
لعل أهم نتائجها هو ما خلفته من آثار على الصعيدين الثقافي والفكري، فالحملات الصليبية انتهت عام 1291م بفشل عسكري ذريع، إلا أنها أقنعت الصليبيين ومن وراءهم بضرورة تحويل المعركة مع العالم الإسلامي من حرب مسلحة إلى حرب مقنعة وأن يكون سلاحها الرئيس هو الغزو الفكري، وذلك تحت أقنعة العلم والصناعة والتجارة والبعثات الطبية والأثرية، وغيرها من المجالات الإنسانية التي لا تثير حفيظة الشعوب.

فالغزو الفكري لا يولد ردَّ فعل مقاوم كما يحدث مع العدوان العسكري، لذا شاع في الغرب قولهم “إذا أرهبك سلاح عدوك؛ فأفسد فكره ينتحر به”. وقد كان اليهود العقل المدبر لهذا الغزو ثم سار الصليبيون على أعقابهم بعد خيبة الحروب الصليبية، ونجحوا خلال قرون من التجريب والتطوير في تحقيق أهدافهم، والتي تتجسد في المجالات الثلاثة الآتية:

  • التنصير: لجؤوا إليه لاستمالة المسلمين بطرق ودية بعد فشلهم العسكري، فأرسلوا البعثات التبشيرية التي نشطت في العالم الإسلامي مستغلةً ضعفه، حيث استغل المبشرون مجالات التعليم والطب والتواصل الشخصي مع المسلمين لتحقيق غايتهم. وقد أثبتت الكثير من البعثات التبشرية حرصها الشديد على تنصير المسلمين وتحملت في سبيل ذلك مشاق عظيمة لا يتحملها إلا من يمتلك دافعاً عقدياً قوياً يهيمن عليه.
  • الاستشراق: هو تعبير أطلقه الغربيون على الدراسات المتعلقة بالشرقيين، بما يشمل دراسة شعوبهم وتاريخهم وأديانهم ولغاتهم ، وقد اهتم معظم المستشرقين بدراسة الإسلام وشعوبه أكثر من أي شعب شرقي آخر، وأثبت التاريخ توظيف أبحاثهم في خدمة أغراض التبشير والاستعمار.
  • التغريب: يقصد به نقل مفاهيم الحضارة الغربية وسلوكياتها وأفكارها إلى العالم الإسلامي عبر الأنظمة التربوية والسياسية والثقافية، وذلك بأيدٍ إسلامية تلقت تعليمها على الأغلب في المدارس الغربية وتشبعت بالعداء لبيئتها ودينها.

إدموند إلّنبي

ويبدو أن الغرب استثمر هذه الوسائل الثلاث جيداً على مدى قرون، ليعود إلى العالم الإسلامي غازياً ويستكمل حربه الصليبية بحملة جديدة تحت مسمى الاستعمار، حتى قال الجنرال إدموند إلّنبي -اليهودي كما جاء في الموسوعة اليهودية- وهو يدخل القدس سنة 1917م “اليوم انتهت الحروب الصليبية”، كما توجه الجنرال الفرنسي هنري غورو فور احتلاله دمشق سنة 1920 إلى قبر صلاح الدين الأيوبي، وركله بقدمه قائلاً: “ها قد عدنا يا صلاح الدين”، وهي مقولة استحضرناها مؤخراً عندما أفلتت من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن عبارة “إنها حملة صليبية جديدة”في وصف حربه على العراق سنة 2003م [انظر مقال المسيحية الصهيونية].

والملفت في جميع تلك الحملات القديمة والحديثة الدور اليهودي غير المعلن، فقد نجح اليهود في اختراق المسيحية منذ شاؤول في القرن الميلادي الأول حتى أصبح رسول المسيحية الأول وحمل اسم بولس الرسول، وتمكن بذلك من تحريف الوحي الذي جاء بها المسيح من عقيدة توحيد إلى عقيدة تثليث، ثم اخترقت الأسر الميروفنجية الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى وهيمنت عليها، وأنشأت منظمة فرسان الهيكل لتصل إلى المسجد الأقصى وتسعى لإنشاء هيكل ينسبونه إلى سليمان عليه السلام، واليوم يمثل البروتستانت تياراً مسيحياً متصهيناً يهيمن على القرار السياسي الغربي ويتحكم به للوصول إلى الهدف ذاته، وهو إنشاء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى.

ما زال الأوروبيون يحيون ذكرى الحملات الصليبية حتى اليوم

ملاحظات على بعض الدراسات العربية
يرفض كثير من الباحثين والمؤرخين من العرب والمسلمين تسمية الحروب الصليبية بهذا الاسم ويصرون على تسميتها بحروب “الفِرَنجة”، مع نفي الطابع الديني الذي صبغ أهداف الأوربيين آنذاك أو التقليل من شأنه، ويدللون على ذلك بما فعله مؤرخو الإسلام الثقات عند تدوينهم لتاريخ تلك الحروب، حيث استخدموا مصطلح “الفِرَنجة” و”الإفْرَنج” في وصفهم، وينقلون عن صلاح الدين الأيوبي قوله “انظروا إلى الإفرنج.. انظروا بأي ضراوة يقاتلون في سبيل دينهم في حين لا نبدي نحن المسلمون أية حمية للجهاد في سبيل الله”، مع أن عبارة السلطان هذه تفنِّد دعواهم، فقد أدرك صلاح الدين أن الحرب مع الفرنجة صراع عقائدي بالدرجة الأولى.

حتى لو استخدم القدماء صفة “حروب الفرنجة” فهذا لا ينفي طبيعتها العقدية، لا سيما بعد ما بيَّنته بعض الدراسات الحديثة من علاقة قبائل الفرانكا أو الفرنجة ببني إسرائيل، والدور الذي لعبته اليد اليهودية الخفية لتحريك لتلك الحروب.

ويبالغ البعض بالقول إن نسبة تلك الحملات إلى الصليب لا تصح، لأنها تسمية لا توافق مضمونها، ويقررون أن الصليب رمز للفداء والتضحية بالنفس ولم يكن يوماً رمزاً للحرب والقتل. وهذه مغالطة، ففكرة الصليب تمثل نقطة تحول الوحي الذي جاء به المسيح من التوحيد وتنزيه الإله عن مشابهة مخلوقاته، إلى عقيدة تنسب إلى الإله الولد وتجعله عاجزاً عن حمايته ومضطراً إلى التضحية به لتكفير ذنوب عباده.

وفي ما سبق من التبريرات صرفٌ للعالم الإسلامي عن حقيقة الصراع إلى دوافع ثانوية تفقده السلاح الوحيد الفعال في معركته، مع أن الصليبيين كانوا أكثر وضوحاً وسمّوا حربهم بمسماها الديني ولا نجد في مراجعهم عن تلك المرحلة إلا مصطلح “Croisades” و”Crusade” أي “الصليببية”.

يسارع بعض الباحثين أيضاً إلى تبرئة نصارى المشرق من الولاء لنصارى الغرب ويؤكدون رفضهم للحملات الصليبية بدوافع وطنية، مع أن التاريخ ووقائعه تشهد بأن هذه الدعوى لم تكن دقيقة بالمطلق، وقد كشف هذه الحقيقة مفكرون نصارى مثل المستشرق الأميركي لبناني الأصل فيليب حتّي، فأكد في كتابه “لبنان في التاريخ” على متانة العلاقات الودِّية بين الصليببين والموارنة، حيث قدم الموارنة للحملة الصليبية الأولى أدلاء يرشدونهم إلى الطرق والمعابر، وأرسلوا فرقة من النشَّابة (الرماة) المتطوعة لدعم الصليبيين في القدس، كما ذكر حتّي أن لويس التاسع عندما نزل عكا وجد في استقباله 25 ألفاً منهم محملين بالمؤن والهدايا، وكانت لهم المكانة الأولى بعد الصليبيين في كل مملكة أسسوها.

وقد وصف المؤرخون استقبال نصارى دمشق للقائد التتري النصراني كتبغا عندما دخل مدينتهم محتلاً، وكيف خرجوا إليه مرحبين ورافعين الصلبان ورشوا الخمر على أبواب المساجد، كما نالوا حظوة عظيمة عند هولاكو حتى أَذِن لهم بتحويل المسجد الأموي إلى كنيسة، كما تشابهت تلك التصرفات من قبل النصارى الشرقيين في مدن كثيرة دخلها التتار والصليبيون كحلب وبغداد التي حرص التتار على الحفاظ على كنائسها وأنعموا على بطرقها (بطريركها) بالهدايا الثمينة، في الوقت الذي قتلوا فيه الخليفة العباسي وهدموا مساجدها وذبحوا أهلها المسلمين بفقهائهم وعلمائهم.

وكان التنسيق بين المغول ونصارى المشرق عالياً، حتى عدَّ المؤرخون ومنهم ابن العبري النصراني اجتياح التتار للعالم الإسلامي حملةً صليبية جديدة وفرصة للنيل من المسلمين جاءت من الشرق، وأكدوا على دور زوجة هولاكو النصرانية في توجيه اهتمامه نحو العالم الإسلامي لغزوه دون أوروبا النصرانية، وحرص هولاكو من جهة على أن تكون حاشيته وبطانته المقربة منهم،كما حرص بعض بطارقتهم وأمرائهم من جهة أخرى على ملازمة المغول في زحفهم ومشاركتهم في احتلالهم، وتحريضهم ضد المسلمين.

مخطوط أوروبي لمعركة نيكوبوليس

مع أن معظم المؤرخين يعتبرون أن الحملات الصليبية على بلاد المسلمين في المشرق انتهت في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، أي مع بدء ظهور الدولة العثمانية القوية في الأناضول، إلا أن الصراع لم يتوقف. فبعد نحو قرن من تأسيس دولتهم، نجح العثمانيون عام 1396م في دحر تحالف هائل من الجيوش الصليبية القادمة من المجر وبلغاريا وويلز وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وذلك في المعركة التي سقطت فيها العاصمة المجرية نيكوبوليس، ما سمحت للدولة العثمانية بالتمدد نحو عمق أوروبا.


أهم المراجع
راغب السرجاني، قصة الحروب الصليبية، القاهرة، مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، 2008م، ط1.

علي محمد الصلابي، دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي، القاهرة، مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، 2006م، ط1.

بهاء الأمير، اليهود والحركات السرية في الحروب الصليبية، القاهرة، مكتبة مدبولي، 2013م.

عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، أجنحة المكر الثلاث وخوافيها: التبشير- الاستشراق- الاستعمار، دمشق، دار القلم، 2000م، ط8.

المسيحية الصهيونية

ربى الحسني


دونان مؤسس الصليب الأحمر هو أول من أطلق عليه اسم مسيحي متصهين

إن ما يعرف بالمسيحية المتصهينة ليس بالفكر الجديد، أو الطارئ على الثقافة والمعتقد المسيحي عامة والغربي منه خاصة؛ بل له جذور ربما تعود إلى البدايات المسيحية الأولى التي كان لشاؤول اليهودي الذي أصبح يعرف بالقديس بولس دور بارز فيها، وقد تطورت حتى وصلت إلى عقيدة متكاملة تتبناها الفرقة التي تمسك بزمام السلطة في الغرب والولايات المتحدة وتحاول انطلاقاً منها السيطرة على العالم وتسييره لخدمة رؤاها العقدية.

وتٌعرف المسيحية المتصهينة بأنها المسيحية التي تدعم الصهيونية، ثم أخذ هذا المصطلح بعداً دينياً وهو أن المسيحي الصهيوني إنسان مهتم بتحقيق نبوءات الكتاب المقدس من خلال الوجود العضوي والسياسي لإسرائيل، بدلاً من تحقيق البرنامج الإنجيلي من خلال المسيح والكنيسة. وأول من استخدم تعبير المسيحية الصهيونية هو تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية عندما أطلقه على السويسري هنري دونان مؤسس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهو من الأثرياء الذين مدّوا يد العون إلى الحركة الصهيونية اليهودية.

تيار الألفية

رسم تخيلي لبولس

جاءت المسيحية بعد اليهودية كحركة إصلاحية مكمِّلة لها لكنها لم تنج من التبديل كحال سابقتها، فبعد رفع النبي عيسى عليه السلام إلى السماء بدأ التغيير في المسيحية، والذي كان لشاؤل (بولس) دورٌ بارزٌ فيه، وقد ركز على فكرتين قامت عليهما المسيحية، وهما ألوهية المسيح، وأممية المسيحية بعد أن كانت مقتصرةً على بني اسرائيل.

والملاحظ ظهور عدة فرق وحركات في وقت مبكر من تاريخ المسيحية تؤمن بعودة المسيح إلى الأرض، ومنها حركة المونتانية (Montanism) التي ظهرت بعد منتصف القرن الثاني الميلادي في آسيا الصغرى، وترجع إلى راهب اسمه مونتانس الذي أعلن أنه يتلقى الوحي من الروح القدس، وكان من أوائل من قالوا برجوع عيسى المسيح إلى الأرض؛ ليحكم مدة ألف عام سعيدة.

وكان سفر الرؤيا -وهو آخر أسفار العهد الجديد وأكثرها تنبؤاً بالمستقبل- هو المفضل لدى أتباع هذه الحركة، كما أعلن مؤسسها نهاية العالم ورجوع المسيح السريع إلى الارض، دون أن يحدد القدس مكاناً لذلك. وكان أتباعه يستعدون لهذا المجيء الثاني بالامتناع عن الزواج والإكثار من الصيام، واستمرت الحركة ولم تمت -كما كان متوقعاً- عندما لم تأت نهاية العالم التي تنبأت بها؛ بل ازدهرت وانتشرت حتى بعد موت مؤسسها.

وفي عام 200م امتدت الحركة إلى الغرب واحترم الكثيرون أتباعها لما يتمتعون به من التقشف، لكن الكنيسة حاربتهم وطردتهم من المدن، فانتشرت الحركة في القرى حتى القرن الخامس الميلادي.

ظهرت كتابات نبوئية كثيرة -يهودية ومسيحية- في تلك المرحلة، وكانت تركز على النبوءات التي تتعلق بنهاية الزمان وعلاماتها، وتتميز بامتلائها بالرموز والأعداد والكتابات السرية، وكان جل اعتمادها على نبوءات الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد.

وهكذا ميّز الاهتمام بالمجيء الثاني للمسيح الكنيسة المسيحية منذ سنواتها الأولى، وقد ركزت كل التفسيرات اللاهوتية على انتظار العصر الألفي الذي سيحكم فيه المسيح الأرض لمدة ألف عام.

مرحلة العصور الوسطى

الغيتو اليهودي في فرانكفورت في منتصف القرن التاسع عشر

تميزت العصور الوسطى باضطهاد اليهود في أوربا، حيث فرض عليهم العيش في جيوب منعزلة (غيتو) بالمدن، واعتبر المسيحيون أن كل ما يصيب اليهود من ويلات هو عقاب من الله لهم بسبب “صلبهم” للمسيح، وأنهم بسبب خيانتهم يحملون ذنباً جماعياً يجعلهم دائماً موضع لعنة. ومع ذلك كان لهم تأثير خفي مع تسرب تراثهم تدريجيا إلى الفكر المسيحي، إلى أن نجحوا في السيطرة على الفاتيكان خلال الحروب الصليبية في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، إذ كانت دوافع تلك الحملات في الظاهر مسيحية خالصة، وكان هدفها المعلن الاستيلاء على القدس كموطن للمسيح، لكن بعض الباحثين رجَّحوا أن اليهود هم الذين دفعوا الصليبيين إلى شن حملاتهم، فقد نجحت كثير من العائلات الميروفنجية ذات الأصول اليهودية في غرب أوروبا بالتغلغل داخل الطبقة الحاكمة حتى سيطرت عليها، وأقامت هذه السلالة مملكة من الأديرة والرهبان لا سلطان للفاتيكان عليها، بل هي تملك زمام الفاتيكان بالخفاء، وقد نجحت في تهيئة الظروف لشن الحملات الصليبية والوصول إلى الأرض المقدسة، حيث كانت جماهير المسيحيين مهيأة لقبول القراءة الحرفية لنبوءات النصوص المقدسة.

اللباس التقليدي لفرسان المعبد

وهنا يبرز دور فرسان الهيكل في دعم الحرب وتقديم العون المالي والعسكري لأمرائها، وهم أعضاء جماعة عسكرية دينية أحاطت نفسها وتاريخها بكثير من الغموض، تأسست في القدس عام 1119م، وأطلقوا على أنفسهم بدايةً اسم “الإخوة الفقراء جنود المسيح وهيكل سليمان”، وهو اسم يشير إلى جذورهم اليهودية المتغلغلة في النسيج الفكري المسيحي، وتقول الروايات التاريخية إنهم اتخذوا مقراً في القدس بعد احتلالها قرب الموقع الذي يعتقد أن الهيكل كان فيه، فللهيكل أهمية جوهرية في الفكر اليهودي وإعادة تشييده هي أسمى أهدافهم، أما المسيحية فلا يعنيها من الأرض المقدسة إلا قبر المسيح وكنيسة القيامة، بل يشكل خرابه وبقاؤه خرباً دليلا على صدق نبوءة المسيح كما جاء في سفر متى.

ويمكن النظر إلى الحروب الصليبية على أنها تعبيرٌ مبكر عن الإرهاصات الصهيونية الأولى بصبغتها المسيحية، فقد ساهمت بعمق في صياغة الإدراك الغربي لفلسطين والمسلمين.

بُذلت لاحقا جهود ضخمة لتحويل يهود أوربا إلى المسيحية، لاسيما في إسبانيا والبرتغال بعد سقوط الأندلس، فاعتنق كثيرون المسيحية ظاهريا، بينما قام البعض بعملية توفيق بين المسيحية ومعتقداته اليهودية. وكان لهؤلاء دور فاعل في إنضاج اليهودية المسيحية أو المسيحية اليهودية خلال المدة ما بين 1491 و1497م في إسبانيا والبرتغال، ويقدر عدد هؤلاء بالآلاف وقد سُموا بالمسيحيين الجدد.

لعب المسيحيون الجدد دوراً تاريخياً بنشر الاعتقاد بأن العناية الإلهية متضمنة في حضور الرب خلال التاريخ الإنساني، وقالوا إن التاريخ الإلهي سيبدأ بمجيء المسيح مع بداية الألف عام السعيدة (الألفية)، فظهرت بين اللاهوتيين والمفكرين الدينيين تفسيرات جديدة للكتاب المقدس، تتصور تحول اليهود إلى المسيحية وظهور القبائل الإسرائيلية المفقودة باعتبارها الخطوات الأخيرة التي تسبق نهاية العالم، فأصبحت الأحداث العظمى المرتقبة هي عودة اليهود إلى أرض صهيون وإعادة بناء هيكل سليمان، وإعادة تأسيس الحكم الإلهي للأرض من القدس.

ومن هنا رأى المسيحيون أن اليهود شركاء لا غنى عنهم في الأحداث العظمى قبل مجيء المسيح، بعد أن كانوا أعداء يستحقون اللعنة.

كريستوفر كولومبس

اكتشاف أمريكا
من الشائع عن كريستوفر كولومبس أنه كان مغامراً وباحثا عن الشهرة والثروة والسلطة، ما دفعه لاكتشاف القارة الجديدة التي سميت (أمريكا)، إلا أن كولومبس كان يفكر بهدف أسمى –في نظره- حتى كرّس له كل وحياته، وهو اكتشاف ممالك جديدة يَهدي شعوبها إلى الدين المسيحي، ثم يجندها في ما أسماه “حرب الحياة أو الموت ضد إمبراطورية محمد”.

أما هدف النهائي لكولومبس فكان استعادة الأراضي المقدسة، تمهيداً لنزول مملكة الله على جبل صهيون في موقع الهيكل.

وكان يعتقد أن العناية الإلهية اختارته لتحقيق نبوءات الكتاب المقدس، كما ترسخت لديه أسس الإيمان بخطة كونية لها بداية ونهاية، وكان يرى أن الكتاب المقدس بنصوصه التي يؤمن بحرفيتها هو دليل هذه الخطة، كما تصوّر نفسه رسول الوحي المستقبلي الكتابي الذي ينبئ باستعادة القدس وهداية اليهود، فكان يوقّع اسمه بصيغة مميزة، وهي “كريستوفرنز”، التي تعني باللاتينية “حامل المسيح”.

وهكذا كان الهدف من رحلاته إلى الشرق “هداية” الأمم الأخرى، وجمع الثروات لتوظيفها في تمويل حرب صليبية أخيرة، يقودها العرش الإسباني لاستعادة الأرض المقدسة من المسلمين.

وترافق اكتشافه لأمريكا مع سقوط الأندلس وخروج المسلمين منها، وإجبار من بقي منهم على اعتناق المسيحية، فشكل هذا الحدث حافزاً على حماس تبشيري جديد، وكان كولومبس يذكّر ملوك أوربا بتداخل هذه المصادفات التاريخية وتوافقها، ويدلل بذلك على تدخل العناية الإلهية ضمن خطة الله للكون، وهكذا استطاع إقناع ملك إسبانيا وملكتها بتمويل مشروعه.

ويجدر بالذكر أن كل هذه الأنشطة التبشيرية جاءت قبل حركة الإصلاح الديني، أي قبل نشوء البروتستانتية التي تعد تطوراً نوعياً في مسيرة المسيحية المتصهينة، حيث اشتهرت بنشاطها التبشيري الذي سيكون له عظيم الأثر في تغلغل الفكر الديني اليهودي بالمسيحية.

يؤكد باحثون مختصون في حركة الكشوف الجغرافية التي نشطت في القرن الخامس عشر أن فرسان الهيكل كانوا من رواد هذه الحركة، التي أسمت نفسها حينئذ “فرسان المسيح”، حيث انطلقت سفنها وهي ترفع على الصواري صليب فرسان الهيكل الأحمر الشهير، كما تبنى “المسيحيون الجدد” مشروع كولومبس ودعموه بالخرائط والتمويل، وكانوا من أوائل المستوطنين في أمريكا.

مارتن لوثر

حركة الإصلاح الديني
ترجع الانطلاقة الكبرى للمسيحية المتصهينة إلى حركة الإصلاح الديني التي أطلقها القس الألماني مارتن لوثر (1483- 1546)، فقد كان من بنود احتجاجه على الكنيسة البابوية احتكار الكنيسة لقراءة الكتاب المقدس بلغات لا يعرفها العوام.

كما احتج على احتكار الكنيسة تفسير النصوص الدينية ولعب دور الوسيط بين الناس والإله، ومنحهم صكوك الغفران التي ادعت الكنيسة أن حاملها يتحرر من العقاب الدنيوي ويحوز مكاناً في الجنة مقابل المال.

وهكذا تُرجم الكتاب المقدس إلى اللغات المتداولة وأصبح متوفرا للقراءة من قبل الجميع، وبعد التغلغل اليهودي الذي تحدثنا عنه في العقل المسيحي جاءت حركة الإصلاح لتشكل بعثاً عبرياً تولدت عنه وجهة نظر جديدة عن الماضي والحاضر والمستقبل اليهودي.

لم يكن لليهود في الفكر المسيحي مكانة متميزة قبل حركة الإصلاح كما أصبح لهم بعدها، فكان القساوسة يرفضون التفسير الحرفي للتوراة ويعطون قصصه وأحداثه معاني مجازية لحالات روحية وأخلاقية. وكانوا يرون أن اليهود ملعونين فطردهم الله من فلسطين إلى المنفى، وأنه نفاهم مجددا عندما أنكروا أن عيسى هو المسيح المنتظر، وبذلك انتهى وجود الأمة اليهودية إلى الأبد ولن يجد شتاتهم الخلاص إلا بارتدادهم إلى المسيحية.

وكانوا يؤولون النبوءات المتعلقة بعودة اليهود على أنها العودة من المنفى في بابل بالعراق، والتي تحققت في القرن السادس قبل الميلاد، أما الفقرات التي تتنبأ بمستقبل مشرق لإسرائيل فكانت تُحمل على الكنيسة المسيحية، فالكنيسة هي مملكة المسيح وهي التجسيد التام للعصر الألفي.

لكن الانقلاب الفكري للبروتستانتية جعل اليهود هم شعب الله المختار والأمة المفضلة على كل الأمم، وبدأ الاعتقاد بأن ثمة ميثاقاً إلهياً يربط اليهود بفلسطين، وأن العودة الثانية للمسيح ترتبط بقيام دولة صهيون الإسرائيلية في فلسطين، قبل أن يعود ويقيم مملكته مدة ألف عام، ثم تقوم الساعة بعد ذلك.

في عام 1523م كتب لوثر كتابه “المسيح ولد يهودياً”، وشرح فيه المواقف المؤيدة لليهودية، وأدان اضطهاد الكنيسة لليهود محتجاً بأن المسيحيين واليهود ينحدرون من أصل واحد.

وقال فيه “إن الروح القدس شاءت أن تنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم. إن اليهود هم أبناء الرب ونحن الضيوف الغرباء، وعلينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل ما يتساقط من فتات أسيادها”.

ثم ألف كتاباً آخر اسمه “ما يتعلق باليهود وأكاذيبهم” عام 1544م، وطالب فيه بنقل اليهود من ألمانيا قائلاً “من الذي يحول دون اليهود وعودتهم إلى أرضهم في فلسطين، لا أحد، إننا سنزودهم بكل ما يحتاجون إليه في رحلتهم، لا لشيء إلا لنتخلص منهم”.

ويرى بعض الباحثين أن لوثر تراجع عن مواقفه المؤيدة لليهود في كتابه الأخير؛ إلا أن المتابع لحياة لوثر وأفكاره ربما يلاحظ أن رغبة لوثر في التخلص من اليهود ليست نابعة عن كراهية؛ بل هي تجسد عقيدته بشأن ضرورة عودة اليهود إلى فلسطين، كما كان يمارس نوعاً من التقية لامتصاص غضب بعض المسيحيين الذين أثارتهم أفكاره الصهيونية، والدليل على ذلك ما أنتجته حركته من انقلاب نظرة المسيحيين لليهود من أعداء إلى شركاء، وربما سادة.

لقد ساهمت حركة الإصلاح الديني في اعتبار العهد القديم المرجع الأعلى للاعتقاد البروتستانتي ومصدر المسيحية النقية، وجعلته جزءاً من عبادات الكنائس، ومرجعا لتاريخ الأراضي المقدسة والأنبياء، ومصدرا لنبوءات آخر الزمان. وهكذا ظهر شعار “العودة إلى الكتاب المقدس”، كما ساد الاعتقاد بإقامة الحقيقة الدينية على أساس الفهم الشخصي دون فرض قيود على التفسيرات التوراتية، مما فتح الباب أمام تسرب المزيد من الأفكار اليهودية إلى المسيحية.

زيادة على ما سبق، أعطى الإصلاح الديني للغة العبرية -باعتبارها لغة الكتاب المقدس- أهمية كبرى، حتى أصبحت جزءاً من الثقافة العامة ومن المنهج الدراسي اللاهوتي، فكانت وسيلة لفهم “كلمة الله” بشكل صحيح.

وبالنتيجة، تخلص البروتستانت من فكرة كراهية اليهود واعتبروهم شركاء محبوبين، ليس حبا في دينهم فقط بل لاعتقادهم بأن لهم دوراً في خلاص المسيحيين. وقد انتشرت البروتستانتية من ألمانيا وسويسرا إلى معظم دول أوربا الوسطى والغربية بعد جولات من الصراع مع الكاثوليكية.

الحركة البيوريتانية (الطهورية)

جون كالفن

بلغت النهضة العبرية بأفكارها الصهيونية ذروتها في عهد الثورة البيورتانية (الطهورية) في إنجلترا، وهي حركة دينية متشددة نشأت في القرن السادس عشر من رحم البروتستانتية، وكانت تتبع تعاليم القس الفرنسي جون كالفن (1509- 1564).

جاء وصف التطهر من عمل أتباعها على استئصال ما تبقى من الكاثوليكية في بريطانيا، وكانوا مغالين في إجلال الكتاب المقدس، كما خصوا العهد القديم بمكانة تفوق العهد الجديد، حتى استعملوا لغته والأسماء الواردة فيه باعتبارها أنسب أداة لنقل أفكارهم العنيفة، كما طالبوا الحكومة بأن تعلن التوراة دستوراً للقانون الإنجليزي، وساهموا في نشر فكرة الشعب المختار داخل الفكر الإنجليزي، وهي فكرة لعبت دورا جوهريا في الهجرة إلى العالم الجديد (أمريكا) باعتبارها أرض الميعاد.

جاء التطور الأهم في تاريخ المسيحية المتصهينة بانتقالها في أوائل القرن السابع عشر مع المهاجرين البروتستانت والطهوريين إلى أمريكا، حيث كان رواد الفكر الطهوري أهم مؤسسي الأمة الأمريكية وواضعي أسسها الدينية واتجاهاتها السياسية والاجتماعية القائمة حتى اليوم.

ويقوم هذا الفكر على ثلاثة اعتقادات رئيسة:
1- وجود خطة إلهية شاملة للعالم، يلعب فيها الطهوريون بهجرتهم إلى أمريكا دوراً هاماً، والإيمان بأن أمريكا كانت موجودة في “عقل الإله” لأهداف محددة منذ بداية الخلق.

2- اختيار العناية الإلهية للطهوريين المهاجرين إلى العالم الجديد، فهم شعب الله الذي اختارهم للهرب من فساد العالم القديم وإنشاء مملكة الله على الأرض، وهم في ذلك يشبّهون أنفسهم بقبائل إسرائيل في هروبها من مصر إلى أرض فلسطين.

3- الطهوريون على علاقة تعاهدية مع الله، وهم شركاء في تنفيذ مهمة حددها لهم في هذا العالم، تتلخص في تنوير بقية الأمم وإنقاذها من الجهالة والظلام.

ونرى أثر هذه المعتقدات في سلوك الأمريكيين العملي، سواء كانوا أفراداً عاديين أم شخصيات قيادية حاكمة، فقد حمل المهاجرون الأوائل معهم التقاليد اليهودية، وكانوا يُنزلون قصص التوراة على حياتهم اليومية، وأطلقوا على أمريكا اسم أرض الميعاد وإسرائيل الله الجديدة وصهيون، كما أطلقوا على مدنهم أسماء توراتية من قبيل كنعان وسيناء والقدس والناصرة، ويوجد في أمريكا على الأقل 12 مدينة وبلدة اسمها الخليل، و6 مدن اسمها بيت لحم.

أما مطاردتهم للهنود الحمر (السكان الأصليين) فكانت مقتبسة من مطاردة العبرانيين القدماء للكنعانيين في فلسطين، وبما أنهم الشعب المختار فقد أباحوا لأنفسهم التضحية بالآخرين، واستعملوا أبشع وسائل القتل لإبادة ملايين السكان الأصليين، حتى بات اصطياد الهنود رياضة شعبية مسلية في بعض الولايات، بحيث يمزق جسد الضحية التي تصاب منهم، أو تلقى طعاماً للكلاب.

وانبثق عن هؤلاء مذاهب وحركات دينية تتمتع بحماس ديني بالغ، سيصل في مداه إلى تحول الرؤية الصهيونية من الموقع الرمزي لإسرائيل الأمريكية في العالم الجديد إلى الأراضي المقدسة (فلسطين) في العالم القديم، وهي من أهم أفكار اليمين المتطرف في أمريكا اليوم.

في عام 1776 اقترح ثلاثة من الآباء المؤسسين للولايات المتحدة وهم جيفرسون وآدمز وفرانكلين أن يتضمن شعار البلاد صورة لفرعون وهو يطارد بني إسرائيل بينما يضيء عمود من النار طريقهم، في إشارة إلى أن أمريكا هي أرض إسرائيل الثانية

العقيدة والأفكار
تؤمن المسيحية المتصهينة بما تؤمن به المذاهب المسيحية الأخرى فيما يتعلق بألوهية المسيح وبنوّته لله، كما تشاركها الاعتقاد بعقيدة التثليث والصلب والفداء. أما أهم ما يميزها فهو العقائد ذات الصبغة الصهيونية، والاعتقاد بأن لديها خطة إلهية للدهر تتضمن أحداثاً لا بد من وقوعها، فهي نبوءات آخر الزمان التي تشكل جوهر الفكر المسيحي الصهيوني، وفيما يلي أهم هذه العقائد:

1- عودة المسيح المخلص: تؤمن المسيحية عامة بدور المسيح في خلاص البشرية من آثامها عبر صلبه ظلماً ليكفر عن خطايا البشر، وأضيف إلى هذا الاعتقاد لدى المسيحية المتصهينة الإيمان بأن المسيح سيعود في نهاية الزمان، وأن تاريخ نزوله يوافق رقماً ألفياً، ثم يؤسس مملكته التي تدوم ألف عام ومقرها القدس، كما أنه سيبطش بأعداء اليهود ويضع الأمم تحت أقدامهم، فيحكمون العالم معه.

كانت هذه في البداية رؤية اليهود للمسيّا أو الماشيَّح المنتظر عندهم، وهو شخص آخر غير عيسى بن مريم الذي ينكرون نبوته ويعتبرونه كاذبًا؛ لكن فكرة انتظار الماشيح سرعان ما تسربت إلى الأدبيات المسيحية وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من البروتستانتية، فأصبحوا ينتظرون المسيح كما ينتظر اليهود الماشيح. وهذه العقيدة تجعل الخلاص مرهوناً بالانتماء إلى اليهود (لدى اليهودية)، وبمساعدة اليهود (لدى المسيحية المتصهينة)، وتبرر أفعال القتل والإبادة في سبيل هذه الغاية.

2- ظهور شروط العودة المنتظرة، وهي:

  • تجمُّع اليهود في دولة لهم هي إسرائيل، وذلك يوجب مساعدتهم والتقرب منهم.
  • احتلال القدس وانتزاعها من المسلمين، فهي المدينة التي سيحكم منها المسيح العالم.
  • “إعادة” بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى.
  • دعم دولة إسرائيل والدفاع عنها ومباركة سياستها، واعتبارها إشارة إلهية لرحمة الله واستجابةً لإرادته.

الدجال يتلقى تعليماته من الشيطان كما تخيله الرسام لوقا سيغنوريلي عام 1501

3- ظهور عدو المسيح Antichrist (يماثل المسيح الدجال لدى المسلمين) وجيوش الشر، وبحسب المسيحية المتصهينة فهو شخصية كافرة وطاغية وابن الشيطان، وهو المقصود بالوحش الذي ورد ذكره في العهد الجديد “فرأيت وحشاً طالعاً من البحر.. وأعطاه التنين قدرته وعرشه وسلطاناً عظيماً” (الرؤيا 13: 1- 2)، ويقولون إنه سيظهر في منطقة العرب بآخر الزمان، وسيحكم الأرض مع الشيطان ويدنس الهيكل ببناء تمثال له فيه فينتشر الظلم والبؤس في العالم، كما سيعاد بناء مدينة بابل مما يؤدي إلى نزول المسيح لإنقاذ البقية الصالحة، فتدور معركة رهيبة يفنى فيها الكثيرون ويُقتل الدجال.

والمعركة المقصودة هي معركة “هرمجّدون”، وهي كلمة عبرية مكونة من مقطعين، هما (هَرْ) ومعناه تل أو جبل، و(مجدو)، وهو اسم سهل صغير شمال فلسطين، ويقولون إنها ستكون معركة ضخمة تحشد جيوشاً جرارة قوامها 400 مليون جندي، حيث تحتشد أمم الأرض ضد إسرائيل.

وينظر المسيحيون المتصهينون إلى المسلمين على أنهم أتباع الدجال، وأن المسيح سيغرقهم في بحيرة الكبريت والنار، وقد فسر بعضهم هذه النبوءة بالقنابل النووية، ثم يرفع المسيح أتباعه إلى السحاب وينقذهم من المعاناة.

تل مجيدو يضم أطلالا أثرية (AVRAM GRAICER)

ويؤمن بهذه النبوءة شخصيات عسكرية وسياسية وأكاديمية أمريكية كبيرة، وعلى رأسهم الكثير من رؤساء الولايات المتحدة.

4- عقيدة الألفية: يطلق اسم الألفية على مدة الألف عام التي يحكم المسيح فيها مملكته الألفية بعد الانتصار في هرمجدون والقضاء على جيوش الشر، ثم ينتهي العالم بعد ألف عام يحكم فيها المسيح كل الأرض من عاصمته في القدس. وقد درجت بعض الفئات المسيحية المتطرفة على ربط بداية هذه المملكة الألفية ببداية كل ألفية تقويمية، ما أدى إلى حماس ديني شديد يوصف بحمى الألفية، وقد ظهر في نهاية الألف الأول والألف الثاني من التقويم الميلادي.

5- تقديم العهد القديم على العهد الجديد، فمع أن بقية الطوائف المسيحية لا ترفض العهد القديم وتعتبره متكاملاً مع العهد الجديد؛ إلا أن العهد القديم أخذ موقعاً أساسياً لدى حركة الإصلاح الديني، لاسيما في إنجلترا البيوريتانية وفي العالم الجديد بالقارة الأمريكية، حيث بدأت قراءته بطريقة مختلفة عن السابق تعتمد النص الحرفي والتسليم بكل ما جاء فيه، لاسيما ما يتعلق منه بالنبوءات خاصة.

 

أبرز الشخصيات
هنالك العديد من قيادات المسيحية المتصهينة المعاصرة ممن أمضوا عقوداً كثيرة في الترويج للنبوءات المقدسة، منهم زعماء دينيون وشخصيات سياسية يجمعهم هدف واحد، هو ضمان الدعم التام لإسرائيل. وهم يشنون باستمرار حملات عنيفة على الإسلام والمسلمين، ويشتركون في مهارة استخدام وسائل الإعلام، كما يترأسون منظمات دينية وثقافية وسياسية واجتماعية، ويتصرفون بثروات وموارد مالية هائلة، ومن أبرز هؤلاء نذكر ما يلي:

جيري فالويل (Liberty University)

1- جيري فالويل: قس بروتستانتي أمريكي، يترأس إمبراطورية أصولية تعد من أكبر الإمبراطوريات الفردية قوة في العالم، ويتمتع بدور بارز في صناعة القرار السياسي الأمريكي.

يمتلك محطة إذاعية وتلفازية يستمع لها الملايين، ويركز من خلال برامجه على إعلان دعمه التام لإسرائيل وعلى مهاجمة الإسلام، وكان قد تأثر باحتلال القدس عام 1967م وأعطاه معنىً توراتياً.

2- بيلي غراهام: يعد من أكثر القادة المسيحيين تأثيراً في العالم، عمل مستشارا غير رسمي للبيت الأبيض، وكان مقربا من الرئيس السابق جورج بوش الإبن.

بات روبرتسون (Paparazzo Presents)

3- بات روبرتسون: زعيم ديني يتمتع بشهرة كبيرة في الولايات المتحدة الأمريكية وفي الخارج، أنشأ مؤسسات إعلامية، ومن أهمها الشبكة التلفازية- الإذاعية المسيحية (CBN) التي أسسها عام 1960، ويقول إنه ينتظر اللحظة التي ستتولى فيها محطته نقل وقائع نزول المسيح فوق جبل الزيتون في القدس، كما صرح بأن ولاءه لإسرائيل جاء قبل ولائه لأمريكا نفسها.

4- هال ليندزي: يعد من أكثر العاملين في مجال تجارة النبوءات إثارة وشهرة، ألف العديد من الكتب، وبلغ من شهرته وقوة تأثيره أنه يُدعى للخطابة أمام المخططين العسكريين الأمريكيين في كلية الحرب الجوية ووزارة الدفاع (البنتاغون)، إضافة إلى علاقته الوثيقة بإسرائيل.

تضاف إلى القائمة السابقة أسماء عدد من رؤساء الولايات المتحدة، مثل هاري ترومان (1945- 1952) الذي يعد بإجماع التواريخ الصهيونية تجسيداً للمسيحية الصهيونية الأمريكية على المستوى السياسي، فكان أول رئيس في العالم يعترف بقيام دولة إسرائيل عام 1948.

ونذكر أيضا ليندون جونسون (1963-1969 )، وجيمي كارتر (1977- 1981) الذي اعترف بأن مشاعره المؤيدة للصهيونية كانت الحافز الذي صاغ سياسته في الشرق الأوسط، لكن رونالد ريغان (1981- 1989) قطع شوطا أبعد، فكان يعلن إيمانه بنبوءة “هرمجدون” ويتمنى أن تقع خلال حكمه، وتعتبر مدة رئاسته العصر الذهبي للحركة في أمريكا، وكان يدعو قساوسة الحركة إلى البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي لإبداء رأيهم في القضايا الاستراتيجية في ضوء النبوءات التوراتية.

أما جورج بوش الابن فيعد من “المسيحيين المولودين في المسيح من جديد”، وهو تعبير يستخدم للتعبير عن حدوث تحول جذري في عقيدة شخص ما، فقد ظل بوش الابن حتى سن الأربعين غير ملتزم دينياً إلى أن التقى بالقس غراهام، فقرأ الكتاب المقدس قراءة دقيقة، وتبين له أن المسيحية شهدت بداياتها في أرض إسرائيل التي تعد تحقيقاً للنبوءات المقدسة، وأن اليهود هم شعب الله المختار، ثم تطور لديه الاعتقاد بأنه شخص اختاره الله ليعيد الأرض إلى سيطرة الله، لذا لم يتردد عام 2001 في إطلاق وصف “الحملة الصليبية” على حروبه التي شنها في أفغانستان والعراق.

 

أهم المنظمات والفرق
تتمتع المسيحية الصهيونية بحضور قوي في الأوساط البروتستانتية، وتشكل الولايات المتحدة مركز الثقل لنشاطها وتوسعها، إذ يعمل في ميدان التبشير 80 ألف قسيس، وفي الثمانينات وحدها تم إنشاء 250 مؤسسة وجمعية دينية أمريكية مؤيدة لإسرائيل.

وتملك المسيحية الصهيونية مئات المحطات الإذاعية والمتلفزة، ويدعي قادتها أن عدد أتباعهم يزيد عن 100 مليون.

ومن أبرز مؤسساتها وأكثرها نشاطاً نذكر ما يلي:

1-المصرف الأمريكي المسيحي من أجل إسرائيل: مهمته الأساسية تمويل استملاك الأراضي العربية، وبناء المستوطنات وتهجير اليهود.

2-منظمة جبل المعبد: مهمتها إعادة بناء هيكل سليمان في القدس، ويقع مركزها بمدينة القدس، وهي تمول عمليات الحفر تحت المسجد الأقصى بحثاً عن الهيكل، وتجمع الأموال لامتلاك العقارات المجاورة له.

3-السفارة المسيحية الدولية في القدس: تعد من أبرز المنظمات وأكثرها أهمية، تكونت عام 1980م رداً على قرار 13 دولة نقل سفاراتها من القدس إلى تل أبيب.

تشارلز راسل

ويجدر بالذكر أن من أهم الفرق المسيحية المتصهينة وأخطرها جماعة شهود يهوه، وهي جماعة نشأت في الولايات المتحدة عام 1872 على يد تشارلز راسل (1852- 1961)، وتدور أفكارها حول أطروحة عودة المسيح وضرورة الخلاص ونهاية العالم، وقد حددت عام 1914 لعودة اليهود، وفيما بعد أعلنت أن المقصود هو عام 1917 في إشارة إلى وعد بلفور.

ويؤمن أتباعها بأن اليهود يلعبون دوراً حاسماً في صراع “الرب” ضد الشيطان، ولها اتصالات بالقيادات الصهيونية وتلعب دورا في الدعوة للهجرة إلى فلسطين، كما تتمتع بنشاط ملحوظ في نحو 200 بلد، ويزيد عدد أتباعها عن مليوني شخص.

بين الدين والسياسة
تمتزج هذه العقيدة بالسياسة، بل تشكل الأرضية التي تنطلق منها كثير من القرارات السياسية في الولايات المتحدة وأجزاء كثيرة من أوربا، وقد كانت فلسطين ولا تزال راسخة في أذهان المسيحيين على أنها أرضهم المقدسة منذ الحملات الصليبية،  كما أن فكرة “إعادتها” للعبريين كانت شائعة، لأنها المقدمة الحتمية لعودة المسيح، وهي عقيدة كثيراً ما أطلت برأسها طوال التاريخ المسيحي.

ولم يمض وقت طويل حتى شهدت أوربا حركة منظمة تنادي بعودة اليهود إلى فلسطين، لا سيما في إنجلترا البيوريتانية، حيث أرسل الاسترحام التالي للحكومة الإنجليزية عام 1649م: “ليكن شعب إنجلترا أول من يحمل أبناء وبنات إسرائيل على سفنهم إلى الأرض التي وعد بها أجدادهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب، لتكون إرثهم الأبدي”.

وكان نابليون بونابرت أول رجل دولة يقترح إقامة دولة يهودية في فلسطين، وذلك قبل وعد بلفور بنحو 118 عاماً. فخلال وجوده في بلاد الشام إبان حملته على الشرق، أصدر بياناً دعا فيه اليهود إلى أن يقاتلوا تحت لوائه لإعادة إنشاء مملكة القدس القديمة، وعندما رأى نابليون سهل مجيدو قال “إن هذا المكان سيكون مسرحاً لأعظم معركة في العالم”.

وفي تلك المرحلة، استُغل الأدب -الذي غدت أفكار العهد القديم من أهم مصادر إلهامه- لتحقيق هذا الهدف، فظهرت أعمال شعرية مثل “الفردوس المستعاد” التي تتحدث عن عودة إسرائيل، وكذلك رواية “ناثان الحكيم” التي تصور صلاح الدين على أنه الحاكم المسلم “القاسي والتافه” الذي احتل القدس، وأنه المسيح الدجال في نفس الوقت.

شافتسبري نشر في صحيفة تايمز المخصصة للمستعمرات عام 1841 “مذكرة إلى الملوك البروتستانت في أوروبا لإعادة اليهود إلى فلسطين”

وفي بريطانيا برز اللورد أيرل شافتسبري (1801- 1885) الذي وصف فلسطين بأنها “بلاد بدون أمة، لأمة بلا بلاد”، وهو الشعار الذي حولته الحركة الصهيونية فيما بعد إلى “أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض”، ثم بدأ التمهيد لتوطينهم من خلال بعثات استكشافية إلى فلسطين ابتداءً من عام 1865.

وفي العالم الجديد (أمريكا)، أصبح الوضع هناك أشد خطورةً وتأثيراً، وتمثل ذلك في تحول أنظار المستوطنين في العالم الجديد من أمريكا -بصفتها أرض الميعاد الرمزية- إلى الأراضي المقدسة الحقيقية (فلسطين). وغادرت جماعات أمريكية في القرن التاسع عشر إلى فلسطين لإنشاء مستوطنات هناك انتظاراً للحدث الكبير.

واستجاب كثير من الرحالة الأمريكيين في الشرق العربي لدعوة دينية لا تقاوم لتقفي أثر الإسرائيليين في رحلتهم إلى أرض الميعاد. فكانت رحلة الحج الأكثر أهمية في اعتقادهم تلك التي تسلك الطريق الذي سلكه الإسرائيليون، وتنطلق من القاهرة لتقطع صحراء سيناء على ظهور الدواب والجمال، رغم ما تتضمنه الرحلة من أخطار، وصولاً إلى فلسطين على خطى بني إسرائيل.

وقد دونوا في مذكراتهم تعبيرهم عن الألم -عند رؤية المسجد الأقصى- لاحتلال المسلمين موقع هيكل سليمان، ودعوا إلى ضرورة القضاء على الخلافة العثمانية، وإعادة اليهود إلى “دولتهم”.

وبدأ التخطيط لتحقيق هذه العودة، مرورا بمراحل متعددة بدأت بمحاولة السفير البريطاني في الأستانة (إسطنبول) “بونسو بني” عام 1840 بإقناع السلطان العثماني بقبول هجرة اليهود إلى فلسطين، كما اختير المسيحي الصهيوني وليم يونج ليكون أول نائب لقنصل بريطانيا في القدس كي يعمل على تهيئة الأوضاع لهجرة اليهود.

ومع انهيار الدولة العثمانية وسقوط الخلافة أعطت المسيحية الصهيونية وعدها الشهير على لسان أبرز دعاتها، وهو رئيس الوزراء البريطاني آرثر جيمس بلفور عام 1917. ثم عينت بريطانيا عند احتلالها لفلسطين يهودياً في منصب المندوب السامي هو هربرت صموئيل.

وكان الرأي العام الأمريكي يؤيد بشدة وعد بلفور، كما وافق مجلس الشيوخ الأمريكي على الوعد وأيده عام 1918 قائلاً “كما خلّص موسى الإسرائيليين من العبودية، فإن الحلفاء الآن يخلصون يهوذا من أيدي الأتراك القبيحين، إن يهوذا يجب أن تقوم لتشكل أمة مستقلة، ويجب على حكومة الولايات المتحدة أن تمارس سلطاتها الملائمة لرؤية هذه الدولة اليهودية تقام، لتنبثق منها تعاليم ومبادئ يهوذا القديمة”.

وعد بلفور المقدم إلى روتشيلد

وتحقق الحلم عام 1948 بإعلان قيام دولة “إسرائيل”، وسارعت الدول الأوربية والولايات المتحدة إلى الاعتراف بها، لكن المرحلة الأهم بدأت عام 1967 مع احتلال القدس، ما أنعش آمالهم بتحقق الخطة الإلهية واسترداد القدس بالكامل من أيدي “مغتصبيها”.

إحراق المسجد الأقصى عام 1969

ومن المعروف أن حريق المسجد الأقصى ، الذي شب في 11/8/1969، افتعله الأسترالي مايكل روهان الذي ينتمي إلى إحدى الكنائس المسيحية المتصهينة، وكان قد دخل الأراضي المحتلة بصفة سائح، ثم انضم إلى عدد من أعضاء كنيسته في مستوطنة بالضفة الغربية، وأقدم على جريمته بحماية قوات الاحتلال تمهيدا لبناء الهيكل على أنقاض الأقصى.

ومنذ ذلك الوقت تتسابق الحكومات الغربية، والأمريكية خاصة، على تقديم الدعم بكافة أشكاله لإسرائيل، وتبرير كل ما تقوم به من أفعال إجرامية.

أما في العراق فقد تنوعت التحليلات السياسية لأسباب الغزو الأمريكي، وتعرضت إلى جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والاستعمارية؛ إلا أن معظمها أغفل الجانب الأهم لكل ما جرى وما يجري على أرض العراق، إذ كان لهذا الغزو بُعد ديني توراتي يعود إلى حقد دفين منذ أيام السبي البابلي عام 586 ق.م، على يد نبوخذ نصّر، فأمجاد العهد القديم وأحداث سبي اليهود هي بمثابة تاريخ حي لليهود والمسيحيين المتصهينين، ومن الخطأ محاولة فهم ما يجري من أحداث في المنطقة بمعزل عن التاريخ القديم.

وتختلف النظرة للعراق عن مثيلتها بالنسبة لفلسطين، فالثانية أرض مقدسة يطمحون للسيطرة عليها كي يحكم منها المسيح مملكته الألفية، أما العراق فهي رمز الظلم ومكان الشر الأول الذي يجب القضاء عليه.

ونجد في العهد القديم روايات تصور بابل في هيئة مركز للخطيئة والفساد، ومنذ بدء الحديث عن غزو العراق نُشرت في أمريكا آلاف المقالات التي تقول إن كل الأنظمة الكاذبة بدأت في أرض بابل، وإنها ستشهد اكتمالها بإعادة بناء بابل في آخر الأيام، فهي دولة معادية لله.

وقد صرح بوش بأن الحرب على العراق مهمة إلهية و”حملة صليبية”، وقال القس دافيد بريكيز إن تدمير بابل الذي ورد في سفر إشعيا (الإصحاح 13) يعني تدمير العراق، كما فسر النبوءات الواردة في الإصحاح  على أنها تشير إلى قيام صدام حسين الذي اعتبره خليفة نبوخذ نصر.

ويعتمد هؤلاء كثيراً على المزمور 137 من العهد القديم في ترسيخ عقيدة “بابل الشر” التي يجب أن تُدَمَّر، إذ يقول “على أنهار بابل هناك جلسنا بكينا أيضاً عندما تذكرنا صهيون… إن نسيتك يا أورشليم تنسى يميني… يا بنت بابل المخربة طوبى لمن يجازيك جزاءك الذي جازيتنا، طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة”.

الحركات المسيحية المتصهينة تنتظر تدمير دمشق

وبالفعل، حاصر الغرب المتصهين العراق سنوات عديدة ، ومنع عن أهله الدواء والغذاء مما أدى إلى وفاة مئات الآلاف من أطفاله، الذين “ضُربوا بالصخرة” تنفيذاً لما ورد في النص.

وبعد سقوط العراق وتدميره، تروج الحركات المسيحية المتصهينة والمنظمات التابعة لها نبوءة أخرى تتعلق بدمشق، والتي تقول”وحي من جهة دمشق، هو ذا دمشق تُزال من بين المدن وتكون رجمة ردم” أشعيا (17:1)، وتمتلئ شبكة الإنترنت بمئات المواقع التي ترصد إرهاصات هذه النبوءة. ففي شهر أيار من عام 2002، نشر موقع apocalypsesoon.org على سبيل المثال بصفحته الرئيسية عنواناً كبيراً باللون الأحمر يقول “دمشق لن تبقى مدينة بعد الآن”.


أهم المراجع
فؤاد شعبان، من أجل صهيون، دار الفكر، دمشق، ط1، 2003م.

ريجينا الشريف، الصهيونية غير اليهودية: جذورها في التاريخ الغربي، ترجمة أحمد عبد الله عبد العزيز، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1985م.

جون ك. كولي، تواطؤ ضد بابل، ترجمة أنطوان باسيل، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2006م.

غريس هالسل، يد الله: لماذا تضحي الولايات المتحدة بمصالحها من أجل إسرائيل، ترجمة محمد السماك، دار الشروق، القاهرة، 2000م.

منير العكش، أمريكا والإبادة الجماعية: حق التضحية بالآخر، بيروت، دار رياض الريس.

محمد السماك، الدين في القرار الأمريكي، دار النفائس، بيروت، 2003م.

محمد السماك، الصهيونية المسيحية والموقف الأمريكي، مركز دراسات العالم الإسلامي، مالطة، 1991م.

بهاء الأمير، اليهود والحركات السرية في الحروب الصليبية، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2013.

رضا هلال، المسيح اليهودي ونهاية العالم، مكتبة الشروق، القاهرة، 2001م.