د. عرابي عبد الحي عرابي
لم تعد الاستعارة، في الدراسات اللغوية والفلسفية المعاصرة، مجرد وسيلة بلاغية لتجميل الخطاب أو تكثيف أثره الفني، بل أصبحت تُفهم بوصفها إحدى أهم الآليات التي ينتج بها الإنسان المعرفة، ويعيد بها تنظيم علاقته ومعرفته وارتباطه بالعالم.
وقد أسهمت أعمال العديد من الأدباء والمفكرين المعاصرين مثل جورج لايكوف ومارك جونسون في ترسيخ هذا التحول حين بينت أن التفكير الإنساني نفسه يعيش ويفكر بناء على طبيعته “الاستعارية”، وأن الإنسان لا يدرك المفاهيم المجردة مباشرة، وإنما يفهمها من خلال إسقاط خبراته الحسية واليومية عليها.
ومن هنا كان تأكيد العديد من المفكرين على أن الاستعارة لا تبني نظامًا معرفيًا من العدم، وإنما تبنيه عبر إحداث انزياحات داخل نظام سابق؛ فهي تنقل المفاهيم من مجال مألوف إلى مجال جديد، فينشأ عن هذا النقل تصور مختلف للواقع.
عرض المفهوم
لعلك تسأل ما المقصود بالاستعارة، وما غاية عرضها ههنا؟ في الإجابة، أرجو أن يكون المثال معينًا على تبيين حال المقصود، فالإنسان -مثلاً- يعرف معنى الطريق، وحين يفهم الحياة بوصفها طريقًا يسلكه بكل ما فيه من مخاطر ومصاعب، فإنه ينقل فهمه للطريق الحسي إلى الطريق الممتد والمعنوي ليكمّل تصوره عنه.
والإنسان يعرف معنى التجارة، وقد يتصور أن الإيمان والعمل الصالح جزء من العلاقة التي يمتنّ الله بها علينا، فهو يثيبنا لقاء إيماننا به، ويكافئنا على حسن التصدّق، وكأنه ثمة ما يشبه التجارة ههنا، لأن الوارد والصادر في حالة من التزايد أو التراجع -ولله المثل الأعلى-.
يعرف الإنسان كذلك النور والظلمة، ثم يكوّن له عقله حالة الهداية والضلال بناء على ارتباطه بهما، وقد يعكس الحال كذلك، فيصف الإيمان والتدين بعكس ما هو عليه من إنارته دواخلنا إلى نقيضه، وذلك في حالات الإلحاد والظلمة النفسية.
وهنا تتجلى الاستعارة، بهذا المعنى، لتكون وسيلة للوصول إلى الحقيقة، وهذه الرؤية، على حداثتها في الفكر الغربي، توقف عندها المفكرون المسلمون وعلماء الأمة تاريخيًّا على نحو مطوّل. ونجد قبل ذلك صداها واضحًا في الخطاب القرآني، ولكن ضمن أفق معرفي أوسع وغاية مغايرة.
كيف ذلك؟
لا يستعمل القرآن الصور الحسية لأن الله -جلّ في علاه- عاجز عن الإفهام المباشر، وإنما لأنه يخاطب طبيعة الإنسان التي تبدأ معرفتها -منذ الصغر- من المحسوس ثم يرتقي فكره مع مرور الزمن وتراكم “المعارف” إلى التفكير بالمجرّد، ومن الشاهد إلى الغائب، ومن التجربة اليومية إلى الحقائق الكلية.
من هنا فإن الخطاب القرآني لم يتجه للتجريد الفلسفي الخالص، وإنما حرص على مخاطبة العقل بالبناء المعرفي الذي يجعل الصورة لديه وسيلة للفهم، والمثل طريقًا للإدراك المنظّم، والتمثيل أداة للانتقال من المحدود إلى المطلق، وهنا يغدو “التخييل” نفسه جزءًا من عملية الهداية، لا محض عنصر من عناصر البيان اللغوي فحسب.
أين يظهر هذا النهج؟
لعلنا نجد صورة هذا النهج بأوضح صوره في البنية الاستعارية التي تنتظم القرآن الكريم، فالقرآن يخبر الإنسان بأن الإيمان خير والكفر شر، وهو ههنا لا يكتفي بذلك، وإنما يعيد تشكيل إدراك الإنسان لهذين المفهومين من خلال تصويرهما بمظاهر حسية ليشعره بأنه يمتلك خبرة حسية في تصورهما، فالهداية هي النور، والضلال يتحول إلى ظلمات متراكبة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 257].
والإمر لا يتوقف ههنا، فالقرآن نفسه -في آيات أخرى- يصبح نورًا وروحًا وشفاءً، والكلمة الطيبة تظهر بوصفها شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، بينما الكلمة الخبيثة شجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.
بكل تأكيد فإن المقصود من هذه الصور لا يقتصر على تقريب المعنى فحسب، وإنما إعادة بناء العلاقة الذهنية بين الإنسان وهذه المفاهيم؛ فمن ذاق أثر النور في إزالة الظلام، أدرك أن الهداية ليست معلومة عقلية مجردة، وإنما منظومة من المعاني والقوى التي تكشف الحقائق كما يكشف الضوء الأشياء ويجلّيها لنا.
ومن تأمل الشجرة الراسخة علم أن الإيمان يتجاوز كونه محض فكرة عابرة، وإنما أصل تتفرع عنه الأعمال والأخلاق والثمرات. وكذلك يصور القرآن العلاقة مع الله بصورة التجارة: ﴿هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾، ويصور أعمال المنافقين بالخسارة: ﴿فما ربحت تجارتهم﴾، ويصف الإنفاق في سبيل الله بأنه “قرض لله”، رغم أن الله -جل في علاه- غني عن خلقه.
والمقصود من ذلك كله، أن هذه الانزياحات في التشبيه والاستعارات والتصويرات، لا تلغي المعاني الأصلية للتجارة والربح والقرض، وإنما تستثمرها لتأسيس نظام معرفي جديد يجعل الإنسان يفهم علاقته بربه من خلال أكثر خبراته رسوخًا في حياته اليومية.
في ظلال القرآن
تأمل القرآن، وكيف ينقل المفاهيم من الحسية إلى المعنوية، فهو يختار المجالات الإدراكية الأقرب إلى الإنسان ليجعلها جسورًا يعبر منها إلى إدراك الغيب، فتغدو الاستعارة وسيلة لبناء التصور الكوني، كما أن خصوصية المنهج القرآني تظهر عند مقارنته بالنظرية المعرفية الحديثة.
بينما يرى مفكرون معاصرون -أمثال لايكوف وجونسون- أن الاستعارة تكشف عن تجسّد العقل الإنساني والفكر البشري ذاته في المحسوس، وأن التفكير كله قائم على إسقاط الخبرة الحسية على المفاهيم المجردة، فإن القرآن يوظف قبل قرون طويلة هذه الآلية لهداية الإنسان إلى الحقائق التي تتجاوز حدود الحس، وذلك لأن غاية القرآن تتجاوز فكرة البرهنة على أن الذهن يعمل استعاريًا، وتسعى لاستخدام الطبيعة الإدراكية للإنسان ليصل إلى ما لا تدركه الحواس مباشرة.
ومن هنا تتكرر الأمثال في القرآن بوصفها أدوات معرفية: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون﴾، و﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾. فالمثال دعوة صريحة لممارسة فعل التفكير نفسه، وآلية لتحويل المشهد الحسي إلى مفتاح لفهم القضايا الكبرى، واستثارة العقل كي ينتقل من الصورة إلى القانون، ومن المثال إلى الحقيقة.
لذلك نجد أن كثيرًا من القضايا العقدية الكبرى، كالبعث والجزاء والوحي والنبوة، تُعرض في القرآن من خلال مشاهد الطبيعة، ودورات الحياة، وإنبات الأرض بعد موتها، وتعاقب الليل والنهار، وحركة السفن، ونزول المطر، وتكوين الجنين، وذلك لأن هذه المشاهد تمثل المادة الخام التي يبني منها العقل تصوره للغيب.
هكذا يتجاوز القرآن نُظُم الاستعارة المعاصرة
إن القرآن لا يفصل بين الكون والوحي، لأنه يجعل الكون لغة ثانية للوحي، ويجعل الإنسان قارئًا لأحدهما في ضوء الآخر، وهنا تبلغ الاستعارة ذروة وظيفتها المعرفية؛ لأنها تغدو وسيلة لإنتاج المعنى داخل اللغة، ومنهجية لإعادة تشكيل رؤية الإنسان للوجود بأسره، فتتحول الموجودات إلى علامات، والظواهر إلى دلائل، والصور إلى مفاتيح للفهم والتأمّل.
ومن هنا يمكن القول إن الخطاب القرآني يقدم نموذجًا معرفيًا متكاملًا للاستعارة يتجاوز كثيرًا من التصورات الحديثة، لأنه يتجاوز تفسير كيفية تشكل المفاهيم، إلى تبيين الغاية التي ينبغي أن تتجه إليها تلك المفاهيم. فالاستعارة في القرآن ليست أداة معرفية محايدة، وإنما وسيلة لإعادة بناء الإنسان، وتوجيه عقله، وتزكية قلبه، وربط إدراكه بالمقاصد العليا للوحي.
ولهذا فإن كل انتقال من المحسوس إلى المعقول في القرآن هو انتقال مقصود، يراد منه أن يتجاوز الإنسان أسر العالم المرئي إلى اكتشاف النظام الإلهي الذي يحكمه، وهكذا يكتسب السياق القرآني في استخدام الاستعارة بعدًا أعمق؛ لأنه يبني أنظمة معرفية جديدة انطلاقًا من الخبرة الإنسانية السابقة، فيعيد ترتيب تلك الخبرة، ثم يوجهها نحو غاية وجودية وأخلاقية وتوحيدية، ومن هنا تبرز فرادة القرآن في توظيف التخييل؛ ليعيد تشكيل الواقع نفسه، حتى يصبح كل ما فيه شاهدًا على الحقيقة، ودليلًا عليها، وطريقًا إليها.

