مقالات

الجمعيات السرية

أحمد دعدوش


تعود جذور الجمعيات السرية إلى عصور قديمة يصعب تتبعها، حيث يدعي بعض أعضائها اليوم انتسابهم لأنظمة وضعت أصولها منذ ما قبل التاريخ، بل يزعم آخرون -كما سنرى لاحقا- أن أول البشر آدم قد أسس بنفسه أولى جمعياتهم لتكون رديفا لسيرورة حياة البشر، وكأن هناك خطين متوازيين لا ثالث لهما يحكمان التاريخ، وهما مسار الحياة الظاهر بكل صراعاته وتذبذب صعوده وهبوطه، ومسار الأسرار الباطني الخفي الذي لا يزال يحتفظ بأسراره في أيدي “النخبة”.

وبما أننا نتحدث عن جمعيات تقوم على السرية والرمزية، وهي تعترف بذلك وتتشبث به، فنحن إذن أمام مادة غامضة للبحث، فليست هناك مصادر موضوعية أو أكاديمية يمكن الوثوق بها كما هو الحال في أي مادة أخرى تخضع للدراسة، وهذا هو السبب الذي يدفع الكثير من الجامعات لرفض مقترحات الطلاب بتقديم أطروحات علمية تبحث في الجمعيات السرية.

وهذا لا يعني بالضرورة أن كل ما يُكتب عن هذه الجمعيات ضرب من التخمين، فالتحريات التي يجريها محققو البحث الجنائي والصحفيون الاستقصائيون لا تختلف كثيرا عن هذا النوع من البحث، حيث يمكن للباحث أن تجتمع لديه خيوط كثيرة تؤدي إلى حقيقة واحدة مهما كانت حريصة على التخفي. والعلم التجريبي نفسه يُسلّم بوجود الإلكترونات ومكونات الذرة الأخرى بالرغم من الاعتراف باستحالة رؤيتها لأنها أصغر حجما من الموجات المرئية، إلا أن آثارها في الواقع تدفعنا للاعتراف بوجودها.

وعليه؛ فإن الآثار التي تتركها بصمات الجمعيات السرية في الدين والفكر والسياسة والإعلام ومسار التاريخ وميادين كثيرة قد تدفعنا للجزم بحقائق ينكرها أتباع تلك الجمعيات.

أما من يؤمن بالوحي القرآني ويعلم أنه منزل من عند الله فسيجد أدلة أخرى تمنحه اليقين ببعض حقائق تلك الجمعيات السرية وأدوارها الخفية.

لماذا اللجوء إلى السرية؟
تتعدد التفسيرات والنظريات التي تحاول فهم طبيعة هذه الجمعيات وسبب لجوئها إلى السرية، وربما يمكننا إجمالها فيما يلي:

مردوخ

1- يزعم كثير من المؤرخين أن هناك فئة من الناس لجأت إلى السرية عبر التاريخ هربا من اضطهاد الأكثرية، وأنها أخفت طقوسها الدينية الخاصة بها لتحظى ببعض الخصوصية دون أن يكون هناك أي بعد تآمري للإضرار بالمجتمع. ومن الأمثلة التي يقدمونها لهذه الرواية لوح طيني اكتشف في بابل بالعراق ويزيد عمره عن أربعة آلاف سنة، وهو يتحدث عن عبادة سرية متفرعة عن العبادة الرسمية للإله مردوخ، حيث يقدم قصة أخرى لصراع الآلهة، ثم يصف طقوسا خاصة لأتباع هذه الجماعة السرية لتمثيل أدوار المسرحية التي تقام في عيد رأس السنة وتُجسد فيها صراعات الآلهة، ويختتم النص المنقوش بعبارة “إن المعاني الخفية لهذه الأفعال لا يجوز أن تقرأ من قبل الذين لم يدخلوا في هذه العبادة رسميا ووفق الطقوس المنصوصة”.

ويبدو أن تفسير هذا النص يختلف بسبب اختلاف المنهج نفسه كما أوضحنا في مقال “البحث في الدين“، فالمنهج الإلحادي الذي لا يعترف بوجود الغيبيات لن يجد في هذه الطقوس سوى تصرفات خرافية، أما من يؤمن بالوحي وبحقيقة وجود الجن والشياطين فسيرجّح ارتباط هذه الطقوس بالسحر.

وينبغي التذكير بأن بعض الطقوس والنصوص السرية قد تكون هي أصلا لب الدين نفسه، وليست مذهبا باطنيا منشقا عنه، أي أن بعض الأديان قائمة بذاتها على جوهر سري خفي، وأن كهنتها يظهرون لأتباعهم ما يريدون إظهاره فقط.

2- يزعم فريق آخر أن هناك فئة من الحكماء كانت تحتكر الحكمة الصحيحة التي لا يقدر العوام على فهمها منذ آلاف السنين، فاضطرت تلك النخبة لإخفاء وترميز علومها لحمايتها من التشويه والتحريف ومن الوقوع في أيدي الأشرار. ونجد تحت هذا الزعم عددا كبيرا من النظريات المتداولة عبر شبكة الإنترنت، ومنها مثلا أن النخبة كانت تحتفظ في حضارتي أطلنطس وراما الأسطوريتين بأسرار تكنولوجية أكثر تطورا مما نشهده اليوم، وكانت تستخدمها للتغلب على الجاذبية والسفر عبر الكواكب ورفع الحجارة العملاقة لبناء الصروح الهائلة مثل الأهرام وتشغيل الآلات بنوع خاص من الطاقة، ويقال إن هذه النخبة رمّزت علومها وأسرارها في طريقة بناء الهياكل والصروح التي بقيت قائمة حتى اليوم في مصر والهند وأمريكا الجنوبية والعراق، كي يتمكن أحفادهم بعد آلاف السنين من استخراج تلك العلوم والاستفادة منها، لا سيما وأن القدماء خافوا عليها من الاندثار بفعل الطوفان الذي حدث في عصر نوح وغيره من الكوارث.

ويجتهد أصحاب هذه النظريات في استخراج الرموز العميقة من تماثيل أبو الهول وإيزيس والمعابد العملاقة ومقارنتها بمعايير هندسية مثل النسبة الذهبية وبغيرها من الحقائق الفلكية والفيزيائية، كما يربطون بعض الاكتشافات المذهلة التي توصل إليها القدماء بكائنات فضائية يفترضون أنها هبطت إلى الأرض وأنها هي ذاتها كائنات الأنوناكي التي ذُكرت في الأساطير العراقية. ويذهب البعض إلى افتراض أنها كائنات من الزواحف نصف البشرية التي ما زالت تعيش على الأرض وتدير العالم في الخفاء، بينما لا يقدم أصحاب هذه النظريات أية أدلة علمية تربط “المشاهدات” المزعومة والروايات ببعضها.

مانلي هول

ويجدر بالذكر أن كبار المؤلفين المنتسبين إلى الماسونية وغيرها من الجمعيات السرية بدأوا بطرح هذه النظرية في وسائل الإعلام والأوساط الثقافية منذ بدايات القرن العشرين، وهو طرح يتزايد بثه باستمرار مع تزايد الانفتاح في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات الحالية، حيث بات من الصعب إخفاء أسرار تلك الجمعيات ومخططاتها، ولا سيما بعد نشر عدة كتب رصينة ألفها منشقون عن الجمعيات أو صحفيون تسللوا إلى محافلها وفضحوا ما يجري فيها، فلم تعد ملاحقة هؤلاء وقتلهم سياسة مجدية كما كانت في الماضي، فبدأت تلك الجمعيات بفتح أبواب محافلها أمام كاميرات الصحفيين لتصوير بعض طقوسها، مع الاعتراف بأن التصوير لا يطال كل ما يجري هناك وأن السرية ما زالت قائمة جزئيا، كما نشط منتسبوها في نشر الكتب والأفلام الوثائقية والسينمائية التي تزعم أن الماسونية وأمثالها لم تعد سرية كما كانت، وطرحوا فيها ما يزعمون أنه حقيقة تلك الأسرار التي احتفظوا بها آلاف السنين. ويعد الماسوني من الدرجة الثالثة والثلاثين مانلي هول من أوائل المؤلفين في هذا الباب عندما نشر كتابه “التعاليم السرية لكافة العصور” عام 1928، حيث زعم فيه أنه كشف كل ما كان يخفى عن الناس من “الحكمة” المتوارثة منذ عصور سحيقة، وهو كتاب مليء بالمغالطات التي لا تستند إلى دليل، وفيه الكثير أيضا من المزاعم التي لا يمكن لأحد إثباتها، فضلا عما فيه من إخفاء وتضليل لحقيقة الماسونية.

سلسلة أفلام “كنز وطني” من إنتاج شركة ديزني تعد من أهم محاولات هوليود الأخيرة لتلميع صورة الماسونية

ومن مظاهر هذه الحملة أيضا تحويل الجمعيات السرية إلى مادة للترفيه في أفلام هوليود، بحيث تُنزع عنها تهمة التآمر والخبث تحت وقع الكوميديا السوداء، بحيث يصبح أي ربط بين عوالم السر وبين التآمر مجرد خضوع “للفكر التآمري” وانعكاس لعقدة البارانويا ضد عدو وهمي.

ولكي تثمر هذه الحملة، كان لا بد من ضخ تلك الكتب والأفلام بأعداد لا تحصى، ففي كل عام تصدر عن دور النشر عشرات الكتب التي تزعم كشف المزيد من الأسرار والخفايا عن تلك الجمعيات، فضلا عن خلط الحق بالباطل، ما أدى في النهاية إلى نفور الكثيرين من الاطلاع على تلك المعلومات واعتبارها مجرد لغو لا يثمر أي نتيجة مفيدة.

3- ومن أسباب العمل السري أيضا اضطرار الحركات المقاومة للمحتل أو المعارضة للحكم إلى التخفي لحمايتها من القمع، فالهدف في هذه الحالة سياسي لا ديني، ومن الأمثلة المشهورة في العصر الحديث لهذه الحركات الجمعيات القومية الكاثوليكية الأيرلندية التي نشأت في القرن الثامن عشر لمقاومة حكم الأقلية البروتستانتية، كما نشأت على شاكلتها جميعات إيطالية قومية في أوائل القرن التاسع عشر لمقاومة السيطرة الأسبانية والنمساوية التي دامت نحو 250 سنة، لكن الجمعيات الإيطالية سرعان ما اندمجت بجميعات الكاربوناري وصارت جزءا من الماسونية، فلم تعد مجرد حركات ثورية لمقاومة المحتل بل تم تحريكها لأهداف الماسونية العالمية نفسها.

4- يرى فريق آخر أن ظهور الجمعيات السرية يعود أصلا إلى أسباب نفسية واجتماعية فقط، فالإنسان يسعى إلى التمرد على الطبيعة بالبحث في عالم المجهول السحري، وينجذب تلقائيا إلى التنجيم والباراسيكولوجي والتصوف، وقد يجد في رموز وطقوس الجمعيات الغامضة ما يشبع نهمه هذا.

ويقول أرسطو إن مغزى ممارسة الطقوس السرية لا يكمن في تعلم شيء ما فقط بل في مكابدة تجربة التغيير، ويعلق المؤلف نورمان ماكنزي في كتاب “الجمعيات السرية” عليه بالقول إن التغيير ليس مجرد رقي روحي ونشوة بل يُفهم على أنه بعث جديد، حيث يتم تجسيده في مسرحيات شعائرية يلعب فيها العضو الجديد دور المشارك والمشاهد، وهكذا يشعر العضو بأن السرية تمنحه طريقة تجعله استثنائيا ومختلفا عن عوام الناس، وأن لديه من الذكاء والحكمة ما يجعله في طبقة الصفوة. وهذا التفسير قد يصح فيما يتعلق بدوافع الأعضاء في الانتساب لتلك الجمعيات، ولكنه لا يبرر ظهور تلك الجمعيات أصلا، فقد يكون العضو المبتدئ مغررا به فعلا لكن القادة ليسوا كذلك بالضرورة.

ويرى هذا الفريق أن الذين يفشلون في التعامل مع العصر الحديث، بما فيه من مظاهر الاغتراب والقلق نتيجة الصراعات السياسية والتطور المتسارع، يلجؤون إلى اتهام الجمعيات السرية بوضع المؤامرات وتنفيذها.

ويتماشى هذا التفسير مع المنهج الإلحادي لدراسة الأديان [انظر مقال البحث في الدين]، فهو ينطلق من مبدأ استبعاد الجانب الروحي الغيبي من البحث، ويحاول إعادة كل ما يراه في نشاط الجمعيات السرية أو في ما ينسب إليها من مؤامرات إلى عوامل طبيعية واجتماعية لاإرادية، وكأن تلك الجمعيات مفعول بها وليست فاعلا لأي شيء يذكر. ونجد لهذه الفكرة أساسا لدى منظري الماركسية والرأسمالية على حد سواء، فهناك قانون حتمي لصراع الطبقات لدى الماركسيين، وقانون مماثل لدى النيوليبراليين يؤدي إلى صراع الحضارات، وهناك أيضا “يد خفية” تحرك المجتمع والاقتصاد نحو نهاية محتومة حسب الرؤية الرأسمالية الكلاسيكية، وليس للإنسان -فضلا عن الجمعيات السرية- دور في تغيير هذا الحراك أو تحريك مساره، حسب رأيهم.

عبد الوهاب المسيري
(موقع المسيري)

وهذا التفسير هو السائد اليوم في الساحة الثقافية الغربية، وهو الذي يتلقى الدعم إعلاميا وأكاديميا حول العالم، وصار له أتباع كثر في العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة، ويُعد المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري أحد أبرز منظريه، فهو ينفي عن الحركات السرية أي بعد ديني تآمري، ويكاد ينفي أي تأثير لها على أرض الواقع، بل يرى أنها نتيجة طبيعية للحراك الاجتماعي والسياسي، ويتجاوز دراسة الجانب الخفي لهذه الجمعيات إلى دراسة “الفكر التآمري” لدى من يقرون بوجود مؤامرة حقيقية في مشروع تلك الجمعيات، وكأن الأمر لا يعدو أن يكون وهما في خيال الناس، كما هو حال الدين نفسه الذي يعتبره الملحدون واللادينيون مجرد وهم وليس له أي وجود موضوعي، وقد ظل المسيري متمسكا بقناعته بعد انتقاله من الماركسية إلى الإسلام، وتابعه في ذلك كثير من الإسلاميين الذين باتوا يبثون هذه الأفكار بقوة في الساحة الثقافية، وفي غلاف إسلامي أحيانا. [انظر كتاب اليد الخفية].

5- أخيرا، هناك فريق لا ينكر وجود الفكر التآمري، ويقر بأن المبالغة في ربط الأحداث بالجمعيات السرية ليس صائبا في كل مرة، كما يرى أن العديد من الجمعيات وُجدت لمقاومة العدو أو المحتل، أو لأهداف إنسانية أو بدوافع نفسية واجتماعية. لكن هذا كله لا يغطي الجمعيات السرية كلها، بل جانبا منها فقط.

ويستتند هذا الرأي إلى اعترافات كثير من المنشقين عن المحافل السرية، وتسريبات المتسللين إلى داخلها، مع ربط الحوادث التاريخية بما وضعه مؤرخون وشهود عيان على مجريات الأحداث، ولا سيما في القرون الثلاثة الأخيرة. كما يجد هذا الرأي ما يدعمه في نصوص الوحي القرآني، وهو ما يعطيه درجة اليقين ويغنيه عن الاكتفاء بالجدل الفلسفي لمن يؤمن بالوحي.

وتتفرع عن هذا الرأي نظريات تحتمل النظر والنقد كغيرها، لكن إطارها العام يربط غالبا النزوع إلى السرية مع المبادئ المعلنة الخارجة عن تعاليم الوحي بعالم السحر، فالسحرة كانوا طوال التاريخ أكثر الناس انطواءً وبعدا عن المجتمع، ولا يخفى ارتباط أنشطتهم بالأذى والشر والتآمر. ولا ينكر منظرو فك الرموز السرية المعاصرون الجانب السحري في علومهم، بالرغم من التلاعب في تقديم التفسيرات والمبررات.

وقد أوضحنا في مقالات “الإنسان والدين” و”الوثنية” و”الباطنية” تفرع التاريخ الإنساني إلى مسارات موازية لمسار الوحي. وبالعودة إلى إحدى روايات التأويل فقد بدأ السحر في وقت مبكر من عمر البشرية، وذلك في عصر النبي إدريس، وتزامن مع الجنوح عن سبيل الوحي كما يقول الحديث القدسي الذي رواه مسلم “وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم”، وسنجد في هذا المقال وفي مقالات “القبالاه” و”فرسان الهيكل” و”الماسونية” مزيدا من التفاصيل عن هذا الارتباط.

تاريخ الجمعيات السرية
يقول المؤرخ الماسوني الراحل جرجي زيدان (1861- 1914) في بداية كتابه “تاريخ الماسونية العام” إن هناك أقوالا كثيرة بخصوص نشأة جمعية الماسونية المعاصرة، فبالرغم من إقرار أتباعها بأنها خرجت في القرن الثامن عشر من عباءة جمعية الصليب الوردي التي تأسست سنة ١٦١٦، إلا أن الجذور تعود إلى ما هو أقدم بكثير، فهناك من يعود بتاريخها إلى الحروب الصليبية، وآخرون تتبعوها إلى القرن الثامن قبل الميلاد في اليونان، وآخرون قالوا إنها نشأت في هيكل سليمان، وفئة قالت إن منشأها يعود إلى بدايات الكهانة المصرية والهندية، وهكذا إلى أن زعم البعض أن مؤسسها هو آدم نفسه، وأن الخالق هو الذي أسَّسها في جنة عدن، وأن الجنة كانت أول محفل ماسوني، ويعلق زيدان على ذلك بقوله إنها أقوال مبنية على الوهم.

جرجي زيدان

كان زيدان يعمل في مكتب المخابرات البريطانية بالقاهرة، وقد رافق القوات الإنجليزية التي حاولت قمع ثورة المهدي في السودان، فهو عضو أصيل في الحملة الدعائية للماسونية التي بدأت في أواخر القرن الماضي بمحاولة إقناع الناس بأن الحركات السرية قد تخلت عن سريتها المريبة وكشفت تاريخها وحقائقها للناس. لذا لا يمكننا الوثوق بمحاولة نفيه للعلاقة بين الماسونية والحركات السرية القديمة التي أرّخ لها في كتابه.

يصف زيدان في كتابه طقوس قبول المنتسب إلى “جمعية إيزيس السرية” في مصر القديمة، حيث يتحقق الكهنة من أهليته للالتحاق بهم وحفظ أسرارهم، ثم “يسومونه عند القَبول مشقات عظيمة تختلف بين تخويف وتهديد”، فإذا اجتازها بدأت مراسم الاستقبال، فيحقق معه كاهن يحمل اسم الإله أوزيريس، وبعد الانتهاء منه ينتقل العضو الجديد إلى قائد متنكر على رأسه غطاء كرأس الكلب، فيذهب به في دهاليز مظلمة إلى مجرى مائي، فيسقيه كأسا من “ماء النسيان” لينسلخ عن كل ماضيه ويبدأ حياته عضوا في الجمعية من جديد. وبعد انتهاء المزيد من الفعاليات الاحتفالية يبدأ تلقينه “الأسرار المقدسة”.

ويقول زيدان إن أول من نقل أسرار الجمعيات السرية إلى أوروبا هو أورفيوس الذي كان عضوا في الجمعية الإيزيسية بمصر، ثم عاد إلى بلاده في منطقة تراسيا (بلغاريا ورومانيا بأوروبا الشرقية حاليا) في القرن الرابع عشر قبل الميلاد ونشر تعاليمها هناك. وبعد وفاته أسس تلاميذه “مجمع إلوسينيا” في إلوسيس باليونان، وابتكروا لأنفسهم طرقا جديدة في مراسم قبول الأعضاء بما فيها من أساليب غسل الأدمغة بالترهيب والتهديد، حيث يُمرر العضو الجديد على مواقع مليئة بالوحوش والأفاعي وحمم النيران والأصوات المخيفة بمراحل مدروسة، ويُزرع في عقله أن هذا هو الجحيم أو صورة عنه، ثم يُنقل إلى موقع يملؤه النور والأمان ليستقبله الكاهن ويلقنه الأسرار في أجواء احتفالية، وكأنه بلغ بذلك الجنة.

ويُطلب من العضو الجديد قبل خوض التجربة المرعبة أن يغتسل أولا بالماء والدم، وأن يقدِّم ثورا أو كبشا كأضحية، فإذا نجح في قبول عقيدتهم تم تعميده بالماء كما يُعمد المسيحيون اليوم في الكنائس، ومنحوه اسما جديدا سريا يُعرف به في مجتمعه الصغير بعيدا عن حياته الطبيعية، وهذه الطقوس تدل بوضوح على الخلفية الشيطانية لهذه الجمعية، فهي لا تختلف كثيرا عما يمارس في طقوس عبادة الشيطان المعلنة في عصرنا الحديث، وهو أمر لا يذكره زيدان.

ويقول زيدان إن تعاليم هذا المجمع انتشرت في سائر المدن القديمة مثل فينيقية (لبنان) والهند ومصر وسوريا واليونان وغيرها، حتى قيل إنها أصلٌ لجميع تعاليم المجامع السرية القديمة في العالم، مؤكدا أن حيرام ملك صور كان أحد كبار الكهنة فيها.

ويضيف زيدان أن هذه التعاليم انتشرت أيضا في المجتمع اليهودي عندما بُعث المسيح بينهم في فلسطين، فكان أتباعها يُعرفون باسم طائفة الأسينيين، إذ نجد في رؤيا يوحنا بالإصحاح الثاني (عدد ١٧) من الكتاب المقدس قوله “فَلْيسمع ما يقوله الروح للكنائس. من يغلب فسأعطيه أن يأكل من المن الخفي، وأهبه حصاة بيضاء منقوشا عليها اسم جديد لا يعرفه أحد غير الذي يأخذه”، في دلالة إلى مراسم قبول العضو في مجمع الإلوسينيا حيث يُكتب اسمه السري على قطعة حجر يحتفظ بها حتى موته، وكأن مفاهيم الجمعيات السرية تسربت أيضا إلى الكتب السماوية التي تم تحريفها لاحقا.

ويُسهب زيدان في إظهار أتباع هذه الطائفة بمظهر المتقشفين المنقطعين عن الدنيا وملذاتها، وكأنهم مجموعة من الناسكين الزاهدين المنقطعين لاكتشاف المعرفة، فضلا عما يتمتعون به -حسب زعمه- من أخلاق راقية وتضحيات عظيمة فيما بينهم.

وما زالت طقوس العبادة الإلوسيسية السرية ماثلة حتى يومنا هذا بوضوح على جدران “فيلا الأسرار” Pompeii Villa of Mysteries في مدينة بومبي الإيطالية، حيث طمرت تحت الرماد منذ ثوران البركان المفاجئ قبل الميلاد بنحو ثمانين عاما لتبقى محفوظة حتى تُكتشف في عصرنا الحديث، إذ يبدو أن العبادة السرية لإله الخمر والنشوة “ديونيسوس” كانت مسيطرة على المنطقة، لا سيما وأن اقتصاد بومبي كان قائما على الدعارة، حيث تقدم لنا آثارها المحفوظة بدقة تثير الدهشة صورة واضحة عن تغلغل الجنس في حياة الناس إلى أقصى درجة.

فيلا الأسرار التي طمرها الرماد لأكثر من ألفي سنة، وهي تبدو اليوم في حالة جيدة بل تفاجؤنا أيضا بطرازها المعماري الذي لا يختلف كثيرا عن العمارة الحديثة، بل مازالت جدران الفيلا تشرح بالرسوم الملونة طقوس انضمام امرأة إلى عبادة ديونيسوس السرية (ElfQrin)
منحوتة “تحوت” عند مدخل مكتبة الكونغرس بواشنطن

الهرمسية
تحدثنا بإيجاز في مقال “الباطنية” عن النظريات التي تحاول كشف حقيقة شخصية هرمس وما ينسب إليها من مؤلفات وعلوم، وهي شخصية بالغ الباحثون في تعظيمها حتى قال فرانسيس باريت في كتابه “سيرة تاريخية قديمة”: “إذا كان الإله قد تجسّد فعليا في هيئة إنسان، فلم يكن ذلك سوى بشخص هرمس”، وقلنا إنه من الراجح أن تكون تلك الشخصية صورة محرفة عن شخصية النبي إدريس عليه السلام، بعد أن نُسبت إليه تراكمات من العلوم والخرافات والفلسفات الوثنية والسحرية.

أفرد الماسوني مانلي هول في كتابه “التعاليم السرية لكافة العصور” فصلا لتعاليم هرمس التي تحتل مكانة مهمة لدى الماسون، وقال إن البعض يعتبر أن هرمس هو ذاته الإله الإغريقي هرمز Hermes، وأنه هو نفسه الإله المصري تحوت Thoth أو توتي Tuti، الذي كان إله القمر أيضا، حيث رُسم على هيئة رأس طائر أبو منجل مع قرص وهلال القمر، وبما أنه دين باطني غنوصي سري، فقد أطلق عليه الكهنة -في الصيغة المعلنة للناس- إله الحكمة والأبجدية والزمن، بينما كان له وجه آخر في المعابد السرية والطقوس الخفية.

عصا هرمس

وبحسب كتاب مانلي هول، احتوى “كتاب تحوت” المقدس على الإجراءات السرية التي يمكن من خلالها “إعادة إصلاح البشرية”، وهو كتاب يصعب فك رموزه الهيروغليفية الغريبة, إلا أنه يمنح مستخدميه القادرين على فهمه “قوة غير محدودة على الأرواح العلوية والسفلية”، حيث يمكنهم تضخيم وعيهم البشري ورؤية الكائنات الخالدة  Immortals والدخول إلى حضرة الآلهة الأسمى، وبما أن هول ماسوني من الدرجة الثالثة والثلاثين؛ فهو لا يعترف لعامة القراء بأن هذه الطقوس ليست سوى أعمال سحرية لاستحضار الشياطين.

أحد مؤلفات الشيطاني المعروف أليستر كراولي عن أسرار تحوت

ويضيف هول أن هناك أسطورة تقول إن “كتاب تحوت” كان في صندوق ذهبي في الحرم الداخلي للمعبد، ولا يمكن لأحد الوصول إليه سوى الأستاذ الأعظم، ويقول أيضا إن ذلك المعبد قد أزيل وتشتت أعضاؤه، إلا أن كتابهم هذا مازال محفوظا حتى اليوم، ويكتفي بالقول “لا يمكن تقديم أي معلومة إضافية للعالم حاليا، ولكن يجب الانتباه إلى أن الخلافة الرسولية المتسلسلة من عهد الأستاذ الأعظم الذي انتسب على يد هرمس شخصيا مازالت مستمرة حتى اليوم، ويمكن للأشخاص المميزين والملائمين لخدمة الخالدين [أي الشياطين] أن يجدوا هذا المخطوط النفيس الذي لا يقدر بثمن إذا اجتهدوا في البحث عنه بإخلاص”.

قارة أطلانطس
ينسب مؤرخو الجمعيات السرية أصول الكثير من “الحكمة” السرية إلى قارة أطلانطس المفقودة، وهي جزيرة هائلة الحجم ورد ذكرها في كتاب “محاورة تيماوس” للفليسلوف اليوناني أفلاطون، حيث زعم أن الفيلسوف سولون الذي مات قبله بنحو 150 عاما، أي في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، سمع قصة القارة المندثرة من كهنة مصر ثم نقلها إلى اليونان شفهيا، وكان أفلاطون أول من وثقها لتبقى محفوظة إلى عصرنا الحالي.

أفلاطون

وبحسب هذه الرواية، فإن أطلانطس كانت جزيرة بحجم شمال أفريقيا وآسيا الصغرى، وتقع خلف “أعمدة هرقل” أي مضيق جبل طارق، فهي تحتل مكانا كبيرا من المحيط الأطلسي، وكانت قد اندثرت قبل الميلاد بنحو 9500 سنة، حيث كانت أشبه بالجنة على الأرض، ففيها من الحضارة والخيرات ما يحلم به كل إنسان، ثم بدأ ملوكها بالطمع في احتلال بلاد أخرى، فاحتلوا شمال أفريقيا، ثم هاجموا مصر وأثينا (اليونان)، وكانت نهاية تلك الحضارة بسلسلة من الزلازل والفيضانات التي أغرقت القارة كلها في البحر. [حضارات مفقودة، ص 17- 20].

ومما يهمنا من هذه الأسطورة أنه كان يحكم أطلانطس عشرة ملوك، وهم يمثلون مثلث “تيتراكتيس” الذي ترسم فيه عشر نقاط، وهو المثلث الذي قدّسه فيثاغورس بعد اقتباسه من مدرسة القبّالاه السحرية كما سيمر بنا لاحقا. وتضيف الأسطورة أنه كان في وسط أطلانطس معبد ديانة الحكمة هرمي الشكل، الذي يقع على هضبة مرتفعة في وسط مدينة البوابات الذهبية، ويقول أتباع الجمعيات السرية إنه أصل المعابد والهياكل والمحافل التي انتشرت لاحقا في قارات العالم من أمريكا الجنوبية مرورا بمصر إلى الهند.

ومن اللافت أن أفلاطون لم يوضح ما إذا كانت القصة خيالية أم حقيقة، كما أنه أسهب في رواية تفاصيلها دون ذكر مغزاها، وذلك على غير المعتاد في محاوراته الفلسفية، ما دفع البعض للاعتقاد بأنه كان يتحدث عن قصة حقيقية وليس من أجل ضرب الأمثلة الفلسفية. وسواء كانت قصة حقيقية أم خرافة، فقد وجد أتباع الجماعات السرية في القارة المندثرة فرصة لإلصاق جميع علومهم وأسرارهم وأكاذيبهم بأصل حضاري عريق، ما ينفي عنهم تهم الاتصال بالشياطين والاقتباس منهم.

لكن قصة أفلاطون تواجه تحديات كثيرة، فالمفترض أن سكان أطلانطس أنشأوا حضارة في غاية التقدم قبل 11500 سنة من يومنا هذا، مع أن أقدم الآثار المحفوظة لنشوء الحضارة لا يمتد إلى ما هو أبعد من حضارات العراق التي بدأت قبل نحو خمسة آلاف سنة، وبما أن جميع التنقيبات والأبحاث الجيولوجية لم تسفر عن أي أثر لها، فهناك من افترض أن أفلاطون كان يتحدث عن جزيرة كريت اليونانية وليس عن موقع في المحيط الأطلسي، كما قدم باحثون معاصرون عشرات التأويلات المختلفة لموقع أطلانطس المحتمل. ولا ننسى أن المؤرخين اعتقدوا طوال قرون أن طروادة لم تكن سوى مملكة خيالية وردت في أشعار هوميروس، إلى أن اكتشفت آثارها فعلا في شمال غرب تركيا عام 1871، وكذلك الحال مع الحضارة المينوية التي كان يعتقد أنها أسطورية حتى وجدت آثارها في كريت.

فرنسيس بيكون

في عام 1626، وضع الفيلسوف الإنجليزي المعروف فرانسيس بيكون كتابه “أطلانطس الجديدة”، وكان من أواخر مؤلفاته التي جعلت منه مؤسسا للعلم الحديث في الغرب، وفي العالم كله بحكم التبعية. وما يتداوله العالم بعد نحو أربعمئة سنة أن الكتاب كان يتضمن نبوءة فلسفية بريئة للعالم الحديث القائم على العلم، لكن بيكون كان الأستاذ الأعظم للماسونية في عصره، ولم يكن هذا الكتاب سوى البيان الختامي الذي قدّم فيه رؤيته لنموذج الدول التي ستُدار من قبل محافل الجمعيات السرية كما كان الحال في أطلانطس، وذلك تحت مسميات العلم والحضارة.

في عام 1882، طرح الأميركي من أصل إيرلندي إغناطيوس دونيلي كتابه “أطلانطس: العالم العتيق”، وقدم فيه أدلة كثيرة تدعم نظريته في صحة وجود أطلانطس، وزعم أن عددا قليلا من سكانها استطاعوا النجاة بالسفن ونقلوا أسرار تلك الحضارة المتقدمة إلى العالم. وقد أطلق دونيلي بذلك موضة الاهتمام العالمي بهذه الأسطورة، وربما كان أول من نقلها من عالم الخيال إلى الأوساط الجادة لتداعب أحلام الكثيرين، كما تأثر بالكتاب العديد من السياسيين، حتى تحمس رئيس وزراء بريطانيا ويليام غلادستون لجمع المال وتمويل حملة استكشافية للعثور على مكان أطلانطس. وما زال الكثيرون يبجلون دونيلي حتى اليوم على اعتبار أنه كان باحثا مجتهدا ومخلصا لنظريته، ولكن معظمهم لا يعرفون أنه كان ماسونيا عتيدا، وأنه كان يمهد كما يبدو لإقناع عامة الناس بأن أطلانطس هي أصل حضارات العالم كله، وأن المنظمات السرية الموجودة اليوم هي الوريث الوحيد لأسرار الحضارة.

وفي عام 1924 بدأ الباحث الأسكتلندي لويس سبينس بنشر سلسلة كتب عن أطلانطس، حيث يرى البعض أن كتاباته كانت أفضل ما كتب علميا بشأن أطلانطس، وعلى أساسها افترض الكثيرون أن جزر أزور البرتغالية هي من بقايا القارة المفقودة، وما يزال حتى اليوم مئات الناشطين والمهتمين يتناقلون عبر الإنترنت نظريات تتحدث عن اكتشاف أهرام ضخمة في عمق المحيط،  لا سيما قرب أزور وفي مثلث برمودا، ويقولون إن الحكومات الغربية تتعمد إخفاء هذه الحقيقة لتحتكر لنفسها أسرار أطلانطس التي لا يعرفها سوى كبار أعضاء الجمعيات السرية، وهي ادعاءات غير مؤكدة ولا يمكن التحقق منها.

ويجدر بالذكر أن عددا من الباحثين في خفايا الجمعيات السرية يؤكدون أن نخبة جمعية “المتنورين” (الإلوميناتي)، وهي جمعية منبثقة عن الماسونية، يعتقدون أنهم أسلاف ملوك وكهنة أطلانطس، أي أنهم من نتاج تزاوج الآلهة مع البشر، ويُعتقد أن فيلم “أطلانطس: الإمبراطورية المفقودة” الذي أنتجته شركة والت ديزني عام 2001 كان يتضمن هذه الفكرة رمزيا، لا سيما وأن ديزني نفسه (توفي عام 1966) كان على الأرجح ماسونيا من الدرجة الثالثة والثلاثين، ولا يزال في داخل مدينته الترفيهية بولاية فلوريدا “ديزني لاند” نادٍ مغلق يحمل اسم “33”، ولا يُسمح بالانضمام إليه إلا للنخبة وبعد دراسة طلب الانضمام التي قد تستغرق عشر سنوات.

المدرسة الفيثاغورية
ربما لا يوجد أحد في العالم لم يسمع باسم العالم اليوناني فيثاغورس، فنظرياته الرياضية والهندسية تُلقن لطلاب المرحلة الابتدائية حول العالم، ولا يكاد معظم الناس يعرفون عنه شيئا أكثر من ذلك، وقد يفاجأ القارئ عندما يعلم أن فيثاغورس الذي ولد قبل الميلاد بنحو ستمئة سنة كان من أهم أقطاب الجمعيات السرية في التاريخ.

اشتهر فيثاغورس بنظرية حملت اسمه في الهندسة، لكن الوثائق التاريخية تشير إلى استخدام مثلثات قائمة بأضلاع أطوالها أعداد صحيحة في بابل قبل فيثاغورس بأكثر من ألف سنة، كما استخدم المصريون القدماء النظرية قبله أثناء عمليات البناء وتقسيم الأراضي.

ويجدر بالذكر أن بعض العلماء المعاصرين يؤكدون أنهم اكتشفوا ثغرات وأخطاء في النظرية المنسوبة لفيثاغورس.

تمثال فيثاغورس بمتحف الفاتيكان

يحظى فيثاغورس اليوم بمكانة عظيمة في مؤلفات الماسون، كما في كتاب مانلي هول، حيث نجد فيه تأريخا لحياته ابتداءً بقصة ولادته التي زعم أنها جاءت بنبوءة عندما قالت كاهنة معبد أبولو لوالديه إنهما سيرزقان بطفل، وإنه سيكون أعظم الرجال جمالا وحكمة، وسيساهم كثيرا في نفع البشرية. كما ينقل عن جودفري هيغينز ما سماه بأوجه التشابهة بين ولادة وحياة فيثاغورس وتاريخ حياة يسوع المسيح، ما دفع البعض لتسمية فيثاغورس بابن الإله أبولو، بل ظن البعض أن الإله حلّ فيه وتجسد.

ويجدر بالذكر هنا أن مؤرخي حياة فيثاغورس قد وضعوا الأساطير عن حياته وشخصية بعد ولادة المسيح بمدة ليست بالقصيرة مع أن فيثاغورس مات قبل ذلك بنحو خمسة قرون، فالذين كتبوا قصة فيثاغورس هم الذين اقتبسوا النبوءة من قصة المسيح، والذين حرّفوا دين المسيح عيسى بن مريم اقتبسوا في المقابل من الفيثاغورية أسطورة الحلولية والتجسد.

يقول المؤرخ والفيلسوف برتراند رَسل في كتابه “تاريخ الفلسفة الغربية” عن فيثاغورس إنه كان من أهم من شهدت الدنيا من رجال من الناحية العقلية، ويضيف “لست أعلم عن رجل آخر كان له من التأثير في نطاق الفكر ما كان لفيثاغورس، وأقول ذلك لأن ما قد يبدو لك أفلاطونيا، ستجده عند التحليل فيثاغوريا في جوهره… ولولاه لما فكر المسيحيون في المسيح على أنه الكلمة”.

ويتضح الأثر الذي تركه فيثاغورس عندما نعلم أن أفلاطون كان معجبا للغاية بأفكاره، ويقال إنه دفع مبلغا كبيرا مقابل الحصول على مخطوطات فيثاغورس التي نجت من التلف، حتى قال أرسطو (تلميذ أفلاطون) إن جمهورية أفلاطون المثالية (اليوتوبيا) لم تكن سوى ترجمة لأفكار فيثاغورس.

يقول المؤرخ الإغريقي ديوجينس ليرتيوس إن فيثاغورس كان يزعم أمام طلابه وأتباعه أن روحه تناسخت خمس مرات، وأنه يتذكر جيدا الحيوات التي عاشها قبل أن يلتقي بهم، ففي الحياة الأولى كان أثاليدس ابن إله الحرب، وفي الثانية كان يوفوربس أحد أبطال حرب طروادة، وفي الثالثة كان هيرموتيموس رسول آلهة الأولمب، ويبدو أنه تواضع في ما قبل الأخيرة فجعل نفسه صيادا عاديا، ثم تجسد على هيئة المعلم فيثاغورس.

ومن الطريف أن نجد هذه المزاعم لدى معلمين آخرين في الجمعيات السرية على مر العصور، ومنهم اليهودي الإيطالي كاجيلوسترو الذي ابتكر طقس ممفيس المصري لصالح المحافل الماسونية وكان له دور في إشعال الثورة الفرنسية أواخر القرن الثامن عشر، حيث كان يزعم أن روحه تناسخت عدة مرات، وأنه كان في إحداها صديقا ليسوع المسيح نفسه، وأن حياته الأخيرة امتدت أكثر من ثلاثمئة سنة.

ووفقا للماسوني هول، اكتسب فيثاغورس القدر المستطاع من المعرفة التي كانت متوفرة في اليونان، وانتسب لجمعية الإلوسيسية السرية التي تحدثنا عنها، ثم بدأ رحلاته لاكتساب المزيد من الأسرار، فتتلمذ على يد حاخامات اليهود القبّاليين، ثم سافر إلى مصر، وبعد محاولات عدة سُمح له بالانتساب إلى جمعية إيزيس السرية بمدينة طيبة، ثم توجه إلى سورية وبلاد الفينيقيين (لبنان) وانضم إلى جمعية أدونيس وتلقى أسرارها، وعبر بعد ذلك وادي الفرات ليتعلم أسرار الكلدانيين والبابليين.

ولم يكتف بذلك، فرحل إلى بلاد فارس والهند، حيث بقي هناك عدة سنوات للاطلاع على أسرار البراهمة والمجوس، وبعد نحو ثلاثين سنة من الترحال والتعلم عاد إلى أوروبا وأنشأ مدرسة في مدينة كروتونا (جنوب إيطاليا) التي كانت تحت حكم الإغريق، وأعلن عن فتح الباب لتعليم الرياضيات والهندسة والفلسفة، بينما كانت مدرسته في الباطن بمثابة الجمعية التي تتلخص فيها كل أسرار وطلاسم وطقوس الجمعيات السرية.

وضع فيثاغورس أصول تشكيل الجمعيات السرية التي ما زالت متبعة حتى اليوم، لذا يدين له أتباع الماسونية والصليب الوردي بالفضل، حيث قسّم منتسبي جمعيته إلى ثلاث درجات، بحيث لا يعلم أعضاء كل درجة شيئا عن التي تليها، فلكل منها طقوس وأسرار لا يعلم بها زملاؤهم الآخرون.

يقول مانلي هول إن فيثاغورس كان يتمتع بقدرات خارقة، فذكر أنه كان يزعم قدرته على التنبؤ بالمستقبل، ورجّح أنه كان قادرا على تنويم الناس والحيوانات، وعلى التغلغل إلى عقول الحيوانات لإقناعها بما يريد، وعلى رؤية الأشياء من مسافة بعيدة.

أما الدرجة الأولى فكانت علنية ومكشوفة، كما هو حال الدرجات الأولى من الماسونية اليوم، والتي تُفتح أبوابها للصحافة ويجاهر أعضاؤها بالانتساب لها ويُعلن أن أنشطتها تقتصر على المجال الخيري الإنساني، وكان طلاب هذه الدرجة يجلسون في أماكن مفتوحة للاستماع إلى محاضرات عامة دون مناقشة، حيث كان فيثاغورس يعلمهم أن الحقيقة في أعماقها رياضية وأن العدد هو أساس كل شيء، فلكل عدد معنى رمزي باطني، وبشكل يتطابق تقريبا مع فلسفة القبالاه اليهودية.

كراولي في زي جماعته “الفجر الذهبي”

وبعد خمس سنوات من الانتظام في تلك الدرجة يختار الأساتذة بعناية من يستحق الترقية إلى الدرجة الثانية، وهناك يفتح لهم باب المناقشة والتلقي ولكن داخل محافل سرية. ثم يتم اختيار الصفوة من هؤلاء للترقية إلى الدرجة الثالثة لتلقي الأسرار الخاصة، حيث يكتشفون آنذاك أن المعرفة لا تتعلق فقط بأسرار الهندسة والأعداد، بل هناك عقيدة كاملة بشأن الوجود والإله والموت وما بعده، وهي العقيدة الشيطانية المطابقة للقبالاه.

وقد أقر كبار مؤسسي الحركات الباطنية القبّالية والجمعيات الشيطانية الحديثة في الغرب باقتباس فيثاغورس من القبالاه، ومنهم الإنجليزي ماك غريغور ميثرز الذي شارك عرّاب الحركات الشيطانية الحديثة أليستر كراولي في تأسيس جمعية الفجر الذهبي، وذلك في كتابه “القبالاه بدون حجاب” The Kabbalah Unveiled.

ويمكن القول إن طقوس الجمعيات المندثرة حول العالم قد تم حفظها على يد فيثاغورس، حيث انتشرت عن طريقه تلك الطقوس في أنحاء أوروبا، فوصلت إلى شمالها حوالي عام 50 قبل الميلاد عندما تمرد الكاهن “سيغ” على الرومان وأخذ يدعو القبائل الهمجية الإسكندنافية إلى اتباعه، وخلط كما يبدو دينهم الوثني الذي يعبد الإله “أودن” بطقوس الجمعيات السرية، ثم أصبح بنفسه المعبود “أودن”.

وبعد بعثة النبي عيسى عليه السلام وسعي زعماء بني إسرائيل لإفشال دعوته ومحاولة صلبه وملاحقة أتباعه [انظر مقال المسيحية]، نجح اليهودي شاؤول (بولس) في تحريف رسالته التوحيدية إلى دين وثني زاعما أن عيسى إلهاً تجسد ليفدي الناس بنفسه ويغسل خطيئتهم، ولم يكتب لهذا الدين النجاح سوى بالعمل السري التقليدي كما هو حال جمعيات الإلوسيسية.

القوة الخفية
أوضحنا في مقال “الماسونية” تفاصيل جمعية سرية حملت اسم “القوة الخفية” وتم تأسيسها في عام 43م على يد ملك القدس اليهودي هيرودس أغريباس، وذلك بهدف قمع الدعوة المسيحية التي أخذت بالانتشار. وذكرنا أن هذه القصة لم نجدها سوى في كتاب “تبديد الظلام” الذي يقول مترجمه عوض الخوري إنه ليس سوى ترجمة لوثيقة عبرية يورثها مؤسسو الجمعية التسعة لأبنائهم، حتى قرر آخرهم، ويدعى جوناس، أن يكشف السر في القرن التاسع عشر.

لا يمكننا الجزم بصحة الرواية لعدم وجود مصدر آخر يؤكدها، لكن الثابت تاريخيا أن كلا من اليهود وأتباع المسيح انتهجوا العمل السري في محاربة بعضهم.

وفي عام 330 بعد الميلاد، تبنى الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول نسخة معدلة من مسيحية بولس، وتم بذلك تأسيس الدين المسيحي القائم حتى اليوم [انظر مقال المسيحية]، وانتهى بذلك عهد السرية المسيحية، لكن طقوس العبادات الشيطانية القبّالية ظلت متوارثة داخل الجمعيات السرية في أوروبا لأكثر من سبعة قرون، إلى أن تغلغلت في الفاتيكان ولعبت دورا في إشعال الحروب الصليبية أملا في الوصول إلى هدفها النهائي وهو إنشاء هيكل سليمان في القدس، وهو ما عملت عليه بنشاط جمعية فرسان الهيكل التي أفردنا لها مقالا خاصا.

وبالرغم من نجاح فرسان الهيكل في الوصول إلى القدس والحفر تحت المسجد الأقصى، إلا أن صحوة المسلمين واستعادتهم للقدس بقيادة صلاح الدين الأيوبي سنة 583هـ/1187م أفشلت المشروع، كما تصدت الكاثوليكية مجددا للجمعية بعد افتضاح خلفيتها الشيطانية، وتم تشتيتها في أوروبا لتنشأ عنها جمعيات الصليب الوردي والماسونية ومحافل المتنورين، التي كان لها دور كبير في إعادة صياغة المشهد السياسي الغربي عبر المساهمة في إشعال الثورة الفرنسية عام 1789 وما تلاها من انقلابات دامية على الأنظمة الإقطاعية الملكية المتحالفة مع الكنيسة. ثم أعادت النخب الفكرية المرتبطة بالجمعيات السرية صياغة المناهج الفكرية في الغرب، ولاحقا في معظم أنحاء العالم بفعل العولمة، فمعظم النظريات العلمانية بأطيافها المختلفة -وحتى المتضاربة- كُتبت على أيدي كبار الماسون، وكبار مؤسسي النهضة العلمية مثل ليوناردو دافينشي وجوردانو برونو وإسحق نيوتن وفرانسيس بيكون كانوا أقطابا في الجمعيات السرية.

ضرورة أم مؤامرة؟
ذكرنا سابقا أن المؤلفين الماسون حرصوا على تقديم صورة زائفة عن جمعياتهم السرية، واكتفوا بكشف ما يناسب توجهاتهم فقط، ومنهم جرجي زيدان الذي يقول “ولا نظن أحدا يجادلنا في احتياج البشر لمثل هذه الجمعيات السرية، وفي أن العلم لا ينمو وينتشر إلا بواسطتها، على أننا لا نحتاج إلى شديد عناء في إقناعهم إذا أصروا على الجدال؛ كيف لا وإن من أشهر الأديان الحديثة المتدينة لها أكبر دول الأعصر الأخيرة ما لم يَنمُ وينتشر إلا باتباعه خطة تلكم الجماعات من التعاليم والتبشير سرا”. [تاريخ الماسونية العام، ص 21].

ويصدق زيدان عندما يطبق كلامه هذا على دين عائلته المسيحي الذي وضعه بولس وانتشر في الخفاء قبل أن يتبناه قسطنطين، حيث يرى زيدان في هذه السرية فضيلةً للمسيحية، كما يصدق كلامه عندما يُنظر إلى الحضارة الغربية (الموصوفة بالعلم) على أنها الحق، ليبرر بذلك انتهاج العمل السري أولا، ويزعم طهارة تلك الجمعيات السرية ثانيا.

  • في مثل هذا الكهف الواقع في أخدود سحيق بالأناضول كان المسيحيون الأوائل يقيمون كنائسهم السرية هربا من السلطة الوثنية

  • سقف الكنيسة داخل الكهف

لكن الأنبياء جميعا كانوا يجهرون بدعوة التوحيد بالرغم من كل ما كانوا يعانونه من أذى بسبب ذلك، وعندما بُعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى قريش لم يؤمر بالجهر مباشرة حتى تتكون من حوله نواة للدعوة، فظل يدعو أقاربه ومن يتوسم فيهم الخير ثلاث سنوات، ولم يؤمن به طوال تلك المدة أكثر من أربعين شخصا، ثم أمره الوحي بتبليغ الدعوة لعشيرته: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214]، فبدأت الدعوة الجهرية واشتد عليهم العذاب.

ومن الواضح أن مرحلة الدعوة “السرية” تلك لم تمتد لأكثر من ثلاث سنوات، ولم يتخللها إنشاء جمعية تراتبية ولا أداء طقوس سرية، ولم يترك النبي حتى مماته أي تعليمات سرية خاصة بالنخبة دون عوام الناس. وكل ما ظهر بعد ذلك من الفلسفة وعلم الكلام والتصوف فهو من العلوم الطارئة على الوحي الواضح الجلي، وليس من صلب الإسلام ولا من أصول دعوته [انظر مقال نبوة محمد].

في المقابل، لا يقدم أنصار الجمعيات السرية أي مبرر مقنع لمنهجهم السري، بالرغم من اجتهادهم الواضح في كتبهم وأفلامهم لإقناع العالم ببراءتهم، فإذا كان أسلافهم مضطرون للتخفي في القرون السابقة هربا من الاضطهاد، فقد زالت اليوم أسباب التكتم وأصبحت جمعياتهم شرعية في معظم دول العالم، ومع ذلك فإن أنشطتهم لاتزال تدار في الخفاء، ومازالوا يعترفون بذلك مع عجزهم عن تقديم أي توضيح يستحق التصديق.

يُنسب إلى الفيلسوف الرومانى ناتالاس قوله إن «الأشياء الحسنة تسعى للانتشار والانفتاح، أما الآثام فتتستر وراء حجاب السر والكتمان»، ومع ذلك فلسنا نتهم الجمعيات السرية بالإثم لمجرد كونها سرية، بل لأن الحقائق التاريخية والمعاصرة تؤكد أنها لم تكن سوى مراكز لتكريس عبودية الأتباع وغسل أدمغتهم ثم توظيفهم لتحقيق مصالح النخبة المسيطرة، كما كانت على مر التاريخ المكان المثالي لاجتذاب الموهوبين ثم توجيههم بأساليب الترغيب والترهيب لبث الأفكار الهدامة وقلب أنظمة الحكم ومواجهة أنصار الوحي، وسنبين في مقالات أخرى المزيد من الأدلة، وهذا لا يغني بطبيعة الحال عن الاطلاع على الكتب المتخصصة في هذا المجال.


أهم المراجع

عبد الوهاب المسيري، اليد الخفية: دراسة في الحركات اليهودية الهدامة والسرية، دار الشروق، القاهرة، 1998.

مجموعة مؤلفين، الجمعيات السرية، تحرير نورمان ماكنزي، ترجمة إبراهيم محمد، دار الشروق، القاهرة، 1999.

جرجي زيدان، تاريخ الماسونية العام، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2013.

عوض الخوري، تبديد الظلام أو أصل الماسونية، بدون ناشر، 2002.

عبد المجيد همّو، الماسونية والمنظمات السرية: ماذا فعلت ومن خدمت؟، دار صفحات، دمشق، الطبعة الخامسة، 2009.

عبد الله عنان، تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في المشرق، دار أم البنين، بدون تاريخ.

برتراند رَسل، تاريخ الفلسفة الغربية، ترجمة زكي نجيب محمود، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، 2010.

ﺟﻔﺮي ﺑﺎرﻧﺪر، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ﺗﺮﺟﻤﺔ ﻋﺒﺪ اﻟﻐﻔﺎر ﻣﻜﺎوي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، 1993.

محمد العزب موسى، حضارات مفقودة، الدار المصرية اللبنانية، 2000.

فراس سواح، مغامرة العقل الأولى، دار علاء الدين، دمشق، 2002.

بهاء الأمير، شفرة سورة الإسراء، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2016.

Manly P. Hall, The Secret Teachings of All Ages, H. S. Crocker Company Inc., San Francisco, 1928.

الماسونية

أحمد دعدوش


تعد الماسونية في العصر الحديث الجمعية الأم لمعظم الأخويات والمنظمات والجمعيات السرية في العالم، وهي بدورها الوريث الأهم لأخطر الحركات السرية التي تشكلت عبر قرون، وكان آخرها منظمة فرسان الهيكل التي نشأت في ظل الحروب الصليبية وتم حلّها في أوربا لاحقا.

تستمد الماسونية الكثير من أفكارها ومبادئها من الفلسفات الباطنية (الغنوصية) واليهودية المحرفة والسحر والقبالاه، وهي مرتبطة على الأرجح بعبادة الشيطان، وترمي في النهاية إلى تحقيق سيادة بني إسرائيل على العالم عبر بناء هيكل سليمان في القدس.

ومنذ إعادة هيكلتها عام 1717، يحاول الماسون إخفاء الكثير من أسرارهم وأهدافهم وإظهار منظمتهم في صورة جمعية خيرية وأخوية عالمية، إلا أن توالي حركات الانشقاق وانكشاف الكثير من الأسرار دفعهم في النهاية إلى فتح بعض الملفات لنفي تهم المؤامرة عن أنفسهم، وللظهور في مظهر الانفتاح، كما عمدوا في العقدين الأخيرين إلى ضخ عدد لا يحصى من الأفلام والكتب التي تخلط الحق بالباطل عن الماسونية ومؤامراتها، ليصل عامة الناس إلى نتيجة سطحية مفادها أن الأمر كله ليس سوى اتهامات باطلة وهواجس ذهانية تُصنف عالميا تحت مسمى “نظريات المؤامرة”، لا سيما وأن هناك الكثير من الاتهامات الباطلة فعلا في وسائل الإعلام وكثير من المؤلفات، إلا أن وجودها لا ينفي الحقيقة عن الأبحاث الجادة، فالبحث الموضوعي الرصين مازال قادرا على كشف الكثير من حقائق هذه الجمعية السرية، وهو ما يسلتزم عدم الانشغال بالكميات الهائلة من الأكاذيب التي تشجع الماسونية على نشرها للتغطية على الحقيقة.

أصل الماسونية
لا يمكن الجزم بأصل هذه الجمعية السرية طالما كانت وثائقها خفية، وطالما كان من الصعب التحقق من التسريبات والاعترافات ونتائج الأبحاث التاريخية بسبب تداخل الحقائق بالأباطيل، فقد تكون الوثائق والشهادات المتوفرة لدينا صحيحة إلا أن الشاهد عليها لا يكون سوى شخص واحد أو بضعة أفراد، ويكاد التحقق من موثوقيتهم شبه مستحيل.

لذا تظل الروايات المتعددة بشأن نشأة الماسونية وأصلها في مقام النظرية المعرضة للنقد والتمحيص، وهذا لا يمنع ترجيحنا لصحة أو ضعف أي منها دون جزم، كما لا يمنع أن نصل إلى نتيجة مؤكدة بشأن أهداف الماسونية الحالية وما تسعى إليه، بغض النظر عن لحظة نشأتها التاريخية.

وسنتعرض فيما يلي لأهم النظريات التي تتحدث عن أصل الماسونية، علما بأن الخلاف يقع غالبا في لحظة البدء والمؤسس الأول وليس في المراحل اللاحقة من تاريخ الماسونية الممتد لآلاف السنين، وصولا إلى لحظة ولادة محفل إنجلترا الأعظم عام 1717 في لندن التي تعد الإعلان الأول لنشأة الماسونية باسمها المتداول اليوم، بينما كان وجودها السابق تحت أسماء وأنظمة وطقوس مختلفة.

أولا، الرواية الماسونية: هي ليست رواية واحدة، حيث نجد لدى الماسون أنفسهم روايات مختلفة، وقد يكون ذلك نتيجة العماء الذي تتعمد قيادة الجمعية العالمية أن تبقيه مسيطرا على أعضائها، بما فيهم أولئك الذين ترقوا إلى أعلى الدرجات، أو نتيجة التضليل المتعمد لعامة المجتمع بشأن نشأة جمعيتهم السرية.

ففي دستور الماسونية الأول الذي وضعه جيمس أندرسون عام 1723، قيل إن الجمعية بدأت في فجر البشرية على يد آدم عليه السلام، مرورا بالأنبياء نوح وإبراهيم وموسى وسليمان، ثم الملكين يوليوس قيصر وجيمس الأول.

غلاف الدستور الأول للماسونية

وحسب “مخطوطة الشوك” الماسونية التي تعود إلى عام 1756 فإن الملك النمرود –الذي يقال إنه بنى مدينة بابل في العراق وكان معاصرا لإبراهيم عليه السلام- هو الذي أسس الماسونية قبل عصر سليمان عليه السلام، ووضع رموزها ومصطلحاتها ليميز أعضاءها عن بقية الناس.

ونجد في بعض المؤلفات من يزعم أن الماسونية سبقت البشرية نفسها، فينسبها إلى الكائنات الفضائية التي عرفت الحضارة قبل نشأة البشر على هذا الكوكب مثل الدكتور أوليفر [كتاب تبديد الظلام، ص 82]، ومع أن هناك من الماسون أنفسهم من يسخر من هذا الطرح، إلا أن له أصل مفهوم، فالجمعيات السرية تبث منذ سنوات أفكارا عن احتمال هبوط كائنات فضائية في المستقبل القريب لإنقاذ البشرية من حروب وكوارث محتمة، وقد عملت عشرات الأفلام والمسلسلات الهوليودية على تكريس هذه الفكرة، والتي يرى فيها البعض مقدمة لخروج الدجال Antichrist والشياطين التي تسير في موكبه.

ويقول مؤرخون ماسون آخرون إن سليمان عليه السلام هو الذي أسس الماسونية أثناء بناء الهيكل، وهو أول أستاذ أعظم، ثم تلاه ملك صور حيرام أبيود ليكون الأستاذ الأعظم الثاني.

المحفل الماسوني الأعظم بلندن

وفي كتابه “تاريخ الماسونية العام”، يستعرض الماسوني اللبناني الراحل جرجي زيدان تاريخ الجمعيات السرية القديمة التي يعتبرها الوسيلة الوحيدة لنشر العلم والخير، ثم يزعم أن الماسونية بدأت سنة ٧١٥ق.م على يد الملك الروماني نوما بومبيليوس الذي أسس أخويات للبنّائين وعهد إليهم مهمة بناء روما بهياكلها وأسوارها، ثم توسع نشاطهم وتراكمت خبراتهم الإبداعية مع تناقلهم لأسرار المهنة التي احتفظوا بها لأنفسهم على مر القرون، فالمؤرخ زيدان يشترك مع كافة زملائه الماسون بنسبة أصل الجمعية إلى العاملين في حرفة البناء، إلا أنه كان أكثر تظاهرا بالبراءة في الاعتقاد بأنها لم تكن سوى نقابة أو نادٍ اجتماعي للبنائين، بينما يعترف آخرون بأن حرفة البناء لم تكن سوى الجزء المعلن من عقائد وعلوم وطقوس الماسون الذين يخلطون الهندسة بالسحر والسياسة.

وتدّعي بعض المحافل الماسونية الكبرى الجهل بأصل الجمعية، فتجعل من تأسيس المحفل الإنجليزي عام 1717 هو نقطة البداية فقط، حيث يقول عوض الخوري في كتابه “تبديد الظلام” -الذي سيأتي ذكره لاحقا- إنه أرسل إلى كبار المحافل رسائل يسألها عن أصل الماسونية، فجاءه الرد من “الشرق المصري الأعظم” بأنهم لا يعرفون شيئا، بينما رد عليه “الشرق الأعظم في لندن” بقوله: “لا شيء عندنا ثابت عن تاريخ تأسيس الماسونية، فجل ما نعرفه هو انها وجدت عندنا سنة 1717، ولا نعرف تاريخا ثابتا لتأسيسها”، بينما لم ترد عليه كبرى المحافل العالمية التي طالبها بالتوضيح قبل أن يؤلف كتابه.

ثانيا، الأصل البابلي: بحسب هذه النظرية، يُعتقد أن الماسونية ظهرت في المرحلة التي بدأ فيها كتمان ما جاء فيها التوراة وإعادة كتابتها بعد ادعاء فقدها لطرح النسخة المحرفة المتداولة اليوم، فبعد غزو الملك البابلي نبوخذ نصر للقدس وسبي اليهود واقتيادهم عبيدا إلى بابل سنة 586 ق.م، حاولت نخبة من الأسباط الإسرائيلية الاثني عشر (سلالات أبناء النبي يعقوب) إعادة تشكيل الدين نفسه بتحريفه وبث نقيضه لتضليل البشرية، وذلك بوضع خطة محكمة لمحاربة الوحي وكل الأنبياء الذين سيعيدون إحياءه، واستفادوا في ذلك من تجارب الجمعيات السرية السابقة، فشكلوا جمعيتهم اليهودية السرية الخالصة التي كانت نواة الماسونية الحديثة، وقد حافظت على معظم طقوسها وأسرارها وأهدافها الجوهرية، وعلى رأسها إعادة اليهود إلى القدس وبناء هيكل سليمان.

ثالثا، القوة الخفية: لم نجد هذه الرواية لأصل الماسونية سوى لدى الكاتب اللبناني الراحل عوض الخوري، ففي كتاب “تبديد الظلام أو أصل الماسونية” الذي نشره عام 1926، يصف الخوري نفسه بأنه كاتم أسرار رئيس البرازيل برودنت دي مورايس، وهو ما يقابل اليوم مصطلح أمين السر أو السكرتير، ويقول إن الرئيس البرازيلي دبّر عام 1897 لقاءً يجمع بين الكاتب وتاجر مجوهرات روسي الأصل ويعمل في البرازيل اسمه لوران جورج صموئيل، حيث قدّم لوران للرئيس وثيقة باللغة الفرنسية مترجمة عن مخطوط قديم باللغة العبرية، مطالبا الرئيس بنشرها في أصقاع الأرض ليكتشف الناس حقيقة وأصل الماسونية، فطلب الرئيس من سكرتيره الخوري أن يترجمها إلى العربية لتُنشر أيضا في العالم الإسلامي عن طريق الدولة العثمانية التي كانت مؤسساتها تعاني آنذاك من التغلغل الماسوني، حيث كان الخوري قد هاجر سابقا من لبنان إلى البرازيل ولديه علاقات بالكثير من العرب والمسلمين في أقطار الدولة العثمانية.

يقول الخوري إنه ترجم الوثيقة إلى العربية تحت إشراف لوران الذي لم يسمح بخروجها من بيته، إلا أنه لم ينشر النسخة العربية عندئذ لسبب لم يذكره، ثم ضاعت منه الترجمة بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى كما يقول، فاسترجع نسخة ثانية من الترجمة كان قد تركها مع لوران، ونشرها أخيرا عام 1926.

وبحسب الكتاب، فإن لوران هو آخر أحفاد اليهود التسعة الذين أسسوا الماسونية في القرن الميلادي الأول، ويقول إن جده صموئيل أخبر ابنه جورج (والد لوران) بأن والد صموئيل الذي يدعى جوناس كان يهوديا واعتنق المسيحية بعد تعلقه بفتاة بروتستانتية تدعى جانيت، وعندما علمت زوجته المسيحية بالمؤامرة التي يتوارها أحفاد المؤسسين التسعة شجعته على نشر الوثيقة.

وتقول جانيت إن العالم كان قد هلك على يد امرأة (حواء حسب الرواية التوراتية) لكن الله يحب أن يكون خلاص العالم على يد امرأة أيضا، وتقصد بذلك نفسها بحرصها على نشر الكتاب وفضح الماسونية اليهودية. ويقول المترجم إنه بالرغم من كونها بروتستانتية، فلم تكن معادية للكاثوليكية والإسلام اللذين تناصبهما الماسونية العداء.

وعندئذ عهِد جوناس وجانيت لابنهما صموئيل -الذي نشأ نصرانيا- بنشر الكتاب، لكن صموئيل نقل المهمة إلى ابنه جورج بعد أن شعر بقرب موته بسبب المرض، ومات صموئيل بعد كشفه عن السر والوصية بأيام قليلة عام 1883. ثم بدأ جورج بترجمة المخطوط العبري إلى الفرنسية، ولم يستطع إكمال المشروع بالترجمة إلى الإنجليزية حيث مات بدوره بعد موت والده بسنة وهو في سن الرابعة والأربعين، إلا أنه كان قد استبق موته بثلاثة أشهر وأوصى ابنه لوران بمتابعة المشروع وترجمة المخطوط إلى الإنجليزية ثم نشر النسختين الفرنسية والإنجليزية حول العالم، وهو ما فعله حسب قوله.

وبحسب الوثيقة، فإن نشأة الماسونية تعود إلى عام 43 للميلاد، أي بعد السبي البابلي بمئات السنين، حيث يقول إن ملك فلسطين الروماني هيرودس أغريباس -وهو ابن هيرودس الأكبر الذي حاول قتل المسيح طفلا- شكّل مع ثمانية رجال يهود جمعية سرية اسمها “القوة الخفية”، وعلى رأسهم حيرام أبيود الذي اقترح الخطة على الملك. وكان هدفهم الوحيد هو القضاء على دعوة المسيح عيسى عليه السلام التي كانت قد أخذت بالانتشار بالرغم من صلبه كما يزعمون، وقد ظلت الجمعية تتوارث سرها الخطير وتمارس التآمر حتى قرر قادتها في منتصف القرن الثامن عشر إعادة تشكيلها وفق طقوس وهيكلية جديدة، وبعد منازعات وصراعات فيما بين القادة أنفسهم تم الاتفاق على تسميتها بالماسونية “فرماسون” أي البناء الحر، وتأسيس هيلكها الأول تحت مسمى محفل إنجلترا الأعظم عام 1717.

ويتضمن الكتاب حوارات مطولة لما جرى بين حيرام أبيود وهيرودس أغريباس منذ بدء التخطيط لتشكيل الجمعية، حيث يتم الاتفاق منذ البداية على أن يظل أمرها سرا لا يعرفه اليهود ولا أحد آخر سوى التسعة المؤسسين، كما لا يُكشف السر إلا للورثة ولمن يترقى في درجات الجمعية إلى أعلى المراتب، ولم يكن يسمح لأعضاء الجمعية بالبوح بسر انتمائهم لها أو وجودها حتى لعائلاتهم، وفي حال الشك بأن أحدا باح بشيء من الأسرار سرعان ما يحكم ثلاثة قضاة من الجمعية بقتله، وينفذون الحكم دون منحه فرصة الدفاع عن نفسه، ومع ذلك فقد قرر جوناس أن يكشف هذا السر بعد نحو سبعة عشر قرنا كما يقول.

ويقول عوض الخوري إن هدف الرئيس البرازيلي من نشر الكتاب هو خدمة الدين المسيحي، ويضيف أن الرئيس قال له أيضا إنه يسعى من نشره بالنسخة العربية في تركيا (العثمانية) لخدمة “الدين المحمدي”، على اعتبار أن اليهودية عدو مشترك لهما.

وبما أن هذه الرواية لا تملك أي شاهد آخر سوى شخص اسمه لوران، فلا يمكن التحقق من صحتها حتى لو بدت منطقية، مع أن لدينا شكوكا عديدة، فكيف تجرأ لوران على تحدي هذه الجمعية ونشر سرها الذي ظل خفيا مدة طويلة بالرغم من خطورتها، حيث لا يبدو في التفاصيل التي ذكرها الخوري أن هناك أي خطر أو تهديد فضلا عن اتخاذ إجراءات للحذر، كما يبدو أن الرواية تجعل من الكاثوليكية العدو الأساسي لليهود بل سببا لنشأة الماسونية كلها، ومع أننا نقر بهذا العداء إلا أنه في رأينا لا يقدم تفسيرا شاملا ووافيا.

ونحن نرجح أن التأسيس كان أثناء السبي البابلي، ولا نستبعد أن تكون جمعية القوة الخفية قد وجدت فعلا عام 43م، إلا أنها قد لا تكون هي الأصل.

مانلي هول

تاريخ الماسونية
تعرضنا في مقال الجمعيات السرية إلى توارث تلك الجمعيات علوم السحر والقبالاه على مر القرون منذ ما قبل التاريخ، ويقر كبار المؤرخين الماسون بالإرث الذي ورثوه عن تلك الجمعيات، ويعتبرون أنها كانت بمثابة الجامعات التي تحتفظ بأهم أسرار الوجود من الاندثار والتحريف.

يقول الماسوني الكندي الذي بلغ الدرجة الثالثة والثلاثين مانلي بي هول إن “العديد من المفكرين الكبار في العصور القديمة كانوا منتسبين إلى الجمعيات والأخويات السرية التي تمارس طقوسا غريبة وغامضة، وكان البعض منها قاسيا جدا”، ويعتبر أن العبادات الوثنية الباطنية لكل من إيزيس وسبازيوس وسيبيل وباخوس وإلوسيس من أهم الأمثلة على الإرث العقائدي الذي ورثته الماسونية.

يرى هول أن معظم الجمعيات السرية في العالم القديم كانت فلسفية ودينية، ثم بدأت في العصور الوسطى بالاهتمام بالسياسة، وأن هذا الاهتمام ظل قائما حسب قوله في الجمعيات السرية الحديثة في الغرب، فجميع المؤلفين الماسون ينفون عن أسلافهم القدماء أي طموح سياسي فضلا عن التآمر، لكن بعضهم -مثل هول- يقر بالدور السياسي للماسونية حديثا فيما يصر آخرون على النفي.

ويبدو أن هناك فترة انقطاع بين الجمعيات السرية الناشطة تحت غطاء الوثنيات القديمة وبين ظهور فرسان الهيكل في القرون الوسطى إبان الحروب الصليبية، وقد أشرنا في مقال “فرسان الهيكل” إلى أنهم كانوا الجمعية الأم للماسونية في أوربا، وهو ما يؤكده الكثير من الماسون حاليا مثل الباحثَين كرستوفر نايت وروبرت لوماس في كتابهما الشهير “مفتاح حيرام”.

ويبدو أن تاريخ أسلاف فرسان الهيكل والماسون في فترة الانقطاع تلك مازال غير موثق من قبل المؤرخين الماسون، وهي الفترة التي شهدت صعود الإسلام وتوسع دولته على حساب أقوى الإمبراطوريات في العالم، حيث لم يشهد التاريخ انتشارا لأي دين سابق أو لاحق بمثل تلك السرعة والاندفاع.

وإذا كانت الماسونية هي وليدة فكرة واحدة تتنوع أشكالها ومسمياتها عبر التاريخ منذ وضعها على يد محرفي التوراة وواضعي أسس القبالاه الشيطانية، فلا نستبعد أن تنسب إليها المؤامرات اليهودية والحركات الباطنية التي ولدت داخل جسد الدولة الإسلامية، بدءا من محاولات قتل يهود المدينة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة، ببناء مسجد الضرار وتسميم الطعام، ومرورا بالفتن التي اشتعلت بين كبار الصحابة في عصر الخلافة الراشدة، وعلى رأسها محاولات اليهودي عبد الله بن سبأ وجماعته في تحريف الإسلام وبث بذور الباطنية فيه، [انظر مقال الإسماعيلية]، ووصولا إلى الفتن الكبرى التي قادتها حركة الحشاشين وتأسيس دولة باطنية كبرى كادت أن تقضي على الدولة العباسية، وهي دولة العبيديين الفاطميين.

فيثاغورس

ويبدو أن الجمعيات السرية المشكلة على طريقة فيثاغورس وتعاليمه كانت قد وجدت لها قبل ذلك موطئ قدم في قلب الدولة العباسية، حيث ينقل محمد الزعبي (الذي انشق عن الماسونية) نصا عن برهان الدين البقاعي يقول فيه إن قوما برئاسة شخص قرطبي يدعى محمد بن مسرة كانوا يلتقون بمكان يدعونه نادي فيثاغور، ويعلق الزعبي بقوله إنه كان يسمع داخل المحافل كلمة فيثاغور دون أن يدرك معناها حتى اطلع على هذا النص [حقيقة الماسونية، ص 303].

كما يقول الزعبي إن نوادي الجمعيات السرية العباسية كانت تقوم بطقوس التكريس المعروفة اليوم مع بعض التعديلات، حيث يبدأ التكريس بقراءة آيات من القرآن الكريم للتضليل، ثم تتابع الطقوس الشيطانية مع تهديد المنتسب الجديد بالقتل إن كشف أسرار الجماعة [حقيقة الماسونية، ص 336]، ولعل كتابَي ألف ليلة وليلة ورسائل إخوان الصفا -اللذين لا يُعرف مؤلفوهما يقينا- هما من أوضح الأمثلة الباقية إلى اليوم على نشاط الجمعيات السرية وتغلغلها في الجسد الإسلامي آنذاك.

ويعتقد البعض أن أسلاف الماسون كانوا حاضرين داخل الدولة الإسلامية على شكل جمعيات حرفية للبناء، وهو اعتقاد يدعمه اعتراف الماسون بنسبة جمعيات البنّائين عبر التاريخ لجمعيتهم، حيث يقال إن المهندسين الماسون كانوا يستوطنون القسطنطينية تحت حماية البيزنطيين، وعندما أراد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بناء المساجد الضخمة في دمشق والقدس والمدينة المنورة استدعى هؤلاء البنائين الكبار لتشييد تلك المباني العملاقة مقابل مكافآت مجزية، ثم تغلغل البناؤون في المنطقة أكثر على يد العباسيين عندما عهد إليهم أبو جعفر المنصور مهمة تشييد عاصمته بغداد، فأرسل إلى عماله في الكوفة وواسط والبصرة يطلب منهم إمداه بالبنائين والمهندسين، ومع أن ابن الأثير الذي يذكر هذه الرواية في كتابه “الكامل في التاريخ” لا يوثق سوى اسمي الحجاج بن أرطاة وأبي حنيفة لتخطيط بغداد وإنشائها، لكن المؤرخين الماسون مثل جرجي زيدان يؤكدون أن الماسون كانوا حاضرين آنذاك، لا سيما وأن ابن الأثير يقول “ومن عادة البنائين إذا اتفقوا على بناء بلدة أو سور أو معبد يجعلون منازلهم من الخشب بجوار البناء، يقيمون فيه للطعام والرقاد والاجتماعات السرية ومحاسبة العمال، وكانوا لا يسمحون لأحد أن يدخل عليهم أو يطلع على أعمالهم، وذلك حتى يتم البناء فينصرفون بعد أن ينال كل منهم حقوقه، ويضيف أن رسولا من ملك الروم جاء بغداد وطاف فيها مع ربيع، فقال له ربيع كيف رأيتها؟ فقال رأيت بناءً حسناً إلا أني رأيت أعداءك معك وهم السوقة، فأخرجهم ربيع خشية أن يكون فيهم جواسيس، ويقول أيضا “كان الأستاذ من البنائين يعمل يومه بقيراط فضة والروزكاري بحبتين”.

واستنتج البعض من كلام ابن الأثير أن طبيعة عمل البنائين السرية وعدم السماح للغرباء بالانضمام إليهم ترجح أنهم كانوا بالفعل أتباع جمعية سرية تحتفظ بأسرار بناء الهياكل والصروح الضخمة، كما يقول زيدان إن استخدام ابن الأثير لفظ “أستاذ” يذكرنا بلقب الأستاذية لدى الماسون، وإن لفظ الروزكاري ربما كان معربا لكلمة “روزيكروشن” أي الصليب الوردي [جمعية سرية سنأتي على ذكرها لاحقا]، مع أن ابن الأثير تتوفي عام 1233 أي قبل مولد مؤسسها المفترض كريستيان روسنكروز. لكن باحثين آخرين يقولون إن روزكار كلمة فارسية تعني الدنيا أو الزمان، ما يعني أن الروزكاري قد يكون هو الشخص العامي في مقابل الأستاذ.

وبالعودة إلى مقال “فرسان الهيكل“، فقد ذكرنا جانبا من تاريخ سلالات بني إسرائيل التي يعتقد أنها هاجرت إلى أوروبا واحتفظت بما تراه أنه حق تاريخي لها في “الملك الإلهي”، على اعتبار أن الإله وعدها بالسيادة على العالم، فدبرت تلك العائلات مخططا طويل الأمد للتغلغل في العائلات الحاكمة وصولا إلى نجاحها في السيطرة على معظم أوربا الغربية مع مطلع القرن العاشر الميلادي، وهو ما يؤكد كتاب “المُلك الإلهي” للمؤلفين الثلاثة غراهام سيمانز وتيم والاس ميرفي وماريلين هوبكنز. وقد ربطنا في المقال المذكور بين هذا التغلغل الخفي وبين إطلاق شرارة الحروب الصليبية عن طريق السيطرة على الفاتيكان، للوصول إلى القدس تحت غطاء الكاثوليكية، ثم تأسيس جماعة فرسان الهيكل لتحقيق أهداف النخبة الإسرائيلية المتحدرة من سبط يهوذا.

ألبرت بايك

ويقول الأستاذ الأعظم للماسونية في القرن التاسع عشر الجنرال الأمريكي ألبرت بايك في كتابه “الأخلاق والعقيدة” Morals & Dogma إن هدف فرسان الهيكل الظاهر كان حماية الحجاج الكاثوليك إبان الحروب الصليبية، لكن هدفهم الحقيقي الذي انخرطوا من أجله في الحروب هو العمل على إعادة بناء هيكل سليمان باسم الكاثوليكية، ليحكم بنو إسرائيل من خلاله كل الشعوب، ومن ثم كانوا يسعون لاحقا إلى إزالة الكاثوليكية وتأسيس عالم جديد له ديانة جديدة تستمد عقائدها من “التقاليد المسيحية الأولى والنقية” التي يمثلها يوحنا المعمدان (النبي يحيى عليه السلام) [818 -Morals and Dogma, 817].

ومن المتداول بين الباحثين أن الحركات الغنوصية تعتبر القديس يوحنا المعمدان (النبي يحيى عليه السلام) أبًا روحيًا لها، حيث يُقدم في صورة أسطورية تجعله من أساتذة أسرار القبّالاه.

ويقول بايك إنه حين كان دي مولاي -أحد مؤسسي فرسان الهيكل- ينتظر حكم الإعدام في السجن عام 1310م؛ أمر بتكوين أربعة محافل مركزية في نابولي وإدنبره وستوكهولم وباريس، ثم انشطرت المنظمة إلى عشرات الجمعيات السرية والمنظمات الخفية وجماعات السحر والشعوذة، وتحولت مقاطعة لانجدوك جنوب فرنسا -وهي معقل فرسان الهيكل- إلى مأوى للملحدين والمهرطقين والقبّاليين والوثنيين، مضيفا أن الماسونية الاسكتلندية هي الوريث الأقدم لفرسان الهيكل والامتداد الشرعي لها [Morals and Dogma, 821].

وهذا يعني أن فرسان الهيكل -وجماعة فرسان مالطة أيضا- كانت هي حلقة الوصل بين النشأة الأولى للمخطط الإسرائيلي الذي نشأ على الأرجح إبان السبي البابلي، وبين الجمعيات السرية التي تشكلت في القرون الوسطى قبل ظهور الماسونية رسميا في القرن الثامن عشر.

ومن أهم تلك الجمعيات جمعية الصليب الوردي “روزيكروشن” التي تأسست في ألمانيا عندما نُشر بيانان حول أفكارها عامي 1614 و1615، ونُسب تأسيسها إلى شخص قد يكون خياليا ويدعى كريستيان روسنكروز، حيث يقال إنه قام برحلة قبل نحو 130 عاما إلى العالم الإسلامي، من المغرب وشمال أفريقيا مرورا بتركيا العثمانية إلى بلاد فارس، لتلقي العلوم الباطنية والهرمسية وأسرار القبالاه والسحر، ويقر معظم المؤرخين بأن هذه الجمعية احتفظت بأسرار الجمعيات السرية حتى انتقلت إلى الماسونية.

نشأة الجمعية
يقول جرجي زيدان إن “البنائين الأحرار” تابعوا انتشارهم في أوربا تحت رعاية الملوك، إلى أن اجتمعوا في مؤتمر بمدينة يورك الإنجليزية سنة 926 برعاية الملك إدوين الذي انتُخب أستاذا أعظم، وتم إقرار لوائح لتنظيم عملهم لتكون أول دستور ناظم لهم، وأصبحت يورك عاصمة البنائين.

ويتابع زيدان ربط تطور أخويات البنائين بتطور البناء طوال القرون الوسطى، وصولا إلى مرحلة “الماسونية الرمزية” التي انتقلت من صناعة البناء إلى “الفضيلة والعلم” –حسب قوله- مع الحفاظ على أدوات البناء وقوانينه كرموز لمعان تتعلق بالعمران البشري وليس المادي، وذلك مع إعلان لائحة قوانين لندن سنة 1717، وفي 24 يونيو من السنة نفسها –وهو عيد القديس يوحنا المعمدان (النبي يحيى)- اجتمع الماسون وانتخبوا أنطوني ساير أستاذًا أعظم لهم، وبدأت بذلك الماسونية الرمزية بطقوسها ورموزها ودرجاتها التي لم تعد مقتصرة على البنائين، لكن المؤرخين من خارج الماسونية يؤكدون أن اختيار هذا التاريخ كان للتغطية على أهداف الجمعية المعادية للأديان، فاليهود أصلا يعادون النبي يحيى، وأسلافهم سعوا في قتله على يد الملك هيرودس.

قاعة المحفل الإنجليزي الأعظم

ويرى الكثيرون أن التأسيس العلني للمحفل الماسوني الأول في لندن عام 1717 كان مجرد إشهار للخلايا الماسونية النائمة، حيث طُلب آنذاك من كل المحافل الصغيرة إحضار ما لديها من وثائق لتكون في يد المحفل الرئيس، وبعد ثمان سنوات أعلن الإيرلنديون بدورهم تأسيس المحفل الكبير في دبلن، ثم أعلن الاسكتلنديون عن محفلهم عام 1773، وفي الوقت نفسه خرجت مئات المحافل الفرنسية عن صمتها وانتشرت في المجتمع كالنار في الهشيم.

في عام 1723 كتب جيمس أندرسون أول دستور للماسونية، وعندما أصبح بنيامين فرانكلين (أحد مؤسسي الولايات المتحدة) أستاذا أعظم للماسونية في بنسلفانيا عام 1734 أعاد طباعته مضيفا إليه طقوسا جديدة ومرتبة ثالثة تدعى الخبير بعد مرتبتي المبتدئ وأهل الصنعة، وجاء الدستور في 40 صفحة تتضمن تاريخ الماسونية، وفي أواخر القرن التاسع عشر أعاد الجنرال الأمريكي والأستاذ الأعظم للطقس الاسكتلندي ألبرت بايك كتابة الكثير من الطقوس الماسونية المعتمدة حتى اليوم.

جورج واشنطن يضع “حجر أساس واشنطن” في احتفال ماسوني رسمي كأول حجر في مبنى الكونغرس، حيث تأسست العاصمة الأمريكية على الأسس الماسونية منذ نشأة الدولة

الانضمام للجمعية
تذكر المراجع الماسونية أنه يمكن لأي شخص الانضمام إلى المحافل وفق ثلاثة شروط، وهي أن يبلغ من العمر 21 عام على الأقل، وأن يكون مؤمنا بوجود إله دون اكتراث للعبادة التي يختارها، وأن يتحلى بأخلاق عالية.

وتنصح بعض المواقع الماسونية من يريد الانضمام بأن يبحث عن علامة “2B1Ask1” -وهي تعني إذا أردت أن تكون أحدهم فاسأل أحدهم- حيث يُطبع هذا الشعار على بعض القمصان والقبعات ويرتديها الماسون في تجمعات عامة لجذب الأعضاء الجدد ممن قرأوا عن معنى الشعار ويبحثون عنه فعليا.

وتقول تلك المواقع إنه إذا لم يحصل الباحث على هذا الشعار فليحاول الاتصال بأقرب محفل ماسوني إلى البلد الذي يقيم فيه ويسأله عن كيفية التقدم للعضوية. ومن المعروف أن معظم الدول الغربية ودولا أخرى في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تحتضن محافل رسمية معلنة ويمكن العثور على عناوينها عبر الإنترنت بسهولة.

على سبيل المثال، الرابط التالي ينقلك إلى صفحة على موقع “معهد ماساشوستس للتكنولوجيا”، الذي يعد أهم جامعة في العالم للتقنية، وهي تشرح كيفية الانضمام للماسونية، مع إبرازها على أنها جمعية أخوية للأشخاص الطيبين فقط! http://web.mit.edu/dryfoo/Masonry/how-to.html

تضيف المواقع الماسونية أن المحفل سيستقبل طلب الانضمام ويجري المقابلة مع المتقدم، ثم سيتحرى الماسون عن حياته وسلوكه، ليتحققوا من أخلاقه الحسنة، وفي حال الموافقة يدفع المتقدم رسوما بسيطة ويتم التكريس والبدء بالارتقاء في درجات الماسونية.

في المقابل، هناك مراجع تقول إنه من المستحيل الانضمام للماسونية عبر التقدم بطلب الانضمام، فالمحافل هي التي تبادر بمراسلة من يتم ترشيحهم من قبل بعض الأعضاء لتدعوهم للانضمام وإغرائهم بأن يكونوا من نخبة المجتمع.

ويبدو أن لكل محفل سياسته، فبعض المحافل لا تقبل الطلبات وتهملها والبعض الآخر يدرسها بعناية ويقبل بعض المتقدمين، كما أن بعض المنظمات الأخرى المنضوية تحت لواء الماسونية -والتي سيرد ذكرها لاحقا- تأخذ شكل النوادي الاجتماعية النخبوية وليس الجمعيات السرية، وهي بالفعل لا تقبل طلبات الانضمام بل تراسل من تراهم من نخبة المجتمع ولديهم القابلية لخدمة أهدافها، ولكل من هذه النوادي شريحة ما تسعى لاستقطابها، مثل نخبة رجال الأعمال والنخبة الأكاديمية ونجوم الفن والرياضة، وما شابه ذلك.

وحسب شهادة أحد الأصدقاء العرب، وهو من نخبة المجتمع سياسيا واجتماعيا، فقد تلقى بالفعل رسالة دعوة من المحفل العربي الوحيد في المنطقة والموجود في لبنان، دون أن يبادر بنفسه بالاتصال بأي عضو ماسوني.

أما طقوس الانضمام والتكريس فقد ذُكرت في مراجع عديدة، ونسبها المؤلفون لأعضاء منشقين عن الماسونية ممن تحدثوا عما جربوه بأنفسهم. وأهم ما فيها أن الطقوس مليئة بالرموز التي تحمل معاني محتملة, بحيث لا يفهم العضو الجديد من ظاهرها سوى أنه مقبل على الانضمام لأخوية عالمية يحرص أعضاؤها على حماية بعضهم وحفظ أسرارهم الخيّرة وتكريس أنفسهم لصالح المعرفة والعلم وخدمة المجتمع، ثم يأتي التهديد بالقتل في حالة الانشقاق أو كشف الأسرار، وهو ما يُبرر بأنه مجرد حرص على المواثيق والعهود المقطوعة فيما بينهم وليس تهديدا على شاكلة ما تفعله العصابات الإجرامية.

ومن أهم المراجع التي وصفت تلك الطقوس كتاب “السر المصون في شيعة الفرمسون” لرجل الدين اليسوعي اللبناني الراحل الأب لويس شيخو.

الجزء الأول من الفيلم الوثائقي “حركة الماسونية” ضمن برنامج “سري للغاية”: في مطلع هذا الفيلم، تم تجسيد طقوس الانضمام بمشهد درامي. علما بأن المراجع الماسونية تنكر هذه الطقوس وتزعم أنها اتهامات باطلة وممنهجة (مؤامرة) ضدها.


الرموز والعقائد
يتضمن شعار الماسونية الأساسي صورة رمزية لمسطرة المعماري (الزاوية) بالتقاطع مع فرجار، وهي في معناها الظاهر من أدوات البناء، لكنها قد ترمز إلى علاقة الخالق بالمخلوق، وهي الرمزية التي يُشار إليها في النجمة السداسية التي اتخذها اليهود شعارا وأسموها نجمة داوود على اعتبار أنها ترمز إلى اتحاد الكهنوت مع رجال الدولة، وذلك من خلال سيطرة سلالة داوود على الحكم باتحادها مع الكهنة من سلالة هارون.

وتمثل الزاوية العنصر الثابت وهي أداة تحديد استقامة وصحة قائمية الحجر، بينما يمثل الفرجار العنصر المتحرك الذي يؤكد على ملكة الفكر وتحكمه بالمادة. وفي الدرجة الأولى توضع الزاوية فوق الفرجار الذي ما زال المريد يتعلم كيفية استعماله لصقل نفسه، وفي الدرجة الثانية يتداخل الاثنان ببعضهما، بينما في الدرجة الثالثة يوضع الفرجارفوق الزاوية.

ويتوسط الشعار حرف G الذي يزعم بعض الماسون أنه الحرف الأول من كلمة “God” أي الإله، كما يزعم البعض الآخر أنها أول حرف من كلمة هندسة Geometry، بينما يذهب باحثون إلى أنه الحرف الأول من كلمة “Gematria” وهي تعني مجموعة القوانين التي وضعها أحبار اليهود لتفسير التوراة سنة 200 قبل الميلاد، أو ربما تكون دلالة على كلمة غنوصية Gnosticism وهي عقائد باطنية حلولية تداخلت مع أديان كثيرة بما فيها المسيحية واليهودية.

وتُستخدم أدوات البناء الأخرى لمعان رمزية مماثلة، حيث يمسك الأستاذ باليد اليسرى الإزميل الذي يُستخدم لنحت الحجر كرمز لاتخاذ القرار، بينما يمسك باليمنى المطرقة كرمز للسلطة وتنفيذ القرار.

العمودان على مئزر ماسوني

أما العمودان اللذان لا يخلو منهما أي محفل فيرمزان إلى عمودين يزعم اليهود أن المهندس حيرام أنشأهما عند بوابة هيكل سليمان، حيث ورد ذكرهما في التوراة المحرفة تحت اسم ياكين (الملك الإسرائيلي الذي أسره نبوخذ نصر وقاده إلى بابل) وبوعز (أحد أجداد داوود)، ويقف مراقبا المحفل أمام كل منهما.

ويستحضر الماسون ذكرى حيرام الذي يقال إنه كان من أهم بنائي الهيكل، ويلقب بابن الأرملة، لذا يسمون أنفسهم بأبناء الأرملة، ويمثلون طقوس قتله على يد ثلاثة من البنائين الذين حاولوا أن ينتزعوا منه “الأسرار المقدسة لمرتبته المهنية الأعلى” فرفض. وتقول التوراة التي بين يدي اليهود اليوم “أرسل الملك سليمان فأخذ حيرام من صور وهو ابن أرملة من سبط نفتالي وأبوه رجل من صور صانع نحاس، وكان ممتلئًا حكمة وفهمًا ومعرفة في عمل كلِّ صنعة من النحاس”، وتدعي الأسطورة أن سليمان نفسه أوحى بفكرة قتله لأن حيرام أحب زوجته بلقيس، فالأساطير اليهودية لم تترك نبيا من أنبياء بني إسرائيل إلا وألصقت به تهمة شنيعة، ومع ذلك فقد أبقت على قداسته.

وبحسب كتاب “تبديد الظلام” الذي يروي قصة جمعية “القوة الخفية”، فإن حيرام الذي يقدسه الماسون ليس سوى شخص اسمه حيرام أبيود، وهو الذي أوحى للملك هيرودس أغريباس بفكرة الجمعية، وقد كان ابن أرملة يهودية فأطلق عليه الملك لقب ابن الأرملة، وصار اللقب شعارا لأعضاء الجمعية، ثم قُتل حيرام أبيود في جنوب لبنان دون أن يُعرف قاتله، فزعم زملاءه من مؤسسي الجمعية الآخرين أن هذا الاسم يعود إلى المهندس الذي صمم الهيكل واحتفظ بأسراره بنائه.

رسم تخيلي لهيكل سليمان (Israel Truths)

ويُعد المحفل Lodge بمثابة المعبد أو مقر الاجتماعات الذي يجتمع فيه الماسون، وهو يرمز لهيكل سليمان الذي يُعد النموذج الأعلى لمباني الماسون، حيث جاء في موسوعة الحركة الماسونية [طبعة فيلادلفيا 1906] أن “كل محفل هو في الحقيقة والواجب رمز للهيكل اليهودي وكل رئيس يعتلي كرسيه يمثل ملكا من ملوك اليهود وفي كل ماسوني تتمثل شخصية العامل اليهودي”. وينعقد الاجتماع في المحفل بما لا يقل عن سبعة ضباط يتولون مهام إدارة الاجتماع، وهم يرتدون مآزر وقفازات وقلادات خاصة بحسب درجاتهم.

ويسمى المحفل الرئيسي بالشرق الأعظم، وهناك عدة شروق عظمى حول العالم، فالمحافل كلها تجعل صدارتها في اتجاه المشرق، لأنهم يتجهون في طقوسهم باتجاه مشرق الشمس كما هو حال العبادات الشيطانية.

ويصرح الماسون في بياناتهم وخطاباتهم المعلنة والمتداولة بين الفئات الدنيا بمصطلحات تقديس “المهندس الأعظم للكون” على اعتبار أنه الإله الذي يؤمن به جميع أعضاء المنظمة على اختلاف أديانهم، لكن الباحثين في خفايا الماسونية يؤكدون أن الدرجات العليا لا تؤمن سوى بعقائد القبالاه، وأن هذا المهندس ليس إلا الشيطان “بافوميت” أو “لوسيفر” (حامل النور) الذي يُرجح المؤرخون أن فرسان الهيكل مارسوا عبادته بانتظام.

وتعد “العين التي ترى كل شيء” All Seeing Eye من أهم رموز الماسونية وأكثرها انتشاراً، ويزعمون أنها ترمز إلى عين المهندس الأعظم أو عين الكون العظيمة، كما يقول بعض مؤلفيهم إنها عين البصيرة، وهي تقابل العين الثالثة (شاكرا) لدى ممارسي رياضات التأمل واستجلاب الطاقة، ورُبطت تشريحيا في مصر واليونان بالغدة الصنوبرية الواقعة في تجويف الدماغ، حيث اعتبرها بعض الفلاسفة نقطة الوصل بين عوالم المعرفة، فالمتأمِّل يعمل على تشغيلها لبلوغ الاستنارة واستقبال المعرفة الكشفية العرفانية (الإلهام) بينما تبقى خاملة لدى عامة الناس، لذا يعمد الهندوس إلى رسم نقطة حمراء في وسط الجبهة لتحريض هذه الغدة على العمل.

أما أكبر قادة الماسونية في القرن التاسع عشر “ألبرت بايك” فيقول في كتابه “الأخلاق والعقيدة” إن العين كانت ترمز في العقائد الوثنية القديمة إلى عبادة الشمس، واعتُبرت في مصر رمزا للخالق أوزوريس [Morals and Dogma, 15].

ويشير المؤلف “رالف إبرسون” في كتابه “النظام العالمي الجديد” إلى أن العين ترمز لتوغل الماسونية في كل فئات المجتمع وقدرتها على مراقبته ومعاقبة من يفشي أسرارها.

ويرى بعض الباحثين في القبالاه والسحر أن هذه العين ليست سوى العين الشمال للشيطان، مشيرين إلى أنه لا يستخدم سوى العين الشمال واليد الشمال، وقد ورد في الحديث الشريف الذي رواه مسلم أن “الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله”.

شعارات الماسونية كانت معلنة في الثورة الفرنسية

ويمكن القول إن عبادة الشيطان تجسدت في الماضي على هيئة أوثان تخلط بين الشياطين والآلهة، وخصوصا في عبادة “بعل” و”حورس” و”رع” و”أوزوريس”، ولا نستبعد النظريات التي تقول إن هذه العين ليست سوى رمز قديم ومتجدد للأعور الدجال الذي أخبر عنه جميع الأنبياء.

إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أعلنته السلطة الثورية في فرنسا عام 1789 ويظهر في قمته شعار المتنورين الماسون

وفي منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، أدخل الرئيس الأميركي الماسوني فرانكلين روزفلت صورة هرم مصري تعلوه العين على تصميم الدولار. ويمكن للباحث أن يجد هذا الشعار أيضا في وثيقة حقوق الإنسان والمواطن التي أعلنتها الثورة الفرنسية عام 1789، في دلالة واضحة على الخلفية الماسونية للجهات التي أشعلت الثورة وسيطرت على البلاد بعدها.

ينفي الماسون تحالف منظمتهم مع اليهودية والصهيونية، ويزعمون أن كثرة الرموز والمصطلحات اليهودية فيها ليست سوى نتيجة للاقتباس عن “الدين التوحيدي الأول”، وذلك على اعتبار أنهم يؤمنون بالله ويحترمون كل الأديان السماوية، لذا فهم يفسرون تبجيلهم لهيكل سليمان بكونه المعبد الأول للإله الواحد في التاريخ. علما بأن المسلمين يؤمنون بأن الدين التوحيدي هو دين آدم وجميع الأنبياء بعده، وأن موسى عليه السلام لم يكن أول من جاء به.

رسم لطقس عبادة بافوميت (أحد أسماء إبليس) في محفل ماسوني أورده الماسوني الفرنسي ليو تاكسيل في كتاب نشره عام 1884 لفضح طقوسهم

وقد بات التحالف بين الماسونية واليهودية من الحقائق المتواترة التي لا يمكن لتصريحات الماسون ومبرراتهم التشكيك فيها، حيث أثبت ذلك الأستاذ في الفلسفة محمد علي الزعبي الذي انضم إلى محافل الماسونية في بيروت ثم انشق عنها وكشف علاقتها بالمشروع الصهيوني في كتابه “الماسونية في العراء”، كما يقول الأب لويس شيخو في كتابه “السر المصون في شيعة الفرمسون” إنه بات من المقرر الثابت الذي لا يمكن أن ينكره عاقل لكثرة الدلائل على صحته أن العامل في الكبير في إدارة الماسونية وجمع كلمتها هو العنصر اليهودي.

كما وضع الكثير من المؤلفين المسيحيين في الغرب مؤلفات مرجعية تربط العقائد والرموز الماسونية بأصولها اليهودية والوثنية والشيطانية، ونذكر منها على سبيل المثال كتاب “الدستور السحري” Codex Magica للمؤلف الأميركي تيكس مارس Tex W. Marrs.

ينسب إلى ألبرت بايك قوله: “يجب أن نقول للجماهير إننا نؤمن بالله ونعبده ولكن الإله الذي نعبده لا تفصلنا عنه الأوهام والخرافات ونحن الذين وصلنا إلى مراتب الاطلاع العليا يجب أن نحتفظ بنقاء العقيدة الشيطانية”.
كما ينسب إلى الأستاذ الأكبر لمحفل لسينغ القول: “نحن الماسونيون ننتسب إلى أسرة كبير الأبالسة لوسيفر فصليبنا هو المثلث وهيكلنا هو المحفل”.
[المصدر: الماسونية، محمد صفوت السقا أمينى وسعدي أبو حبيب].

يميل كثير من الباحثين بعد تجميع الأدلة ومقارنتها أن الماسونية تعبد إبليس نفسه تحت مسمى “لوسيفر”، وذلك في معرض إيمانها بوجود الله تعالى كإله آخر يحمل الاسم العبري “أدوناي”، وبهذا يصبح العالم مسرحا لصراع بين إلهين.

وتتلخص هذه العقيدة في رسالة تُنسب إلى ألبرت بايك يُقال إنه أرسلها عام 1889 إلى عشرات المحافل العالمية، ونقتبس منها النص الآتي:

“ما يجب أن نقوله للعامة هو: نحن نعبد إلهاً، لكنه ذاك الإله الذي يُعبد دون خرافات. وإليكم أيها المفتشون العموميون (من الدرجة 33) نقول إنكم تستطيعون أن تكرروا لإخواننا في الدرجات 30 و31 و32 أن الديانة الماسونية يجب أن يحافظ عليها من قبلنا نحن الحاصلين على الدرجات العليا في إطار نقاء المذهب اللوسيفري.

لو أن لوسيفر ليس إلها، فهل أدوناي رب المسيحيين كذلك؟ والذي أثبتت أعماله عنفه وخيانته وحقده على البشر، وبربريته وتجاهله للعلم. فهل يفتري أدوناي وكهنته على نفسه؟

نعم إن لوسيفر إله، ومع الأسف فإن أدوناي إله كذلك. فالقانون الأبدي يقول إنه لا يوجد ضوء بدون ظل، ولا جمال بدون قبح، ولا بياض بدون سواد. لأن المطلق لا يمكنه إلا أن يتجسد في ثنائي، ولأن وجود الظلام ضروري ليكمل النور، كما أن القاعدة مهمة للتمثال، والمكبح مهم للقطار.

في الصراعات الكونية يعتمد المرء فقط على الذي سيقاوم، لذا فالكون متوازن بين قوتين تعملان على تحقيق التوازن، هما قوة التجاذب وقوة التنافر. وهما موجودتان في الفيزياء والفلسفة والدين. والحقيقة العلمية للثنائية في ظاهرة القطبية والقانون الكوني للتجاذب والتنافر. لهذا فإن الأتباع الأذكياء لزرادشت ومن جاء بعدهم من الغنوصيين وفرسان الهيكل اعترفوا بمفهوم غيبي عقلاني وحيد وهو نظام المبادئ الإلهية المتصارعة للأبد. ولا يصدق المرء بأن أحدهما أدنى من الآخر.

الأديان الفلسفية النقية والصحيحة تؤمن بلوسيفر، كندّ لأدوناي، لكن لوسيفر هو إله النور والخير، الذي يكافح من أجل الإنسانية ضد أدوناي إله الظلام والشر”.

ويجدر بالذكر أن الماسون ومؤيدوهم ينكرون صحة هذه الرسالة ويتهمون ليو تاكسيل (المذكور سابقا) بتلفيقها. [انظر مادة Luciferianism في موسوعة ويكيبيديا]

الدرجات الرئيسة
يشيع بين الباحثين في الجمعيات السرية أن الماسونية تنقسم من حيث التنظيم إلى ثلاث طبقات كبرى، لكن الماسون لا يعترفون إلا بالدرجات المتضمنة في الطبقة الأولى فقط وينكرون وجود الطبقتين الثانية والثالثة. ونلخص هذه الطبقات فيما يلي:

1- الماسونية الرمزية العامة: هي التي يتدرج فيها الناس من كل الأديان والأعراق، وتتفرع إلى درجات يتفاوت عددها حسب الطقس المُتبع، فهي 33 درجة في الطقس الاسكتلندي (الإيكوسي)، و12 درجة في طقس يورك، و95 في الطقس المصري. وكلما ازداد ترقي العضو ازداد قربه من اكتشاف أسرار الماسونية مع تنامي ثقة القيادة به.

ويُعد الطقس الاسكتلندي هو الأكثر شيوعا، وتشكل الدرجات الثلاث الأُول منها قاعدة الماسونية الرمزية (الزرقاء) وهي درجات المريد والرفيق والأستاذ، ويقول الماسوني الفرنسي جورج مارتان إن العضو يصبح ماسونيا تاما عندما يبلغ الدرجة الثالثة (الأستاذ)، ثم يتدرج في “الاكتمال” عبر الدرجات الثلاثين التالية [المنظمة الماسونية والحق الإنساني، ص 54].

وتسمى الدرجات من 4 إلى 14 بمشاغل الإتقان (الماسونية الخضراء)، ثم تأتي مجالس البطاركة ما بين الدرجتين 15 و18 (الحمراء)، ثم المجامع ما بين الدرجتين 19 و30 السوداء)، ثم أسياد المحاكم من الدرجة 31، والمجامع القيادية من الدرجة 32، وأخيرا المجلس الأعلى من الدرجة 33، وتسمى الدرجات الثلاث الأخيرة بالماسونية البيضاء، وهي تضم الأعضاء الذين بلغوا الدرجات العليا في فهم الطقوس وممارستها فضلا عن الولاء المطلق.

2- الماسونية الملوكية: هي درجة سرية لا يعترف بها الماسون، ولا يحصل عليها سوى اليهود الحائزين على الدرجة الثالثة والثلاثين الرمزية، وممن قدموا للماسونية خدمات جليلة.

3- الماسونية الكونية: لا يعترف بها الماسون أيضا، وهي درجة سرية للغاية يؤكد الماسون المنشقون وجودها ولكن لايعرفون مقرها وأسماء أعضائها، ويُعتقد أنهم نخبة العائلات اليهودية الكبرى ممن يتزعمون المحافل الملوكية، وربما من سلالات “حق الملك الإلهي” المتحدرة من داوود عليه السلام، وهم الذين يرسمون خطط وسياسات المحافل العالمية بما يوافق مصالحهم الساعية في نهاية المطاف إلى بناء هيكل سليمان في أورشليم للسيطرة على العالم منه وفقا للنبوءات التوراتية.

الطقوس الماسونية الرئيسة
بالرغم من وحدة الهدف العام للماسونية فهي لا تختلف عن أي تجمع بشري في النهاية، حيث لا بد للشقاق والاختلاف أن يتسلل إلى صفوفها، لكن هذا الاختلاف قد يصب في النهاية لصالحها، حيث يسمح لها باحتواء أطياف متنوعة من البشر لتوجيههم وتوظيفهم بما يحقق المصلحة العليا لقادتها، كما يُظهرها بمظهر أقل حنكة مما يساعد على نفي الاتهامات الموجهة إليها بصفتها يدا واحدة خفية، بينما يؤكد الباحثون في خفاياها أن الاختلاف لا يتعدى الطقوس والممارسات والرموز، كما هو حال الاختلاف بين المذاهب الفقهية في دين واحد، بينما تتفق طرق (الطقوس) الماسونية جميعها في القيادات العليا الخارقة للحدود والأعراق.

يقال إن عدد الطقوس بلغ في منتصف القرن التاسع عشر 52 طقساً، لكن هناك طقوساً رئيسة تتبعها معظم المحافل حول العالم، وهي كالآتي:

  • الطقس الأسكتلندي القديم والمقبول (الإيكوسي): هو الأكثر شهرة وانتشارا في العالم، ويتدرج أعضائه في 33 درجة، آخرها درجة المفتش العام الأعظم.
  • الطقس الإنكليزي للماسون القدماء الأحرار والمقبولين: هو قريب من الاسكتلندي، ويعد أكثر ارتباطا بالقديس يوحنا المعمدان.
  • طقس يورك: هو الطقس الرئيسي الموازي للاسكتلندي ويعد الأكثر انتشارا في الولايات المتحدة، وهو يتكون من 12 درجة، ويشترط أن يكون العضو مسيحيا ليُقبل فيه بدءاً من الدرجة الرابعة، أي بعد حصوله على درجة الأستاذ.
  • طقس ممفيس-مصرائيم المتحد: في عام 1783 أقام جوزيف بالزامو نظاما ماسونيا على خليط من معتقدات الفيثاغورثيين والأفلاطونيين الجدد وصابئة حران والإسماعيليين، وجعل لنظامه المسمى “مصرائيم” 90 درجة، ثم أدخل عليه درجات إضافية مقتبسة من فرسان مالطا، وانتشر نظامه هذا في إيطاليا. وفي عام 1815 أسس صامويل هونيس (الذي كان يتردد كثيرا على القاهرة) محفلا في فرنسا باسم “حواريو ممفيس”، مستحضراً أساطير الكاهن المصري هرمس الذي عاش في القرن الميلادي الأول، وانتشرت محافل ممفيس في أوربا والأمريكتين ومصر. ثم اندمج النظامان على يد الجنرال جوزيبي جاريبالدي في إيطاليا عام 1881، وأصبحت له 95 درجة.
  • الطقس الفرنسي: يتضمن بالإضافة للدرجات الثلاث الأولى أربع درجات عليا، هي المختار والإيكوسي وفارس الشرق والصليب الوردي.
  • الطقس السويدي: يتضمن عشر درجات، إضافة لدرجة أخيرة شرفية لا يحملها سوى 60 شخصا من نخبة السويد، وهو يقتصر على المسيحيين فقط، وينتشر في الدول الإسكندنافية، ويعترف بأعضاء المحفل الأعظم المتحد لأنجلترا، ويتزعمه ملك السويد شخصيا.

المتنورون
قبل أن نستعرض المنظمات الفرعية التي تعمل تحت مظلة الماسونية، لا بد من التوقف عند جمعية المتنورين السرية، والتي تعرف باسمها اللاتيني “إلوميناتي” Illuminati، فهي أخطر المنظمات الماسونية وأقدمها وأوسعها انتشارا، حيث نشأت على يد آدم وايسهاوبت Weishaupt الذي كان أكاديميا مسيحيا يسوعيا ثم أصبح من عبدة الشيطان، وأوكلت إليه العائلات اليهودية الممسكة بزمام الماسونية مهمة وضع مخطط شامل للسيطرة على العالم سياسيا واقتصاديا وفكريا عبر هذه المنظمة، وكان ذلك في مطلع شهر مايو من عام 1776 وفي ولاية بافاريا الألمانية.

وايسهاوبت

ليس للمنظمة محافل ظاهرة للعيان، فهي أكثر سرية من الماسونية الأم، وكان تأسيسها قائما منذ البداية على تنفيذ المخطط بالاستفادة من المحافل الماسونية والكفاءات المتوفرة فيها، وليس على إقامة الطقوس والتظاهر بإقامة أعمال خيرية أو إنشاء أخوية عالمية.

لكن المخطط لم يُكتب له البقاء خفيا لمدة طويلة، حيث تقول الرواية الشائعة تاريخيا إن صاعقة ضربت أحد أعضاء الجماعة ويدعى لانز في أحد أيام سنة 1785 أثناء سفره على الخيل من فرانكفورت إلى باريس، فوجدت الشرطة في جيوب الجثة وثائق ما زالت محفوظة في أرشيف مدينة ميونيخ، وفيها معلومات خطيرة عن أنشطة الجماعة ومخططها لإشعال الثورات والحروب وإسقاط الأنظمة، ويقال إن ألمانيا أرسلت هذه المعلومات إلى دول أوروبية عديدة تحذرها من هذا المخطط، إلا أن أحدا لم يستجب، حيث اندلعت الثورة الفرنسية بالفعل عام 1789 كما كان مخططا لها، ثم تساقطت الحكومات الملكية في بقية أوروبا مثل أحجار الدومينو. [Illuminati Hunter, 225].

في رسالة يقال إن البارون أدولف فون كينغ Baron Adolph von Knigge -الرئيس الثاني للمتنورين- إلى صديقه زفاك يقول فيها “إن العقائد اليهودية سر خفي والرعاع لا يصلحون لفهمها، فقد ظلت هذه الأفكار شعلة خامدة لم يحافظ عليها سوى الجمعيات السرية التي ورثتها خلفا عن سلف، وهي الآن في حوزة صفوة الماسونية”.

والشائع اليوم أن هذه المنظمة تهتم باستقطاب الموهوبين الصاعدين حول العالم وإغرائهم بالنجومية والثروة مقابل الولاء لمعبودها “لوسيفر”، وهو الشيطان نفسه. ولا تُلزم المنظمة أعضاءها بالانتساب والتدرج كما هو حال الماسونية التي تتخذ طابعا فلسفيا، فمنظمة المتنورين تهتم أكثر بالمغفلين المهووسين بالأضواء والصعود السريع، الذين يعملون على التطبيع مع رموز الماسون وشعاراته الشيطانية بتضمينها في أعمالهم، ويبثون الفن الهابط والإباحية والشذوذ والتمرد بين المراهقين، وهي الأهداف نفسها التي نصت عليها مخططات المنظمة كما يؤكد الباحث جون كولمان في كتابه “لجنة الثلاثمئة”  The Committee of 300.

المنظمات الماسونية
إلى جانب المحافل الكبرى التي تسمى بالشروق (جمع شرق) وما يتبعها من محافل رسمية، توسعت الماسونية منذ الربع الأخير للقرن التاسع عشر لتصبح مظلة لعشرات المنظمات والنوادي الاجتماعية التي لا تكاد تخلو منها أي مدينة غربية، فضلا عن الانتشار في مدن كثيرة في أفريقيا وشرق آسيا وأمريكا اللاتينية، فمن خلال هذه النوادي والأخويات يتم جمع ملايين أعضاء إضافيين لتحقيق أهداف الماسونية دون انخراط في الطقوس الرمزية.

ومن الملفت أن هناك الكثير من النوادي الاجتماعية في مدن عربية وإسلامية اتخذت من هذا الأسلوب مظلة لاكتساب الشرعية واستمرار النشاط الماسوني، للتحايل على القرارات الرسمية التي اتخذت لإغلاق جميع المحافل الماسونية.

وفيما يلي قائمة بأهم المنظمات التابعة للماسونية، بشكل معلن أو خفي، والتي تنشط بقوة في الدول الغربية والعديد من الدول الأخرى بما فيها العالم الإسلامي:

الرئيس الأمريكي هاري ترومان يستقبل زعماء الشراينرز عام 1948

1- الشراينرز: تأسست المنظمة عام 1872 على يد 13 ماسونياً أثناء اجتماع لهم في نيويورك حيث طُرحت بينهم فكرة تأسيس منظمة ماسونية جديدة تقوم على بث مفاهيم المرح والزمالة بين أعضائها، وبينما كان أحد الأعضاء يتجول في باريس دُعي إلى حفل برعاية دبلوماسي عربي، فأعجبته الأجواء العربية في الملبس والموسيقى والديكور، وقرر أن يجعل هوية المنظمة الجديدة عربية صوفية، فتم تأسيسها تحت اسم “النظام العربي لنبلاء الضريح الصوفي المقدس”، وعُرف أول محافلها باسم معبد مكة المقدس، بالرغم من العداء الوجودي الذي تبطنه الماسونية للإسلام.

وكانت عضوية الشراينرز في الماضي قاصرة على من أتم درجات الطقس الاسكتلندي أو طقس يورك، ثم أصبحت متاحة لمن حصل على درجة الأستاذ الماسوني. ومنذ عام 1920 اتخذت المنظمة من العمل الخيري الطبي واجهة لها لتساعد في معالجة 575 ألف طفل مجانا حتى الآن، حيث تدير المنظمة شبكة من 22 مستشفى متخصصة بطب الأطفال في أمريكا الشمالية.

وبعيدا عن الرموز والعبادات الشيطانية، يُظهر الشراينرز للعالم وجها احتفاليا مبهجا، فيشاركون في الكرنفالات الراقصة وحفلات العشاء ومهرجانات السيرك، ويرتدون ملابس عربية فلكلورية مع طرابيش حمراء، ويتخذون أسماء عربية لمعابدهم مثل الرياض ومكة وابن سعود وابن علي وشوّال. وربما تخفي هذه الرموز والأسماء علاقة ما بالطقوس السحرية التي يمارسها أدعياء الصوفية عند الأضرحة، خصوصا وأن الكثير من محافلهم تُبنى على هيئة الأضرحة وعلى النمط المعماري الأندلسي.

ويتحدث جون روبنسون في كتابه “النشأة الدموية.. الأسرار المفقودة للماسونية” عن قيام مجموعة من قادة المنظمات الماسونية بتكريم الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان عام 1988 في احتفال خاص بمكتبه البيضاوي، وكان منهم ملك الشراينرز الذي منحه عضوية فخرية في المجلس الإمبراطوري للضريح المقدس. وتقول مصادر غير مؤكدة إن المنظمة تخضع للقيادة المباشرة من ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش.

في هذا الفيديو يجري أحد الناشطين المسيحيين حوارا مع عضو في محفل للشراينرز، حيث يتعرف الأخير بتقديسه للشيطان لوسيفر، وفي نفس الوقت يصر على أنه ما زال مسيحيا، ثم يعجز عن تقديم أي مبرر لهذا التناقض.

قاعة الغروتو في نصب جورج واشنطن الماسوني التذكاري (SchuminWeb)

2- الغروتو: على شاكلة الشراينرز، تأسست هذه المنظمة في نيويورك عام 1889 لتتجاوز في جلساتها العلنية الطقوس الرسمية للمحافل التقليدية، حيث تُظهر احتفاءها بالأجواء المرحة والاجتماعية، وتُعلن اهتمامها بعلاج الأطفال المعاقين.

وبما أنها كالشراينرز تحصر عضويتها في الحاصلين على درجة الأستاذ الماسوني فلا شك في أن كل أعضائها يعلمون جيدا كواليس المنظمة وباطنها، فهم يتخذون من مدعي النبوة الذي ظهر أيام العباسيين بخراسان والمعروف باسم المقنع شعارا لهم، ويرتدون طرابيش سوداء، ويطلقون على محافلهم أسماء الكهف أو المسجد، بينما لا يخفى على أحد ما يخفيه احتفاؤهم بالمتنبي الكذاب من رمزية تعادي الوحي.

3- أشجار أرز لبنان الطويلة: أنشئ أول محافلها في عام 1901، وهي تدعي كسابقتيها توطيد العلاقة بين الأعضاء في جو من المرح وبذل الخير، فتركز أعمالها الخيرية المعلنة على علاج أمراض العضلات والأعصاب، لكنها تحصر عضويتها على الحاصلين على درجة الأستاذ الماسوني.

تعرف محافلها باسم الغابة، وتمنح درجتين لأعضائها هما البلاط الملكي والصيداوي، وربما تخفي وراء اسمها وشعارها احتفاءً بأشجار أرز لبنان التي كان لها دور في بناء هيكل سليمان.

شهادة الانضمام لمنظمة بناي بيرث ويظهر فيها الأثر اليهودي الصهيوني

4- منظمة بناي بيرث: تعد من أضخم المنظمات الماسونية وأكثرها انتشارا في العالم، تأسست في مدينة نيويورك عام 1843 على يد مهاجرين يهود من ألمانيا، وتتخذ من الشمعدان اليهودي شعارا لها. ساهمت في تأسيس مستعمرات يهودية صغيرة بفلسطين في وقت مبكر، وسخّرت جهودها للدفاع عن وجود اليهود بفلسطين ولعولمة خطابهم الصهيوني. وكغيرها من المنظمات الماسونية فإنها تقدم أنشطتها تحت غطاء خيري وثقافي، وتستقبل دوريا كبار الشخصيات لإلقاء كلمات على منابرها، مثل الرئيس الأمريكي دونالد ريغان الذي زار مقرها في واشنطن خلال حملته الانتخابية عام 1980.

5- نوادي الليونز Lions: وتعني الأسود (جمع أسد) وهي تتخذ من من الأسد شعاراً لها، ويُعتقد أن الأسود دلالة على حراس الهيكل، لكن البعض يرى أن الاسم مشتق من الأحرف الأولى للعبارة التالية liberty intelligence our nations safety، وقد تأسست على يد ملفن جونز عام 1915 لتكون بمثابة نوادٍ اجتماعية لنخبة المجتمع، ومن الملفت أنها لا تقبل طلبات الانتساب بل يرسل قادتها عروضهم لمن يرونه مناسبا لأفكارهم وتوجهاتهم كي ينضم إليهم.

6- نوادي الروتاري: تعني هذه الكلمة الدوران، في إشارة إلى تناوب عقد بعض الاجتماعات في بيوت الأعضاء ومكاتبهم. وقد تأسست هذه المنظمة على يد المحامي الأمريكي بول هارس عام 1905 ولها فروع حول العالم، وبما أنها تنفي عن نفسها الانتماء للماسونية فقد تمكنت من اختراق الدول التي تحظر الماسونية كالدول العربية مثل مصر، وهي تستقطب أيضا نخبة المجتمع كالسياسيين والفنانين، وتقدم لهم خدمات ترفيهية وتثقيفية إلى درجة أنها رحبت عدة مرات بتقديم محاضرات دينية لبعض “الدعاة الجدد” في القاهرة.

تأسس نادي روتاري مصر الجديدة عام 1954 ويعد من أقدم النوادي في المنطقة وما زال يضم نخبة المجتمع المصري

7- محفل برنس هال: أسسه الضابط الأميركي من أصل أفريقي برنس هال عام 1775 بانضمامه إلى أحد المحافل العسكرية الإنجليزية، وذلك بسبب رفض الماسون الأميركيين البيض لانضمام السود إليهم. وبعد استقلال الولايات المتحدة توسع هذا المحفل وأصبح منظمة بذاتها تتبعها محافل أخرى للأميركيين الأفارقة.

8- سيوتس: هو ناد ماسوني أنشئ في سان فرانسيسكو عام 1905، وجميع أعضائه حاصلون على درجة الأستاذ الماسوني، وتعرف محافله باسم الهرم، وبالنظر إلى شعاره يمكن اكتشاف صورة رأس بافوميت والشمس بين قرنيه.

النوادي الاجتماعية الفرعية
بالتوازي مع تأسيس المنظمات الماسونية المذكورة أعلاه، والتي تنتشر في شتى أنحاء العالم وتقدم، ولكي تستوعب الماسونية أكبر قدر ممكن من المجتمع في محافلها، انبثقت عنها عشرات الجعيات والنوادي الفرعية التي تحتوي كافة شرائح المجتمع وتقدم أنواعا مختلفة من الخدمات وتلبي معظم الاهتمامات، ونذكر منها على سبيل المثال:

  • الكلية العظمى لطقوس الولايات المتحدة: مخصصة لدراسة الطقوس القديمة للماسونية.
  • حلقة مراسلي التيجان الأربعة: جمعية للدراسات الماسونية مكونة من الأساتذة الماسون ذوي الاهتمامات الفكرية والأدبية.
  • جوقة الشرف: جمعية للمحاربين القدماء من الشراينرز.
  • أندية منتصف الليل: صناديق لرعاية الأسر الماسونية في حالة موت معيلها.
  • نظام ديسومز: جمعية مخصصة للرجال الصم من أقارب الأساتذة الماسون.
  • جمعية محبي الحقيقة: مخصصة لدراسة الفلسفة والتاريخ الماسونيين.
  • النظام الملكي للمهرجين (جيسترز): منظمة يختار أعضاؤها من بين الشراينرز وتتخذ طابعا ترفيهيا.
  • نظام كيتزالكواتال: جمعية خاصة بالشراينرز المهتمين بالأساطير المكسيكية، وتقام بعض طقوسها خلال الحج إلى أهرامات المكسيك.
  • النادي الماسوني العالمي للدراجات النارية: يسعى لاستقطاب الشباب من محبي ركوب الدراجات النارية.
  • نظام النجمة الشرقية: تأسس عام 1850 وهو يضم الرجال والنساء معا، ومع أنه يتخذ من النجمة الخماسية شعارا له (وهي ذات رمزية شيطانية) فإنه يُعلن أن نظامه الأساسي مستمد من الإنجيل، مع أنه يستقبل المؤمنين بأديان أخرى.
  • محفل قوس قزح للفتيات في أوكلاهوما (Sorcha A. Hazelton)

    النظام العالمي لفتيات قوس قزح: جمعية تأسست عام 1922 في أمريكا وتضم في عضويتها الفتيات من عمر 12- 21 سنة فقط، وهي جمعية تحظى برعاية نظام النجمة الشرقية.

  • النظام العالمي لفتيات أيوب: مخصص للبنات من عمر 10- 20 سنة فقط.
  • نظام دي مولاي: جمعية خاصة بالفتيان من عمر 12- 21 سنة، تأسس عام 1919 وهو يحمل اسم آخر أستاذ أعظم لفرسان الهيكل.
  • المحفل المحترم لحقوق الإنسان: تأسس في فرنسا عام 1893 ليكون أول محفل فرنسي مختلط يسمح بعضوية النساء.
  • نظام الناسجات: تأسس في هولندا في الثلاثينيات من القرن العشرين لاحتواء السيدات الماسونيات.
  • النظام المصري القديم لأميرات شارمخو: جمعية تضم السيدات من عائلات الشراينرز.
  • بنات المقنع: أخوية خاصة بقريبات أعضاء الغروتو في أمريكا.
  • بنات النيل: أخوية خاصة بقريبات الشراينرز، ويقع مقرها في سان فرانسيسكو.

جاء في منشور صادر عن مؤتمر الشرق الأعظم الفرنسي عام 1904 “إن آلاف المواطنين يترددون على المحافل للتباحث في شؤون الحياة وللدفاع عن الأفكار التي تبثها المحافل في وسائل الإعلام واللقاءات السياسية، وهكذا يتكون الرأي العام وتوجه الانتخابات، ومن ثَم يصبح البرلمان خاضعا لنا، وهكذا يجب أن تكون الديمقراطية”.

الماسونية في العالم الإسلامي
سنستعرض نماذج لأهم المناطق التي تغلغلت فيها الماسونية في عالمنا الإسلامي، مع التأكيد بأن هناك مناطق أخرى لا يتسع لها المقال.

1- الدولة العثمانية
بدأ التغلغل الماسوني في العالم الإسلامي رسميا مع تأسيس أول محفل ماسوني في الدولة العثمانية سنة 1721، وذلك بمنطقة غالاتا سراي في إسطنبول، ثم توالى تأسيس المحافل واستقطاب النافذين والمفكرين إليها.

في عام 1907 أسس المحامي اليهودي “عمانوئيل قره صو” محفل سالونيك (وهي مدينة تقع في اليونان حاليا) بالتعاون مع الماسونية الإيطالية والشرق الأعظم الفرنسي، ويؤكد كثير من المؤرخين أن هذا المحفل عمل على إزاحة السلطان عبد الحميد الثاني بسبب رفضه هجرة اليهود إلى فلسطين. حيث أقنع “قره صو” رجال اتحاد تركيا الفتاةبالانتماء إلى الماسونية لحمايتهم من جواسيس السلطان، وقد أسسوا بالفعل جمعية الاتحاد والترقي التي أجبرت عبد الحميد على إعادة العمل بدستور سنة 1876، ثم خلعته عام 1909 لتعين محمد رشاد مكانه.

عمانوئيل قره صو يبلغ السلطان عبد الحميد الثاني بقرار خلعه عام 1909

في السنة نفسها أنشئ 12 محفلا جديدا يقودها يهود الدونمة الذي يظهرون الإسلام، وأسس الأمير عزيز حسن “محفل الشرق الأعظم العثماني” مع وصول عدد المحافل إلى 65، وأصبح وزير الداخلية طلعت بك الرئيس الأعظم لهذا المحفل، وأصبح من الشائع بين موظفي الحكومة وضباط الجيش أن الترقي والنفوذ بات مرتبطا بالانتساب للمحافل، كما كان للنواب في مجلس المبعوثان محفل خاص اسمه “محفل الدستور” وكان من أعضائه وزير المالية اليهودي جاويد بك.

نفى كثير من الغربيين علاقة الماسون بالمؤامرات ضد عبد الحميد وإسقاط الخلافة، لكن الدكتور إيلي خضوري عثر في سنة 1974 على إحدى وثائق الخارجية البريطانية التي أرسلها السفير البريطاني في إسطنبول جيرارد لوثر عام 1910 إلى وزير خارجيته يشرح فيها دور اليهود والماسون في المؤامرة.

وبعد إسقاط الخلافة تماماً واعتلاء مصطفى كمال أتاتورك -الذي كان عضوا في محفل فيدانا ويُعتقد أنه من يهود الدونمة- سدة الحكم في تركيا عام 1923، بدأت عملية انتزاع الهوية الإسلامية من البلاد بإغلاق الزوايا الصوفية والكثير من المساجد ومنع الأذان بالعربية واعتماد الحروف اللاتينية للغة التركية وحظر الحجاب في أماكن كثيرة.

وفي عام 1936 أغلقت المحافل أبوابها وسلّمت ممتلكاتها إلى “بيوت الشعب” التي أنشأها حزب الشعب الجمهوري الحاكم “بهدف إنهاض الروح العلمانية في تركيا”، على اعتبار أن مهمتها اكتملت بإسقاط الخلافة ولم يعد لها أي طموح سياسي، بينما يقول البعض إن أتاتورك هو الذي أغلقها خشية تدخل الغرب في حكومته من خلالها. وعلى أي حال فقد كان عدد من كبار وزرائه من الماسون، ولايزال أتاتورك حتى اليوم هذا يحظى بتمجيد الماسون، ففي العاشر من نوفمبر 1993 قام الماسون بزيارة جماعية لضريحه وكتب أحد أساتذتهم ويدعى “أونده أقطامش” في دفتر التشريفات ما يلي: “سوف لن ننتهك علمنا وكتابنا والمبادئ التي نعتبرها مقدسة، والعملية التي بدأت بهاتاي سنواصلها دون أن ننسى الموصل وكركوك والجزر الاثني عشرة. إننا حاضرون للتضحية بأرواحنا. ارقد هنيئاً”. علما بأن هاتاي هي منطقة لواء الإسكندرون السوري الذي اغتصبه الكماليون من سوريا، أما الجزر فتقع في بحر إيجة وتتبع لليونان، بينما يسعى الانفصاليون الأكراد بدعم من الغرب وإسرائيل لفصل الموصل وكركوك عن العراق.

أعضاء المحفل التركي الأكبر يحتفلون بمرور 90 عاما على تأسيس المحفل بزيارة ضريح أتاتورك (mason.org.tr)

وبعد 13 سنة من التوقف الظاهري عادت الماسونية التركية للنشاط سنة 1948 بالتزامن مع إعلان دولة إسرائيل على أرض فلسطين، ورصد باحثون أسماء أكثر من 1900 ماسوني ضمن الشخصيات البارزة في تلك الفترة وعلى رأسهم سليمان ديميريل الذي عمل رئيسا للوزراء سبع مرات قبل أن ينتخب رئيسًا للجمهورية، ولعبت الماسونية دورا واضحا في تعزيز علاقة تركيا مع إسرائيل، إلى أن تمكن حزب العدالة والتنمية من تقليص هذا الدور تدريجيا منذ وصوله للحكم عام 2002.

2- مصر
من جهة أخرى، يرجح مؤرخون أن أول ظهور للماسونية في البلاد العربية تجسد في محفل إيزيس بالقاهرة الذي أنشئ عام 1798 إبان حملة نابليون على مصر، ثم تبعه تأسيس محفل ممفيس عام1838 ، وكانت المحافل المصرية تتنوع في تبعيتها للمحافل والشروق الإنجليزية والفرنسية والإيطالية ويتحدثأعضاؤها بلغات أجنبية، وفي عام 1868 تقرر إنشاء محفل نور مصر ليكون محفلا وطنيا، كما تأسس المجلس العالي ليكون بمثابة الشرق الأعظم الوطني على طريقة ممفيس.

بعد ذلك بثلاث سنوات أسس تسعة من كبار الماسون مجلس أعلى على الطريقة الاسكتلندية، ثم تم توحيد المحافل والمجالس جميعا تحت مظلة الشرق الأعظم الوطني المصري سنة 1876 مع أن رئيسه كان إيطاليًا واسمه “سوليتوري زولا”. ثم انتخب الخديوي توفيق باشا رئيساً للمحفل بعد 11 سنة، وتصاعد دور المحافل في السياسة والفكر حتى انضمت لها نخبة الحركات الإصلاحية بما فيها الإسلاميون، وعلى رأسهم جمال الدين الأفغاني الذي مازالت رسالة انضمامه للمحفل محفوظة في إيران، حيث أسس بنفسه لاحقا محفلا تابعاً للشرق الأعظم الفرنسي، ويؤكد مؤرخون أن هدفه من ذلك كان مناهضة الاحتلال الإنجليزي، وأنه انسحب من الماسونية كلها فيما بعد برسالة ينتقد فيها انتهازية أعضائها وقبل أن يكتشف صلاتها باليهود.

يقول المؤرخ العراقي علي الوردي إن الماسونية في مصر تختلف من حيث مكانتها الاجتماعية عنها في البلاد العربية الأخرى، فكانت تحظى بالاحترام الشعبي لانتماء الكثير من الأمراء والباشوات ورجال الدين إليها، أما في الشام والعراق فكانت بمثابة تهمة وشتيمة، مما دفع جرجي زيدان لتأليف كتابه “تاريخ الماسونية العام” للدفاع عنها.

3- الشام
وفي بلاد الشام، ظهر أول محفل ماسوني في بيروت سنة 1862 تحت رعاية الشرق الأعظم الاسكتلندي وعُرف باسم شرق فلسطين، وبعد ست سنوات تأسس “شرق لبنان” برعاية الشرق الأعظم الفرنسي، ثم أقيمت محافل عديدة في دمشق وحمص وحلب وعينتاب والإسكندرونة وأنطاكية، وكان معظمها تابعا للشرق الأعظم الإيطالي. ويقول جرجي زيدان إن الأمير عبد القادر الجزائري هو أول من أدخل الماسونية إلى دمشق بتأسيس محفل سورية.

المحفل الماسوني بدمشق أثناء الاحتلال الفرنسي في منتصف الثلاثينيات يضم كبار رجال الدولة وعلى رأسهم رئيسا الحكومة جميل مردم بك وعطا الأيوبي والمدعي العام حنا مالك

ولم يأت عام 1923 إلا وقد بلغ عدد المحافل في سورية ولبنان وفلسطين 30 محفلاً تضم نحو خمسة عشر ألف ماسوني، وتنتمي إلى خمسة شروق دولية، وبعد الاستقلال أصبح بعضها يتبع محافل أميركية. وكان من أبرز أعضاء تلك المحافل بدر الدين الشلاح وفارس الخوري وأديب الشيشكلي وفوزي سلو، وقد طالب القطب الأعظم محمد سعيد (حفيد عبد القادر الجزائري) بأن يستقل المحفل الأكبر السوري العربي عن التبعية للخارج عام 1951، ومن الملفت أن بعض تلك المحافل كان يتخذ أسماء إسلامية مثل أويس القرني وخالد بن الوليد، لكن هذا كله لم يكن كافيا لإقناع الناس ببراءة الماسونية، إلى أن اتُخذ قرار حل كل المحافل في سورية في عصر الحكم البعثي عام 1965.

كانت المحافل تؤيد سلطات الاحتلال أينما وجدت، فمع دخول الفرنسيين إلى الجزائر دعا الماسون فيها سنة 1834 إلى نشر الأفكار الفرنسية والعمل على “بعث نوع من الوحدة العائلية لتكوين شعب فرنسي جديد”. وكذلك الحال في لبنان حيث قرر المؤتمر العام للمحافل الماسونية المنعقد في بعلبك سنة  1924 “التعاون مع سلطات الانتداب”.

في عام 1964 أغلقت الحكومة المصرية جميع المحافل الماسونية في مصر، ويقول المؤرخ أحمد فؤاد عباس إن التحقيقات كشفت أن النادي الماسوني الإنجليزي سبق أن هرّب إلى لندن جميع سجلاته من عام 1952، لكن هذا لم يمنع التوثق من ارتباط النادي بإسرائيل حيث كانت جميع مقتنياته تتسم بالطابع البريطاني-الإسرائيلي. وفي السنة نفسها كشفت مجلة “آخر ساعة” القاهريةأن حكومة الجمهورية العربية المتحدة سبق لها أن طلبت من الجمعيات الماسونية التسجيل لدى وزارة الشئون الاجتماعية والالتزام بالقانونفرفضت، وأن العراق أقدمت إثر ذلك على إلغاء هذه الجمعيات وتجريم أعضائها عام 1958، بينما تأخر التنفيذ في مصر بضع سنين، ثم لحقت بهما معظم الدول العربية والإسلامية باستثناء لبنان.

الماسونية والأديان
في خطابها المُعلن للناس، تتبنى الماسونية موقفا ليبراليا يساوي بين كل الأديان، ففي كتابه العقيدة والأخلاق يقول قطب الماسونية ألبرت بايك “إن المسامحة تعني أن لكل إنسان الحق عينه في التعبير عن رأيه وإيمانه؛ وإن الليبرالية تعني أنه طالما لا يمكن لأي إنسان أن يدعي امتلاك الحقيقة (…) فينبغي أن يشعر بأن الآخرين يمتلكونها أيضا ولو كان لهم رأي مضاد”. وقد مرّ معنا أن كبار مؤسسي الليبرالية كانوا أعضاء في المحافل الماسونية.

وتحظر الماسونية في دساتيرها مناقشة السياسة والدين في المحافل، وتشترط على الأعضاء أن يكونوا مؤمنين بدين ما –باستثناء المحافل الفرنسية التي ترحب بالملحدين- وهي تعتمد كتابه المقدس الخاص به عندما يُطلب منه القسَم. لكن جميع المؤلفين الذين كتبوا عن الماسونية بعد انشقاقهم عنها أكدوا أن العضو يكتشف بعد ترقيه أن الدين الوحيد المُعتمد هو الثيوصوفية اليهودية (القبالاه)، فما إن يصل إلى الدرجة الثامنة عشرة في الطقس الاسكتلندي أو الدرجة الرابعة في طقس يورك حتى يصبح القسم على التوراة وحدها. وإذا نجح في الارتقاء إلى أعلى الدرجات فسينتهي الأمر بالماسوني إلى عبادة الشيطان.

لذا تصدّى المسلمون والكاثوليك للماسونية بشدة، بينما نجد تقاطعا في المصالح بين الماسون وأديان أخرى كالبوذية والهندوسية والبروتستنتية، مع أن هذا التوافق لا يظهر لدى جميع رجال الدين، وفيما يلي ملخص لأهم المواقف الدينية من الماسونية:

1- موقف الإسلام:
قام المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بدراسة هذه المنظمة وأصدر في عام 1978 بيانا مطولا جاء فيه أن أعضاء الماسونية المغفلين يُتركون أحراراً في ممارسة عباداتهم الدينية للاستفادة من توجيههم بما يحقق مصالح المنظمة، بينما يرتقي الملحدون في درجاتها العليا، وأنها ذات أهداف سياسية ولها في معظم الانقلابات أصابع ظاهرة أو خفية، كما أنها يهودية في جذورها وإدارتها، وتسعى لهدم الأديان جميعاً ولا سيما الإسلام.

وعليه فقد أفتى المجمع بأن “من ينتسب إليها على علم بحقيقتها وأهدافها فهو كافر بالإسلام مجانب لأهله”.

وفي عام 1979 أصدرت جامعة الدول العربية قرارا ينص على اعتبار الماسونية حركة صهيونية، وأنها تساعد على تدفق الأموال على إسرائيل من أعضائها مما يدعم اقتصادها ومجهودها الحربي ضد الدول العربية.

وفي عام 1984 أصدر الأزهر فتوى جاء فيها أن المسلم لا يمكن أن يكون ماسونياً لأن ارتباطه بالماسونية انسلاخ تدريجي عن شعائر دينه ينتهي بصاحبه إلى الارتداد التام عن دين الله.

2- موقف الكاثوليكية:
من المعروف تاريخيا أن فرسان الهيكل اصطدموا مع الفاتيكان مما أدى إلى تفريق جماعتهم وإعدام قادتهم في عام 1310م على يد البابا كليمنت الخامس، إلا أننا نقلنا في مقال “فرسان الهيكل” عن كتاب “المُلك الإلهي” أن الأسرة الميروفنجية -المنحدرة من نسل داوود- تغلغلت إلى داخل الفاتيكان قبل ذلك ونجحت في تعيين ستة بابوات من أصول ميروفنجية، كان أولهم البابا سلفستر الثاني سنة 999م، وآخرهم هو أوربان الثاني الذي أعلن بدء الحروب الصليبية عام 1096 باسم الكاثوليكية، ولا ندري إن كان قرار كليمنت الخامس بالقضاء على فرسان الهيكل قد جاء بعد تخليص الكنيسة من التغلغل اليهودي فيها أم أنه كان إجراء ظاهريا بضغط من الملك الفرنسي فيليب الرابع.

على أي حال، اصطدمت الفاتيكان أيضا بالماسونية (وريثة فرسان الهيكل) بعد فترة قصيرة من تأسيسها، حيث أصدر البابا كليمنت الثاني عشر عام 1738 مرسوما جاء فيه: “أفادتنا الأنباء عن تأليف جمعيات سرية تحت اسم فرماسون وأسماء أخرى شبيهة بهذا الاسم. ومن خواصها أنها تضم إليها رجالاً من كل الأديان والشيع، يرتبطون فيما بينهم بروابط سرية غامضة، وحسبنا شاهداً على أن اجتماعاتها الخفية هي للشر لا للخير، وأنها تبغض النور، وإذا كان فكرنا في الأضرار الجسيمة التي تنجم عن هذه الجمعيات السرية رأينا منها ما يوجب القلق، سواء كان لسلامة الممالك أم لخلاص النفوس، ومن بعد أخذ رأي إخوتنا الكرادلة، ولعلمنا التام، وقوة سلطتنا وحكمنا بأن هذه المنظمات، والجماعات المعروفة باسم الفرماسون يجب رذلها ونفيها. وبناءً عليه نرذلها ونشجبها بقوة هذا المنشور الذي يريد أن يكون مفعوله مخلداً”.

في عام 1917 أصدر الفاتيكان قرارا آخر بالحرمان الكنسي لمن ينضم إلى الماسونية، وفي عام 1966 حاول البابا بولس السادس استمالة الماسون عبر وعدهم برفع الحرمان عنهم في حال الانشقاق عنها “مهما كان حجم الفضائح والضرر الذي تسببوا به”، تقرر السماح للأساقفة برفع الحرمان عمن يرونه مناسباً من الماسون ضمن شروط وحالات محددة.

في عام 1974 حاول الماسون بشدة إقناع الفاتيكان بتغيير موقفها، وبعد ست سنوات من الاجتماعات والمفاوضات أصدرت الفاتيكان تقريرا يؤكد استحالة التقاء الطرفين على عقيدة واحدة، وجاء في التقرير أن الماسونية مذهب “ربوبي” ينكر إمكانية وجود الوحي الإلهي. وفي عام 1981 أعاد مجمع العقيدة والإيمان في الفاتيكان التأكيد على عدم إلغاء الحرمان الكنسي للماسون.

الفاتيكان

ما زال الموقف الرسمي المعلن للفاتيكان يصر على عدم التلاقي مع الماسونية، لكن هذا لم يمنع بعض الكرادلة من الانضمام سرا أو علنا للمنظمة وسط ترحيب الماسون. ومع ذلك يعتقد بعض المؤرخين والباحثين أن هذا الموقف المعلن لا يعني بالضرورة عدم وجود علاقة سرية بين الفاتيكان والجمعيات السرية، فمن المعروف أن خزائن الفاتيكان تُعد من أكثر الأماكن سرية في العالم، لاحتفاظها بوثائق لا يعلم مضمونها إلا النخبة هناك، وهذا وحده يكفي لإقناع الكثيرين بأن الفاتيكان لا تختلف في آلية عملها كثيرا عن الجمعيات السرية، فكما أن الماسونية لا تُطلع معظم أعضائها ممن لم يرتقوا إلى أعلى الدرجات على أسرار عقائدها، فربما يجهل معظم أتباع الفاتيكان الذين يتجاوز عددهم 1.13 مليار شخص حول العالم أن النخبة في الفاتيكان تخفي عنهم شيئا ما.

ويستشهد المشككون بالتقارب الذي حدث بين الفاتيكان والصهيونية، لا سيما بعد إعلان البابا بولس السادس عام 1965 براءة اليهود من دم المسيح، ولقائه مجموعة من أعضاء نادي “الروتاري”، وهو أمر تكرر أيضا مع البابا الحالي فرانسيس، مع أن قرارا كاثوليكيا سابقا كان ينص على أن “المسيحي الذي ينضم لنادي الروتاري يتعرض إيمانه للشبهة”.

وثيقة انضمام رئيس الوزراء الإيطالي السابق برلسكوني للمحفل P2

ومن أهم المواقف التي قد تدل على وجود علاقة سرية بين الطرفين، ما ذكرته صحف وكتب وأفلام وثائقية كثيرة عن فضيحة تورط الماسونية مع المافيا وأخطبوط الفساد الإيطالي في مقتل مدير بنك أمبروزيانو الإيطالي روبرتو كالفي عام 1982، الذي وُجد مشنوقا ومتدليا من جسر في لندن بطريقة تحمل رموز الماسونية، بينما أقفل الملف قضائيا على أنه انتحار، حيث يقول المشككون إن أصل الجريمة يعود إلى محاولة البابا يوحنا بولس الأول فتح تحقيق في قضايا فساد ببنك الفاتيكان منذ بداية توليه المنصب عام 1978، وتقديمه قائمة بأسماء أكثر من مئة عضو في كنيسته للاشتباه بعضويتهم في محفل “بروباغاندا-2” P2 الماسوني الإيطالي، وهو الأمر الذي تسبب كما يبدو بالعثور على البابا نفسه ميتا (وبالأحرى مقتولا) في فراشه بعد 33 يوما من تنصيبه فقط، حيث تم تحنيطه فورا دون إجراء فحص طبي، ليتولى بعده يوحنا بولس الثاني كرسي البابوية، ويتم إغلاق ملف التحقيقات بشأن تغلغل الماسون في الكنيسة، وتبدأ سلسلة اغتيالات واعتقالات بشأن كل من كان يحاول ملاحقة الفضيحة من القضاة والمسؤولين والصحفيين والمصرفيين، ووصولا إلى مقتل كالفي نفسه وتعليقه أمام كل سكان لندن، دون أن يتمكن البابا -وربما دون أن يحاول- تخليص كنيسته وطائفته كلها من الفساد الذي قيل إن له علاقة بتجارة أسلحة وتمويل حروب. [المزيد من التفاصيل في كتاب: النشأة الدموية].

3- موقف البروتستنتية:
سبق أن أوضحنا في بحث المسيحية المتصهينة العلاقة الوطيدة بين اليهودية وبين البروتستانتية المتمردة على الكاثوليكية، لكن بعض المؤرخين (كما نجد في كتاب الماسونية للسقا أمينى وأبو حبيب) أكدوا أن مارتن لوثر -أحد مؤسسي البروتستنتية- كان ماسونيا، وأنه كان على علاقة وثيقة باليهود.

لكن البروتستنتية تظل مع ذلك كنيسة مسيحية تؤمن بالثالوث وترفض العقائد الوثنية التي يخفيها الماسون وتنتهي بهم إلى عبادة الشيطان، ففي اجتماع سنوي للمجمع المعمداني الجنوبي عام 1993 تم بحث موقف الكنيسة من الماسونية، ومع أنه اعترف بقيمة أعمالها الخيرية فقد أكد وجود 8 اختلافات جوهرية بين الماسونية والمسيحية، وأهمها استخدام الماسونية مصطلحات مسيئة تجاه الله، واستخدامها للأيمان الدموية التي يحظرها الكتاب المقدس، واعتقادها بأن الخلاص يتحقق عبر الأعمال الصالحة فقط وليس بالإيمان بالمسيح.

ويجدر بالذكر أن جانيت زوجة جوناس التي ورد ذكرها في هذا المقال عند استعراضنا لكتاب “تبديد الظلام” كانت سيدة بروتستنتية متدينة، وهذا لم يمنعها من إقناع زوجها المتحدر من سلالات مؤسسي الماسونية -وفق ادعاء المؤلف- بترك الدين اليهودي وفضح المؤامرة.

المؤامرة.. نظرية أم حقيقة؟
اعتمدت الماسونية طوال قرون على السرية وملاحقة كل من يكشف أسرارها، فهناك روايات عدة عن حالات اغتيال لمؤلفين وصحفيين حاولوا تسريب وكشف مؤامراتها مثل الروسي شيريب سبيريدوفيتش صاحب كتاب “حكومة العالم الخفية”.

ومع ذلك، بدأت الماسونية في القرن العشرين بانتهاج سياسة الانفتاح التدريجي، ولا سيما في ظل ثورة الاتصالات والمعلومات التي أتاحت للجميع البحث والنشر بأقل قدر من القيود التي عرفها الإنسان في تاريخه، فباتت أسرار الماسونية وتاريخها الغامض مادة مثيرة لفضول الباحثين، ما دفع بأقطاب الماسونية -كما يبدو- إلى اعتماد سياسة الضخ المضلل لكمية هائلة من المعلومات التي يختلط فيها الحق بالباطل، حتى يصعب على الباحث تجريد الحقيقة وتوثيقها.

في الوقت نفسه، تسمح بعض المحافل للصحفيين بحضور بعض اجتماعاتها وإجراء مقابلات مع أعضائها لإظهار “الوجه الخيري” للمنظمة، كما افتتحت بعض المحافل متاحف ماسونية لاستقبال الزوار وتنظيم جولات سياحية فيها، في حين أطلقت هوليود وكبرى وسائل الإعلام المرئية والمطبوعة عددا هائلا من الأفلام السينمائية والوثائقية والكتب والمجلات التي تُظهر الماسونية في صورة جمعية ثقافية وإنسانية لعبت دورا في حفظ أسرار البناء وحماية كنوز الحضارات القديمة فضلا عن تأسيس الولايات المتحدة على أسس إنسانية عظيمة.

ولا تتعرض هذه الأعمال للمؤامرات التي يوثقها الباحثون في خفايا الماسونية، وفي حال تم طرح شيء منها من قبل الصحفيين في إحدى اللقاءات فسرعان ما يتم نفيها بشيء من السخرية مع وصم من يؤمن بها بالخضوع لعقدة “نظرية المؤامرة”.

ويجدر بالذكر أن الكثير من المواقع والكتب والأفلام التي تفضح مخططات الماسونية و”المتنورين” لا تخلو من المبالغة التي قد تصل حد السخف، وهذا ما يسلط الضوء عليه منكرو المؤامرة، بينما تدور معظم الأبحاث والروايات التي تنفي المؤامرة حول الدوافع النفسية لدى من يؤمنون بوجودها، فالاتهامات تبدأ بالحديث عن شعور بالنقص يدفع البعض للبحث عن جهات كبرى تنشغل بالتآمر ضده أو ضد مجتمعه، وتصل إلى الحديث عن الإصابة بمرض البارانويا “جنون الارتياب” الذي يدفع المصاب للإحساس الدائم بالتعرض للملاحقة والاضطهاد. ومع أن هذه الاتهامات صحيحة في كثير من الحالات، إلا أن نفي المؤامرة يتطلب تحقيقا علميا في صحة وقوع التآمر بالفعل من حيث كونه حدثا تاريخيا ودون هدر الوقت والجهد في البحث عن الدوافع الأيديولوجية لمثبتي المؤامرة وصحتهم النفسية، فمن السهل بالمقابل اتهام منكري المؤامرة باتهامات مماثلة مع عكس الاتجاه.

أمبرتو إيكو

تعد روايات المفكر الإيطالي أمبرتو إيكو نموذجا “راقيا” للأعمال التي نجحت في تسخيف الاعتقاد بوجود المؤامرة، فهو يستند فيها إلى خلفيته الموسوعية لتاريخ الأديان والصراعات السياسية في أوروبا، ثم يذهب بالقارئ إلى إنكار المؤامرة واعتبارها مجرد هوس.

علما بأن إيكو أقر بأنه اختار الإلحاد بعد إنهاء دراسته للدكتوراه وهو ما زال في العشرينات من عمره، وذلك في مقابلة لصالح مجلة تايم بتاريخ 5 يونيو 2005.

وهناك نمط آخر من المؤلفين والناشطين يحاول إقناع الناس بسخافة فكرة وجود مؤامرة عبر السخرية اللاذعة، فنجد مثل هذا الخطاب كثيرا على ألسنة مشاهير كوميديا الإلقاء Stand-up Comedy في أميركا، كما نجده في أعمال الكاتب الأمريكي روبرت أنطون ويلسون الذي أنجز عددا كبيرا من الكتب والمحاضرات والمقابلات الصحفية لتقديم فكرة المؤامرة (التي ينكرها) في إطار ساخر.

وعندما سأله المذيع ريتشارد ميتزجر عن رأيه في حقيقة “المتنورين”، قال ويلسون بأسلوبه الساخر إنه بعد دراسته لهذه الجماعة طوال ثلاثين سنة فإنه يرى أنهم مجموعة صغيرة من المفكرين الأحرار والمصلحين الديمقراطيين تشكلت داخل الماسونية، ثم استخدمت الماسونية غطاءً للانقلاب على ملوك أوروبا والبابا، ويضيف أنه سعيد جدا بنجاحهم في ذلك، وأنه يتمنى أنهم كانوا قد أكملوا المهمة وتخلصوا من البابا نهائيا. [كتاب Disinformation للمؤلف Richard Metzger، 2011].

إذن فهو لا ينكر المؤامرة فعلا، بالرغم من دأبه على تسخيف المؤمنين بها، ويتمنى مع ذلك أن تحقق كل أهدافها بالقضاء على الأديان.

وبما أن الكثير من المتعلقة بأنشطة الجمعيات السرية هي أصلا طي الكتمان، فمن الصعب إثبات نسبة الكثير من الأحداث التاريخية لها، كما يصعب أيضا إثبات نسبة كثير من الوثائق المسربة لتلك الجمعيات أو لأعضائها طالما كانوا ينكرونها. ومع ذلك فإن جهود بعض المحققين لم تذهب سدى في إقناع قرائهم بصحة الربط بين الأحداث والوثائق والتصريحات وتلك الجمعيات السرية، لكن الجزم يتطلب في رأينا ما هو أكثر يقينا وشمولا من التعلق بالجزئيات، وهذا شأن الوحي المنزل من السماء.

كتاب “الدستور السحري” Codex Magica للمؤلف الأميركي تيكس مارس، هو من المراجع المهمة لأسرار الماسونية وطقوسها ورموزها، إلا أن المؤلف يندفع فيما يبدو كثيرا أثناء رصده لمظاهر انتشار تلك الرموز في المجتمع، ويمكن للقارئ أن يلاحظ المبالغة في عشرات الصور التي ضمّنها في كتابه.
للاطلاع على نسخة إلكترونية اضغط هنا.

لذا فإن من يصل إلى يقين عقلي ووجداني بصحة نسبة القرآن الكريم إلى الله تعالى، سيجد في ثنايا الوحي دلائل كثيرة على صحة نسبة التآمر إلى بني إسرائيل وسعيهم للإفساد في الأرض، بعد إخفائهم للوحي التوراتي وكتمان ما فيه من الهدى عن البشر، بل بث نقيضه لتضليلهم.

ونظرا لضيق المساحة واضطرارنا للإيجاز، فإنا ننصح من أراد التوثق أن يعود إلى كتابَي الباحث المعاصر بهاء الأمير: كتاب “الوحي ونقيضه” الذي يثبت من القرآن الكريم حقيقة وجود المخطط الإسرائيلي، وكتاب “شفرة سورة الإسراء” الذي يستنبط من سورة الإسراء -أو سورة بني إسرائيل- الدليل على أن بني إسرائيل أفسدوا في الأرض مرتين، وأن الثانية منهما هي التي نعيشها اليوم بعلوّهم في الأرض كلها “علوا كبيرا”.

بعد سقوط مخططات “المتنورين” في يد السلطات البافارية، نُشرت عدة كتب مهمة لشرح تفاصيل المؤامرة العالمية، ومنها كتاب اليسوعي الفرنسي أوغستين بيرويل “مذكرات في تنوير تاريخ اليعقوبيون” (1797م)، وكتاب أستاذ الفلسفة في جامعة إدنبره والعالم الرياضي والفيزيائي الاسكتلندي جون روبيسون “الأدلة على وجود المؤامرة” (1798م).
ومن الملفت أن روبيسون كان من الماسون الناشطين، حيث زار العديد من المحافل الماسونية في أنحاء أوروبا وفوجئ بوجود مخطط خفي للانقلاب على الحكومات وتدمير الأديان وإشغال الشعوب بحروب طاحنة، ثم تأكدت المؤامرة لديه بظهور وثائق المتنورين على يد حكومة بافاريا، فنشر ما لديه من مشاهدات وأدلة في كتابه، غير آبه بالتهديد والوعيد.

ينشر المجلس الأعلى الماسوني في واشنطن مجلة ماسونية تحت اسم “الطقس الاسكتلندي”، وهي متاحة على الإنترنت مجانا، وسيجد المتصفح فيها صورة مشرقة للماسونية بصفتها جمعية خيرية تقدم نشاطات اجتماعية وإنسانية، مع إرث تاريخي مفعم بالرموز المشوقة لكبار المفكرين والساسة، وطبعا دون أي بعد شيطاني.
للاطلاع اضغط هنا.


أهم المراجع
جرجي زيدان، تاريخ الماسونية العام، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2012.

أكرم أنطاكي، دراسة “أبناء الأرملة”، موقع معابر، بدون تاريخ.

جون روبنسون، النشأة الدموية.. الأسرار المفقودة للماسونية، صفحات للدراسات والنشر، 2012.

أندريه برات، المنظمة الماسونية والحق الإنساني، ترجمة جورجيت الحداد، دار الكتاب الجديد، بيروت، 2008.

محمد علي الزعبي، الماسونية في العراء، معتوق إخوان، 1972.

تبديد الظلام أو أصل الماسونية، عوض الخوري، بدون ناشر، 2002.

عبد المجيد همّو، الماسونية والمنظمات السرية: ماذا فعلت ومن خدمت؟، دار صفحات، دمشق، الطبعة الخامسة، 2009.

محمد عبد الله عنان، تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في المشرق، مؤسسة مختار للنشر والتوزيع.

إبراهيم خليل العلاف، دراسة “الماسونية في تركيا ودورها في الحياة الاجتماعية والسياسية المعاصرة”، مجلة دراسات اجتماعية، بغداد، العددان 3 و4، 1999- 2000.

بهاء الأمير، الوحي ونقيضه.. بروتوكولات حكماء صهيون في القرآن، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2006.

أحمد فؤاد عباس، الماسونية تحت المجهر، جدة، 1988.

محمد بن ناصر أبو حبيب، أثر القوة الخفية الماسونية على المسلمين، بدون ناشر، 1989.

حسين عمر حمادة، شهادات ماسونية، دار قتيبة، دمشق، 1980.

محمد صفوت السقا أمينى وسعدي أبو حبيب، الماسونية، رابطة العالم الإسلامي، 1982.

Christopher Knight & Robert Lomas, The Hiram Key – Pharaohs, Freemasons And The Discovery Of The Secret Scrolls Of Jesus, Barnes & Noble, 1998.

Manly P. Hall, The Secret Teachings of All Ages, H. S. Crocker Company Inc., San Francisco, 1928.

Albert Pike, Morals and Dogma of the Ancient and Accepted Scottish Rite of Freemasonry, 1966.

Michael R. Poll, The Freemasons Key – A Study of Masonic Symbolism, Cornerstone Book Publishers, 2008.

Ethan Harrison, Illuminati Hunter: Adam Weishaupt and the Eye of Horus, 2014.

http://www.lakeharrietlodge.org

http://www.overlordsofchaos.com

القبَّالاه (الكابالا)

أحمد دعدوش


يدل مصطلح القبّالاه على مذهب يهودي باطني (غنوصي) في تفسير الكتاب المقدس يقوم على افتراض أن لكل كلمة ولكل حرف معنى خفيا، ويتضمن نظريات مستوردة من فلسفات أخرى لتفسير وفهم الخلق وطبيعة البشر وحقيقة الروح والقدر، ويحاول أتباعه اليوم نشره عالميا بمعزل عن الدين اليهودي بحيث يُقدم كفلسفة روحانية يمكن اعتناقها دون أن يغير المرء دينه.

يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعة اليهودية إن القبالاه هي مجموعة التفسيرات والتأويلات الباطنية والصوفية عند اليهود، فاسمها مشتق من كلمة عبرية تفيد معنى التواتر أو القبول أو التقبل أو ما تلقاه المرء عن السلف، أي «التقاليد والتراث», وكان يُقصد بها أصلاً تراث اليهودية الشفوي المتناقل فيما يعرف باسم «الشريعة الشفوية»، ثم أصبحت الكلمة تعني منذ أواخر القرن الثاني عشر «أشكال التصوف والعلم الحاخامي المتطورة»، وقد أطلق العارفون بأسرار القبَّالاه على أنفسهم لقب “العارفين بالفيض الرباني”، ويمكن القول إن هذا المذهب يمثل الجانب الصوفي الباطني لليهودية. [موسوعة اليهودية، 14/ 17].

ويجدر بالذكر أن هناك أنواع من الباطنية (التصوف العرفاني) تحرص على البقاء في نطاق توحيد الله وتنزيهه عن الاندماج بالمخلوقات، فالإله بهذا المعنى يتجاوز الإنسان والكون والتاريخ، ويحاول المتصوف من خلال مجاهدة شهواته وعشقه للإله أن يتقرب منه. لكن هناك نوعا آخر للتصوف ينتهي به الحال إلى “وحدة الوجود” و”الحلولية”، حيث يؤمن بالواحدية الكونية وبأن الإله يحل في الطبيعة والإنسان والتاريخ ويتوحد معها، وبدلا من المجاهدة والزهد يهتم المتصوف هنا بالفلسفة الباطنية التي يحاول فيها تفسير اندماجه بالإله وتألّهه، فهذا التصوف أقرب للعلمنة من الدين لأنه يسعى لتعظيم الإنسان وتأليهه بدلا من تكريس عبوديته لله.

ونجد أثر هذا المذهب الحلولي الغنوصي في بعض أشكال التصوف الفلسفي داخل أديان عدة بما فيها الإسلام، لكنه في القبالاه يبلغ أقصى درجات التطرف حتى يصبح ضربا من محاولات التدخل في الإرادة الإلهية، أملا في أن يتمكن اليهودي المتصوف من التحكم في الكون من خلال الاندماج بالإله وفهم آلية عمل الكون وسر الخليقة. [الغنوصية في الإسلام، ص7-11].

“ليس هناك تقشف في الكابالا (القبالاه)، فيجب أن يعيش حياته”.
كتاب علم الكابالا للمبتدئين، ص 26.

إسبينوزا

يبدو أن هذا الفكر الغنوصي المتطرف هو الذي مهّد لحركات الإلحاد في عصر النهضة المستمرة حتى اليوم، والتي زعمت أن اكتشاف قوانين نيوتن وغيرها من السنن الكونية الفيزيائية يبرر تأليه الإنسان وعدم احتياجه للإله. وهذا ما يؤكده الفليسوف اليهودي باروخ إسبينوزا الذي تأثر بالصوفية الحلولية واعتبر أن حلول الإله في المادة يسمح للطبيعة بأن تصبح هي الإله، وأن الصوفي صاحب العرفان يصبح قادراً على التحكم في الإله والطبيعة والكون.

ويمكننا هنا أن نرى ملامح “سوبرمان” الذي اخترعه الفيلسوف الألماني نيتشه، فهو الذي أطلق فكرة “موت الإله” وقدرة الإنسان على التحكم بالعالم، وهو أيضا الذي مهّد للأفكار النازية المتطرفة التي لا تؤمن إلا بإرادة القوة وتتجاوز أخلاق الضعفاء، كما يمكننا أن نلمس آثار القبالاه في نظرية عالم النفس النمساوي اليهودي سيغموند فرويد، فقد وضع تعريفاته لما يسمى بالأنا “إيغو” وفقا لمفاهيم القبالاه للنفس البشرية.

في كتابه “مفاتيح هذا الدم” The Keys of This Blood يكشف القس الكاثوليكي والبروفسور في جامعة الفاتيكان ملاخي مارتن الأثر الذي تركته الغنوصية القبّالية في العقل الأوروبي على يد حركة النهضة الإيطالية، حيث تعاونت مع الماسونية العالمية على نشر الفلسفة الإنسانوية “الهيومانية” المادية التي تستغني في جوهرها عن الإله.

في كتابه “القبالاه وما بعد الحداثة” يؤكد المؤلف “سانفورد إل درور” تأثر الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا بالقبالاه في وضع أفكاره للفلسفة التفكيكية، ومن المعروف أن فلسفات ما بعد الحداثة انتهت إلى العدمية والسفسطة، فهي تنتقد الإيمان بالمطلقات وتميل إلى التشكيك والنقد.

يقول باحثون متخصصون في الغوص بأسرار القبالاه إن هناك جزءا خفيا وراء ما يعلنه “حكماؤها” من الاندماج بالإله، فالحقيقة هي أن فكرة الاتحاد بالإله تطورت إلى الاتحاد بالشيطان نفسه عبر السحر، وذلك بعد أن تداخلت العقيدة اليهودية الحلولية بالأفكار الثنوية (ثنائية الإله)، فنتجت فكرة تأليه إبليس كإله أرضي مقابل للإله السماوي، ومن ثم فإن إبليس وشياطينه يقدمون لهم عبر طقوس السحر -من باب التضليل- من الخدمات والقدرات الخارقة ما يكفي للاعتقاد بألوهيته، لكن هذه الأسرار لا تُكشف إلا لمن يرتقي إلى أعلى الدرجات كما هو حال الجمعيات السرية التي تستمد بناءها الفكري من القبالاه، في حين يعلن بعض أتباعهم أن السحر ليس إلا علما خاصا أنزله الخالق إلى البشر عن طريق الأنبياء ليبلغوه إلى الحكماء. [مفهوم الخلاص في الديانة اليهودية، 94].

دافنشي

القبالاه والعلم
يجاهر معلمو القبالاه في العصر الحديث بأن كتبهم القديمة تضمنت الكثير من أسرار الكون التي لم يُكشف عنها إلا في هذا العصر، وأن علماء الغرب تعلموا القبالاه قبل أن يكتشفوا قوانين الطبيعة، فهم يؤكدون أن اكتشافات فيثاغورس الرياضية وفلسفة أفلاطون وأرسطو استندت إلى أسرار القبالاه. [موقع حكمة الكابالا].

ومع بدء النهضة في القرن الخامس عشر كان الإيطالي ليوناردو دافنشي منكباً على دراسة القبالاه، وما زال مؤرخون غربيون يتساءلون عن مصدر عبقريته المفاجئة التي أنتجت مخترعات غير مسبوقة ورسوما تشريحية لتفاصيل جسم الإنسان والأجنة في الأرحام، حيث تقول بعض المصادر إن أفكاره الإبداعية السابقة لزمانها لم تظهر إلا بعد أن اعتزل الناس سنتين في أحد الكهوف وفقا لما ورد في بعض أوراقه، ما دفع البعض لافتراض اتصاله بكائنات فضائية لديها حضارة متقدمة، بينما لا نستبعد -إن صحت الرواية- أن يكون قد اتصل بعالم الشياطين عبر بوابة القبالاه السحرية. لكن آخرين يرون أن ما ذكره دافنشي عن دخوله الكهف لم يكن سوى استعارة مجازية. [موقع الماركسي].

خريطة مطابقة للواقع رسمها دافنشي لمدينة إيمولا الإيطالية وكأنه ينظر إليها من السماء

نيوتن

وفي كتابه “دين إسحاق نيوتن” يقول المؤلف فرانك مانويل إن عالِم الرياضيات والفيزياء الشهير نيوتن (القرن السابع عشر) كان يؤمن بأن النبي موسى لم يتلق التوراة فقط بل أوحيت إليه أيضا قوانين التحكم بالطبيعة، لذا انشغل نيوتن بحل ألغاز القبالاه واكتشاف العلاقة بين بناء “خيمة الاجتماع” التي كان يحملها بنو إسرائيل أثناء التيه وبين بنية الكون. [The Religion of Isaac Newton, 364].

كما كتب رائد الرياضيات الحديثة الألماني غوتفريد لايبنتز (القرن الثامن عشر) أن المدينة الفاضلة “يوتيوبيا” يجب أن تبنى على أساس مفاهيم القبالاه التي تُشتق منها كل العلوم. [انظر كتاب: Leibniz And The Kabbalah].

أما ماكس ديمونت فيقول في كتابه “اليهود، الله والتاريخ” إن أبرز علماء القرن السابع عشر في أوروبا كانوا قد تتلمذوا على يد معلمي القبالاه، وإنهم لم يجدوا مشكلة في الخلط بين ألغاز القبالاه والخيمياء والعلوم التجريبية كما كان يفعل جميع أتباع الجمعيات السرية، مؤكدا أن القبالاه هي التي قادت إلى النهضة العلمية في ذلك العصر. لذا لا نستبعد أن تلك النهضة العلمية التي تسارعت بطريقة غير مسبوقة في تاريخ البشرية لم تكن نتيجة تراكم علمي تجريبي بحت، بل انطلق العلماء أساسا في تجاربهم مما اكتسبوه من عوالم القبالاه وما يسمى بالحكمة القديمة. [Jews, God and History, 292].

في هذا المقطع القصير، يتحدث عدة علماء معاصرين عن أسبقية القبالاه في الكشف قبل آلاف السنين عن نظريات علمية حديثة، مثل تكوين الذرة وتشريح الإنسان ونشأة الكون عبر الانفجار العظيم.

تاريخ القبالاه
يزعم القباليون أن فلسفتهم قديمة قدم البشرية، وأنها بدأت مع آدم عليه السلام نفسه، ثم نقلت عنه إلى نوح عليه السلام، ثم إلى النبي إبراهيم عليه السلام الذي يقولون إنه تأمل في عظمة ومعجزة الوجود الإنساني وبنية الكون وعمل قوانين الطبيعة فظهر له العالم الأعلى من خلال الوحي والإلهام، فقام بنقل جزء من أسرار هذه المعرفة إلى أتباعه الذين نقلوها بدورهم شفهيا عبر الأجيال، كما كان كل معلم يضيف براهين تجربته الشخصية. [موقع حكمة الكابالا].

ويؤمن المسلمون واليهود بأن النبي موسى تلقى التوراة عن ربه في جبل الطور بسيناء، لكن القباليين زعموا أنه ذهب إلى الجبل ثلاث مرات، مدة كل منها 40 يوما، حيث تلقى في الأولى نصوص الشريعة الظاهرية التي تم تدوينها في التوراة ويتم تعليمها للعوام من بني إسرائيل، وفي الثانية تلقى روح الشريعة التي يتعلمها الأحبار (الحاخامات)، أما الثالثة فتلقى فيها روح روح الشريعة، أي الأسرار الخاصة بعلماء القبالاه، ويزعمون أن موسى أخفاها في النصوص ولا يتم فهمها إلا باستخدام شفرات معينة وعبر التأمل الخاص.

شمعون بن يوحاي

خلال تعرض اليهود للسبي البابلي، نُسبت إلى حزقيال رواية وردت في سفر يحمل اسمه، حيث تقول إنه رأى رؤيا عن صعوده إلى السماء تمكن فيها من رؤية الإله على عرشه، فاستفاد القباليون من هذه القصة لابتكار عقيدة رؤية الإله والاتحاد فيه، وفي عام ٥۸٦ قبل الميلاد بدأوا بتدريس القبالاه ضمن مجموعات صغيرة من التلاميذ.

وعندما سيطر الرومان على أرض فلسطين واضطهدوا بني إسرائيل عادت القبالاه إلى السرية. ويقولون إن الحاخام شمعون بن يوحاي والملقب “بالراشبي” بدأ مرحلة جديدة عام 150 بعد الميلاد، حيث اختفى في كهف لمدة 13 سنة بعد أن تعرض أستاذه عاكيفا وزملاؤه للقتل من قبل الرومان، ثم خرج الراشبي ومعه كتاب الزوهار زاعما أن النبي إيليا (إلياس) عليه السلام ظهر له خلال اعتكافه وأملاه عليه كلمة كلمة، كما زعم أنه طبّق ما أملاه عليه بنفسه وترقى إلى أعلى درجات العالم الروحي متخطيا كافة درجات السلّم البالغ عددها 125 التي وضعها الإله، والتي بإمكان الإنسان إحرازها في هذا العالم.

مخطوط يُعتقد أنه يصور إسحاق الأعمى

ويقولون إن الزوهار ظل مخفيا ولا يُتداول إلا بالسر حتى نشر القبالي موسى بن ليون أول نسخة منه في القرن الثالث عشر في إسبانيا، بينما يرى بعض المؤرخين أن بن ليون هو الذي ألف الزوهار ونسبه إلى القرن الثاني بعد الميلاد مدعيا أن الراشبي تلقاه عن النبي إيليا. [موقع حكمة الكابالا].

وقبل ظهور الزوهار بقليل، كان القباليون يعتمدون كتاب “الباهير” (الإشراق) الذي لا يُعرف على وجه الدقة مؤلفه، لكن بعض المصادر تقول إن الحاخام إسحاق الأعمى جمعه من مخطوطات قديمة وطرحه في فرنسا حوالي عام 1200م، وهو يصنف ضمن كتب السحر.

الزوهار
يقسم كتاب الزوهار مراحل تطور الإنسانية على مدار ستة آلاف سنة، حيث تتطور خلالها النفس البشرية بمراحل من النمو في كل جيل، وصولا إلى “نهاية مراحل التصحيح” وهي المرحلة الأعلى في الكمال والروحية.

ونجد أثر هذه الفكرة اليوم لدى مفكرين يعتنقون أيديولوجيات مختلفة، فالمفكر الفرنسي “أوغست كونت” استخدمها في القرن التاسع عشر لتبرير التخلي عن الدين على اعتبار أن البشرية تنمو تاريخيا كما ينمو الفرد من مرحلة الطفولة إلى النضج، وهكذا ينتقل البشر من المرحلة اللاهوتية إلى الميتافيزيقية وصولا إلى الوضعية التي تنفي وجود أي علة إلهية للظواهر الطبيعية. كما استخدم بعض الإسلاميين (مثل مصطفى العقاد وجودت سعيد) هذه الفكرة لوضع فرضية مفادها أن الإنسان كان يحتاج إلى الوحي في مراحل سابقة بينما أصبح اليوم (بعد انتهاء فترة النبوات) مكتفيا بالعقل.

والملفت أننا نجد في أدبيات الحركات السرية الفكرة نفسها، والتي تقول إن الإنسان في هذا العصر يزداد نضجا بما يمهد لخروج المسيح المنتظر (الدجال الذي قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم إن كل الأنبياء حذروا منه) لتحقيق الاستنارة المرتقبة للإنسان، بينما يزعم أتباع الديانة الإبليسية أن إبليس يوحي لهم بأن وقت ظهوره اقترب بعد انتظار آلاف السنين ريثما يكتمل نضج الإنسان.

قبر إسحاق لوريا في صفد

وبحسب مراجعهم، بدأ إسحاق لوريا، ولقبه “الآري”، مرحلة أخرى في القرن السادس عشر عندما وضع أسسا جديدة للقبالاه التي أصبحت تدعى بالقبالاه اللوريانية (نسبة إليه) حيث جعل منها مدخلا لعلم اللاهوت والفلسفة وعلم النفس، وبذلك اكتمل البناء الفكري للقبالاه لتصبح نسقا أيديولوجيا يمكن من خلاله التأثير على علوم إنسانية شتى، فكان له دور كبير في تطوير أفكار الحركات السرية الشيطانية، وعلى رأسها الماسونية في القرن الثامن عشر وجمعية الثيوصوفيا في القرن التاسع عشر. [موقع حكمة الكابالا].

ومن مؤلفاته “شجرة الحياة” و”مداخل النوايا” و”مراحل دورة النفس”، وهي كتب تركت أثرا في فلسفة هيغل ونظريات فرويد. وقد فتح لوريا المجال جزئيا أمام العامة من الناس لدراسة القبالاه، ومن الطريف أنه طلب عند موته عدم نشر مؤلفاته للعامة قبل حلول الوقت المناسب لنشرها.

تقول مصادر القبالاه إن الرواد تعمدوا السرية لأنهم علموا أن أجيالهم لم تكن على قدر كاف من الوعي، بل إن بعضهم أحرقوا ما بين أيديهم من مدونات كي لا يتضرر بها العالم المادي لعدم قدرته على تحمل آثارها، ولكن مع حلول منتصف القرن الثامن عشر أصبحت دراسة الزوهار شائعة جدا بين العامة وخاصة في بولندا وروسيا والمغرب والعراق واليمن. [موقع حكمة الكابالا].

وفي عام ۱٩٤٣ بدأ المحامي اليهودي يهودا أشلاغ بتأليف كتاب “الشرح السُلّمي  لكتاب الزوهار ولتعاليم الآري”، وذلك بعد هجرته من بولندا إلى فلسطين وتفرغه للتأمل في تراث القبالاه، وصار لقبه “صاحب السُلّم” لأنه فصّل طريقة ترقي درجات السلّم المئة والخمسة والعشرين، ثم جاء من بعده ابنه باروخ شالوم أشلاغ، ولقبه “راباش”، ليضع سلسلة مقالات وشروح جديدة، حيث أصبحت مع كتاب أبيه المصدر الرئيس اليوم لفهم الزوهار، لا سيما وأنها تحاول التوفيق بين القبالاه ومكتشفات العصر الحديث.

فلسفة الخلق والاتحاد
استلهم القباليون كما أسلفنا من سفر حزقيال ممارساتهم الباطنية التي يهدفون من خلالها إلى رؤية الإله والاتحاد فيه، ثم تطور الأمر على يد شمعون بن يوحاي الذي وصف في “الزوهار” طريقة الترقي في السماء واختراق البوابات التي تحرسها الملائكة، وذلك بتعلم أسرار الحروف والأعداد، وصولا إلى العرش.

وخلال تلك الفترة ظهر كتاب اسمه “سفر يتزيراه” (كتاب الخلق) لمتصوف يهودي مجهول، شرح فيه نظريته عن خلق الله للكون عبر تشكيل 20 حرفاً من الأبجدية العبرية، حيث زعم أن الله ينطق بالعبرية ويشكل منها الموجودات عبر دمج الحروف.

لذا اهتم القباليون بما يسمى حساب الجمّل (جماتريا) والاختصارات (نوطيرقون)، وأصبحوا يستنتجون منهما معاني الكلمات وأسرارها ويتنبؤون بمستقبل الأحداث.

يعتبر فلاسفة القبالاه أن التوراة هي مخطَّط الإله للخلق كله، ولكن فهمها لا يتم إلا عبر التفسير الباطني، فكل كلمة فيها تمثل رمزاً، ولكل علامة أو نقطة سراً داخلياً، وبما أن الأبجدية العبرية مقدسة فهي ليست مجرد حروف، بل تنطوي على قوى خفية، وبالذات الأحرف الأربعة التي تكوِّن اسم يهوه (الإله). [مفهوم الخلاص في الديانة اليهودية، ص93]

وبينما حاول حاخامات اليهود تفسير ما ورد في التوراة من خلع صفات بشرية على الإله وتجسيمه بأنها من قبيل المجاز، فإن القبَاليين أخذوها بمعنى حرفي، وبما أن التوراة تقول إن الإله خلق الإنسان على صورته، فقد آمنوا بوجود مخلوق أول هو “آدم قدمون” وأنه كان إنسانا كاملا، حيث كان جسمه يعكس التجليات النورانية العشرة (سفيروت).

وتتدرج هذه التجليات على هيئة فروع “شجرة الحياة” التي يتخيلون جذورها مغروسة في السماء بينما تلامس فروعها الأرض، فالحكيم القبالي يتسلق تلك الشجرة المقلوبة بدءا من عالمه الدنيوي حتى يصل إلى الإله في السماء.

حساب الجمّل:
يستخدم هذا النظام عبر منح كل حرف رقما يدل عليه، ومن خلاله يتم احتساب المعادل الرقمي للكلمة أو الجملة، ويُستنتج بذلك تفسير النص أو يُتنبأ منه بحدث مستقبلي يتعلق به عبر احتساب تاريخ حدوثه، فمثلا فسروا العبارة التي وردت في سفر التكوين «318 عضواً في بيت إبراهيم» بأنها تعني «خادم إبراهيم»، كما استخرجوا عدة مرات تواريخ ظهور الماشيح (المسيح المخلّص). وقد امتد أثر هذه الخرافة إلى المسلمين في عصور سابقة، ونجدها واضحة في كتاب “القانون” لأبي الريحان البيروني الذي عاش بين القرنين الرابع والخامس الهجري، ومازال البعض يستخدم هذا النظام للتنبؤ بزوال إسرائيل.

الاختصارات:
استخدم القباليون هذا النظام أيضا للتلاعب بالنصوص وتفسيرها كما يحلو لهم، فمثلا فسروا كلمة المسيح (يشو) بأنها كلمة مركبة من الحروف الأولى لعبارة “ليفنى اسمه ولتفنَ ذكراه”. وبات بإمكان أي مفسر يزعم معرفته بهذا الفن أن يستخرج معان غامضة من أي كلمة أو نص، وانتقلت هذه الخرافة أيضا إلى المسلمين وأديان أخرى، ونحن نجد أثر الاختصارات في العصر الحديث حيث شاع اختصار أسماء المؤسسات والمنظمات إلى كلمة واحدة مكونة من الحروف الأولى.

السفيروت
السفيروت هي تجليات الإشعاعات الصادرة من النور الإلهي التي يزعم القبّاليون أنه تم بها خلق العالم، وأنها أداة الإله في خلق العالم وحُكمه، وتأتي في عشر درجات تُرسم على هيئة بلورات، كما يُطلق عليها اسم شجرة الحياة، وكل منها تقابل عضوا من أعضاء الجسم البشري وجرما من أجرام السماء:

1- كيتير عليون، أي التاج الأعلى للإله، وهي الإرادة المقدَّسة والعقل الفعّال، وهي أول مرحلة تخرج من الإله الخفي الذي يكون متوحدا مع العدم، فيخرج من هذا التجلي زوجان بلا جنس محدد. وهي تقابل رأس الإنسان والنور الأساسي.

2- حوخمة، أي الحكمة، وهي أول التجلِيات الصادرة عن الإله المتخفي، وتمثل العلة (الذكرية) الأولى. ويقابلها النصف الأيمن من المخ والأبراج الاثني عشر (زودياك).

3ـ بيناه، أي الفهم أو الذكاء، وهي العلة الأنثوية الأولى، حيث يدخل مع التجلي السابق في علاقة جنسية لإنجاب التجليين السادس والعاشر. ويقابلها النصف الأيسر من المخ وكوكب زحل.

4ـ حيسيد، أي الرحمة. يقابلها الذراع الأيمن وكوكب المشتري.

5- جبوراه، أي الشدة، وهي مصدر الحكم الإلهي والشريعة. يقابلها الذراع الأيسر وكوكب المريخ.

6- تِفئيرت، أي الجمال، ويشار إليها بالشمس والابن والملك المقدس، وهي مصدر عقيدة الخلاص المسيحية. يقابلها القلب والشمس.

7- نيتساح، أي التحمل والنصر. يقابلها الساق اليمنى وكوكب الزهرة.

8- هود، أي جلال ومجد الإله. يقابلها الساق اليسرى وكوكب عطارد.

9- ياسود عولام، أي أساس العالم، وهي أساس كل القوى النشيطة في الإله. يقابلها عضو التناسل والقمر.

10- ملخوت، أي الملكوت، وهي تمثل بني إسرائيل. يقابلها الأقدام والعناصر الأربعة.

وبحسب فلسفة القبالاه، كان الإنسان والكون قبل الخلق داخل الذات الإلهية، ثم انبثق آدم القديم عن هذه الذات على صورة الإله، ثم انبثق عنه الكون بنجومه وكواكبه.

لذا يرسمون آدم القديم على شجرة التجليات الإلهية (شجرة الحياة) بحيث يناظر كل عضو فيه صفة أو تجلياً من تجليات الذات، ويقع داخل البلورة النورانية التي انبثق منها، كما يناظر جزءا من الكون.

وبهذه الفلسفة يتم تقديس الإنسان والموجودات لارتباطهما بالإله، حيث يُزرع في عقول الأتباع أن هناك قنوات تصل الإنسان بالإله ويمكن تنشيطها عبر تنشيط الطاقة الروحية التي يتم جلبها من الأجرام السماوية، ما يسمح للإنسان بالترقي الروحي والتحرر من الجسد عبر حالة من التأمل تدعى “كافاناه”، ليتحد في النهاية بالإله، أو يحلّ الإله فيه، وهذه الحالة تدعى “دفيقوت” وهي تشبه حالة النيرفانا في الديانات الشرقية.

وتقول القبالاه إن آدم القديم كان خنثى مثل الإله (تتساوى فيه صفات الذكورة والأنوثة)، وكذلك الكون، وعليه فإن الاتزان يتطلب عودة الإنسان إلى صورته الكاملة وحالته الروحانية المتسامية، وذلك بالمساواة الكاملة بين الذكورة والأنوثة في الموقع، والاشترك التام في الفعل، وهذا ما نراه واضحا في الحركات الداعية إلى المساواة بين الجنسين اليوم.

وتبدو القبالاه أكثر تطرفا من اليهودية المحرفة في تقريب الإنسان من الإله والتعاطف مع إبليس، فقد أوضحنا في مقال “اليهودية” أن محرفي التوراة وضعوا قصة مختلفة تمام في سفر التكوين عن قصة الخلق التي نجدها في القرآن، فجعلوا من الشجرة المحرمة في الجنة شجرة للمعرفة، وزعموا أن الإله نهى آدم عن الأكل منها كي لا يكتشف الحقيقة ويصبح خالدا مثله فخدعه وأوهمه بأنه إن أكلها سيموت، وفي المقابل سعى الشيطان لمساعدة آدم بالتجسد على هيئة حية للتسلل خلسة إلى الجنة وإطلاع آدم على سر الشجرة، ما يعني أن الإله هو المضلل وإبليس هو المنقذ.

كما يزعم واضعو سفر التكوين أن الإله ترك آدم ليضع بنفسه أسماء الموجودات، وهذا على عكس الرواية التي يوثقها القرآن لهذه الحادثة، حيث علّم الله آدم الأسماء كلها وترك آدم ليتحدى الملائكة بما لديه من المعرفة بعد أن تلقاها من خالقه، فاليهودية المحرفة تزعم أن الإله ترك الإنسان ليصوغ معرفته ورؤيته للعالم بنفسه دون تدخل إلهي

وإذا كانت اليهودية قد أنزلت من قيمة الإله ورفعت مقام الإنسان إلى هذه الدرجة، فإن القبالاه ذهبت إلى ما هو أبعد وقلبت المعادلة كلها، فانصرفت إلى عبادة الشيطان نفسه وجعلت من الإله عدوا لها، فنرى أن طقوسهم وعبادتهم وفلسفتهم قائمة على فكرة منازعة الإله في قدراته وعلمه عبر اكتساب قدرات الشياطين والتقرب إليهم، وكأن بني آدم في علاقة منافسة مع الإله لمحاولة الوصول إلى منزلته بعد أن حرمهم منها.

ويزعم القباليون أن هناك حاسة سادسة كامنة لدى الإنسان، وأنهم قادرون على تفعيلها ليكتسب بها المرء القدرة على فهم “العالم الأعلى” ويدير بذلك حياته بنفسه، ويقولون إن تعاليمهم هي الوسيلة الوحيدة لبناء الوعاء الروحي الذي يمكن للإنسان أن يستخدمه لتلقي نور الخالق في نفسه، وبدون هذا الوعاء فإن الإنسان العادي لا يدرك من الواقع سوى 10% فقط، بينما تبقى 90% من الحقيقة غافلة عنه.

وبحسب مراجع القبالاه المتاحة لعامة الناس، فإن التتلمذ على أيديهم بنيّة إحراز التقدم الروحي يتيح للمرء الاستنارة وتصحيح ذاته، أما إذا أراد أن يصبح حكيما فلا تكفيه المعرفة بل عليه أن يتسلح بالرغبة الملحّة لتلقي “الحكمة”، ما يدل على دور الاستعداد النفسي لدى هذا النوع من التصوف الباطني.

ويجزمون أيضا بأن هذه “الحكمة” ليست ضربا من الفلسفة التأملية، فهي ليست من نتاج عقول البشر الذي يقبل الصواب والخطأ، بل هي علم حقيقي واقعي مُنزل من الخالق إلى الصفوة من خلقه [كتاب علم الكابالا للمبتدئين، ص 39]، ومن يتعمق في القبالاه سيجد أنهم يعتبرونها منحة من إبليس نفسه لمنافسة الخالق.

كما يزعمون أن علماء القبالاه لا يدركون العالَم الأعلى عن طريق خيالهم، كما يحدث للصوفيين في الأديان الأخرى، بل يدركونه على النحو نفسه في استخدام حواسهم الخمسة لإدراك هذا العالم المادي. [المرجع السابق، ص 33].

القبالاه والسحر
لا يُعرف على وجه التحديد متى ظهر السحر في تاريخ الإنسان للمرة الأولى، فهناك من ينسب بداياته إلى عصر نوح عليه السلام، لكن المؤكد أنه كان شائعا لدى شعوب كثيرة في عصور مغرقة في القدم، وأن السحر تداخل مع الأديان الوثنية حتى اختلط على العوام التمييز بين الاستعانة بالشياطين والتوسل إلى الآلهة أو الملائكة، ومازال كثير من الناس يخلطون اليوم بين هذا وذاك، إذ يستغل السحرة هذا الجهل للظهور بمظهر رجال الدين، فهم غالبا يستخدمون النصوص الدينية في التعويذات والطلاسم كغطاء لأعمالهم القذرة.

وكما هو حال جميع الكتب السماوية، فإن التوراة تحرّم السحر بوضوح، فحتى ما بقي منها بعد التحريف مازال ينص على ذلك، حيث نقرأ في سفر التثنية نصا موجها إلى النبي موسى عليه السلام يقول “متى دخلت الأرض التي يعطيك الرب إلهك، لا تتعلم أن تفعل مثل رجس أولئك الأمم، ولا يكن بينكم من يجيز ابنه أو ابنته في النار ولا من يعرف عرافة ولا عانف ولا متفائل ولا ساحر، ولا من يرقى رقية ولا من يسأل جانا أو تابعه، ولا من يستشير الموتى لأن كل من يفعل ذلك مكروه عند الرب”. أما عقوبة الساحر فكانت الرجم كما جاء في سفر اللاويين عند قوله “أي رجل أو امرأة يمارس الوساطة مع الجانّ أو مناجاة الأرواح، ارجموه ويكون دمه على رأسه” [اللاويين: 20/ 27].

وبالرغم من وضوح هذا التحريم فقد اشتهر اليهود بالسحر بعد السبي البابلي الذي حصلت خلاله الكثير من التحريفات للدين، ويقال إن اليهود الذين وجدوا أنفسهم أسرى في بابل بعد أن كانوا من أغنى الناس وأقواهم بدأوا بالاحتيال على أهل بابل، فاشتغلوا بالسحر والتنجيم، وراجت عنهم منذ ذلك الحين قصص تتهم النبي سليمان عليه السلام –الذي كان أعظم ملوكهم قبل السبي- بأنه كان ساحرا يستخدم الجن في أعمال الشر، حيث كان يملك بالفعل سلطة تسخير الجن في البناء والنحت دون السحر، لكنهم نسبوا إليه كتمان أسرار السحر في كتاب خاص، وأنهم وحدهم من يعرف هذه الأسرار.

ولا يُذكر الشيطان في الأسفار القديمة للتوراة التي بين أيدينا الآن إلا قليلا، فالخير والشر وجهان متكاملان للرب يهوه الذي عبده اليهود وحلّ فيهم -حسب معتقدهم- وكأن الذين كتبوا التوراة لم يريدوا منح الشيطان أهمية كبيرة، لأن قصة الإنسان لا تدور حول صراعه مع الشياطين بل حول صراع بني إسرائيل مع بقية البشر.

رسم تخيلي لعزازيل يعود للقرن التاسع عشر

وفي الأسفار التوراتية (المنحولة) والتلمودية التي ظلت تُكتب حتى نهاية القرن الثاني الميلادي وبتأثير كبير من الفلسفات الشرقية [انظر مقال اليهودية]، برز دور الشيطان بقوة، فاعتبروا إبليس “ملاكا ساقطا” اسمه عزازيل، حيث عصى ربه فأُبعده عن مملكة السماء مع مئتي ملاك تمكّن من إغوائهم، فتحول إلى شيطان يعارض إرادة الرب، ثم اشتهت بعض الملائكة الساقطة معه عددا من نساء البشر فتزوجوهن، وولدن لهن سلالة مميزة من العمالقة الذين عاثوا في الأرض فسادا، وهنا أرسل الرب نبيه أخنوخ (وهو إدريس عليه السلام) مع مجموعة من الملائكة السماوية لعقابهم، ويقول لهم الرب إن أرواحهم الشريرة ستظل حبيسة الأرض بعد موت أجسادهم، بينما تمت ترقية إدريس إلى مستوى الملائكة بعد أن عُرج به إلى السماء عدة مرات والتقى بكل الملائكة على مختلف درجاتهم وأصبح اسمه الملاك مطاطرون.

ومع أن تفاصيل سقوط عزازيل تأتي في عدة روايات، إلا أنها تنتهي إلى أن يصبح كائنا مواجها للإله يهوه، وكأنه ند له. ففي السفر المنحول المسمى باليوبيليات (الخمسينات) تصبح العلاقة بين يهوه وإبليس متفاوتة بين التقييد والإطلاق لمتابعة مهامه، والعجيب أن إبليس هذا كان قادرا على خداع الرب في بعض الحالات.

أما عند القبالاه فأصبح لإبليس (عزازيل) دور أكبر وأخطر، ويقول الدكتور عبد الوهاب المسيري إنه امتداد للأفكار الوثنية الغنوصية التي أخذها القباليون من الأساطير الثنوية (مثل المانوية والمجوسية) التي تؤمن بإلهين متضادين أحدهما للخير والآخر للشر، فأصبح القباليون يقدمون أدعية وصلوات للشيطان لتجنب شره، ويقدمون له القرابين في الأيام السبعة الأولى من عيد المظال باعتباره حاكم الأغيار (غير اليهود)، لكي ينشغل عنهم، ثم يقدمون القرابين لمعبودهم يهوه في اليوم الثامن. [موسوعة اليهود، 14/ 300]

وبينما تنظر الأديان التوحيدية (المسيحية والإسلام) إلى الملائكة على أنها مخلوقات نورانية تقوم بمهام أوكلها إليها الله، فإنها في الأديان الحلولية (اليهودية والقبالاه) تصبح جزءا من الإله ووسطاء له، وهو موكلة بتصريف كل شؤون الكون مثل إنزال المطر وتحريك الكواكب وإنبات العشب، لذا يشار إلى الملائكة في التراث العبري بأنهم أبناء الإله “بنو إلوهيم”. وبما أن اليهودية اعتبرت الشيطان إبليس من الملائكة، فقد تم منحه من البداية منزلة عليا، فالشياطين في عُرفهم ليسوا صنفا آخر من الكائنات التي تدعى بالجن كما هو واضح في الإسلام، بل هم مجرد ملائكة عصوا الأوامر.

وفي اليهودية الأرثوذكسية نجد صلوات موجهة للملائكة، وهو أمر تطور لدى القبالاه الذين منحوا الملائكة منزلة أعلى، واستخدموا أسماءهم في التمائم والتعاويذ، وجعلوا لهم إرادة مستقلة عن إرادة الإله مثل الشيطان عزازيل، على نقيض ما هو معروف في الإسلام الذي ينص على أن الملائكة “لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون” [سورة التحريم: 6]، وهكذا تلاشت الحدود الفاصلة لدى القبالاه بين الشياطين والملائكة، وأصبحت جميعها كائنات مستقلة ذات قدرات خارقة في تسيير الكون والتأثير في الإنسان.

ويقول مؤلف كتاب الزوهار إن الملائكة تمتلك طبيعتين، خيرة وشريرة، حيث حاول الأشرار منهم منع أخنوخ (إدريس) من الوصول إلى أعالي السماء أثناء عروجه لكن الملائكة الخيّرة ساعدته. ويضيف أن أخنوخ تمكن من تطهير نفسه من بذرة الشر الموجودة في كل إنسان حتى ترقى إلى درجة الألوهية فمنحه الرب درجة رئيس الملائكة وسماه مطاطرون.

ويزعم الحاخام أفراهام (في موقع بيت مدراش الإلكتروني) أن أخنوخ ترك تعاليمه في كتب سرية وأوصى بعدم كشفها إلا لمن يفهمها ولمن لديه معرفة كافية بعلم الفلك (التنجيم) من أبنائه، متوعدا بعقوبة الطرد لمن يخالف ذلك كما طُرد آدم من الجنة.

ويبدو أن هذا التدرج في فهم المفهوم القبالي للملائكة والشياطين انتهى إلى تأليه الشياطين وتقديمها على الملائكة الخيّرة، لما تتمتع به من قدرات خارقة يراها ممارسو السحر بأنفسهم عبر اتصالهم بالشياطين وتعاونهم معهم، وعبر المعارف الكونية التي اقتبسها القباليون من الشياطين الذين يتمتعون بأسبقية على البشر في الوجود الزمني وفي القدرة على الانتقال المكاني.

وحسب بعض التأويلات، أدخل القباليون في سحرهم نصوصا من كتاب المزامير، وهو كتاب أوحى به الله إلى النبي داود عليه السلام الذي كان مؤسس مملكة إسرائيل، فأصبحوا يكتبون بعض المزامير بطرق معينة ويضيفون عليها طلاسم سحرية، ويزعمون أن لها قدرات خاصة.

شنويبلين

لكن المصادر اليهودية القبّالية تنفي أي علاقة لها بالسحر، بل تسخَر من هذه الأقوال وتزعم أنها مجرد اتهامات لتشويهها. وبما أن اليهود والقباليين والحركات السرية قد سيطروا على معظم وسائل الإعلام والمؤسسات العلمية في الغرب بشكل تراكمي منذ بداية حركة النهضة في إيطاليا واندلاع الثورة الفرنسية وحتى اليوم، فإن الفكرة الشائعة اليوم هناك هي أن اليهودية والقبالاه بريئتان من السحر كبراءة الذئب من دم يوسف.

ولا يشذ عن هذه القاعدة في الغرب سوى الناشطين ضد الحركات السرية، وهم في معظمهم من الكاثوليك المتدينين، إضافة إلى بعض الماسون المتمردين، ومنهم اليهودي وليام شنويبلين William Schnoebelen الذي انشق عن الماسونية، ويقر بأن القبالاه هي العنصر الأساسي في كل أنظمة السحر الحديثة، وأن معظم السحرة والمشعوذين الكبار في القرن العشرين كانوا من القباليين. [The Dark Side of Freemasonry, 267].

يعتبر “سفر رازيل هاملاخ” من الكتب القبالية التي ظهرت بالتزامن مع ظهور الزوهار في القرن الثالث عشر، وهناك خلاف حول أصوله ومصدره، فهو مكتوب بالعبرية والآرامية ويتضمن أسطورة فريدة عن سقوط الملاك “رازيل” من السماء لتعليم آدم وإبراهيم أسرار الكون، لذا يتضمن الكتاب الكثير من المعارف الفلكية، ويربطها بمفاهيم الطاقة الروحية المعروفة لدى الباطنيين، ويجعلها محور الوجود.

يتضمن الكتاب أيضا أسطورة عن امرأة تدعى ليليث، ويقول إنها الزوجة الأولى لآدم قبل حواء، حيث تمردت عليه وأصبحت عشيقة الشيطان، ويُعد الكتاب من المصادر النفيسة للسحر والأساطير الغنوصية.

يعتقد باحثون أن هذا السفر ظهر على يد فرسان الهيكل الذين جلبوه من حفرياتهم في القدس أثناء الحروب الصليبية، وأنه يتضمن أسرارا سحرية خطيرة.

ويجدر بالذكر أن ليليث أصبحت رمزا في الحضارة الغربية للتمرد النسوي، ويُرمز لها بالبومة التي تحتل مركزا مهما في طقوس بعض الجمعيات السرية، حيث نجد صورة مصغرة لها بين خفايا الدولار، كما يوجد تمثال عملاق لها في الغابة البوهيمية بالولايات المتحدة حيث يقال إن القرابين تُقدم لها بحضور النخبة السياسية والمالية.

القبالاه والحركات السرية

بلافاتسكي

اشتهر جميع مؤسسي الجمعيات السرية الحديثة بتلقيهم علوم القبالاه على يد كبار أساتذتها، وعلى رأسهم اليوناني فيثاغورس الذي رحل إلى المشرق قبل الميلاد بنحو خمسة قرون وتتلمذ على يد حاخامات القبالاه، ثم أسس جمعيته السرية في كروتونا بجنوب إيطاليا التي أصبحت المرجع الرئيسي للحركات السرية في الغرب كله [انظر مقال الجمعيات السرية].

وفي العصر الحديث، يظهر أثر القبالاه الواضح في كتابات هيلينا بلافاتسكي مؤسسة جمعية الحكمة الإلهية، وأليستر كراولي مؤسس جمعية الفجر الذهبي، وألبرت بايك الأستاذ الأعظم للمحافل الماسونية في أميركا بمنتصف القرن العشرين، حيث مارسوا جميعا السحر بدرجات مختلفة.

كما يظهر بوضوح تغلغل القبالاه في الجمعيات السرية عن طريق عبادة كهنتها للشيطان الذي بات يُعرف باسم “لوسيفر”، وهي كلمة لاتينية وردت في الكتاب المقدس وتعني حامل الضياء.

ألبرت بايك

ولعل بايك هو أكثر هؤلاء وضوحا في الكشف عن ارتباط القبالاه والجمعيات السرية بالشيطان وعبادتها له، فيقول في كتابه “الأخلاق والعقيدة” Morals and Dogma إن “الاسم الحقيقي للشيطان، كما يقول القباليون، هو نقيض يهوه (الرب عند اليهود Yahveh)؛ لأن الشيطان ليس إلها أسود، بل هو نقيض الرب God. الشيطان هو تجسيد للإلحاد والوثنية. وللمبتدئين، هو ليس شخصا بل قوة خُلقت لأجل الخير، لكنها قد تخدم الشر، إنه أداة الحرية والإرادة الحرة” [Morals and Dogma, 102].

وهناك نص متداول بكثافة في الكثير من المراجع منسوبا إلى بايك، ويقال إنه ورد في إحدى رسائله إلى رؤساء المحافل الماسونية الكبار، ويقول فيه إن لوسيفر هو ند الإله (أدوناي)، وإن المسيحية (وكذلك الأديان التوحيدية كلها) حاولت قلب هذه “الحقيقة” لأن أدوناي يكره الإنسان فحرمه من المعرفة وطرد لوسيفر من الجنة لأنه دله عليها، لذا فإن أتباع الدرجات 31 و32 و33 في الماسونية يعبدون لوسيفر مباشرة، بينما يتركون بقية أتباع الدرجات الدنيا غائبين عن هذه “الحقيقة” التي يعتبرونها السر الأعظم للوجود. لكن المناوئين يقولون إن هذه الرسالة مختلقة من قبل الصحفي الفرنسي ليو تاكسيل (وفي 1907) وإنه لا يوجد دليل على صحتها، ولا يزال الجدل قائما بين الطرفين حتى الآن، وقد يستحيل البتّ في الأمر لأن الماسونية قائمة أساسا على السرية ونقض كل ما يشاع عنها من مؤامرات. [انظر مادة Luciferianism في موسوعة ويكيبيديا]

العين والهرم على الدولار

من جهة أخرى، نرى أثر القبالاه في الماسونية عبر رمز المثلث الذي تتوسطه أو تتربع على قمته “العين التي ترى كل شيء” All Seeing Eye، وهي ترمز إلى عين لوسيفر المطلعة على كل شيء وينبع منها النور، بحسب الكثير من المؤرخين والباحثين. وقد تم استيراد المثلث على الأرجح من مثلث قبّالي يُكتب فيه اسم يهوه (الإله)، حيث كان اليهود يعتبرون هذا الاسم مقدسا ولا يجوز لأحد أن ينطق به إلا الحبر الأعظم داخل قدس الأقداس بهيكل سليمان، أما القباليون فيعتبرون الإله قد تجلى عبر ثلاثة مراحل (كما هو حال الأديان الغنوصية الأخرى) فكان في آخر مرحلة يدعى بالنور اللانهائي (بالعبرية: عين صوف أور)، وهو النور الذي يُرمز له بالمثلث، ولكن يبدو أنه مع الانتقال إلى عبادة الشيطان لوسيفر رسموا عينه داخل مثلث الوجود الإلهي بدلا من وضع اسم الإله يهوه.

في كتابه “شفرة سورة الإسراء”، يرصد المؤلف بهاء الأمير ملامح انتقال القبالاه ومشروعها السري لتحريف الوحي وإفساد البشرية عبر الزمان والمكان، ولا سيما في الهند التي تشربت أفكار القبالاه وأعادت توليدها في أساطير البراهمية الهندوسية، ثم في بعض الأعمال الأدبية التي انتشرت في المشرق الإسلامي مثل ألف ليلة وليلة، وصولا إلى الغرب الذي تشبع عقله ووجدانه بأفكار القبالاه دون أن يدري.

كوتشر (وسط) يحضر جنازة الحاخام القبالي فيليب بيرغ في صفد عام 2013

القبالاه والمشاهير
بعد أن كانت طقوسا سرية على مدى قرون، انتهجت القبالاه نهج الانفتاح على شاكلة الماسونية، فقدم القباليون أنفسهم على أنهم رعاة الحكمة القديمة وسدنة أسرارها المحفوظة من أجل صلاح البشرية كلها، وبدأوا بافتتاح المدارس والمعاهد لتعليم الراغبين بفهم علوم القدماء، مع أن ما يتم تلقينه للناس -وهم غالبا من الغربيين الذين تشكلت عقولهم في بيئة فارغة من الروحانيات والعقائد- ليس سوى قشور القبالاه وليس أسرارها.

يحرص القباليون أيضا على استقطاب النجوم ومشاهير الرياضة والفن كما هو حال منظمة “المتنورين” الماسونية، ولا سيما المغفلين منهم، ففي إحدى المقابلات التلفزيونية أرادت الممثلة الهوليودية ديمي مور أن تستعرض اهتماماتها الجدية فقالت إنها منكبة على تلقي دروس “حكمة القبالاه”، ووافقها المذيع بأمارات الإطراء والتشجيع.

ويمكن للمتابع أن يلاحظ غلبة الغفلة والسطحية لدى المشاهير الذين استقطبتهم القبالاه، ومن أبرزهم لاعب ريال مدريد السابق ديفيد بيكهام وزوجته المطربة فيكتوريا، وعارضتا الأزياء ناعومى كامبل وباريس هلتون، ومغنية البوب مادونا التي اتخذت الاسم اليهودي “إستر” مرادفا لاسمها، والممثل آشتون كوتشر الذي زار مراكز القبالاه في تل أبيب وصفد عام 2013 وقال “إن إسرائيل قريبة وعزيزة على قلبي”، وغيرهم كثير.

ويعلن هؤلاء المشاهير وغيرهم الولاء للقبالاه بارتداء “تميمة حمراء” على معاصمهم، وهي خيط من الصوف الأحمر يتم اقتطاعه من خيوط طويلة يلفها القباليون حول قبر راحيل في فلسطين، بزعمهم أن هذا الفعل يشحن الطاقة التي يبثها القبر، ثم يقسم الخيط ويباع حول العالم. علما بأن بعض مواقع القبالاه تعترض على هذه الظاهرة وتعتبر أنها تشوه أسرار وحكمة أسلافهم.

ليوناردو دي كابريو (يمين) وأشتون كوتشر يرتديان التمائم الحمراء


أهم المراجع
عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، القاهرة.

بدون مؤلف، علم الكابالا للمبتدئين، موقع حكمة الكابالا، 2005.

هاينس هالم، الغنوصية في الإسلام، ترجمة رائد الباش، دار الجمل، ألمانيا، 2003.

سامي الإمام، الفكر العقدي اليهودي، جامعة الأزهر، بدون تاريخ.

هدى درويش، نبي الله إدريس بين المصرية القديمة واليهودية والإسلام، دار السلام، القاهرة، 2009.

بهاء الأمير، التفسير القبالي للقرآن، بدون ناشر، 2015.

محمد حمزة الكتاني، مفهوم الخلاص في الديانة اليهودية، دار الكتب العلمية، 2012.

علي الرشيدي، إرواء الظمآن بأخبار الشيطان، الدار العالمية، الإسكندرية، 2014.

Martin Malachi, The Keys of This Blood: Pope John Paul II Versus Russia and the West for Control of the New World Order, Simon & Schuster, New York, 1990.

Frank E. Manuel, The Religion of Isaac Newton, Clarendon Press, 1974.

Coudert Allison, Leibniz And The Kabbalah, 1996.

Max Dimont, Jews, God and History, 1962.

Ed Decker, The Dark Side of Freemasonry, 1994.

Albert Pike, Morals and Dogma, 1966.

Harun Yahya, Global Freemasonry, www.harunyahya.com

http://www.kabbalah.info

http://www.kabbalahmedia.info

http://www.learnkabbalah.com

http://www.livekabbalah.org

http://www.jewfaq.org