عثمان حمودة
غالبا ما يميل التحليل السياسي للأزمات في بلاد الشام إلى الغوص في تفاصيل اللحظة الراهنة، معتبرا الحروب والنزاعات الحدودية والأوضاع الاقتصادية المتردية مجرد نتائج لسوء إدارة أو صراعات طارئة. إلا أن العودة إلى الوثائق التاريخية لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى تكشف حقيقة مغايرة وأكثر عمقا، فالواقع اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو النتيجة الطبيعية لعملية الهندسة الجيوسياسية التي حولت المنطقة من فضاء حضاري واقتصادي متكامل إلى مجموعة من الكيانات الوظيفية المتناحرة.
من الفضاء الطبيعي إلى السجن الجغرافي
إن الامتداد التاريخي السياسي -الذي يحاول البعض اليوم تجاهله عبر القيام بالتحليل بناء على الموقف اللحظي-أمر جوهري في فهم سياقات الأحداث، فالسياسة الفرنسية في بلاد الشام عام 1915م كانت وباعترافهم امتدادا “للحروب الصليبية”، وقد عُبّر عنها بالعبارة التي نقلها جايمس بار عن السياسة الفرنسية في ذلك الوقت (1) :”كل ما علينا فعله في بلاد الشام هو أن نجني حصاد سبعة قرون من المساعي الفرنسية”. هذا الاعتراف يضعنا أمام مفارقة جوهرية، ففرنسا العلمانية التي نشأت بعد الثورة كانت تتصرف بذاكرة “الحروب الصليبية”، وبينما دخل المحتل بلادنا بذاكرة تمتد لسبعة قرون، واجهناه نحن بذاكرة مجزأة، وقرأنا لاحقا واقعنا بهذه العقلية التي لم تعد تدرك من التاريخ شيئا.
تستند هذه الورقة في فرضيتها الأساسية على قراءة تاريخية-وثائقية لمرحلة الانتداب (سايكس بيكو وما بعدها)، لتبيّن أن ما حدث في بلادنا لم يكن تأسيسا لدول وطنية بالمعنى الطبيعي، بل كانت عملية تجزئة وتقطيع لأوصال جسد واحد، فبلاد الشام التي عاشت لقرون طويلة امتدادًا جغرافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا متصلًا (من حلب إلى القدس ومن بيروت إلى دمشق) خضعت لتقسيم منافٍ للطبيعة وللتاريخ، تجوهِلَت فيه الحقائق الجغرافية والتاريخية لمصلحة سياسات وضرورات القوى المنتصرة.
إن خطورة هذا التأسيس لا تكمن فقط في رسم خطوط على الخريطة، بل في تحويل هذه الخطوط إلى جدران وعوازل في الوعي الجمعي لأبناء هذه المنطقة، وفي بناء أنظمة سياسية واقتصادية غير قادرة على البقاء دون الرعاية الخارجية لها.
بناء على ذلك، تسعى هذه الورقة إلى تشريح بنية النظم السياسية القائمة في بلادنا التي ورثناها من الحقبة التي خلت، ومحاولة فهم كيف تحولت الجغرافيا والديموغرافيا من عناصر قوة إلى أدوات للسيطرة والتفجير. وذلك بهدف الوصول إلى رؤية استراتيجية تعيد تعريف مفهوم النهوض، هل هو في ترميم هذه الكيانات أم في البحث عن صيغ جديدة تعيد الاعتبار للمنطق الطبيعي والتاريخي والجغرافي الذي قُطع بسبب هذا الاستعمار؟
هندسة المسرح.. اغتيال الجغرافيا الطبيعية
كانت عملية رسم خرائط الشرق الأوسط الجديد بعد الحرب العالمية الأولى عبارة عن عملية إعادة هندسة شاملة للمجال الحيوي لبلاد الشام، حيث حولت الجغرافيا من عامل تواصل وتكامل إلى أداة عزل وسيطرة، وبحسب الوثائق التاريخية، كانت هذه الهندسة تتم على مستوين متوازيين: مستوى الحدود السياسية لتقطيع أوصال البلاد، ومستوى التنظيم العمراني لإخضاع المدن.
حدود ضد الطبيعة: الجغرافيا في خدمة الإستراتيجية
تظهر المراسلات الداخلية لصناع القرار الغربي في ذلك الوقت فهما تاما وإدراكا بأن ما يقومون به هو مخالف للعقل والمنطق. فقد قال أحد المستشارين البريطانيين (1): “الحقيقة هي أن أي تقسيم للبلاد العربية بين حلب ومكة مُنافٍ للطبيعة، وبذلك إن أي تقسيم يُتفق عليه يجب أن يأخذ بالاعتبار الضرورات العملية. الإستراتيجيّة هي أفضل دليل”. حتى الغرب كان يدرك بوضوح أن فصل حلب عن مكة، أو الشام عن الحجاز، هو عمل ضد منطق الجغرافيا، وضد حركة التاريخ، وضد طبيعة النسيج الاجتماعي للمنطقة. هم اعترفوا أن هذه الخطوط رسمت فقط لخدمة مصالحهم.
عمل الاستعمار على ترسيم الحدود بناء على أمرين:
- تغليب الضرورات العملية: حيث رسمت الخطوط على الخريطة لخدمة ممرات النفط وطرق التجارة وغيرها من الأسباب دون أي اعتبار للنسيج الإجتماعي والديني المتداخل. فمدينة الموصل مثلا قررت بريطانيا أن تحتفظ بها لنفسها لوجود آبار النفط فيها، ووافقت فرنسا على ذلك شرط أن يكون لها حصة من هذه الثروات.
- المناورات السياسية: لم تكن الحدود نتيجة رؤية استراتيجية لبناء دول محلية قوية، بل كانت نتيجة لصراعات سياسية بين الحلفاء. فكما تشير الوثائق (1) أن بريطانيا استخدمت وعد بلفور ودعم الحركة الصهيونية كـ “مناورة امبريالية” هدفها الأساسي خداع الفرنسيين وقطع الطريق على تمددهم جنوبا ومحاولة الاحتفاظ بهذه الأرض تحت ذريعة الحفاظ على “الوطن القومي لليهود”. كل هذا حدث لأن بريطانيا كانت تحاول نسف اتفاقية سايكس-بيكو التي اعتبرتها سخية جدا مع الفرنسيين.
هكذا وبكل بساطة رُسمت حدود هذه البلاد، ودفعت شعوبها ثمن تصفية الحسابات الأوروبية، موصلة المنطقة إلى حالة من “الإعاقة الجغرافية” الدائمة.

العمران الأمني: من “تنظيم المدن” إلى تطويق الثورات“
لم يتوقف العبث عند الحدود الخارجية، بل امتد ليعيد تشكيل الداخل عبر هندسة عمرانية ذات طابع أمني، ومن الأمثلة على ذلك ما حدث في دمشق عام 1926م، حيث أعلن القائد الفرنسي “أندريا” بالإعلان عن مشروع وصفه بالتنموي، وهو مشروع شق طريق عريض يفصل دمشق عن الضواحي. وقد استغل الضائقة الاقتصادية ليشغل 1500 عامل من أبناء المنطقة ويدفع التعويضات لهم، مما جعل الأهالي يساهمون بأيديهم في بناء الطوق الذي سيحاصرهم لاحقا. وما إن اكتمل الطريق، حتى نُصبت الأسلاك الشائكة وتحول الشارع إلى ما وصفه أندريا بـ “طوق من الفولاذ”. ما فعله الفرنسيون في دمشق لم يكن ابتكارا جديدا، بل هو استنساخ لتجربة هوسمان في باريس خلال القرن التاسع عشر. فقد قام بأمر من نابليون الثالث، بتدمير أحياء باريس القديمة بأزقتها الضيقة (التي كانت معقلا للثورات الشعبية) واستبدالها بطرق عريضة وطويلة (تعرف اليوم باسم البولفار)، الهدف المعلن كان “تجميل باريس”، ولكن الحقيقة غير ذلك، منع السكان من إقامة المتاريس، وتسهيل حركة سلاح الفرسان والمدافع لقمع أي تمرد بسرعة.
هذه المشاريع لديها أهداف متعددة أبرزها:
- كشف المجال البصري: كان شق الشوارع العريضة والمستقيمة يهدف إلى خلق مساحات مكشوفة تسمح للمدافع الفرنسية بالرؤية والقصف المباشر، كما أنها تفصل المركز التجاري في المدينة عن الضواحي الثائرة، فالأزقة الضيقة والمتعرجة التي تميز مدننا تعطي أفضلية لأهل الأرض في “حرب العصابات والشوارع”. وهذا ما لا يطيقه المحتل.
- خلق ممرات عسكرية: إن شق الطرق العريضة والمستقيمة تسمح بمرور الآليات العسكرية والمدافع لقمع أي تمرد بسرعة وكفاءة وتحويل الشوارع الى مناطق مفتوحة للمراقبة والسيطرة.
من هنا نرى كيف أن الغرب عمل على كشف مدننا وتطويعها لتصبح ضعيفة هشة، بعكس استراتيجية البناء القديمة التي صممت المدن على أساس الصمود والمقاومة في مواجهة أي خطر قد يواجهها، فمدينة طرابلس (شمال لبنان) على سبيل المثال، صممها المماليك بعد تحريرها على أن تكون “مدينة حصينة”، فعملوا على نقاط أساسية لتحقيق ذلك الهدف (2):
- الدفاع الإستراتيجي: أعادوا إنشاء المدينة في الداخل بعد أن كانت تقع مباشرة على البحر، لمنع استهدافها المباشر منه من قِبل الغزاة القادمين من جهة البحر.
- الدفاع العمراني: الذي يتمثل في هندسة الشوارع والأزقة، حيث صممت الشوارع لتكون ضيقة ومتعرجة وذلك لمنع خيالة العدو من الجري السريع لتصبح هدفا سهلا للمدافعين، بالإضافة إلى انعدام خط الرؤية، فالتعرجات تمنع العدو من استخدام الأقواس والمدافع لضرب مسافات بعيدة داخل الشوارع، فالرؤية دائما محدودة ببضعة أمتار.
- نظام الحارات المغلقة: فالمدينة كانت مقسمة إلى حارات، لكل منها بابها الخشبي الكبير الذي يُغلق ليلا أو في أوقات الخطر، فلو أن عدوا تمكن من دخول المدينة أو حارة من حاراتها، يتم إغلاق بوابات الحارات الأخرى ولا تسقط المدينة بأكملها.
- تحصين المباني الدينية والعامة: حيث إنّ المساجد والمدارس بنيت وصممت بطريقة هندسية يسهل الدفاع عنها والتحصن بها عند الخطر.
من هنا نرى أن أن الذي حكم بلادنا في السابق كان حريصا على تأمين حماية للمدن والمجتمعات بعكس الاستعمار الذي عمل جاهدا على تفريغ هذه المدن من أي مخالب قوة قد تعتمد عليها عند الأخطار.
إن الربط بين قلم الرصاص الذي رسم الحدود وبين المعول الذي شق الطرقات العريضة يقودنا لنتيجة واحدة: لقد صُمِّم مسرح الدولة القطرية في بلاد الشام ليكون بيئة معادية لأهلها، وصديقة للهيمنة الخارجية، فالحدود قطعت شريان الحياة التاريخي والاقتصادي، والتخطيط العمراني صادر الفضاء الاجتماعي. مما جعل مفهوم “السيطرة” هي الوظيفة الأولى لهذه الكيانات الجديدة.
هندسة المجتمع
إذا كانت هندسة الجغرافيا قد مزقت وحدة الأرض، فإن الهندسة الإجتماعية المتبعة توجهت نحو دعم وتمكين الأقليات في بلاد الشام، بهدف خلق هويات سياسية متناحرة تضمن بقاء المنطقة في حالة من “السيولة” تمنع استقرارها دون تدخل خارجي مباشر.
عقيدة تأجيج الانقسام كاستراتيجية للبقاء
لم تكن سياسة “فرق تسد” مجرد تكتيك ميداني، بل كانت توجها أساسيا في صلب القرار الفرنسي. فالوثائق التاريخية لهذه المرحلة توثق حوارا دار بين الجنرال “غورو” وأمين سره “روبير دوكيه”، فبعدما استولى “غورو” على دمشق عام 1920م، حدد أمين سره بشكل واضح وصريح الخيارات المتاحة أمام الجنرال (1) فكانت فرنسا أمام خيارين لا ثالث لهما: “إما بناء أمة سورية غير موجودة بعد، عبر التخفيف من حدة الانشقاقات العميقة التي لا تزال تقسمها.. وإما تغذية وتأجيج كل الظواهر التي تتطلب تدخلنا، والتي توفرها لنا تلك الانقسامات.. يجب أن أقول إن الخيار الثاني فقط هو الذي يهمني”. وهذا ما تبناه “غورو” فعلا، مستنسخا بذلك تجارب الحكم التي اتبعتها فرنسا في مناطق قبلية في أفريقيا، وذلك لهدف أساسي وهو تحويل المستعمر من محتل مرفوض إلى حكم ووسيط ضروري لفض النزاعات وإلى حامي حمى الأقليات في هذه المنطقة.
دعم الأقليات: صناعة الولاء عبر الخوف والمصلحة
–الخوف (الحالة اللبنانية):
عملت السياسة الفرنسية والبريطانية على تحويل التمايز والتنوع الديني والطائفي إلى حالة من الفزع والخوف الوجودي. في لبنان مثلا، تم استثمار خشية الموارنة من الذوبان في المحيط الإسلامي من أجل ربط مصيرهم بالوجود الأجنبي. وفي المقابل تم تجاهل رغبة الأغلبية المسلمة في الوحدة مع الداخل السوري. في هذ الجو من التباين الشديد نشأ “لبنان الكبير”. فريق يرى في الإنتداب “حماية” ويراه الآخر “احتلالا”، مما أسس لأرضية من الحروب الأهلية اللاحقة.
وهنا نص مقتبس من كتاب “الحروب السرية في لبنان” يٌشرح فيه بتصرف ما تم ذكره سابقا (3):
” … جاء الميثاق الوطني على هذا النحو، ليضع حدّاً لأكثر من 20 عاما من التطلعات المتضاربة، فمنذ عام 1920 والمسلمون ولا سيما السنة وهم الأغلبية الساحقة في هذا الشرق، يناضلون للاندماج، مع (الأمة العربية الكبرى)، وفي حال التعذر للإنضمام إلى سوريا وحدها. وعلى مدى سنوات عدة وجهت الأسر المسلمة الكبرى عشرات العرائض إلى السلطة الفرنسية المنتدبة للإعراب عن رفضها للدولة اللبنانية المزعومة، وفي عام 1936 اضطر المفوض السامي الفرنسي “داميان دي مارتيل” لشطب كلمة لبنان عن البطاقات الانتخابية الموزعة على المسلمين.
أما المسيحيون الذين ساهموا كثيرا في يقظة القومية العربية وفي الوقت ذاته ناضلوا طويلا في سبيل استقلال لبنان، كانوا يخشون قبل كل شيء النزعة الوحدوية لدى السوريين والمسلمين (في لبنان) … وبعد تقليب الأمور من كل جوانبها رأى عدد من المسيحيين أن الإبقاء على الانتداب مع شوائبه وسيئاته كان مرغوبا به بالقدر الذي يضمن سلامة لبنان وحريتهم الشخصية … وأدى سوء استعمال السلطة لدى المفوضين الساميين إلى إثارة نقمة أكثر المتحمسين للإبقاء على الإنتداب…”.
-المصلحة (الحالة العلوية):
في سوريا، ذهبت الهندسة الإجتماعية أبعد من ذلك، فالوثائق التاريخية (3) تشير إلى الدور الفرنسي المباشر في تحويل “العلويين” من مجموعة ريفية مهمشة تعاني الفقر والأمية (بنسبة تصل إلى 98%) إلى كتلة سياسية وعسكرية صاعدة. حيث رأت فرنسا إمكانية تحويلهم إلى أصدقاء لها، فعمدت إلى ضخ استثمارات كبيرة وتنفيذ مشاريع إنشائية تتعلق بالزراعة والتعليم، وخصصت لها ميزانيات كبيرة أكبر من تلك التي خصصت لباقي المناطق في سوريا ولبنان.
هذه السياسة الفرنسية ساهمت أيضا في بناء القوات الخاصة التي أصبحت نواة للجيش السوري لاحقا، والتي عملت بشكل أساسي على احتواء الأقليات فيها وذلك لضمان ولائها واستخدامها كأداة قمع ضد الحركات الوطنية في المدن السنية. وكانت الكلية العسكرية في حمص هي البوابة الذهبية للعلويين للحصول على دخل ثابت ومكانة اجتماعية لم تكن متاحة لهم في أي مكان آخر (4).
لقد نجحت الهندسة المجتمعية في تحويل التنوع الديني والطائفي في بلاد الشام إلى “وظيفة سياسية”. فباتت الأقليات ترى في الخارج ضمانة لأمنها أكثر من مكونات الداخل. هذه البنية جعلت من بلادنا “قنابل موقوتة”، تحمل صاعق تفجيرها القوى الدولية.
هندسة التبعية (القوانين والمهمات الوظيفية)
إذا كانت هندسة الجغرافيا والمجتمع قد شكلت جسد الدولة المشوه في بلاد الشام، فإن هندسة القوانين والسياسات التي تضمن التبعية شكلت روح هذه الدول الجديدة، فما نطلق عليه نحن اليوم “استقلالا”، لم يكن في الحقيقة قطيعة مع مرحلة الإستعمار، بل هو امتداد له ولكن عبر شعارات مختلفة، فالاستقلال الذي أعطي لنا كان في حقيقته إعادة تموضع للقوى الغربية بما يضمن مصالحها ولكن بجهد وتكلفة أقل، ويمكن الإشارة إلى ذلك عبر 3 أمور:
- الاستقلال نتيجة للصراع:
لم تنشأ دولنا الحديثة نتيجة لكفاح داخلي في حقيقة الأمر، بقدر ما كانت نتيجة للصراع بين القوى الكبرى. كما يوضح “جايمس بار” في كتابه “خط في الرمال”(1) كيف أن بريطانيا دعمت استقلال سوريا ولبنان عام 1943م ليس حبا في حريتهما، بل كمناورة ذكية لإخراج فرنسا من المنطقة وتحويل الأنظار عن قضية فلسطين. هذا السياق يوضح كيف أن هذا الإستقلال ولد ناقصا منذ لحظته الأولى. فقد صممت هذه الدول على أن تكون دولا وظيفية يعتمد بقاؤها على التوازنات الدولية لا على قوتها الداخلية. كان في الحقيقة استقلالا مشروطا بتجزئة هذه البلاد بعد أن كانت موحدة لعقود طويلة. هذه الإستقلالات كانت امتدادا لمرحلة التسويات التي أتت بعد الحرب العالمية الأولى والتي لم تكن تهدف إلى بناء استقرار دائم بل إلى تحقيق مصالح غربية مؤقتة في منطقتنا (5).
- سياسة التخلص من الأدوات:
“بلادنا أداة وليست شريكا للقوى الكبرى” هذه القاعدة رسخها الاستعمار منذ قدومه إلى هذه البلاد، ففي الحرب العالمية الثانية (1) استعان “الفرنسيون الأحرار والبريطانيون” بالعشائر والمقاتلين العرب لمحاربة حكومة فيشي الموالية للنازية، وعند تحقيق النصر وبدلا من الشكر والمكافأة، أعاد “ديغول” تعيين ضباط فيشي في مناصبهم، ليقوموا بعدها بالانتقام من العرب الذين ساعدوا في هذه العملية، فأهل هذه المناطق بالنسبة لهم هم مجرد أدوات يتم التخلص منها عند انتهاء المهمة. الهدف كان تعزيز التوسع الغربي وكسب حلفاء لحظيين، وليس بناء منطقة مستقرة (5). وفي وصف هذا الأمر قال “غلوب باشا”: “نحن من حث العرب على مساعدتنا ضد الفيشيين، وها نحن فجأة نعزز موقع هؤلاء، ونضع تحت رحمتهم مستقبل أولئك العرب الذين أطلقوا النار عليهم بناء على طلبنا.. إنه لكابوس”. فالانتداب عندما كان يحتاج أهل هذه البلاد كان يعدهم بالاستقلال والتحرر، وعندما تنتهي المهمة يعيدك تحت عصا الطاعة ويتصالح مع عدوه “حكومة فيشي”.
- التشريع والقوانين
يكمن الفارق الجوهري بين الحملات الصليبيبة القديمة (منذ 7 قرون) والحديثة في “النظام والقوانين والتشريعات”. فينما اكتفى الصليبيون باحتلال الأرض، قام الإنتداب باحتلال “النظام”. فالقوانين والسياسات التي وضعها الغرب في بلادنا، أنتجت تبعية ثقافية واقتصادية له بشكل تلقائي دون الحاجة لاستمرار وجوده بيننا (6).
ولم يكتف المستعمر بوضع القوانين والسياسات، بل صاغ نظاما تعليميا وظيفيا يهدف لتخريج “موظفين” لخدمة البيروقراطية الحكومية و”مواطنين صالحين” يقدسون واقعهم الحالي، مجردين من أي وعي يساعد على خروج بلادهم من هذا الوقع، ويفتقرون إلى المهارات التي تساعدهم على خوض غمار الحياة، فهم حتى عمر 18 عاما لا يزالون أطفالا بحسب القوانين المستجدة. هذا النظام التعليمي فصل أجيالاً كاملة عن تاريخها لضمان استمرار التبعية الفكرية للخارج. المعيار فيه ما تحفظه من معلومات وما تحصل عليه من تقييمات، لا ما تكتسبه من منهجية تفكير أو قيم.
إن الهندسة الإستعمارية لم ترحل برحيل “غورو” أو “اللنبي”، لأنها تركت وراءها أنظمة وسياسات تضمن بقاء النخب السياسية رهينة للخارج، وشعوب مكبلة بقوانين لا تعبر عن هويتها.
خاتمة
تكمن المأساة الحقيقية اليوم ليس فيما فعله “غورو” قبل قرن من الزمان، بل في التحول الذي أصاب وعينا الجمعي. لقد نجحت تلك “الهندسة الاستعمارية” في ترسيخ قناعة لدى قطاع واسع في بلادنا بأن هذا التفتيت هو “الوضع الطبيعي”، وأن تلك الحدود المصطنعة هي حواضن نهائية للهوية.
إن استعادة هذه النصوص ليست ترفا تاريخيا، بل هي ضرورة لفهم واقعنا السياسي. فما نعتبره اليوم “خصوصيات طائفية أو قطرية” مقدسة، لم يكن في نظر صانعه سوى “أداة سيطرة” تضمن له التدخل متى أراد، والخطوة الأولى نحو المستقبل تتطلب إدراكا عميقا بأن هذا التقسيم كان فعلا قسريا يناقض الامتداد التاريخي والجغرافي الطبيعي لمنطقتنا.
إن استعراض الوقائع التاريخية في هذه الورقة يوصلنا إلى استنتاج مركزي بأننا لانزال نعيش فعليا تحت وطأة الانتداب والاستعمار ولكن بأدوات محلية. إن الحدود المصطنعة والقوانين المستوردة والنزاعات الطائفية ليست نهاية التاريخ، بل هي مجرد مخرجات لنظام صممه المستعمر، وأورثه إلى أنظمة حكمت شعوبها بعقلية “الأقلية تحكم، والأغلبية تُقمع، والخارج يضمن استمرار الهيمنة”.
بناء على كل ماذُكر، هنا بعض النقاط الأساسية التي تشكل مخرجا لأكثر من قرن من الإهانة عاشته بلادنا:
- استعادة هوية الأرض: نظام يشبه أهله وتاريخه
لقد أثبتت التجارب فشل التجارب المستوردة، فالحل هنا يكمن في إيجاد أنظمة تشبه أهل هذه البلاد، أنظمة تنبع من عمق الهوية والثقافة والتاريخ. أنظمة لا تتعامل مع الشعوب كرعايا يجب تطويعهم. أنظمة تعيد الاعتبار لأهل البلاد بعيدا عن لعبة “حماية الأقليات” التي استخدمها الغرب والأنظمة الحاكمة في تفتيت الداخل. أنظمة تملك السلطة الفعلية والقرار الحر.
فالسلطة هي أساس التغيير، هذا التغيير الذي لا يمكن أن يأتي إلا من رأس الهرم، فإذا صلح القلب صلح الجسد.
- من تقديس الحدود إلى الامتداد الجغرافي الطبيعي:
يجب التوقف عن التعامل مع الحدود التي رسمها الاستعمار كمقدسات، فالواقع الاقتصادي والاجتماعي والأمني يحتم علينا العودة إلى منطق التكامل الطبيعي بين أجزاء بلاد الشام. وسوريا الحرة اليوم وبعد أن غُيبت قسريا عن المشهد لعقود من الزمن تشكل رافعة مستقبلية طبيعية لإعادة وصل ما انقطع في هذه المنطقة. هذا التكامل الطبيعي ليس ترفا أو تنظيرا كما يظن البعض، بل تصحيح لمسار التاريخ بعد انحرافه لقرن من الزمان.
- استعادة السيادة المعرفية:
النظام التعليمي الذي يُخَرّج الأجيال اليوم بحاجة إلى إعادة نظر في منهجه وهيكليته، فيجب العمل على نقله من مفهومه “المادي” إلى مفهوم جديد يهتم بالقيم والمهارات النافعة، ويربي جيلا قادرا على تحمل المسؤولية، ولديه الوعي الكافي في استقراء التاريخ وفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
إن التحدي الأبرز اليوم هو تحدي الوعي ضد قرن كامل من الإهانة والتزوير، وعي ينتج رؤيةً وعملاً بهدف الخروج من هذا النفق، عبر تحليل وفهم لكل الأحداث التي أوصلتنا إلى هذا الحال، فحل أي مشكلة يبدأ بالتشخيص الصحيح لها، والعمل على حلها عبر الأدوات المتاحة والبناء على ما تم من إنجازات وتطويرها نحو الأهداف المرجوة.
قد لا تكون كل الحلول ممكنة الآن، ولكن تشخيص المرض أساس لتشكيل وعي يمكن الإستفادة منه عند تغير الظروف الإقليمية والدولية.
المراجع:
- James Bar. 2011. “A line in the sand”. Simon & Schuster UK ltd.London
- Annie Laurant, Antoine Basbous. 1987. “Guerres Secretes Au Liban”. Gallimard.
- Van Dam Nikolas. 2011. The struggle for power in Syria (fourth Ed.). I.B. Tauris
- عمر تدمري. 1981. “تاريخ طرابلس السياسي والحضاري”. المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
- روغان، يوغين. 2011. “سقوط العثمانيون، الحرب العظمى في الشرق الأوسط”. ترجمة: معين الإمام. منتدى العلاقات العربية الدولية. قطر.
- محمد قطب. 1983. “هل نحن مسلمون”. دار الشروق. بيروت.
