المحدّثات الأُوَل: أمهات المؤمنين

سلمى حسن

كان لأمهات المؤمنين السبق في الاشتغال بالعلوم الشرعية قبل نهوضها وانتشارها بين الناس، ولهن الفضل في تبليغ الدين والسنة النبوية، فكن يحدثن ويفتين ويحاججن المخالف، فضلاً عن معرفتهن بالأحكام الشرعية التفصيلية والمقاصد منها، وتوصيل هذه الأحكام والمقاصد للناس، فعنهن عرفنا معظم الأحكام، وهذا أدعى لأن نتعرف إلى جهودهن المبذولة في سبيل توصيل سنة نبينا الكريم وإعلاء كلمة الحق.

أول المحدّثات من النساء السيدة عائشة رضي الله عنها

نشأت في كنف الرسول صلى الله عليه وسلم وتعلمت منه وعملت وحدثت عنه، وكان علمها بالقرآن فائقا وبحديث رسول الله كذلك؛ فهي من كبار المحدثين، وفقهها -رضي الله عنها- قال فيه ابن حجر: إن ربع الأحكام الشرعية منقولة عنها.

ومن العلماء من قال إنها أفقه نساء الأمة، فقد كان علمها يمتد ليشمل علوم الطب والشعر وأخبار العرب، كما امتازت بفصاحة اللسان وبلاغة المقال، فقال عنها الأحنف ابن قيس: سمعت خطبة أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والخلفاء إلى يومي هذا، فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن من في عائشة.

روت السيدة عائشة عن الرسول 2210 حديث، وهذا يعني أنها من المكثرين من الرواية عن الرسول، فقد زادت عن الألف بضعفه، وهي تحتل الدرجة الرابعة من حيث الرواية العامة. وباعتبار الكتب الستة فإنها تأتي بالمرتبة الثانية بعد أبي هريرة رضي الله عنه، إذ له في الكتب الستة 3370 حديثاً، ولها -رضي الله عنها- 2081 حديثاً. ومجموع أحاديثها عند الشيخين 297 حديثا، تناولت مروياتها الوحي والإيمان والقراءة والتفسير وغيرها، وغالب محتوى مروياتها كان في الأحكام. (58 هـ)

أم المؤمنين أم سلمة

هي بنت عم خالد بن الوليد وبنت عم أبي جهل بن هشام، وكانت من بين السابقين الأولين وهاجرت مع العشرة الأولين إلى الحبشة، وقد شاركت مع النبي في أحد والخندق، وبني المصطلق، وغزوة خيبر، وغزوة الطائف، وغزوة تبوك، وكانت في فتح مكة وصلح الحديبية.

تعد من فقهاء الصحابة وقد عدها ابن حزم من الدرجة الثانية فيهم، عمّرَت فشهدت مقتل الحسين، وكانت آخر من مات من أمهات المؤمنين، حيث عاشت نحو تسعين سنة، وقد روت الكثير من الأحاديث، فبلغ جملة ما روت 378 حديثاً.

ذكر الذهبي أن من روى عنها: سعيد بن المسيب، وشقيق بن سلمة، والأسود بن يزيد، والشعبي، وأبو صالح السمان ومجاهد، ونافع بن جبير بن مطعم، ونافع مولاها، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وشهر بن حوشب، وابن أبي مليكة، وخلق كثير. كانت معظم مروياتها -كما سبق- القول في السيدة عائشة؛ في الأحكام والعبادات، وقد توفيت رحمها الله عام 62 ه.

أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها

قال مجاهد: كان اسمها برة، فسماها رسول الله: ميمونة. أخت أم الفضل زوجة العباس، وخالة خالد بن الوليد، وخالة ابن عباس، وتحتل المرتبة الثالثة من حيث كثرة الرواية، روت 76 حديثاً، وقد حدّث عنها ابن عباس، وابن أختها الآخر: عبد الله بن شداد بن الهاد، وعبيد بن السباق، وعبد الرحمن بن السائب الهلالي، وابن أختها الرابع: يزيد بن الأصم، وكريب مولى ابن عباس، ومولاها سليمان بن يسار، وأخوه: عطاء بن يسار، وآخرون. معظم من رووا عنها من محارمها، كثرت رواياتها لأنها عمرت. روت في أبواب الطهارة والصلاة، وروي عنها في الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة، كما روي عنها في العتق، وقد توفيت عام (51هـ)‎.

أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها

من بنات عمومة رسول الله، هاجرت إلى الحبشة في الهجرة الثانية، وعدد مروياتها 65 حديثاً. حدّث عنها، أخواها: الخليفة معاوية، وعنبسة، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وعروة بن الزبير، وأبو صالح السمان، وصفية بنت شيبة، وزينب بنت أبي سلمة، وشتير بن شكل، وأبو المليح عامر الهذلي، وآخرون.

حوت مروياتها أحاديث في وجوب الإحداد للمرأة المتوفى عنها زوجها، وعدم جوازه لغير الزوج فوق ثلاثة أيام، والكحل للحادة. وفي الحج، روت في استحباب دفع الضعفة من النساء وغيرهن من المزدلفة إلى منى في أواخر الليل قبل زحمة الناس. وروت في الطهارة، وفي أبواب الصوم. توفيت رحمها الله عام (44هـ)

‎‎أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها

 بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. روت عن الرسول 60 حديثاً، روى عنها: أخوها ابن عمر وحارثة بن وهب وشتير بن شكل والمطلب بن أبي وداعة، وعبد الله بن صفوان الجمحي، وطائفة. تناولت أحاديثها أبواب الطهارة، الآداب، الصوم، الزينة، والآداب وفي فتنة الدجال وروت أيضاً في المناسك. (45هـ)

أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها

ابنة عمة رسول الله، كانت من أكثر نساء الرسول تصدقاً، ومن سادة النساء ديناً وورعاً وجوداً ومعروفاً رضي الله عنها، وبلغت مروياتها 11 حديثاً، وقد روى عنها: ابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش، وأم المؤمنين أم حبيبة، وزينب بنت أبي سلمة، وأرسل عنها القاسم بن محمد. هي صاحبة رواية خروج يأجوج ومأجوج وحديث الاستحاضة، وقد توفيت عام (20هـ)

أم المؤمنين صفية رضي الله عنها

هي صفية بنت حيي بن أخطب بن شعبة، من سبط التلاوي ابن النبي يعقوب. حدث عنها: علي بن الحسين، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث، وكنانة مولاها، وآخرون. وكانت شريفة عاقلة، ذات حسب، وجمال، ودين رضي الله عنها. روت عشرة أحاديث في أبواب الاعتكاف، وروت أيضاً في حديث الجيش الذي يخسف به. (36هـ)

أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها

زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت ابنة سيد بني المصطلق، وقد أسلمت بعد غزوة المريسيع في السنة الخامسة، وحدث عنها: ابن عباس، وعبيد بن السباق، وكريب، ومجاهد. وأبو أيوب يحيى بن مالك الأزدي، وآخرون. روت سبعة أحاديث، وتضمنت أحاديث في الصوم، وفي ثواب التسبيح، وفي الزكاة وروت أيضاً في العتق. وقد توفيت عام (50هـ)

أم المؤمنين سودة بنت زمعة رضي الله عنها

قرشية عامرية، وهي أول من تزوج بها النبي بعد أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها. حدث عنها: ابن عباس، ويحيى بن عبد الله الأنصاري. لها خمسة أحاديث. توفيت في آخر خلافة عمر بالمدينة عام (54هـ)

أثّرت أمهات المؤمنين في رواية الحديث بشكل واضح وجلي، ولم تمنعهن خصوصيتهن عن نساء العالمين من التفقه في الدين ومعرفة تفاصيله والتثوير فيه تفسيره والفتوى به، وقد كن حريصات على العلم به، ومقتفيات لأثره، حافظات لقدره، ومنفذات لأمره.

 روى الإمام مسلم عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض ولم أسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان يوما من ذلك والجارية تمشطني، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيها الناس، فقلت للجارية: استأخري عني، قالت: إنما دعا الرجال ولم يدع النساء، فقلت: إني من الناس.

علمت أم سلمة -رضي الله عنها- أنها من الناس، وأنها جزء من تركيب المجتمع، ولا تنفك عنه وأن جوهر تجزئها في المجتمع هو في إقرارها وجودها وتأثيرها وتأثرها به باختلاف وظيفتها وما تقدمه. فشاركت النساء في الغزوات، والقرارات الكبرى كبيعة الرسول، وكن يشاركن برأيهن بلا حرج ولا مانع، ويتقدمن دوائر الفتوى والوعظ ويحدثن وينقلن عن الرسول، ويحرصن على الأسبقية في الثواب. كن كثيرات السؤال حريصات على تخصيص وقت لهن ومجادلات لحقوقهن. رضي الله عنهن كن خير النساء، وهن خير قدوات.

المراجع:

  1. الذهبي – سير أعلام النبلاء.
  2. آمال قرداش بنت الحسين – دور المرأة في خدمة الحديث في القرون الثلاثة الأولى.
  3. موقع تراجم كوم (تراجم أمهات المؤمنين).
  4. حديث أم سلمة – صحيح مسلم، كِتَاب الْفَضَائِلِ، بَاب إِثْبَاتِ حَوْضِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، رقم الحديث 2295.

شارك المقال