المحاوِر: الحسني ياسين
الضيف: أ. المهدي بالحاج
مقدمة
في زمن تحولت فيه المعرفة إلى سلعة، وأصبحت ريادة الأعمال حلمًا براقًا يخفي ألف إخفاق، وتخرِّج فيه الأنظمة التعليمية أفواجًا من حملة الشهادات وهم أغراب عن أسواق العمل، وأشد غربة عن ذواتهم وهويتهم، يقدم لنا هذا الحوار بين الكاتب الحسني ياسين وخبير التربية والفكر التربوي الأستاذ المهدي بالحاج جذور الأزمة، وينقّب عن آليات الخلاص الممكن.
الحسني
أستاذ المهدي، في زمنٍ أصبحت فيه المعرفة سلعةً تُباع وتُشترى، والقيمُ مجرد شعاراتٍ تُرفع في المؤتمرات ثم تُطوى مع راياتها، نعيش تناقضًا صارخًا: من جهةٍ، خطابٌ عالميٌّ يمجّد ريادة الأعمال وكأنها عصا سحرية لحل مشاكل البطالة والفقر، ويُغرق الشباب بقصص نجاح استثنائية تُعمي عن آلاف الإخفاقات. ومن جهةٍ أخرى، أنظمةٌ تعليميةٌ تُخرج أفواجًا من الحاملين للشهادات وهم فارغون من المهارات الحقيقية، غرباء عن أسواق العمل، وأشد غربة عن ذواتهم وهويتهم. في ظل هذا المشهد، كيف تُشخّص جذور المعضلة؟ وهل هي إشكالية واحدة أم عدة إشكالات تتداخل فيما بينها وتتغذى على بعضها؟
المهدي:
دعني أكن صريحًا، فالمسألة ليست مجرد معضلة تقنية في الاقتصاد أو خلل إجرائي في التعليم. بل إننا أمام أزمة وجودية حضارية مركبة، تتجلى في واجهتين أساسيتين تكشفان عن تصدع في العقل الجمعي والنسيج الاجتماعي:
الواجهة الأولى: وهم المقاولة المُقدّس. فقد تحولت “ريادة الأعمال” عند كثير من الشباب من وسيلةٍ اقتصادية إلى وهمٍ وجودي، وحلمٍ جاهز يَعِدُ بالحرية والثراء السريع بلا كلفة، كما أن الخطاب السائد يُسوّق للمقاولة كبطولة فردية: “فكرة عبقرية + قرض بنكي = ثراء وحرية”. وهو يُخفي عمدًا الوجه الآخر، وهو أن نسبة الفشل تتجاوز 60% في السنوات الثلاث الأولى في كثير من الأسواق، وأن ريادة الأعمال الحقيقية ليست قفزة في المجهول بل بناء صبور قوامه الخبرة المتراكمة، وفهم السوق، ودراسة الجدوى، والقدرة على تحمل الضغط النفسي والمالي، والنهوض بعد السقوط.
إن أخطر ما في هذا الوهم أنه يُنتج أناسًا فاشلين اقتصاديًّا، وأعظم من ذلك أنه يُنتج بشرًا محطمين نفسيًا، يشعرون بالدونية لأنهم لم يصبحوا “مليونيرات” في الخامسة والعشرين.
الواجهة الثانية: التعليم المُفرّغ من جوهره. نعم.. لدينا نظام تعليمي، في كثير من أرجاء عالمنا العربي، لم يخرج بعد من العقلية الصناعية: مدخلات ومخرجات، وتلقين وحفظ واختبارات. المصنع هو المدرسة، والمادة الخام هي الطالب، والمنتج هو حامل الشهادة. ومن المؤكد أن هذا النظام لا يبني إنسانًا، بل يُنتج موظفًا سلبيًا أو عاطلًا متذمرًا. يُدرّس الرياضيات بلا لمس علاقتها بالحياة، والتاريخ كأحداث ميتة للحفظ لا كدروس للفهم، واللغة كقواعد جافة لا كأداة للتعبير والتأثير. يخرّج طالبًا تقيّده الشهادة، مرتعبًا ومرتعدًا من الفشل، مبرمجًا على البحث عن وظيفة لا على خلق الفرصة، عبدًا للمعلومة لا سيدًا لها. وهكذا يلتقي الوهمان: وهم المقاولة السهلة، يُلقى به إلى خريج تعلم أن الحفظ هو النجاح، فإذا به يصطدم بواقع لا يرحم، فيتحطم على صخرته.
الحسني:
إنها صورة قاتمة بحق. لكن، في مواجهة هذه البنية الثقيلة من الأوهام والاختلالات، أين يمكن أن يكمن الحل؟ هل هو في إصلاحات سياسية وحكومية ووزارية كبرى؟ أم في إعادة هيكلة الاقتصاد؟ أم في ماذا؟
المهدي:
كل تلك الإصلاحات مهمة، لكنها تبقى إصلاحات خارجية. برأيي أن الحل الجذري يكمن في استعادة الفاعل الإنساني الأصيل الذي تستهدفه هذه الأوهام: إنه المعلم الذي نُسميه الأستاذ الرسالي. أي المربي الذي يدمج بين العلم والتربية، بين العقل والروح، فيحمل رسالة بناء الإنسان المتكامل. لا أنتظر أن يتغير النظام كله لأبدأ، بل أبدأ أنا من موقعي لأُحدث اختراقًا في جدار الأزمة. الأستاذ الرسالي ليس مجرد مُصلح تقني، هو مشروع حضاري متجسد. هو الذي سيفكك وهم المقاولة من الداخل في عقول طلابه، وهو الذي سيُحوّل فصله الدراسي من معمل تلقين إلى مشغل للعقول المبدعة، وهو الدرع الواقي من الانهزام أمام الشعارات البراقة.
الحسني:
دعنا نفكك هذا المصطلح بتعمق. من هو الأستاذ الرسالي في جوهره؟ ليس مجرد توصيف وظيفي، بل ما هي طبيعة وعيه؟ كيف ينظر إلى ذاته وإلى طلابه وإلى المعرفة ذاتها؟ وكيف يختلف اختلافًا نوعيًا عن “المدرس” أو “الموظف” التعليمي؟
المهدي:
هذا سؤال جوهري، وأرى الفرق بينهما هو فرق بين الناقل والنابض، وبين الميت والحّي. الأستاذ الرسالي في أعماقه، يرى التعليم رسالةً وجودية سامية. هو لا يشعر أنه خُلق ليملأ استمارات ويُنهي مقررًا، بل يشعر أنه في مهمة وجودية، أن معنى حياته يتحقق في أثر يتركه في النفوس والعقول بعد رحيله. هذا الوعي يُغير كل شيء.
أما الموظف التعليمي فينظر إلى الطالب كـ”متلقٍّ” سلبي، أو مجرد وعاء يُملأ بالمعلومات. الأستاذ الرسالي ينظر إليه كـ”مشروع إنسان” في طور التشكل، كبذرة تحمل إمكانات هائلة، وتحتاج إلى تربة خصبة وماء ورعاية. هو لا يصب المعرفة في أدمغتهم، بل يستثيرها من أعماقهم، يُشعل فيهم الدهشة، يُوقظ الأسئلة النائمة في نفوسهم.
يحمل الأستاذ الرسالي همّ بناء أربعة أبعاد متكاملة في طلابه:
1. عقل ناقد فاحص: لا ينخدع بالشعارات، لا يُسلم عقله للقطيع، يسأل “لماذا” و”كيف” و”ما الدليل؟”، يفرق بين الرأي والحقيقة، بين الخطابة والمنهج.
2. خلق قويم راسخ: يرفض الاتجار بالعلم، لا يقبل النجاح على حساب المبدأ، ويعي أن الكفاءة بلا أخلاق هي خراب مؤجل، وأن الكسب الحرام يمحق البركة.
3. هوية واثقة منفتحة: يعتز بجذوره الحضارية وقيمه، يفهمها بعمق لا بتقليد، ومن هذا الاعتزاز الواثق ينفتح على العالم، يأخذ النافع ويطرح الضار دون أن يذوب أو يفقد بوصلته.
4. ضمير حي فاعل: يدفع للعطاء لا للربح الأناني، يستشعر مسؤوليته تجاه مجتمعه وأمته والإنسانية، ويرى أن النجاح الفردي لا قيمة له إن لم يتحول إلى نفع متعدٍ.
هو كالنهر الذي يفيض، لا يتوقف أثره عند الفصل الدراسي، بل يمتد إلى أعماق الطالب في وجدانه وسلوكه وطريقة عيشه. يقدم القدوة في الإخلاص، في الصبر، في إتقان العمل، في مسامحة المقصر… هذه كلها “مناهج حية” خفية، لا توجد في كتاب، ولكنها تُدرّس بالسلوك والمواقف.
الحسني:
جميل. لنرَ الآن كيف يعمل هذا النموذج على الأرض. لنأخذ واجهة “وهم المقاولة” أولًا. أنت تقول: إن الأستاذ الرسالي هو الحصن. كيف يمكن للأستاذ الرسالي عمليًا يُحصّن طلابه ضد هذا الخطاب البراق؟ كيف يُفرق في غرسه بين الحلم المدروس والمغامرة الطائشة؟
المهدي:
هو يفعل ذلك بثلاثة أسلحة رئيسية: العقل الناقد، الكفاءة الحقيقية، ونموذج القدوة.
أولًا: تدريب العقل على النقد لا الانبهار. ونرى أنه في صفه، لا يتيح مجالا للانبهار الأعمى بالشعارات. وعندما يسمع الطالب قصة “المليونير الشاب” التي تجتاح وسائل التواصل، يكون قد تدرّب على يد أستاذه على طرح الأسئلة المرة التي لا يطرحها الإعلام: ما هي نقطة البداية الحقيقية؟ كم سنة خبرة مختفية خلف القصة البراقة؟ كم مرة فشل قبل أن ينجح؟ هل السوق مهيأ حقًا لمثل هذه الفكرة هنا والآن؟ ما هي التكاليف الخفية (النفسية، الاجتماعية، الصحية)؟ يُدرّبهم على قراءة ما وراء الأرقام، على تحليل دراسات الجدوى لا مجرد الانبهار بالعنوان. يُعلّمهم درسًا وجوديًا: ليس كل ما يلمع ذهبًا، وفي الاقتصاد كما في الحياة، ما يأتي سريعًا يذهب سريعًا غالبًا. هذا العقل الفاحص هو الذي يفرق بين الحلم المربوط بأرض الواقع، والوهم المحلّق في سماء الأماني.
ثانيًا: غرس الإتقان والكفاءة المرتبطة بالحياة. الأستاذ الرسالي لا يُدرّس مادة منعزلة. هو يربط بشكل منهجي بين المعرفة والمهارة الحياتية. في الرياضيات، لا يكتفي بحل المعادلات، بل يتعدى إلى محاكاة إدارة ميزانية مشروع صغير، حساب التكاليف والأرباح، فهم الفائدة المركبة في القروض. في اللغة، يتحول الدرس إلى ورشة للتواصل الفعّال والإقناع الأخلاقي وكتابة مقترحات المشاريع ومخاطبة الجمهور. في التاريخ، يدرس سقوط الأمم اقتصاديًا ونهوضها، ليستخلص شروط النجاح الحضاري. في الأخلاق والتربية، يناقش معضلات الصدق في الإعلان، والغش التجاري، وتطفيف الميزان، والمسؤولية الاجتماعية للشركات. بهذا، يبني قناعة بأن “الفكرة العبقرية” وحدها ليست كافية، بل تحتاج إلى العلم بالإدارة والتسويق والمحاسبة، وإلى الصبر على المحن، وإلى القدرة على النهوض بعد الفشل. يصبح الطالب قادرًا على تحويل الحلم إلى خطة، والخطة إلى عمل، لأنه يملك الأدوات المعرفية والمهارية.
ثالثًا: تقديم نموذج القدوة المضاد. الطالب الذي يرى أستاذه مخلصًا في عمله اليومي، متقنًا لشرحه، صبورًا على أسئلتهم حتى الساذجة منها، صادقًا في وعده، دؤوبًا في تطوير ذاته، يتعلم ضمنيًا دروسًا لا تُنسى. يتعلم أن النجاح الحقيقي ليس استعراضًا فارغًا في سيارة فارهة، بل هو أثرٌ إنساني وعلمي يُبنى ببطء وثبات، بصبر الحرفي الماهر لا بسرعة المُهرّج. هذا الأستاذ بنمط حياته يُحصّنهم ضد صورة “رجل الأعمال المستعرض” في وسائل التواصل، ويُعيد تعريف النجاح في أذهانهم: النجاح أن تكون كُفؤًا نافعًا صادقًا، لا أن تبدو غنيًا سريعًا.
الحسني:
لكن ألا يخاطر هذا الأستاذ بأن يُفهم خطًا، فيُتهم بأنه يُثبّط العزائم ويُحطّم الأحلام ويُخيف الشباب من خوض المغامرة؟
المهدي:
هذا سؤال في محله، الأستاذ الرسالي لا يقتل الحلم، بل ينقله من أرض السراب إلى أرض الواقع. فهو لا يقول للطالب “لا تحلم”، بل يقول له “لتحلم بشكل أكبر، ولكن مسلحًا بالمعرفة والمهارة والصبر”. الفرق دقيق: فهو يفرّق بين التهور والجرأة المحسوبة. الجرأة المحسوبة تنطلق من وعي بالمخاطر واستعداد لها، أما التهور فهو قفزة في الظلام. الأستاذ الرسالي يبني في الطالب الجرأة المحسوبة، يعلمه كيف يخطط، كيف يحسب المخاطر، كيف يدير الفشل كجزء طبيعي من الرحلة. هذا ليس تثبيطًا، بل هو التمكين الحقيقي الوحيد. الحلم بلا منهج هو أمنية، والحلم بالمنهج هو هدف، والحلم بالمنهج والكفاءة والصبر هو النجاح.
الحسني:
بالتأكيد. لننتقل الآن إلى معركة الأستاذ الرسالي الكبرى الأخرى: إصلاح التعليم من الداخل. لقد ذكرتَ عللًا بنيوية مترسخة: ضياع الرسالة، إدمان التلقين، تهميش المعلم، القطيعة مع الواقع، طوفان الغش والدروس الخصوصية. كيف يكون هذا الأستاذ، بمفرده، حلًا لكل هذه المعضلات؟ ألا ترى أن هذا قد يبدو هذا مثاليًا أو رومانسيًا.
المهدي:
أتفهم وصفك بالمثالية، لكنني أتحدث عن مثالية واقعية، عن فعل يومي صبور. الأستاذ الرسالي ليس بطلًا خارقًا، هو إنسان كامل الإنسانية، يخوض معركته في خندقه الخاص، وهو الفصل الدراسي. هو الحل المتجسد لأنه يبدأ من حيث يقف، صفًا بعد صف، وطالبًا بعد طالب، دون أن ينتظر أن تتبدل الدنيا بجرة قلم وزير. هذه هي الثورة الصامتة. ولنأخذ كل علة ونرى كيف يواجهها:
أولًا: في مواجهة ضياع البوصلة والرسالة: هو يستعيدها ويعيشها. يعيد تعريف الغاية في عقله وفي خطابه لطلابه: التعليم ليس وسيلة للشهادة، بل وسيلة لصناعة إنسان متوازن، مفكر، مبدع، مسؤول. هو يرفض أن يكون مجرد موظف تعليم يؤدي الحد الأدنى. هذه الرؤية تسري في كل تصرفاته، وتنتقل بالعدوى الصامتة إلى زملائه وطلبته.
ثانيًا: في مواجهة طوفان الغش والدروس الخصوصية: هو يقف شامخًا بصدقه وأمانته. لا يبيع دروسًا لطلبته، ولا يُساوم على العلامات. يبني ثقافة الفهم لا ثقافة الورقة. يُقنعهم بالفعل، وليس بالوعظ، أن القيمة في الفهم الحقيقي وفي الخلق القويم، لا في الدرجة التي قد تنتزع بالغش. ويُصمم اختبارات تقيس الفهم والتحليل والتركيب لا الحفظ، فيُقوّض نظام الغش من أساسه. طالبه يعرف أن الغش مع هذا الأستاذ لا ينفع، والأهم، أنه لا يليق.
الحسني:
وأما إدمان التلقين، وهو أبو العلل كما يبدو، فكيف تكون مواجهته العملية في الفصل؟
المهدي:
هنا تكمن معركته اليومية الأشرس. إدمان التلقين هو قتل للإنسان في أسمى ما يمتلك: قدرته على الدهشة والتساؤل والتفكير. الأستاذ الرسالي يرى التلقين عدوه الأول، لأنه يصنع بشرًا مبرمجين، يصلحون للاستهلاك والطاعة، لا للابتكار والقيادة.
في صفّه، لا يُقدّس كلمات ميتة على حساب عقول حية. يقلب الآية: فلا يبدأ بإعطاء الأجوبة، بل بطرح السؤال المُحفّز. يستخدم الطريقة السقراطية: يسأل “ما معنى هذا برأيكم؟”، “كيف نعرف أن هذا صحيح؟”، “ماذا لو حدث العكس؟”. يعلمهم كيف يُطرح السؤال الجيد، فالسؤال هو نصف العلم. يُدربهم على التحليل: تفكيك المشكلة إلى عناصرها. على الاستنباط: استخراج غير المصرح به. على التركيب: الربط بين معلومة وأخرى من مجالات مختلفة لاستخراج معنى جديد. يُخرّج طلابًا لا يخشون التفكير خارج الصندوق، لا لأنهم متمردون عبثيون، بل لأنهم اعتادوا استخدام عقولهم كعضلات فكرية تُمرن يوميًا. يُحوّل الدرس إلى ورشة للعقول، إلى مساحة للجدل الخلاق المحترم. هذا يعالج أصل الداء: الجمود الفكري الذي يجعل الأمة أسيرة الاجترار لا الإبداع، مستهلكةً لا منتجة.
الحسني:
وماذا عن المناهج المقررة التي تأتي غالبًا جافة وبعيدة عن اهتمامات الطالب؟ هل ينتظر أن تتغير المناهج؟
المهدي:
أبدًا، هو لا ينتظر إصلاحات فوقية قد لا تأتي أو تأتي بعد فوات الأوان. هو يبادر من موقعه، فيفعل بالمنهج ما يجعله حيًا. يأخذ الهيكل العظمي للمنهج ويكسوه لحمًا ودمًا من الواقع. يربط العلم بالحياة بشكل عضوي:
– الفيزياء تُشرح من خلال ظواهر حياتية: لماذا يسقط التفاح على الأرض ولا يصعد؟ كيف يعمل المحرك؟ ما حكاية قوس المطر وانكسار الضوء في قطرة ماء؟
– الكيمياء تُربط بالمطبخ، بصناعة الأدوية، بمشاكل التلوث وحلولها.
– الأدب لا يُدرس كمتون جامدة، بل كمرآة للنفس البشرية، تُستخلص منه قيم العدل والجمال والإحساس بالآخر، ويُربط بقضايا العصر.
– التاريخ يُستنطق: لماذا سقطت الأندلس؟ دروس للوحدة والتنمية والعلم. كيف نهضت سنغافورة؟ دروس في الإرادة والتخطيط.
هكذا ينكسر الجدار المصطنع بين المدرسة والحياة، ويصبح العلم نابضًا ذا معنى، فيقبل عليه الطالب بشغف.
الحسني:
في عصر الشاشات والإنترنت، يواجه الطالب فيضًا من المحتوى غير المرشح، أفكارًا متطرفة، دعايات استهلاكية، وأخبارًا كاذبة. كيف يُحصّن الأستاذ الرسالي طلابه ضد هذا الطوفان الرقمي؟
المهدي:
هذا هو البعد الجديد الضروري لدوره. لا يمكنه أن يمنعهم، فالمنع في هذا العصر ضرب من المستحيل، بل يخلق رد فعل عكسيًا. سلاحه الأنجع هو التربية الإعلامية والرقمية النقدية. لا يكتفي بالتحذير، بل يُدخلهم في تمارين عملية:
– يأتي بخبر من مواقع التواصل، ويحللونه معًا: من المصدر؟ ما الدافع؟ هل هناك تحيز؟ ما الذي حُذف؟
– يُشاهدون إعلانًا تجاريًا، ويُفككون رسائله الخفية: كيف يستغل مخاوفنا أو رغباتنا ليبيع لنا منتجًا؟ كيف يُصوّر السعادة بأنها سلعة تُشترى؟
– يتحدثون عن “فلاتر” الحياة على إنستغرام، ويفرقون بين الحياة الحقيقية المتعبة الجميلة، والصورة المزيفة المعدلة.
– يُعلّمهم أساسيات الأمن الرقمي، والتحقق من المعلومات، والتفريق بين المحتوى الهادف الذي يبني فكرًا أو مهارة، والمحتوى الهابط الذي يقتل الوقت والذهن.
هذا التحصين النقدي هو ما يجعل الطالب عصيًا على الدعايات المضللة، سواء روجت لمشاريع وهمية براقة، أو لأفكار هدامة، أو لمعايير جمال ونجاح مزيفة.
الحسني:
هل يبقى دور الأستاذ الرسالي محصورًا داخل جدران المدرسة، أم يتعداها إلى ما هو أرحب؟
المهدي:
حتمًا يتعداها. هو يعلم أن التعليم لا ينجح إذا ظلت المدرسة جزيرة معزولة، وأن جهده يذهب سدى إذا كان البيت يهدم ما تبنيه المدرسة، أو كان الشارع والمجتمع يسيران في الاتجاه المعاكس. لذلك هو قائد مجتمعي يمد جسوره إلى الأسر والمجتمع المحلي. يسعى لإشراك الآباء في العملية التربوية، لا كمراقبين للدرجات، بل كشركاء في بناء الإنسان. يتفهم بيئة الطالب الاجتماعية والنفسية، يزور الحي، يفتح قنوات حوار حقيقية مع الأسر، يستمع لهمومهم أكثر مما يلقي عليهم المحاضرات. هو لا يصنع من المدرسة قلعة للدروس، بل خلية مجتمعية حية تنبض بالحياة، ومنارة إشعاع حضاري. يكسر بذلك العزلة القاتلة التي تعاني منها المدرسة، وتصبح المدرسة قلب المجتمع النابض، لا بناية منعزلة في طرف الحي.
الحسني:
إذن أنت تقدم معادلة مترابطة: لا تحصين ضد الوهم الاقتصادي وضياع الهوية دون إصلاح جذري للتعليم، ولا إصلاح للتعليم دون استعادة المعلم لدوره الرسالي. ولكن بصراحة، هل تستطيع جهود أفراد، مهما كانوا مخلصين، أن تحدث تغييرًا حقيقيًا في نظام بهذا الجمود والضخامة؟
المهدي:
هذا هو السؤال المحوري. التغيير الحقيقي لا يبدأ من القوانين والهياكل، بل من تغيّر وعي الإنسان. كل إصلاح عظيم في التاريخ بدأ بفكرة، وتبناها فرد أو أفراد آمنوا بها فصارت رسالة، ثم انتشرت فأصبحت واقعًا. الأستاذ الرسالي لا يعمل في فراغ. أثره تراكمي، مُضاعف. طالب واحد يتغير عميقًا، سيغير أسرة، وسيغير مجتمعًا صغيرًا حوله، وقد يصبح هو نفسه ذلك الأستاذ الرسالي أو القائد الاقتصادي الواعي. نحن لا نزرع شجرة، بل نزرع غابة، بذرة إثر بذرة. صف دراسي واحد يقوده أستاذ رسالي هو نقطة ضوء في محيط من الظلام، ونقاط الضوء حين تتجمع تصبح فجرًا. تعظيم دور الفرد هنا ليس رومانسية، بل هو إدراك لطبيعة التغيير الجذري العميق الذي يبدأ من الداخل. السياسات مهمة، لكنها بدون المربي الرسالي تبقى هياكل فارغة.
الحسني:
ختامًا: في عالم يزداد ضجيجًا بالماديات والسرعة والاستهلاك، ما هي الرسالة التي توجهها للمعلمين الحاليين والمستقبليين، وللأمة التي تبحث عن مكان لها تحت الشمس؟
المهدي:
أدعو كل معلم ومعلمة إلى أن يقفوا مع أنفسهم وقفة صدق، ويسألوا: “هل أنا موظف تعليم، أم صاحب رسالة؟ هل أثرَي في طلابي يقف عند ورقة الامتحان، أم يمتد إلى أعماقهم؟”. أنادي باستعادة الروح الرسالية للتعليم، فوالله، أمتنا أحوج ما تكون اليوم، في زمن الهزائم النفسية والأوهام، إلى معلمين يحملون رسالة لا مجرد وظيفة. معلمين ينظرون إلى قاعات الدرس على أنها محاضن لصناعة الحضارة، ومشاغل لصياغة المستقبل، وإلى طلابهم على أنهم مشاريع إنسانية عظيمة تحمل في طياتها بذور النهضة أو بذور الانحدار.
ولصناع القرار: فلنعيد الاعتبار للمعلم، ماديًا ومعنويًا، ولندعمه تدريبًا وتأهيلًا، لا لنصنع منه موظفًا أفضل، بل لنوقظ فيه الرسالي النائم. فبالمعلم تُبنى الأمة وتُهدم الأوهام، وعلى يديه تُصنع الحياة الكريمة للأجيال القادمة.
وما أجمل أن يكون شعار كل من حمل هذه الأمانة، يردده في صمته قبل صوته، وفي فعله قبل لسانه:
“أنا أستاذ رسالي: أصنع الإنسان، لا مجرد أنقل الدرس. أبني العقل الناقد، وأحمي الفؤاد من السراب، وأزرع الأمل حيث يحاول اليأس أن يسكن.”
الحسني:
شكرًا جزيلًا أستاذ المهدي على هذا الحوار العميق الملهم. أسأل الله أن يكثر في أمتنا الأساتذة الرساليون، فهم وحدهم قادرون على تحويل المعادلة الصعبة إلى معادلة أمل.
