alsabeel img 1789228826 3102

إدمان الهواتف وأسرار الدوبامين؛ كيف تسرق الخوارزميات إرادتك؟

حافظ غندور

يفكك هذا المقال آليات “الاستلاب البيولوجي” الذي تمارسه الشاشات على الإنسان المعاصر، وكيف تحولت الهواتف من أدوات ترفيهية إلى أدوات هندسية لتعدين الانتباه البشري وسلبه قسرًا. عبر تتبع كيمياء الدماغ الحيوية، ويشرح ظاهرة “الضبط السفلي” لمستقبلات الدوبامين التي تقود إلى “التبلد المشاعري”، ويوضح أثر الضمور الوظيفي للقشرة الجبهية في إنتاج حالة “حسد الإرادة” (العجز عن فعل النافع برغم إدراكه)، وهو ما يؤدي في المحصلة إلى سقوط “مقام التكليف” الشرعي، وتحول الاستعمار في العصر الرقمي من احتلال الأرض والجغرافيا إلى احتلال العصب والبيولوجيا.

 

استهلال: تبدل نمط الكينونة واختراق السيادة

الإشعار الرقمي الذي يهتز في جيبك الآن ليس مجرد تنبيه تقني يُعلِمُك بالجديد؛ بل هو رصاصة مغناطيسية شديدة الدقة، تستهدف اختراق قشرتك الدماغية لتفتيت وحدة إرادتك الواعية، ففي هذا العصر الرقمي المتسارع يعيش الإنسان تحولًا حادًا وغير مسبوق في نمط كينونته الوجودية؛ فجرى نقله قسرًا ونعومة من كائن “سيادي” مُكرم بمرجعية الاستخلاف الرباني والمسؤولية الأخلاقية، إلى كائن “مستجيب” خاضع كليًا للبروتوكول التقني وموجّهٍ بنبضات الشاشة.

ما نواجهه اليوم في فضاء السوشيال ميديا ليس مجرد أدوات ترفيهية بريئة أسأنا استخدامها، بل هو انبعاث وظاهرة متطورة من ظواهر “العبودية المختارة” التي ناقشها المفكر الفرنسي “إيتيان دو لا بويسي” في قرون خلت. غير أن العبودية في زماننا هذا قد انتقلت من حيزها السياسي والتاريخي القديم القائم على الولاء للحاكم الطاغية، إلى حيز أخطر، وهو حيز الانصياع الفسيولوجي المبرمج، والارتهان الكيميائي اللذيذ لسطوة الخوارزمية.

التيه المزدوج: نسيان المركز وذوبان الهوية الإنسانية

يمكن تسمية الجناية التي يمارسها ركام التدفق الرقمي على وعي الإنسان تكمن في إدخاله في حالة مركبة بـ”التيه المزدوج”، ويقصد بهذا المصطلح حالة الانفصال الحاد التي تعيشها الذات المعاصرة؛ وهي انفصال يبدأ على مستويين:

  • أولًا: عن “المصدر” (الحق سبحانه وتعالى)، وهو ما يؤدي بنيويًا وحتمًا إلى اغترابها.
  • ثانيًا: عن “المصير” (حقيقة النفس، ووظيفتها الوجودية، ومعنى شقائها وسعادتها).

فهذا التيه ليس مجرد حيرة فكرية عابرة، بل هو تجلٍّ صارخ وشديد القسوة للقانون الوجودي المطرد الذي لخصه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: 19].

وبقدر ما يفقد الإنسان اتصاله الدائم ومراقبته للمركز الروحي، تذوب هويته الفطريَّة وتتفتّت في هوامش المنصات وسيل التغريدات والمقاطع القصيرة، ليتحوّل من “ذات حرة مكلّفة” إلى “ترس وظيفي مرن” في ماكينة الاستهلاك والنفعية النيوليبرالية.

هذا التفتيت الممنهج يلتقي في عمقه الفلسفي مع أطروحة عالم الاجتماع والفيلسوف الألماني “هربرت ماركوز” حول “الإنسان ذو البعد الواحد”. لقد جادل ماركوز بأن المجتمعات الصناعية المتقدمة تملك القدرة على استلاب إرادة الفرد وتحجيم وعيه النقدي، ليس عبر القمع الخشن، بل عبر خلق وإشباع حاجات اصطناعية تافهة تفرضها المنظومة الاستهلاكية، ليظن الإنسان أنه يختار بحرية، في حين أنه يتحرك داخل قفص مخملي رُسمت أبعاده بدقة لضمان تدجينه وانصياعه التام[1].

عبودية الكيمياء: هندسة الدوبامين واستراتيجية “الضبط السفلي”

لكي نفهم كيف يقع هذا الانصياع الطوعي للشاشات، لا بد لنا من مغادرة التنظير الفلسفي المجرد والنزول بمشرط التحليل إلى الكيمياء الحيوية للجهاز العصبي البشري. فنحن نعيش اليوم في عصر تحكمه بقوة ما تسميه عالمة الاجتماع في جامعة هارفارد شوشانا زوبوف بـ “رأسمالية المراقبة” (Surveillance Capitalism) [2]. هذه المنظومة الاقتصادية الجديدة لا تقوم على بيع السلع التقليدية، بل ترتكز كليًا على “سلعنة الانتباه البشري”؛ حيث أصبح وقتك، وتركيزك، والتفاتة عينيك، بمثابة المادة الخام الأولية التي يتم تعدينها، من أجل التنبؤ بسلوكك المستقبلي وبيع البيانات للشركات العابرة للقارات.

ومن أجل أن تضمن المنصات الرقمية (مثل تيك توك، فيسبوك، وإكس) بقاءك أطول فترة ممكنة أسيرًا خلف الزجاج المصقول، تم تصميم هندسة تفاعلها بناءً على بروتوكول نفسي وعصبي صارم يُعرف بـ “المكافأة المتغيرة وغير المتوقعة” (Variable Reward). هذا التكنيك السلوكي هو عينه السر التجاري لآلات القمار في كازينوهات لاس فيغاس؛ حيث يُترك الدماغ في حالة ترقب وتوتر دائم لجرعة الدوبامين القادمة، والتي قد تأتي على شكل “إعجاب” جديد، أو تعليق، أو مقطع مرئي تافه يثير الضحك أو الغضب. علمًا أن الدوبامين هنا ليس هرمون المتعة كما يشاع، بل هو هرمون “المطاردة والترقب” والبحث عن الإثارة[3].

ومَعَ التكرار الكثيف واليومي والمستمر لعدة ساعات لهذا الفيضان الكيميائي المصطنع، يواجه الجهاز العصبي خطرًا داهمًا، فيلجأ تلقائيًّا إلى آلية دفاعيَّةٍ بيولوجيَّةٍ تُسمّى في علم الصيدلة والأعصاب بـ “الضبط السفلي” (Downregulation).

تتلخّص هذه الآلية في قيام الدماغ بتقليص وتدمير عدد مستقبلات الدوبامين النشطة على جدران خلاياه العصبية، بهدف التكيف مع هذه الإثارة الفائضة وحماية النظام العصبي من الاحتراق الكيميائي.

النتيجة الكارثية لهذه العملية البيولوجية هي إصابة الإنسان المعاصر بحالة حادة من “التبلّد المشاعري” (Emotional Blunting) وعجز لذَّوي مزمن. إذ تصبح مستويات الدوبامين الطبيعية التي يفرزها الجسم في الحياة الواقعية غير كافية بالمرة لتحفيزه؛ فتفقد النفس قدرتها الفطرية السوية على التفاعل مع المثيرات الهادئة والعميقة، مثل تأمل الطبيعة، أو الصلاة الخاشعة الممتدة، أو القراءة الواعية لكتاب رصين، أو حتى الجلوس الهادئ مع الأهل.

لقد اعتاد الدماغ على “الصدمات الكيميائية القصوى” التي توفرها الشاشة، وماتت لديه حساسية تذوق الجمال الطبيعي والسكينة الروحية.

استلاب القشرة الجبهية وضياع “مقام التكليف”

إن الجريمة الهندسية للخوارزميات لا تقف عند حدود العبث بنظام المكافأة في أدمغتنا، بل تمتد لتضرب بشكل مباشر وعنيف “القشرة الجبهية” (Prefrontal Cortex)، وتحديدًا منطقة فص الجبهة المسؤول وظيفيًا وفيزيائيًا عن عمليات اتخاذ القرار، والتخطيط طويل المدى، وكبح الاندفاعات الغريزية والعاطفية.

فعندما تتعرض هذه المنطقة الحساسة لسيول بصرية متلاحقة لا تتوقف من مقاطع الميديا السريعة، يصاب هذا الفص بحالة من الإجهاد الشديد والضمور الوظيفي، وهو ما يؤدي بالتبعية إلى حالة من شلل السلوك، أو ما اصطلحتُ على تسميته في مشروعي البحثي بـ “حسد الإرادة”.

و”حسد الإرادة” هو عجز بنيوي ونفسي قاهر يمنع الإنسان من ممارسة الفعل النافع والخير برغم إدراكه التام والمطلق لأهميته من الناحية النظرية؛ فتجد المرء يعلم يقينًا خطورة ضياع وقته، ويدرك أثر ذلك على دينه ودراسته ومستقبله، ولكنه يقف مشلولًا أمام هاتفه، عاجزًا عن اتخاذ قرار إغلاقه بوعي وسيادة. إنه يشتهي أن يملك إرادة الفعل، لكن الإرادة جرى تأميمها وسرقتها.

في هذه اللحظة الحرجة تحديدًا، يسقط “مقام التكليف” بمعناه الإنساني والشرعي العميق. فالتكليف في جوهره ومبتدئه هو أمانة الاستخلاف، واستجابة واعية وحرة لنداء الحق، ومسؤولية أخلاقية تقتضي بالضرورة وجود هيكل نفسي متماسك يمتلك القدرة على الاختيار والامتناع.

يجب التأكيد هنا، أن الاستلاب الرقمي يفرغ الإنسان من مادة التكليف، ويحوله من فاعل سيادي يملك زمام أمره، إلى كائن انفعالي ركيك تحركه خطوط برمجية وضعها مبرمجون في وادي السيليكون لزيادة أرباح شركاتهم. وهنا يتحقق في هذا الإنسان المفتت الوصف الأنطولوجي المرعب الذي ساقه القرآن الكريم لمن تشتتت إرادته وضاع مركزه: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].. فالأمر “الفرُط” هو الأمر المتناثر المتطاير الذي لا يجمعه رابط، تمامًا كحال انتباهنا المبدد بين المنصات.

الاستعمار الجديد: من احتلال الأرض إلى تعدين “العصب”

بناءً على هذا التشريح، يجب علينا أن ندرك بكامل وعينا أن ما يواجهه الإنسان المعاصر اليوم ليس مجرد “عادات سيئة” يمكن علاجها بنصائح وعظية إنشائية، أو مجرد “سوء إدارة للوقت” يحتاج لتطبيق تنظيمي؛ بل نحن أمام خضوع تام ومستسلم لنمط من الاستعمار البيولوجي غير مسبوق في التاريخ الإنساني كافّة. لقد انتقلت المركزية الاستعمارية في هذا العصر من احتلال “الجغرافيا والأرض” إلى احتلال “البيولوجيا والعصب”.

في القرون الماضية، كان الاستعمار التقليدي يحتاج إلى تحريك الجيوش، واقتحام الحدود، وقهر الشعوب بالقوة العسكرية الصلبة من أجل السيطرة على الأرض والموارد الطبيعية (كالذهب والنفط). أما اليوم، في ظل الرأسمالية الرقمية، فإن “الانتباه البشري” و”السيال العصبي” هو النفط الجديد والذهب الأكثر قيمة في السوق العالمية.

الخوارزمية الذكية لا تحتاج لطائرات أو دبابات لاقتحام الدول، بل تقتحم غرف النوم العازلة وتتسلل إلى عمق النسيج العصبي للإنسان عبر شاشة ملونة لا يتجاوز حجمها كف اليد. إنها عملية “تأميم قسرية وناعمة للقشرة الدماغية”، تُنصّب فيها الخوارزمية نفسها سلطة سيادية عليا تستملك مجالك الحيوي، وتوجه وعيك، وتشكل رغباتك، بل وتصنع مشاعرك وانحيازاتك لتطابق توقعات السوق السلوكية.

هذا الاستعمار البيولوجي الرقمي هو الأشد ضراوة وفككًا في تاريخ البشرية؛ لأنه لا يُجابه بالمقاومة، بل يُستقبل بالترحاب والبهجة. إنه يتم عبر حركات أصابعنا البسيطة والتلقائية أثناء التمرير اللانهائي وضغط أزرار الإعجاب، والتي تُمثل في حقيقتها المكتومة تنازلًا طوعيًا، متكررًا، ويوميًا عن السيادة الروحية والجسدية لصالح الآلة.

لذلك، فإن معركة استعادة السيادة هنا لم تعد ترفًا فكريًا، أو خيارًا نخبويًا مجردًا لمن يملك رفاهية الوقت؛ بل هي معركة وجودية حتمية، وجهاد عيني لاسترداد “أهلية التكليف”، وإنقاذ الكرامة الإنسانية الفطرية التي تتبدد كل ثانية في زحام الإشعارات وصخب الركام الرقمي.

في المقال القادم بإذن الله، سننتقل من تشريح الداء البيولوجي إلى سبر أغوار “سيكولوجيا الوعاء المستلب”؛ لنفكك أزمة الفراغ والملل الأنطولوجي، ونكشف عورات البدائل الروحية الزائفة والخدع النيوليبرالية مثل “قوانين الجذب” والتنمية البشرية التي تُعمق عجز الإنسان وتكرس استلابه.


[1] ينظر حول تحجيم الوعي النقدي واستلاب الإرادة في المجتمعات الصناعية المتقدمة: هربرت ماركوز، الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة: جورج طرابيشي، (بيروت: دار الآداب، ط3، 1988م)، ص 38-41. ويقارن بـ: هربرت أ. شيللر، المتلاعبون بالعقول، ترجمة: عبد السلام رضوان، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة (243)، ص 13.

[2] ينظر حول مفهوم تسليع التجربة الإنسانية وفائض السلوك: شوشانا زوبوف، عصر الرقابة الرأسمالية، مراجعة: على الرواحي، مجلة مراجعات (جمادى الأولى 1441هـ – يناير 2020م)، ص 1. (ينظر سياق الحديث عن تسليع المعلومات الشخصية واستخراج البيانات كبديل للموارد التقليدية).

[3]  ينظر حول آليات “الإشراط الاستجابي” والمكافأة المتغيرة: Simply Psychology، على الرابط: SimplyPsychology.org. وحول أثر الدوبامين والضبط السفلي (Downregulation) في حالة الإدمان الرقمي، ينظر: Maple Mountain Recovery، على الرابط: MapleMountainRecovery.com. وللمزيد حول محاكاة منصات التواصل لأساليب القمار في خلق اللهفة النفسية، ينظر مقال: The Guardian، على الرابط: TheGuardian.com.

شارك المقال
Exit mobile version