alsabeel img 1792953810 2824

قفزة فوق الألم…وقفة مع مفهوم الطّفولة المعاصر

هبة البغدادي البَارِزي

في برنامج يصوّر مأساة دولة موزمبيق؛ ويمرّ بعدسته على مشاهد الأحياء الفقيرة، ويَسرد على لسان أحد سكانها الأصليين معاناة شعبهم على أرضهم، التي احتلّها البرتغاليون سابقًا، وعاملوهم بمبدأ الفصل العنصري على أساس العرق واللَّون، قفز مشهدٌ مُختلف تمامًا وكأنّه يعيد صياغة القصّة من جديد؛ مشهدٌ لصِبْيَةٍ يلعبون بسعادة ومرح، يقفزون فوق قنوات المياه الملوثة، غير آبهين بما يجري حولهم، وكأنّهم يقفزون متعالين على واقعهم المرير، في مشهد يحمل دلالة واضحة على القوّة التي يحملها الأطفال في نفوسهم، وعلى القدرة العظيمة التي زرعها الله تعالى فيهم على تحمّل الصعاب، وعلى اللعب والفرح رغم الألم!

طفولة تقفز فوق الألم..

هذا المشهد الجميل والقاسي في آنٍ واحد، يعيدنا إلى مشاهد متكرّرة في كثير من البلدان حول العالم، وفي كثير منها دولٌ عربية وإسلاميّة، لتبدو صور المعاناة والشقاء كجزءٍ لا يتجزّأ من نسيج الواقع المعاصر، وإنّ ما يعانيه الأطفال كلّ يوم حول العالم، بات يُنقَل بالصوت والصورة، ويُبثّ على القنوات والفضائيات، وأصبحت مشاهد مصارعة الأطفال للبقاء على قيد الحياة، وصمودهم أمام البرد والجوع والفقر والتشريد والقتل مشاهد معتادة!

ممّا يدعونا للوقوف وقفة صدق مع واقع الحال، ومع طريقة تعامل المربّين والدُّعاة والآباء مع هذا الواقع، وأيضًا إلى النّظر بعينٍ ناقدة لتوجّهات المنظّمات الحقوقية والإنسانيّة التي تعمل على استجلاب العطف، وجمع المساعدات، مع الاستسلام للحياة البائسة، دون محاولةٍ فعليّة للتغيير.

 وهنا يعصف سؤال بالذّهن عمّا يحتاجه الأطفال في هذه اللّحظات العصيبة حقيقة: هل تقتصر حاجاتهم على الطعام والشراب، ودُموع الشفقة؟ أم أنّهم أحوج ما يكونون إلى تربية واعية؟ تعلّمهم كيف يواجهون هذا الواقع بقوة وثبات، وتبصّرهم بجذور المشاكل ليستطيعوا النهوض بمجتمعهم من جديد، وتعينهم على الخروج من هذا الواقع البائس، الذي بات يطارد الأجيال جيلًا بعد جيل!

من غزّة إلى سوريّا، وأعوام من المساعدات:

الطّريق لمساعدة أطفال العالم وأطفال المسلمين خاصّة، لا يمرّ عبر منظّمات الأمم المتحدة واليونيسيف التي تتمركز على أراض الصراع والأزمات منذ عشرات السنين: من غزة إلى سوريا إلى الموزمبيق، ولكن دون تغيير ملموس في جذور الواقع.

إنّ ما وصل إليه العالم الحديث من الأزمات والدّمار وانتشار قتل الأطفال، ينمّ بشكل واضح عن ظلم عظيمٍ منتشر، وعن تضارب صارخ بين قوانين حقوق الطفل التي سنتها الأمم المتحدة- والتي تعمل على ملف حماية الطفل منذ ثمانين عامًا حول العالم- وبين واقع التطبيق الفعلي.

المنظّمات الدّولية وضمان المصالح:

هذا الجمود في التغيير راجع ربما لعدّة عوامل منها الاهتمام بالمصالح على حساب الإنسان، وإلى المنظومات المحليّة الحاكمة والفاسدة في مختلف الدول، وكذلك الانتقائية في التطبيق، وطبيعة البيئة التي خرجت منها هذه المنظمات، والأرضيّة التي استندت عليها في سنّ القوانين، فالتاريخ الغربيّ حافل بالاستعمار والاحتلال، والحروب الصليبية والعالميّة، وقد لجأوا للتحرّر الدينيّ والأخلاقي وبات ذلك شعارًا للتحضّر عندهم، ليتخلصّوا من واقعهم البائس.

يجب عدم إغفال تأثير كل تلك العوامل مجتمعةً في صياغة قوانين حقوق الطفل المعاصرة؛ التي باتت مُلزمةً لغالبية دول العالم، وأيضًا في طريقة تعامل هذه المنظّمات مع أطفال المسلمين، وأطفال العالم غير المنتمين لبَني جِلدتهم.

الدول التي صاغت هذه القوانين، هي ذات الدول التي سبّبت مع اجتماع عوامل أخرى داخليّة أيضًا، مأساةً لأطفال كثير من الشعوب، ثم تأتي عليهم بلباس المنظّمات الدوليّة والحقوقيّة بعد سنوات طويلة من الاحتلال والاستعمار ونهب الثّروات، لتستوطن الأرض المُدمَّرة باسم الأطفال والفئات المهمّشة، فتفرض أجنداتها، وتضمن تطبيق قوانينها ومعاهداتها أو ضمان مصالحها.

وقفة مع مفهوم الطفولة:

مبادئ وقوانين حقوق الطفل التي أقرّتها منظمات عديدة كالأمم المتحدة واليونيسف، والتي تستند إليها المنظّمات الحقوقية والمدنيّة، المُنبثقة من بيئةٍ علمانية، وليبرالية، بعيدةٍ عن المرجعية الدينيّة؛ بَنَت تصورات في كثير منها مشوّهةً عن معنى الطفولة وحقيقة مهمّة التربية.

وقد تأثر مفهوم الطفولة حول العالم وفي دولنا العربية والإسلامية أيضًا، بعد توقيع غالبية الدول على اتفاقية حقوق الطفل، وحدوث الهيمنة الثقافية والسياسية، فتولّد عن ذلك مفهوم معاصرٌ شائع عن الطّفل؛ بالنظر له كَكيان مُستقلٍّ مُنفصل عن أسرته، له حقوقٌ مَحفوظة في الدستور، والتي ينصبّ صلبها في تحقيق راحة الطّفل وحرّيته وحمايته من كل شرّ.

ومن أحد معضلات هذه القوانين هي الاهتمام بالطفل كفرد لوحده، وتجاهل حقيقة أن الطفل يحتاج في المقام الأول إلى مجتمع متماسك وأسرة متماسكة، ودَولة آمنة، وإلى العيش بكرامة وسلام، دون أن تُفتعل الحروب في بلاده، أو تُنهب ثرواته، أو يُقصف بالصواريخ وهو نائم آمن في بيته.

 شقاءٌ مستمر وجرعات مخدّرة

هذه القوانين والحقوق لم تحسّن من واقع الطفل العربي والمسلم أو الطفل الفقير في أي مجتمع كان، ولم يختلف الأمر كثيرًا مع الطفل الذي يعيش في الدول المُرفّهة، لأنّ الأخير يتعرض لأزمات مختلفة نتيجة تضارب الحريّات والقوانين؛ ومنها تفكّك الأسر، والإهمال، ومشاكل الإدمان وجرائم الخطف، والاستغلال الجنسيّ..

ولا يمكن إنكار أن هذه القوانين تحمل بعضًا من الخير وأنها قدّمت كثيرًا من المساعدات في الأزمات والطوارئ، ولكنّها في كثير من الأحيان بقصدٍ أو دون قصد، تعمل كأنها عقار مُخدّر يُغيّب المجتمعات عن المسبّبات الرئيسية للواقع الأليم من حولهم، ويُثبّط عن محاولة خلق بيئة وقائيّة من الجذور تحمي الطفل قبل وقوع الكارثة.[1]

ولذا لا بدّ لنا من وقفة جادّة مع المفاهيم الحديثة عن الطفولة والتربيّة، وحقوق الطّفل، لنعيد صياغة التربية في ضوء واقعنا و واقع أطفالنا.

تِيهُ التربية بين الترف والفقر

إنّنا إذ نلجأ لمفاهيم غربية حداثية عن الطفولة يصيبنا التيه في فهم الغاية التي خُلقَ الإنسان لأجلها ، والضياع عن التربية التي نحتاجها لتحقيق مقصد الغاية والوجود الإنسانيّ، فيخرج بذلك جيل هشّ ضعيفٌ لا يصمد أمام تحدٍّ بسيط أو فشل عابر.

ولعل السبب الأهم في هذا الإطار هو تأثر مفهوم التربية بالتصور الحداثيّ عن العالم، الذي لا يصور مهمة الإنسان إلا بالسّعي الحثيث لتحقيق الرفاه الدنيوي، والجنّة الأرضيّة المُفرَّغة من المعنى والهدف!.

وعندما نحصر فكر أطفالنا في هذا النطاق الضّيق عن طبيعة الحياة، فإننا نخدع أنفسنا ونخدعهم بسلامٍ مُتوهم، وبحياة مترفة كثير منّا لم يَعِشْها، ورُبّما لن يعيشَها.

تربية الأزمات:  

إن كانت صور معاناة الأطفال متكرّرة ومُستمرة حتى يشاء الله، وطبيعة الحياة الدنيا متقلّبة ومتبدلة الأحوال، فحريٌّ بنا أن نُربيّ أولادنا على مواجهة هذا الواقع والتجهّز له على كل الأصعدة، وذلك بتربيتهم على معانٍ صادقة عن الحياة والعالم، والسعادة والراحة، ويجب أن تليق هذه التربية بجيل الاستخلاف، فلن تحمل الأجيال هذه المهمّة العظيمة، وقد تاهت عن المعاني الوجوديّة، وابتعدت عن مقاصد الدّين الإسلاميّ، وأضاعت معرفتها بربّها، واستكانت للرّاحة والدّعة، وغرقت في الاستهلاك المُفرط، وسيطرت عليها الماديّة والفردانيّة، واستسلمت لشهوات النّفس دون ضابط أو رادع، حتى باتت الدُّنيا وإرضاء ذواتهم أكبر همومهم وغاياتهم.

يعيش الفتى منهم حياةً اعتياديّة نمطيّة غير آبهٍ بما يحدث لإخوانه من المسلمين، الذين يُقتلون وتستباح أعراضهم وأرضهم، وينكِّل بهم أعداء الدين جهارًا نهارًا، ويمكرون بدين الإسلام في كل فرصة ومناسبة.

العقيدة كدرع صدّ

في هذا العصر المليء بالفتن، وانتشار حالة الاستضعاف بين المسلمين، لا ينفع الدين القائم على مبدأ “هذا ما وجدنا عليه آباءنا” واتباعه كتقليد ومَوروث، وإنّما نحتاج للعودة للفهم الصحيح للإسلام، ولتشرّب معاني العزة والقوة والشجاعة، وفهم معنى الصّبر والثبات، وزَرع القيم والأخلاق الإسلاميّة الحميدة، وإعطاء الطفل الإجابات الصحيحة عن معنى الوجود، وحقيقة خَلق الله له، كما أنه ليأمن مكر العدوّ لا بد له من أن يفهمه، ويَفهم طبيعته، ويتعرّف على أساليبه وطرقه.

حقوق الطّفل في الإسلام .. ريادة بلا منازع

عندما نعيد تعريف الطفولة في ضوء الإسلام، ونقوم بالتربية الإسلامية الواعية منطلقين من المفهوم الإسلامي عن طبيعة الحياة الدنيا التي جُبلت على كدر، ومن سنن الله المؤكدة في الاختبار والابتلاء؛ نستطيع أن نبني جيلًا مؤمنًا طائعًا لله، مُعتزًّا بدينه، صلدَ النّفس، عظيم القوة، شديد الوعي.

وإن الحقوق الإسلامية للطفل إذا ما ضمنّا تطبيقها بالشكل الصحيح، فإنها تشكل بديلًا متفوّقًا عن النموذج الغربي في التربية، وعن قوانين حقوق الطفل المعاصرة، التي عجزت عن التوفيق بين الحريّات الفردية والجماعية، وعن فصل ذلك عن المصالح الدوليّة والمحليّة والاقتصادية.

صياغة مفهوم الطّفولة الإسلاميّ ودور المربّين

من قفزة الأطفال في الموزمبيق فوق القنوات الملوّثة، إلى ما يشابهها من قفزات الأطفال فوق الركام في غزة، إلى وَثبات أطفال المخيّمات فوق الثّلوج والأمطار، تتجلّى صور المعاناة، ويظهر شكل العالم الحديث على حقيقته دون تزييف أو تجميل.

إنّ المسؤولية الملقاة على عاتق الآباء والمربّين اليوم تتجاوز تأمين العيش الرّغيد أو مداواة الجروح؛ إلى مسؤوليّة التربيّة الواعية التي تتفاعل مع الأزمات، فإنها معركة وعي ومفاهيم في المقام الأول، وإنّ الحلول للتخلص من هذا الواقع ليست حلولًا سهلة التطبيق، ولكن الأمر يبدأ من التربية والإعداد، وبتفعيل فِقه الأزمات، وتجنّب الاتكال على الغير، والعمل يدًا بيد أفرادًا ومؤسسات لإعادة صياغة مفهوم الطفل وحقوقه، منطلقين من الوحي الإسلامي، ومن واقع حال الطفل المسلم، الذي بات يحتاج تمكينًا في وجه الأزمات، وتربيةً تَقيه من الانكسار.

لقد آن الأوان لنتعلم من أطفال العالم كيف نقفز فوق عجزنا، لنصنع لهم واقعًا يليق بكرامتهم وبمستقبلهم.


[1] قوانين حقوق الطفل https://www.unicef.org/ar/media/61611/file/%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9%20%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82%20%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%81%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D8%A9%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%A9%20%E2%80%93%20%D9%86%D8%B3%D8%AE%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84

شارك المقال