الحسني ياسين
في مطالع القرن العشرين، ومع تحوّل الصورة المتحركة إلى وسيط جماهيري صاعد ضمن وسائل الاتصال الباردة، التفتت القوى الاستعمارية بسرعة لافتة إلى إمكانات السينما بصفتها أداة ناعمة للهيمنة، لا تحدّ مداها الجغرافيا ولا تقيد انتشارها الحدود السياسية.
لم تكن الأفلام التي أنتجتها الإدارات الاستعمارية في مستعمراتها مجرد نوافذ على عوالم بعيدة أو ضروباً من التسلية البريئة، بل مثلت عملاً ثقافياً مدروساً سعى إلى ترسيخ رؤية أحادية للعالم: غربٌ فاعل ومتحضّر في مواجهة شرق وأفريقي وآسيوي يُختزل إلى كتلة بشرية ساكنة تنتظر الخلاص.
إطار معرفي مهم
يقدّم كتاب المغرب في مرآة السينما الكولونيالية للأستاذ محمد الكرادي أستاذ باحث في جامعة ابن طفيل، مدخلاً أساسياً لفهم هذه الظاهرة العالمية، وذلك عبر تحليل البنية الأيديولوجية للسينما الكولونيالية، وآليات تمثيلها للآخر، واستقبال الجمهور المستعمَر لها، وصولاً إلى ضرورة تفكيك إرثها الرمزي الذي لم يتلاش مع رحيل الجيوش.
لم تتردد الإدارات الاستعمارية، منذ العقود الأولى للقرن العشرين، في تحويل السينما إلى ذراع ناعمة لسياستها التوسعية. وقد عبّر معماريو الإمبراطوريات عن إدراك عميق لطبيعة هذا الوسيط، فالمارشال ليوطي، المقيم العام الفرنسي في المغرب، رأى في السينما وسيلة “لإظهار عمل فرنسا الحضاري” وتثبيت صورتها بصفتها جالبة الأمن والمدنية إلى شمال أفريقيا.
وفي السياق البريطاني، تأسست وحدة الأفلام الاستعمارية عام 1939، لتضطلع بمهمة منهجية تقوم على إنتاج مواد فيلمية دعائية تُبث في المستعمرات الأفريقية والآسيوية، حاملة رسالة مفادها أن التاج البريطاني يجلب النظام والعلم والتنمية إلى شعوب لم تعرف طريق التقدم.
أما بلجيكا، فصوّرت تدخلها في الكونغو بعبارات إنقاذية تنتشل السكان من “ظلام التخلف”. لقد أدرك هؤلاء المسؤولون، كما يبين روبرت بوند في دراسته “السينما الكولونيالية والدعاية الإمبراطورية”، أن المشهد المرئي يمتلك قدرة فريدة على اختراق المتخيل الجمعي لجمهور لا يقرأ أو لا يشارك المستعمِر ثقافته الكتابية، فتحولت الشاشة إلى منصة دعائية تخاطب العين قبل العقل.
لم تكن تلك الرسائل نظرية مجردة، بل تجسدت في مئات الأفلام الوثائقية والتسجيلية والروائية القصيرة التي أُنتجت خصيصاً للعرض في القرى والمدن المستعمَرة. وامتزجت في هذه الأفلام، إثنوغرافية صُوّرت بغرابة مستهلكة مع خطاب تعليمي يوحي بأن السبيل الوحيد للتقدم يمرّ عبر تبني النموذج الأوروبي.
هل هي مجرد توثيقات؟
كانت الكاميرا، في هذه الحالة، عيناً لا تكتفي بالمراقبة والتوثيق، بل تسهم في إنتاج الحقيقة التي تريد الإمبراطورية فرضها، محوّلةً الجغرافيا البشرية إلى مختبر بصري تختبر فيه أطروحاتها الحضارية. وفي هذا الإطار، تندرج الأفلام التي صورت الأسواق والمواسم والطقوس المحلية في المغرب أو غرب أفريقيا بوصفها مشاهد للغرابة والتخلف، تمهيداً لتبرير “الرسالة التمدينية” التي حملها المستعمر على عاتقه.
تكمن جوهر الآلية التمثيلية للسينما الكولونيالية في قدرتها على تحويل الإنسان والأرض المستعمَرين إلى مجرد مواد خام للفرجة الغربية. ففي الأفلام التي تناولت المغرب، أو الهند الصينية، أو نيجيريا، نادراً ما ظهر السكان المحليون بوصفهم ذاتاً فاعلة تمتلك تاريخها الخاص وتعقيداتها الاجتماعية، بل جرى إلحاقهم بثلاثة أدوار رئيسية رصدها النقاد.
الدور الأول هو “الجسد الغريب” المثير للدهشة، حيث تُعرض الأجساد المحلية بملابسها ووشومها وطقوسها كما تُعرض قطع المتحف، منزوعة السياق، ومختزلة إلى علامات على تأخر حضاري يبرر الوصاية.
أما الدور الثاني فهو “الكومبارس الصامت” الذي يخدم حركة البطل الأوروبي، فيظهر حاملاً أمتعته، أو دليلاً غامضاً في الغابة، أو وجهاً من بين وجوه حشد متفرج يصفق لوصول المنقذين.
والدور الثالث هو “التلميذ المتلقي” الذي يتوجب تعليمه وتأديبه، في مشاهد تُظهر المدارس والمستوصفات التي أقامها المستعمر، ويظهر فيها المدرّس أو الطبيب الأوروبي وهو يلقّن السكان دروس النظافة والنظام والعمل.
من التوثيق إلى بناء الصورة الرمزية للاستعمار الكولونيالي
بالتوازي مع ذلك، تحولت المدن العتيقة والأسواق والصحارى والغابات إلى ديكورات طبيعية، و أستوديوهات مفتوحة تمنح الأفلام سحراً بصرياً رخيصاً يخفي فراغها الإنساني. وقد ذهب بعض النقاد، إلى توصيف هذه الظاهرة بأنها “تسليع المكان والبشر”، حيث يُستبعد التاريخ الحقيقي، صراعاته وتحولاته، وتُحل محله حكاية مغامرة استعمارية فارسها رجل أبيض جسور يختبر قوته ويؤكد رجولته في مواجهة طبيعة قاسية وسكان مطواعين. ويمكن النظر إلى الإنتاجات التي صورت المغامرين الأجانب في قلب القارة الأفريقية، أو أفلام المغامرات الشرقية مثل “اللص من بغداد”، بوصفها نماذج مكثفة لهذه الصناعة الرمزية التي أعادت إنتاج المركزية الأوروبية في قوالب بصرية جذابة، لتتسرب عبر الشاشة إلى وعي المشاهدين في الشمال والجنوب على حد سواء.
وعلى الجانب الآخر من الشاشة، كان استقبال الجمهور المستعمَر لهذه الأفلام عملية معقدة لم تخل من تناقضات حادة، وهو ما تبرزه دراسة برايان لاركن عن السينما في نيجيريا “الإشارة والضوضاء: الإعلام والبنية التحتية والثقافة الحضرية في نيجيريا”، حيث يقدم تحليلاً دقيقاً لتجربة المشاهدة في السياق الكولونيالي.
أثارت الصورة السينمائية، بما تحمله من تقنيات إبهار بصري، دهشة حقيقية وانبهاراً لدى جمهور لم يألف هذا الشكل من التعبير. وقد حرصت سلطات الاحتلال على استثمار هذا الانبهار عبر تنظيم عروض سينمائية متنقلة تجوب الأسواق والقرى النائية، تسبقها أو ترافقها عروض موسيقية أو خطابات تمهيدية، فتحولت جلسات المشاهدة إلى طقس حداثي يضفي على الرسالة الدعائية هالة من الجدة والإغراء.
بين المقاومة والانجذاب
إن الدهشة وحدها لا تختزل الموقف كله، حيث تذكر المصادر التاريخية في المغرب أن نخباً محلية، بمن فيهم سلاطين وفقهاء وأعيان، تعاملت مع هذه العروض بقدر كبير من الحذر، بل وصل الأمر أحياناً إلى الرفض الأخلاقي الصريح، خشية ما تحمله الصورة من إفساد للقيم، وخوفاً من أن تكون الشاشة باباً خلفياً لإحلال التصورات الغربية محل المرجعيات المحلية.
وفي مقابل ذلك، وجدت فئات أخرى، لا سيما من صغار الموظفين والمتعلمين في مدارس الاحتلال، في السينما نافذة على العالم لا تخلو من متعة وفضول، لكنها نافذة ظلت محفوفة بالريبة، لأنها في النهاية تطل على ذلك العالم بعيون الآخر.
من زاوية مالية بحتة، مثّلت السينما الاستعمارية مورداً لميزانيات الحماية عبر الضرائب التي فُرضت على تذاكر الدخول، وهو ما يجعل الجمهور المستعمَر ممولاً غير واعٍ لآلة إعلامية كانت تنتج صورته المشوهة، وتعيد إنتاج تبعيته داخل حلقة مفرغة: يشاهد نفسه كما يراه المستعمِر، ويدفع ثمن الصورة التي تكرّس دونيته.
لماذا يجب دراسة السينما نقديًّا؟
تبرز أهمية الدراسات النقدية التي تناولت هذا الإرث، وفي القلب منها كتاب الأستاذ محمد الكرادي “التاريخ والسينما: المغرب في مرآة السينما الكولونيالية”، في قدرتها على تفكيك الشفرة الكامنة وراء الصور الاستعمارية الموروثة.
لقد تجاوزت هذه الدراسة التأريخ الوصفي للأفلام إلى تحليلها بوصفها وثائق سياسية وثقافية بامتياز، تنتمي إلى أرشيف الهيمنة الذي ينبغي قراءته قراءة مضادة. إن إخراج السينما من إطارها الفني الصرف إلى سياقها التاريخي والاجتماعي، وهو ما فعله الكرادي في تتبعه الدقيق لإنتاج الأفلام الكولونيالية في المغرب واستقبالها، يكشف كيف تحولت الكاميرا من شاهد محايد إلى مشارك فاعل في بناء خطاب السلطة الاستعمارية وتطبيعه.
لم يعد الحديث يدور عن “أخطاء تمثيلية” أو “صور غير دقيقة”، بل عن إستراتيجية مدروسة لتشويه الوعي بالذات والتاريخ، طالت آثارها أجيالاً متعاقبة. وما زالت رواسب هذه الصور قابعة في المخيالين المحلي والعالمي كما بينها الباحث أحمد دعدوش في كتابيه قوة الصورة وضريبة هوليود ، منتظرة تفكيكاً مستمراً لا يتوقف عند حدود البحث الأكاديمي.
فالصورة النمطية التي زرعتها السينما الكولونيالية عن “الأفريقي الكسول” أو “الشرقي الحسي” أو “البدوي المتوحش” وجدت طريقها إلى الإنتاجات التجارية الغربية لعقود ما بعد الاستقلال، وما تزال تطفو على السطح بأشكال أكثر خفاءً في سياقات إعلامية وسياسية راهنة.
في مواجهة هذا الإرث، لم يكن إنتاج سينما وطنية بعد الاستقلال مجرد استعادة للصورة، بل كان فعلاً من أفعال المقاومة الثقافية، ومحاولة لكتابة رواية الذات التي حُرمت منها طويلاً. وهنا تلتقي جهود بحثية كالتي قدّمها الكرادي مع ممارسات فنية تسعى إلى ترميم الذاكرة البصرية، وإعادة الإنسان المستعمَر، المغربي والأفريقي والآسيوي، إلى مركز الحكاية، بوصفه فاعلاً تاريخياً لا مجرد ديكور بشري في سردية الآخر.
على سبيل الخاتمة
في المحصلة، تبقى السينما الكولونيالية شاهداً قوياً على أن الصورة لم تكن يوماً مجرد انعكاس للواقع، بل هي ساحة صراع على تعريف الواقع نفسه. وقدّمت أعمال الأستاذ محمد الكرادي حول الحالة المغربية، أدوات تحليلية تنير الطريق أمام تفكيك هذه الذاكرة البصرية الملوثة. هذا التفكيك ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة معرفية وسياسية، لأنه يذكّرنا بأن هزيمة الاستعمار العسكري لا تكتمل إلا بهزيمة استعاراته، وبأن تحرير الأرض لا يقل أهمية عن تحرير الصورة والمخيال.
المراجع
- محمد الكرادي علاقة التاريخ بالسينما؛ السينما الكولونيالية ببلدان المغارب نموذجا
- محمد الكرادي التاريخ والسينما: المغرب في مرآة السينما الكولونيالية
- محمد الكرادي الطب والطبيب في مرآة السينما الكولونيالية
- هشام المكي كتاب “الاتصال الجماهيري وسؤال القيم”: دراسة في نظريات الاتصال الجماهيري المؤسسة، صدر عام 2016
- أحمد دعدوش كتاب قوة الصورة
- أحمد دعدوش ضريبة هوليود

