مقالات

ماذا بعد بطلان الأدلة العلمية على نظرية التطور؟ .. الجواب في كتاب (لا شيء بالصدفة)

بيّنّا في مقال سابق تهافت الأدلة التي ساقها أحمد خيري العمري في كتابه (لا شيء بالصدفة) على نظرية التطور، والتي كما قلنا لم تزد مساحتها في الكتاب عن بضع وثلاثين صفحة، من أصل 520 صفحة، هي عدد صفحات الكتاب المذكور، فما الذي يحتويه الكتاب إذن في بقية صفحاته؟

تفترض بقية صفحات الكتاب أن خرافة التطور -التي فشل الكاتب تماماً في تقديم دليل مقنع عليها- هي أمر مُسَلَّم به ولا جدال فيه، فلا عجب أن كانت بقية الكتاب، هي مجموعة من المغالطات والافتراضات، لأنها قائمة أصلاً على خرافة باطلة.

من ذلك محاولات الكاتب اليائسة في التوفيق بين النظرية والإيمان، بين خرافة تطور الإنسان من أسلاف مشتركة مع الشمبانزي، وبين ما جاء في القرآن الكريم، ولا سيما قصة خلق سيدنا آدم عليه السلام. ومن ذلك أكثر من مائتي صفحة حاول فيها الرد على ما جاء في سلسلة (رحلة اليقين) للدكتور إياد القنيبي، وهي سلسلة علمية في غاية الدقة والتوثيق العلمي، قام مقدمها بالتفنيد العلمي المحكم لنظرية التطور، وأثبت أنها مجرد (خرافة) وليست نظرية علميّة، أما محاولات العمري في الرد عليها، فما أراها إلا تأكيداً للفرق بين من يتحدث بالدليل العلمي القاطع، وبين من يبني استنتاجاته على شفا جرف هار من فرضيات بعيدة كل البعد عن العلم والدليل العلمي، وفي الفقرات الآتية من المقال لمحات مقتبَسَة من المغالطات التي امتلأ بها كتاب (لا شيء بالصدفة).

مزاعم التطوريين حول نشوء اللغة

يقول العمري “هناك اعتقاد علمي راسخ يربط اللغة التي تميز الإنسان العاقل بالحمض النووي” [ص: 120]، ويجدر الإشارة إلى أن الأخ أحمد يقول ذلك، رغم أن المراجع التي يضعها في هامش كلامه ليس فيها ما يفيد بوجود “اعتقاد علمي راسخ”!؛ إذ إن نشوء اللغة يعتبر من أكبر الألغاز التي ما زال العلماء في حيرة من أمرها، وكل ما قالوه حتى الآن في هذا المجال، مجرد فرضيات لا دليل عليها، ومن بينها فرضية (نعوم تشومسكي) التي ذكرها في الصفحة 121 من الكتاب:  “حيث يعزو لغة الإنسان التي ميزته عن كل الحيوانات الأخرى إلى طفرة جينية واحدة أنتجت جيناً واحداً فقط عند فرد واحد”، ورغم أن الأخ أحمد لا ينكر بأن الكثيرين من العلماء يختلفون مع فرضية تشومسكي، وأنه “لم يتم حتى الآن العثور على جين واحد بعينه يكون مسؤولاً على التعبير”. إلا أنه يعود ليقول: “لا يستبعد بعض العلماء أن تكون هذه الطفرة قد حدثت لفرد واحد فقط، ومن ثم انتقلت منه وسادت حتى تكونت 7000 لغة في عالم اليوم” [ص: 122].

نعوم تشومسكي

يتابع العمري قائلًا: “رجل واحد؟ هل يمكن ألا نربط كل ما مضى، بشيء آخر مر معنا في النسخة القرآنية من قصة آدم عليه السلام؟ {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقال أنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31]، علّم آدم الأسماء؟ هل هي اللغة؟ القدرة على التجريد؟ هل هي المقدرة الدماغية على ذلك؟ من الصعب جدًّا عدم الربط بين الأمرين”. انتهى كلام الأخ أحمد.

أقول للأخ أحمد: هدانا الله وإياك إلى الصواب، على أي أساس تقول: إنه “من الصعب جداً عدم الربط بين الأمرين”؟! بل إن هذا الربط هو من العبث والاستهانة بكلام الله تعالى، فكيف نربط فرضيات لا تعدو أن تكون رجماً بالغيب، لا دليل علمي عليها، وما زال العلماء يحاولون حل ألغازها، بآيات الله البينات؟ لماذا تقحم كتاب الله وكلامه اليقيني في أبحاث ما زالت في طور الظنون والفرضيات؟

طبعًا فإن في قولك: “النسخة القرآنية من قصة آدم” إشارة إلى وجود نسخة (تطورية) ذكرتها في كتابك، وذلك لا يمكن قبوله، فهل يوجد نسخ أخرى غير النسخة القرآنية؟

قصة خلق آدم في القرآن هي الوحيدة التي نسلِّم بها لأنها تنزيل الخالق الحكيم الخبير، وكل محاولة للتوفيق بين كلام الله وبين خرافات العلم الزائف مصيرها الفشل.

الأسلاف المشتركة الوهمية

ذكر د. أحمد خيري العمري مصطلح (السلف المشترك) و(الجد المشترك) و(النسب المشترك) 33 مرة، ولكن لم يحدد سلفاً مشتركاً واحداً بين أي كائنين بالاسم!

وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال: لماذا؟

دعوني أخبركم لماذا.. لأن السلف المشترك لأي كائنين من الأحياء هو محضُ وهم لا وجود له، هو مصطلح يردّده دعاة الخرافة بكثافة على أمل أن تحظى بالتصديق، فإذا سألتهم عن السلف المشترك لأي كائنين، أجابوا: لم نعثر عليه حتى الآن ولكن سنعثر عليه بلا شك، لأن نظرية التطور نظرية (تنبؤية)!، وقد تنبأت بذلك.

ومعنى هذا الكلام أنهم يضعون النظرية، ثم يبحثون عن الأسلاف المشتركة، فإذا لم يجدوها قالوا: إن النظرية صحيحة ولا بد أن نجد الأسلاف المشتركة!.

ولا تحسبنّ أني أمزح، فهذا كلام جدي يرددونه دائماً، وهو ينطبق على السلف المشترك بين الإنسان والشمبانزي، والذي ما فتئ التطوريون يصدعون رؤوسنا به، ثم يعترفون بأنهم لم يجدوه حتى الآن، وأتحداهم بالقول: إنهم لن يجدوه.

وعن هذا كله يحق لنا أن نتساءل: أهذا هو المنهج العلمي؟

يقول العمري في كتابه عن السلف المشترك بين الإنسان والشمبانزي: “رغم أن آخر سلف مشترك لم يحدد حتى الآن، إلا أن هناك ترشيحات عديدةـ من ضمنها أحفورة لجمجمة كاملة عثر عليها عام 2017” [ص: 510]، يا لبؤس هذه الكلمة: “ترشيحات” وهل هذه لغة علم أم لغة انتخابات برلمانية؟

ثم وضع العمري رابطاً لمقال –لمن يحب قراءته- في مجلة (ساينس) الأمريكية، حول هذه الجمجمة (المرشحة)، عنوانه “جمجمة لقرد رضيع تلقي ظلالاً على أسلاف البشر والقرود المعاصرين”.

إذًا فإن الجمجمة باعتراف المجلة (جمجمة قرد)، وأترك للمهتمين من القراء أن يقرؤوا مقال مجلة (ساينس)، ليعلموا أن ما أثارته هذه الجمجمة من أسئلة واضطراب بين التطوريين، أكثر مما أجابت عليه، وأرجو أن تركّزوا على تفاصيل المقال ولا يغرنكم عنوانه البراق، فهذه من متطلبات الصنعة الصحفية.

النظرية التنبؤية وملايين الأحافير!

لنقتبس هذه العبارة:”من صفات النظرية العلمية قدرتها التنبؤية predictive أي أن تكون هذه النظرية، قد توقعت أول ظهورها نتائج معينة لم يكن عليها أي دليل وقت ظهور هذه النظرية. من الأمثلة الكلاسيكية على هذه القدرة التنبؤية: توقع اكتشاف نيبتون بناء على حسابات رياضية مبنية على نظرية نيوتن للجاذبية.”.ا.هـ [ص: 509]

ولنا تعليق على ذلك من ثلاث نقاط:

أولاً: إن اكتشاف كوكب نيبتون كان كما قلت تماماً دكتور أحمد، بناء على حسابات، وليس تنبؤات، أي أنها حسابات يقينية دقيقة، وثمة فرق واضح وشاسع بين الحساب الدقيق القائم على قوانين الفيزياء، وبين التنبؤ الذي لا أساس له من العلم.

ثانياً: إن حسابات اكتشاف نيبتون كانت مبنية على (قانون نيوتن) وليس على (نظرية نيوتن)، والفرق بينهما كبير، وقد بينت أنت بنفسك الفرق بين النظرية والقانون في الصفحة 32 من كتابك نفسه.

ثالثاً: حديثك هنا عن نظرية التطور، فلماذا تقفز بنا إلى كوكب نيبتون وإلى نيوتن وقانونه في الجاذبية لتأتي بمثال؟ طبعاً لأن تنبؤات نظرية التطور مجرد خيالات لم تتحقق، فيهرب التطوريون إلى علوم أخرى ليأتوا بأمثلة، في شيء مشابه لما في المثل الشعبي: (القرعة تتباهى بشعر بنت خالتها)!.

أما نبوءة دارون التي ضربت بها مثالاً على القدرة التنبؤية للنظرية، والتي تقول بأن العلماء سيجدون أحافير انتقالية تؤكد نظريته، فإن الذي حدث هو العكس تماماً، لأن مئات الملايين من الأحافير التي عثر العلماء عليها بعد دارون، جاءت على عكس ما تنبأ، وأكدت بطلان نظريته، ونستشهد هنا بقول العالم البروفيسور “ماتي ليسولا” في كتابه النفيس (رحلة عالم من الدارونية إلى التصميم): “المشكلة التي تعاني منها الدارونية أكبر من فشل الأحافير التي يعتمدون عليها في إثبات النظرية، المشكلة في طبيعة سجل الأحافير، فهذا السجل يظهر بجلاء أن الحيوانات الجديدة تظهر فجأة في طبقات الأرض، ثم تعيش فترة طويلة دون أن يحدث عليها أي تغيير، ثم تختفي أو تنقرض فجأة كما ظهرت”.

يضرب العمري مثالاً عن القدرة التنبؤية للنظرية الخرافة فيقول في الصفحة المذكورة أعلاه:
“نظرية التطور كانت لديها توقعات كثيرة: توقع داروين أن عمر الأرض أكثر بكثير مما كان يعتقد في عصره، وتبين أنها أكبر حتى من توقعاته، توقع وجود (أحافير انتقالية) في وقت لم يكن هناك فيه أي منها، وفعلا تراكمت الملايين منها لاحقاً” ا. هـ.

هل حقاً؟! هل تراكمت ملايين الأحافير الانتقالية؟، أقل ما يقال عن هذا الكلام إنه كذبة واسعة جداً يا سيدي، ليتك تقول للناس كلاماً قابلاً للتصديق. أين هي “ملايين الأحافير الانتقالية”؟

حسنٌ؛ نتحدى الكاتب وكل التطوريين أن يقدموا لنا -من بين تلك الملايين- أحفورة انتقالية واحدة، واحدة فقط، للسلف المباشر لأي كائن حي يعيش على الأرض اليوم، سواء كان فيلًا، أو صقرًا، أو فراشة، أو سمكة، أو شمبانزي، إلخ.

عندما (أرادت) السمكة الخروج من الماء!

في الصفحة (260) من الكتاب كتب د. أحمد خيري العمري: “الزمان: 400 مليون سنة من الآن.. تقريبًا. المكان: سطح الماء. غير بعيد عن الشاطئ.

المناسبة: أول شهقة هواء، خارج البحر. إنها الغوغوناسوس Gogonasus. سمكة لا يتجاوز طولها نصف متر كانت تمتلك فتحات أعلى رأسها ساعدتها في أن تتنفس الهواء الخارجي، تخرج القليل من رأسها فقط، بحيث تبقى عيناها تحت الماء، تأخذ شهقة من الهواء، ثم تعود. كل ما أرادته وقتها هو المزيد من الأوكسجين. النجاة فقط في مياه ضحلة قل فيها الأوكسجين. ً لكن هذه كانت أول خطوة في الطريق إلى عالم آخر. مختلف تمامًا، بالتدريج، جاءت أجيال جمعت بين القدرة على التنفس في الهواء والتنفس في الماء”. ا. هـ.

من يقرأ هذه السطور يظن أن الكاتب كان موجوداً قبل 400 مليون سنة، يراقب السمكة عن كثب! بل ويعلم ما تفكر به وتشعر! وما تريد وما تطلب! لكن الكاتب لم يقل لنا: أكانت تلك السمكة تملك جهازاً لتنفس الهواء الذي استنشقته مع (الشهقة الأولى)؟

إن كان الجواب: لا، فما فائدة هذه الشهقة؟ وإن كان: نعم، فلماذا يتطور جهاز لتنفّس الهواء في سمكة تسبح تحت الماء وما خرجت للهواء قبل تلك الشهقة؟

لم يخبرنا الكاتب كيف تطور جهاز تنفس الهواء؟، وكم عدد الطفرات اللازمة (حسب قولهم) ليصبح للسمكة رئتين؟ ثم لتضمر خياشيمها، ثم…ثم…ثم، لتصبح حيوانا بريًّا؟. وكم عدد الأجيال اللازمة لهذا التطور؟ وأين الدليل على حدوثه؟.

انظروا إلى قوله: “بالتدريج جاءت أجيال تجمع بين القدرة على التنفس في الماء والتنفس في الهواء”، ومن يقرأ بقية الفصل الذي وردت فيه هذه الحكاية الخرافية، سيجد أن الكاتب يريد أن يقول (وبالتدريج صارت السمكة بشراً سويًّا)، وهنا -لخداع القراء وإضفاء صفة العلم على هذه القصة الخرافية-، يضع الكاتب خمس روابط لمراجع أجنبية يريد بها الاستشهاد على خرافته، وسيجد القارئ العزيز روابط هذه المراجع أسفل هذه السطور، ومن يجيد اللغة الإنكليزية فليقرأ محتويات تلك الروابط، وسيجد أن كل ما فيها مجرد جبل من الأوهام بناه التطوريون على أحفورة لجمجمة سمكة، وجدوا فيها فتحة أعلى رأسها، فصاحوا كما صاح أرخميدس: “وجدتها.. هو ذاك” وكأنّ هذه الفتحة هي الدليل القاطع على أن كل الكائنات البرية التي تجري على أربع وتتنفس الأوكسيجين من الهواء برئتيها، أصلها أسماك كانت تسبح بزعانفها وتتنفس الأوكسيجين من الماء بخياشيمها. وهذه مراجع الكاتب، فاقرؤوا لتتأكدوا.

إن ما نستنتجه من السطور أعلاه، هو التأكيد للقاعدة المعروفة: (ما بني على باطل فهو باطل)، لأن بطلان الأدلة العلمية على خرافة التطور سيؤدي بالتأكيد إلى بطلان وتهافت كل ما بني عليها.

مصادر تطورية حول جمجمة السمكة:

https://www.nature.com/articles/ncomms4022

http://www.australasianscience.com.au/article/issue-april-2014/first-breath.html

https://www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-2547404/Land-animals-learned-breathe-air-UNDERWATER-Ancient-fish-ancestor-used-large-valves-head-suck-air.html

http://www.australasianscience.com.au/article/issue-april-2014/first-breath.html

https://www.cambridge.org/core/books/evolution-and-development-of-fishes/evolution-of-air-breathing-and-lung-distribution-among-fossil-fishes/421CE830FE383279BE94CE98F97DB79B

التطوريون والتمسّح بالعلم .. كتاب (لا شيء بالصدفة) مثالاً

لا ينفكّ التطوريون يزعمون أن نظريّتهم نظريّةٌ علمية، وأن من يعترض عليها أو لا يؤمن بها أو يعارضها هم أعداء العلم والبحث العلمي، إلا أنه الدليل العلمي –في نهاية المطاف- هو أكبر أعدائهم، لأن من يقرأ كتبهم وأبحاثهم ومقالاتهم ويضعها في ميزان التحقيق العلمي الصحيح، يجد كل أدلتهم تذهبُ هباء منثوراً، ومن أمثلة ذلك كتاب (لا شيء بالصدفة) لمؤلفه (أحمد خيري العمري)، الذي صدر عن دار عصير الكتب للنشر في 520 صفحة، إلا أنه -ويا للعجب- لا يوجد في هذا الكتاب الضخم سوى بضع وثلاثين صفحة فقط تحت عنوان (أدلة التطور)!

سنعرض لأهم هذه الأدلة في السطور الآتية ونبيّن بطلانها وتهافتها، وحسبنا في نقد الكتاب أن نثبت بطلان النظرية ببطلان الأدلة العلمية المزعومة عليها، ولا يهمنا بعد ذلك ما جاء في بقية فصول الكتاب وصفحاته؛ إذ إن بطلان النظرية من الناحية العلميّة يجعل بقية ما في الكتاب حشوًا لا طائل من ورائه.

دليل التشريح المقارن

يعتبر أحمد خيري العمري أن (التشريح المقارن) هو أحد أدلة التطور، ويضع الرسم المرفق ويصفه قائلاً: “الأعضاء المتماثلة تشريحياً ذراع الإنسان، الطرف الأمامي للقطة، الزعنفة الأمامية للحوت، جناح الخفاش”[ص: 67]، ثم يتساءل مستنتجًا:

“كيف يمكن أن يكون هذا التشابه دليلًا على نظرية التطور؟ يتركّز التشابه (المتماثل – التشريحي) في المخلوقات من الأنواع المتقاربة ضمن طائفة حيوية واحدة   order   على سبيل المثال: كل الكائنات التي ذكرت في مثال الأعضاء المتماثلة: الإنسان، القط، الخفاش، الحوت تنتمي إلى طائفة الثدييات، وهذا ما يجعل العلماء يرجحون أن سبب هذا التشابه يعود إلى وجود أصل مشترك لهذه الطائفة”.

 

يا له من دليل علمي قاطع، يكفي أن يكون هناك تشابه بين توضع عظام أجنحة الخفاش وعظام أحد زعانف الحوت، ليرجّح العلماء أن لهما سَلَفًا مُشترَكًا، وهكذا تثبُت نظرية التطور.

طبعًا فإن هذا في حال إذا فرضنا صحة أن التشابه (يدل على أصل مشترك)!. وهنا نسأل: ماذا عن الفروق الأخرى بين الخفاش والحوت مثلاً؟

أكرر للتأكيد: (خفاش وحوت)، أغمضوا أعينكم أيها السادة القراء وتخيلوا الفروق بينهما، تخيلوا خفاشاً صغيراً وزنه أقل من ربع كيلو يطير في جوف الكهوف المظلمات، وحوتاً ضخماً وزنه 150  طن يمخر عباب البحار والمحيطات، تخيلوا الفروق بينهما  من ناحية الحجم والوزن وتشريح أجهزتهما المختلفة (جهاز الهضم والتنفس والجهاز العصبي والدورة الدموية و، و، و..)، وكذلك البيئة التي يعيش فيها كل منهما، ووظائف الأعضاء، وأمثلة كثيرة أخرى -يمكن كتابة مجلدات عن الفروق بينهما-، ثم حاولوا أن تقنعوا أنفسكم أن هذين الكائنين لهما أصل مشترك! وما هو الدليل؟ أن كليهما من الثديّات، ولأن توضع عظام أجنحة هذا يشبه في تركيبه توضع عظام زعنفة ذاك!.

فتأمل عزيزي القارئ، هذا المثال عن أحد (الأدلة العلمية) التي يريد العمري أن يقنعنا بواسطتها بـ (خرافة التطور).

دليل علم الأجنة المقارن

ومن أدلة نظرية التطور التي جاء بها أحمد خيري العمري في كتابه (لا شيء بالصدفة)، دليل علم الأجنة المقارن، حيث نقل أن عالماً روسياً لاحظ عام 1828 بعض الملاحظات عند دراسته لأجنة الفقاريات، منها أن “الفقاريات المعقدة والبسيطة تتشابه في المراحل الجنينية الأولى فقط، وتختلف في مراحل لاحقة وكذلك في الشكل النهائي للبالغ”، وأن دارون وجد أن هذه الملاحظات “يمكن أن تكون دليلاً قويًّا لصالح وجود أصل مشترك لأنواع مختلفة ووجود علاقة قربى بين مختلف الأنواع”؛ ومن ثمّ يستنتج الكاتب من كل ذلك ما يلي: “تقدم نظرية التطور تفسيرًا علمياً لهذه التشابهات في المراحل الجنينية المبكرة بين الفقاريات”.

وهنا لا بد أن نقول باختصار شديد:

  1. لا يوجد أي دليل علمي على أن تشابه الأجنة في المراحل المبكرة يدل على وجود أصل مشترك، فهذا الادعاء مجرد فرضية وضعها دارون وليس لها برهان، ثم هل يمكن تصور أن الإنسان والدجاجة –مثلًا- أقرباء لأن جنينَيهما متشابهان في مراحل تكوّنهما المبكرة؟
  2. التشابه المزعوم غير صحيح، لأن العالم الذي وضع هذه الملاحظة قبل حوالي قرنين لم تكن عنده مجاهر إلكترونية لتبيّن له الفرق بين خلايا هذه الأجنة، ومن هذه الاختلافات الفروق الكبرى في الـ NDA بين خلايا الطيور والأسماك والبشر، في حين أن الرسوم التي وضعها العمري كدليل، كالرسم المرفَق، تجعل من التشابه الخارجي في “الشقوق الخيشومية لفقاريات مختلفة” كافيًا لاعتبار الأجنة متشابهة والبناء على هذا التشابه.
  3. في البداية قال الكاتب إن دارون استنتج صلة قرابة من التشابهات الجنينيّة، ولكن في خاتمة كلامه قال: إن نظرية دارون تعطي تفسيراً علمياً لهذه التشابهات، أي أنه في استنتاجه هذا اعتبر أن النظرية صحيحة وأنها هي التفسير الوحيد المقبول لهذا التشابه، وهذا منطق مقلوب، فالأصل أن يثبت بالدليل العلمي -إن استطاع- أن التشابه يدل على صحة النظرية، لا أن يعتبر النظرية صحيحة ويقول إنها تفسّر التشابه.

دليل سجل الأحافير

وتحت عنوان (بقايا المخلوقات-السجل الأحفوري) ضمن قسم (أدلة نظرية التطور)، يضع لنا أحمد خيري العمري رسماً توضيحيّاً لما يفترض أنه يمثّل تطور الأسماك إلى كائنات برية [ص: 81] ونجد في الرسم سمكة (تيكتالك) التي يعتبرها التطوريون دليلا على حدوث هذا التطور ويزعمون أنها حلقة وسيطة بين الأسماك والحيوانات البرية، وقد كتب أحمد خيري العمري تعليقاً على هذا الشكل قائلاً: “لكن أحفورة أخرى عثر عليها في عام 2006 قدمت اكتشافاً أهم بكثير، إذ كانت تعود لمخلوق شبه كامل سمي بــ (تكتالك (Tiktaalik يملك غلاصم وحراشف وزعانف مثل أي سمكة، ولكن رأسه كان مسطحا مثل رأس التمساح، وزعانفه كانت مزودة بعظام قوية تسمح له بأن تحمل ثقله. وهذه ً الصفات تشير إلى أن هذا المخلوق ربما كان قادرا على الخروج من المياه ولو لفترة قصيرة” [ص: 80]

إذًا -بحسب العمري- يكفي أن تكون زعانف التيكتاليك قوية تسمح له بأن تحمل ثقله لنستنتج أنه (ربما) كان قادرًا على الخروج من المياه ولو لفترة قصيرة، ولكن العمري في الفقرة نفسها، كتب أن التيكتاليك يملك غلاصم، فكيف سيتنفّس خارج الماء؟

إن الرسم المرفق مع كلام العمري أقرب إلى الكاريكاتير منه إلى الرسم العلمي، فعلى يسار الصورة سمكة تسبح في الماء، وعلى يمينها حيوان بري يمشي على أربع، وبينهما (التيكتاليك) ترفع رأسها خارج الماء، بغلاصمها التي لا تصلح للتنفس إلا تحت الماء، ولو خرجت لماتت اختناقًا خلال دقائق.

يمكن أن نكتب مجلداً في الحد الأدنى من الفروق بين أي كائن برمائي وبين الأسماك، من تشريحها ووظائف أعضائها، فليس الأمر مجرد (زعانف قوية) لتمشي بها على البر، فعلى سبيل المثال، يجب تعديل عظم الحوض ليحمل الأرجل، وتطوير الحراشف لتصبح جلداً، وتغيير حجم الجمجمة بما يناسب حجم الدماغ الجديد، وتطوير العين ليضاف إليها أجفان تحمي عيون الحيوان البري من الغبار على اليابسة، وتطوير جهاز الهضم ليأكل ما يجده الحيوان على البر وهو يختلف عما تأكله الأسماك في البحر، ولا بد فوق ذلك من تعديلات جذرية على الجهاز العصبي ليتحكّم بالأعضاء الجديدة، وتعديل جهاز التنفس الذي يعتمد على الغلاصم في استخلاص الأوكسيجين من الماء إلى جهاز تنفس قادر على استخلاصه من الهواء مباشرة، وغير ذلك الكثير.

لنسأل التطوريين الآن: هل حصلت كل هذه التغيرات على السمكة قبل خروجها من الماء أم بعد خروجها؟ إن حصلت قبل خروجها فما حاجتها إليها؟ كان الأولى بالاصطفاء الطبيعي ألّا يحتفظ بها -على فرض أنها حصلت- لأنها لا فائدة منها، ولو حصلت بعد خروج السمكة من الماء لماتت السمكة قبل أن تحدث هذه التغيرات المفترضة، فلن تبقى على قيد الحياة أكثر من بضع دقائق لأن غلاصمها لن تستطيع التنفّس خارج الماء.

وبعد ذلك، يغضبون إن وصفنا نظرية التطور (خرافة)، بل هي في الحقيقة مجموعة من الخرافات، وخروج الأسماك من الماء لتتطور إلى حيوانات برية هي واحدة من بينها.

دليل التشابه الجيني

ومن الأدلة التي جاء بها العمري على التطور في كتابه (لا شيء بالصدفة)، دليل مقارنة الحمض النووي للكائنات المختلفة، مثل التشابه الجيني بين الإنسان والشمبانزي، والذي ركز عليه الكاتب على اعتبار أن الشمبانزي هو أقرب الكائنات قرابة للإنسان، ولنا على ما جاء في الكتاب حول هذا الموضوع ملاحظات:

  1. جميع المقارنات التي جرت بين جينوم الإنسان والشمبانزي جرت على أجزاء من الجينوم ولم تجر عليه كله حرفًا حرفًا، وهي لذلك لا يمكن اعتمادها لاستنتاج نسب صحيحة نقيم عليها أدلة.
  2. وافق الكاتب في أن النسبة المحسوبة تختلف باختلاف طريقة حسابها، ومعظم المراجع التي وضعها الكاتب في هامش كتابه تتكلم عن نتائج الأبحاث وقليل منها يعرج باختصار على طرق البحث.
  3. ما لم يذكرهّ الكاتب ولا المراجع التي اختارها أن البرمجيات التي استخدمت لحساب هذه النسب مصمّمة على افتراض أن التطور موجود، وهذا يشكّك في نتائجها.
  4. رغم كل ذلك فإن نتائج المقارنات المختلفة تأتي بنسب للفروق بين جينات الشمبانزي والإنسان تتراوح بين 1.2% كحد أدنى، وبين 20% كحد أقصى.
  5. الجينات هي برمجيات مكتوبة بلغة من أربع أحرف، وهي برمجيات مذهلة معقدة تركت بيل غيتس يقول إن هذه البرمجيات أكثر تعقيداً من أي برمجيات يمكن أن يكتبها البشر، ونستنتج من هذا أن المقارنة بين جينات الكائنات المختلفة لا تكون (بالكيلو) أي بِنِسَب وكمّيّات، لأن البرمجيات ليست نصوصاً عادية، ذلك أن أدنى تعديل عليها قد يؤدي إلى تغيير كامل في وظائفها، لذلك فإن الله تعالى قد زوّد الخلايا ببرامج إضافية لتقوم بتدقيق برمجيات الجينات وتصحيحها عند نسخها لتقوم بوظائفها، وهو أمر يطول شرحه وليس هذا مقامه.
  6. رغم كل ما سبق، وهو يكفي للإعراض عن استخدام التشابه الجيني دليلاً داعمًا للتطور، دعونا نعتبر جدلاً أن نسبة 5% التي ذكرها الكاتب في كتابه هي نسبة مقبولة لاختلاف جينات البشر عن الشمبانزي. (وليس الحد الأقصى 20% كما تقول دراسات أخرى)، فإذا علمنا أن جينات البشر برمجيات تتألف من 3,200,000,000 (ثلاثة مليارات ومائتي مليون) حرف، فهذا يعني أن هناك اختلافاً مقداره 115,000,000 (مائة وخمسة عشر مليون حرف) بين برمجيات الإنسان والشمبانزي، وهو رقم ضخم جداً في عالم البرمجيات، يجعل الفروق هائلة بين الكائنين، وهذا واضح جداً للعيان حين ننظر إلى كل منهما في الطبيعة، فالفروق بين الشمبانزي والإنسان هائلة، بل إنه من الممكن أن تُكتَب مجلدات ضخمة في بيانها، وعادة يركز من يكتبون عن هذا الموضوع من التطوريين على النسبة ولا يذكرون الأرقام!
  7. أخيراً، فإن استدلال العمري – رغم كل ما سبق- على التشابه الجيني بوصفه دليلًا على التطور، هو استدلال دائري غير مقبول، يقول العمري في نهاية كلامه عن هذا الأمر: “نظرية التطور تقدم تفسيرًا لهذه التشابهات في الجينات ونسبها المختلفة بين الأنواع”. فهو يعتبر التطور حقيقة مسلَّمٌ بها ويفسر التشابه الجيني المزعوم على أساسها، والأصل أن يستدل بالتشابه الجيني على صحة النظرية بأدلة قاطعة، ولا يفعل التطوريون ذلك، بل يعكسون المنطق العلمي، لأن دلالة التشابه الجيني على تطور نوع من نوع هو مجرد فرضية لا برهان عليها.

يكفي تفنيد هذه الأدلة، وهي أهم ما استند عليه الكاتب في إثبات النظرية، لنعلم أن الدليل العلمي الحقيقي هو أول أعداء هذه النظرية، وهو الكفيل بنزع صفة العلم عنها وتصنيفها في خانة الخرافة.
وبالمناسبة، فإن هذه الأدلة مأخوذة بطريقة القص واللصق من كتب وأبحاث التطوريين الملحدين ولاسيما ريتشارد داوكنز، الذين يعتقدون أن التطور يحدث بالصدفية والعشوائية، ثم يضيف التطوريون المسلمون إليها عبارة (ولكن التطور يحدث بتوجيه من الله)، وكأنهم ينسبون العشوائية إلى الله تعالى، ونحن نقول لهم: (أثبتوا أولًا بالدليل العلمي أن التطور قد حدث، ثم قولوا: إنه موجه).

ورغم أنه التطوريين يفشلون في تقديم الدليل العلمي على خرافتهم، إلا أنهم يزعمون اتباعهم المنهج العلمي، وأن من يخالفهم هم أعداء العلم والعلماء، ولذا لا غرابة أن ينطبق عليهم المثل القائل: (رمتني بدائها وانسلــَّـت)!

ما هكذا تستمر السيرة.. نظرات في كتاب “السيرة مستمرة” (1 من 3)

“ينقلك الكتاب إلى سيرته عليه الصلاة والسلام حتى نهاية المرحلة المكية، لكن على نحو مختلف تماما عن كل ما عرفته عن السيرة سابقاً”.

هذا ما يذكره الدكتور أحمد خيري العمري في تعريفه عن كتابه “السيرة مستمرة”، كما جاء على الغلاف الخلفي للكتاب، وقد صدق فيما قال، فقد وجدنا في الكتاب بعد مراجعته اختلافات كثيرة عما عرفته كتب السيرة السابقة، لأننا لم نعرف كتاب سيرة يشكك في أحداث وصلتنا بروايات متواترة، ويفاضل بين الروايات بمعايير لا تستند إلى مدى صحة روايتها، ويهمل الكثير من أخبار الصحابة الضرورية لاكتمال صورتها، ويستخدم مصطلحات حديثة في غير مكانها، وغير ذلك مما سنعرض له في سلسلة من المقالات، نبدؤها بهذه المقالة التي نتناول فيها شيئاً من منهج العمري في اعتماد الأحداث التي وضعها في كتابه.

المنهج التاريخي
من أبجديات الكتابة في السيرة النبوية، أن ترجيح الحوادث واعتمادها يقوم على مدى صحة سند روايتها،  ولكن نهج العمري في اعتماد الروايات لم يكن حسب ضعفها وقوتها،  فنراه يقبل أحداثاً رواياتها غاية في الضعف، ويشكك في روايات قد يصل سندها حد التواتر، مثال الحالة الأولى حادثة مشاركته صلى الله عليه وسلم في حرب الفجار عندما كان صبياً، فيقول العمري عنها:
“ورغم أن رواية مشاركة الرسول عليه الصلاة والسلام في هذه الحرب بالنبل (جمع الأنبال أو رميها) هي رواية ضعيفة سنداً ويرفضها أغلب محققي السيرة، فإنها منطقية جداً في سياقها” (ص 77).

وفي الوقت نفسه،  يأتي لروايات وحوادث وصلت إلينا بروايات صحيحة أو متواترة، فيبذل جهده ليشكك فيها أو ينفيها، مستنداً إلى تأويلات لا يؤيدها تاريخ ولا رواية ولا لغة ولا منطق، وأفضل مثال على ذلك حادثة انشقاق القمر، والتي سنتناول كيف تعامل معها العمري في الأسطر التالية.

بين تواتر الحادثة ووجوه التفسير
حاول العمري التشكيك في وقوع هذه الحادثة، بانياً تشكيكه على نقاط واهية باطلة، نستعرضها بعونه تعالى ونبين بطلانها واحدة بعد الأخرى.

من أهم النقاط التي يبني عليها العمري شكوكه هي محاولة الخلط بين أمرين: الأول حادثة انشقاق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني تفسير قوله تعالى {اقتربت الساعة وانشق القمر}، وتمسكه بقول ضعيف مرجوح هو أن الآية الكريمة رغم أنها بصيغة الماضي فالمقصود بها أن الانشقاق سيحصل في المستقبل.

وللرد على ذلك، نقول بعد الاتكال على الله: أما حادثة انشقاق القمر، فقد أجمع على حدوثها العلماء والرواة والمحدثون وكتاب السير.

يقول ابن كثير في فصل من كتابه البداية والنهاية، عنوانه “انشقاق القمر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم”: “وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام، وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها،ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله”، ثم يقول بعد أن يذكر عشرات الروايات والأسانيد والطرق لتلك الحادثة: “فهذه طرق متعددة قوية الأسانيد تفيد القطع لمن تأملها”[1].

وعلى هذا المنوال سار جمهور المفسرين والمحدثين، وسنجد مثل ذلك في كتبهم وتفاسيرهم، وفي صحاح الحديث، فلا يوجد كتاب من صحاح الحديث، كالبخاري ومسلم وأحمد وغيرهما، إلا وفيه باب أو فصل عنوانه (انشقاق القمر)، يثبتون فيه ما ورد من أحاديث وأسانيد عن هذه الحادثة.

وأما تفسير الآية الكريمة {اقتربت الساعة وانشق القمر}، فإن الغالبية العظمى من المفسرين يرون أن المقصود بها انشقاقه في حياته صلى الله عليه وسلم، في تلك الحادثة بالذات، وأضاف بعضهم وجوهاً أخرى لتفسير الآية، ولكن من ذكر تلك الوجوه بيّن أنها مرجوحة ضعيفة، وأنها حتى لو ثبتت فهي لا تتعارض مع وقوع حادثة الانشقاق في حياته، أي لم يربط هؤلاء القلة الحادثة الحقيقية بالوجوه الضعيفة لتفسير الآية، فمدار إثبات الحادثة على تواتر الرواية، وتفسير الآية يؤكدها على أصح الأقوال، ولا ينفيها إن أخذنا بالأقوال الضعيفة.

هل تؤيد أقوال المفسرين تشكيك العمري؟
مع كل ما سبق، ينقل العمري أقوالاً لبعض المفسرين ليشكك في حادثة انشقاق القمر بناء على الرأي الضعيف الذي ذكرناه، وسنعرض ما نقله بالتفصيل عن خمسة من المفسرين، لنرى إن كان فيها حقاً ما يشكك في تلك الحادثة[2]:

أولاً: العز بن عبد السلام
نقل العمري[3] عنه ما يلي: “{اقْتَرَبَتِ} دنت، سميت ساعة لقرب الأمر فيها، أو لمجيئها في ساعة من يومها. {وَانشَقَّ الْقَمَرُ} اتضح الأمر وظهر يضربون المثل بالقمر فيما وضح وظهر، أو انشقاقه انشقاق الظلمة عنه بطلوعه في أثنائها كما سمي الصبح فلقاً لانفلاق الظلمة عنه، أو ينشق حقيقة بعد النفخة الثانية، أو انشق على عهد رسول الله [صلى الله عليه وسلم] عند الجمهور”.

هذا ما نقله العمري من تفسير العز، ولكن الذي لم ينقله العمري أن العز بن عبد السلام نقل بعد ذلك حديث عبد الله بن مسعود للدلالة على أن رأي الجمهور هو الأقوى، فقال: “قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه رأيت القمر منشقاً شقتين مرتين بمكة قبل مخرج الرسول [صلى الله عليه وسلم] إلى المدينة، شقة على أبي قبيس وشقة على السويداء، فقالوا سحر القمر.” [4]

في حين لم يأت العز بأي دليل على القولين الأولين، مما يعني أنه يؤيد رأي الجمهور، ثم يتابع العز فيقول في تفسير الآية التالية من سورة القمر {وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر}، فيقول: “(وإن يروا آية) أي انشقاق القمر أو أي آية رأوها أعرضوا عنها”[5]. وهذا دليل على أن العز يؤيد رأي الجمهور، ولا ينفي ذلك أنه أتى بأقوال أخرى في تفسير الآية، فقد جاء بها للأمانة العلمية ثم رجح قول الجمهور.

إذن، الدكتور العمري لم ينقل كل ما قاله العز في تفسير مطلع سورة القمر، ولم ينقل أنه جاء بالدليل على رأي الجمهور، ولم ينقل تفسير الآية الثانية التي تبين بوضوح أنه يؤيد الجمهور، ليوهم القارئ أن العز يؤيد الرأي القائل بأن مطلع سورة القمر يتحدث عن يوم القيامة.

ثانياً: النيسابوري
 نقل العمري عن النيسابوري في تفسيره ما يلي:  “وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر، وصيغة الماضي على عادة إخبار الله وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك”.

فلما رجعنا إلى تفسير النيسابوري، وجدنا أن العمري قد انتزع هذه الأسطر من سياقها، وهذا قول النيسابوري كاملا، وقد وضعنا خطاً تحت ما نقله العمري، يقول النيسابوري: “انْشَقَّ الْقَمَرُ: في الصحيحين عن أنس أن الكفار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر مرتين. وعن ابن عباس: انفلق فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت. وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر. وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال: ألا إن الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم صلى الله عليه وسلم. هذا قول أكثر المفسرين. وعن بعضهم أن المراد سينشق القمر وصيغة الماضي على عادة إخبار الله وذلك أن انشقاق القمر أمر عظيم الوقع في النفوس فكان ينبغي أن يبلغ وقوعه حد التواتر وليس كذلك، وأجيب بأن الناقلين لعلهم اكتفوا بإعجاز القرآن عن تشهير سائر المعجزات بحيث يبلغ التواتر. وأيضا إنه سبحانه جعل انشقاق القمر آية من الآيات لرسوله، ولو كانت مجرد علامة القيامة لم يكن معجزة له كما لم يكن خروج دابة الأرض وطلوع الشمس من المغرب وغيرهما معجزات له، نعم كلها مشتركة في نوع آخر من الإعجاز وهو الإخبار عن الغيوب. وزعم بعض أهل التنجيم أن ذلك كان حالة شبه الخسوف ذهب بعض جرم القمر عن البصر وظهر في الجو شيء مثل نصف جرم القمر نحن نقول: إخبار الصادق بأن يتمسك به أولى من قول الفلسفي”.[6]

إذن النيسابوري جاء بالأحاديث من الصحيحين، والتي تثبت حدوث الواقعة، وأكد أن هذا رأي الجمهور وأنه يوافقهم، ثم جاء بشبهة بدأها بقوله (وقال بعضهم..)، ثم رد على الشبهة رداً مفحماً وأكد أنه ممن يرى أن الانشقاق حصل في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن العمري نقل الشبهة فقط من تفسير النيسابوري، ولم ينقل رأيه الذي سبقها، ولم ينقل رده عليها، وأترك للقراء تسمية هذا الفعل الذي فعله العمري!

ثالثاً: السمعاني
بعد أن أقر العمري بأن السمعاني يؤيد رأي الجمهور، نقل قوله لرأي المخالفين، وما نقله العمري عن السمعاني هو ما يلي: “ولو كان قد انشق القمر لرواه جميع أصحاب رسول الله، وأيضاً لو كان ثابتاً لرواه جميع الناس ولأرخوا له تاريخاً، لأنهم أرخوا لما دون ذلك من الحوادث، وإنما معنى الآية: انشق القمر أي ينشق وذلك يوم القيامة، ويقال معنى انشق القمر أي انكسف”.

ومرة أخرى ينتزع العمري جملاً من سياقها، وبالرجوع إلى تفسير السمعاني نجد أن العمري حذف جملة من أول الكلام تدل على أن السمعاني جاء بهذا الكلام على أنه شبهة، وهاكم قول السمعاني كاملاً كما في تفسيره، وقد وضعنا خطأ تحت الكلام الذي اقتطعه العمري من قول السمعاني ونقله في كتابه:
“فإن قيل ابن عباس لم يكن رأى انشقاق القمر، فكيف تصح روايته؟ وأما ابن مسعود فقد تفرد بهذه الرواية، ولو كان قد انشق القمر لرواه جميع أصحاب رسول الله، وأيضاً لو كان ثابتاً لرواه جميع الناس ولأرخوا له تاريخاً، لأنهم أرخوا لما دون ذلك من الحوادث، وإنما معنى الآية: انشق القمر أي ينشق وذلك يوم القيامة، ويقال معنى انشق القمر أي انكسف، والجواب أنه قد ثبت انشقاق القمر بالرؤية الصحيحة، رواه ابن مسعود وجبير بن مطعم شهدا بالرؤية، ورواه ابن عباس وابن عمر وأنس، وروى بعضهم عن بعض عن عبد الله بن عمرو (بن العاص)، ومن المحتمل أنه روى عن رؤية، وقد كان ابن مسعود روى هذا عن رؤيته ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان هذا اتفاقاً منهم، ثم الدليل القاطع على ثبوته الآية، وقوله إن معناه سينشق القمر، قلنا: هذا عدول عن ظاهر الآية، ولا يجوز إلا بدليل قاطع، ولأن الله تعالى قال: (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر)، وهذا دليل على أنهم قد رأوها، ولأنه سماه آية، وإنما يكون آية إذا كانت في الدنيا، لأن الآية هنا بمعنى الدلالة والعبرة، وقوله إن الناس لم يروا، قلنا يحتمل أنه كان في غفلة الناس، أو تستر عنهم بغيم، وقد رد الله تعالى الشمس ليوشع بن نون، ولم ينقل أنه أرخ لذلك أيضاً، وقد ذكر في بعض التفاسير أن أهل مكة قالوا: سحرنا ابن أبي كبشة، فقال بعضهم: سلوا السفّار الذين يقدمون فإن كان سحرنا فلا يقدر أن يسحر جميع الناس، فقدم السفار فسألوهم فقالوا إنهم قد رأوا”[7].
فانظر عزيزي القارئ كيف حذف العمري مطلع الكلام “فإن قيل…” لأن كلمة (فإن قيل) تدل على أنه قول غير معتمد، وأن السمعاني جاء به ليرد عليه، كما أنها جملة شرطية، فحذف العمري الشرط حتى لا يأتي بجوابه، وجوابه كما رأينا أعلاه يأتي بعد الكلام الذي نقله العمري مباشرة، فالعمري نقل الشبهة التي ساقها السمعاني، ولم ينقل رده الواضح المفحم عليها، فماذا نسمي ذلك الفعل من العمري؟

رابعاً: الماوردي
نقل العمري عن الماوردي الأقوال المعروفة في تفسير الآية[8]، وترجيحه لرأي الجمهور، ومن بينها قول للحسن البصري بأن المقصود بالآية: ينشق يوم القيامة، أورده الماوردي غير مسند، ولم نعثر عليه مسندا في أي مرجع آخر، لذلك لا تصح نسبة هذا القول للحسن البصري، ولا يصح استشهاد العمري به كأحد التابعين الذين يرون هذا الرأي.

خامساً: القرطبي
ذكر العمري أخيراً أن مثل تلك الأقوال قد نقلها القرطبي، ولكنه لم يذكر أن القرطبي قال بعد نقلها: “قلت: وقد ثبت بنقل الآحاد العدول، أن القمر انشق بمكة، وهو ظاهر التنزيل”، ثم يفند القرطبي بعد ذلك الشبهات.

خلاصة القول: لا يوجد مفسر واحد خرج عن الإجماع على أن معجزة انشقاق القمر حدثت في عهده صلى الله عليه وسلم، وكل ما في الأمر أن بعضهم نقل قولاً ضعيفاً في تفسير قوله تعالى (وانشق القمر)، ثم رد عليه.
وهكذا نرى أن العمري قد نقل لنا الشبهات، وتجاهل تفنيد العلماء لها،  ليقول لنا بعد ذلك: “من المهم التذكير بأن إنكار حدوث الانشقاق فعلياً في مكة في عهد الرسول ليس بدعة معاصرة يقولها المتأثرون بالغرب، كما نتهم عادة، بل هو أمر كان موجوداً ومطروحاً ومتفاعلاً معه مذ عصر التابعين وما بعدهم، صحيح أنه لم يكن القول السائد، ولكنه كان موجوداً ومنقولاً ولم يتهم أحد بإيمانه جراء ذلك”.

وصلنا بيت القصيد فوجدناه دون أساس
هذا هو إذن بيت القصيد الذي أراد العمري أن يصل إليه بهذه النقول المبتورة، وهو أن إنكار حادثة الانشقاق (كان موجوداً ومطروحاً ومتفاعلاً معه منذ عصر التابعين وما بعدهم)، ولكن هيهات، قد رأينا أن كل ما جاء به من أدلة على ذلك لا يصح إطلاقاً، وأن إنكار الانشقاق لم يكن موجوداً، ولامطروحاً ولاسائداً ولا متفاعلاً معه، وأن الإجماع على وقوع هذه الحادثة المتواترة لا شك فيه عند أي صحابي أو تابعي أو محدث أو مفسر.
وبعد أن يصل العمري إلى بيت قصيده، يعود ليقول: “ولكن مرة أخرى، أليس غريباً مع حادثة بهذا الحجم أن لا يكون هناك (شاهد عيان) من الصحابة إلا صحابي واحد هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؟ ألا يوجد صحابي آخر قال بسند صحيح حضرت حادثة انشقاق القمر..”.

هذا كلام خطير وغير مقبول وينطوي على تشكيك في الحادثة، وتشكيك في عدالة وضبط رواتها والمحدثين الذين أخرجوها، ونترك الرد عليه إلى المقال القادم بعونه تعالى.

_________________________________________________________

الهوامش

[1] البداية والنهاية، الجزء الثالث، ص 118 طبعة مكتبة المعارف – بيروت 1991

[2] لم يذكر الدكتور العمري مصادر نقله (الكتاب والصفحة) عن أولئك المفسرين الخمسة في هامش كتابه، فتتبعنا ذلك وأثبتناه في هامش هذا المقال

[3] تناول الدكتور العمري حادثة انشقاق القمر في كتابه (السيرة مستمرة) على مدى تسع صفحات، بين الصفحة 240 و 248، وكل ما ننقله في الأسطر التالية عن تلك الحادثة من كتابه  موجود ضمن تلك الصفحات

[4] تفسير القرآن للإمام العز بن عبد السلام، الجزء الثالث، ص 245 طبعة المملكة العربية السعودية 1415

[5] المصدر السابق

[6] تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان للنيسابوري، المجلد السادس، ص 216 طبعة دار الكتب العلمية، بيروت 1996

[7] تفسير القرآن، لأبي المظفر السمعاني، المجلد الخامس، ص 306 – 307 طبعة دار الوطن، الرياض، 1997

[8] النكت والعيون، تفسير الماوردي، الجزء الخامس، ص 409 طبعة دار الكتب العلمية، بيروت