“وعلّم آدم الأسماء كلها”.. لم تكن مجرد أسماء

ديما مصطفى سكران


“وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟”.

كثيرا ما يطرح القرآن أسئلة كبرى ثم يجيب عليها، وهي أسئلة متعلقة بالفلك والبحر والخلق والزمن والنجوم والفلسفة. وما كان محمد صلى الله عليه وسلم ليكلف نفسه عناء الإجابة على هذه الأسئلة الشائكة المتنوعة لو كان هو مؤلف القرآن، لأنها أكبر من الحالة المعرفية والفلسفية التي كانت سائدة في تلك المنطقة الصحراوية المعزولة من العالم، ولذا فإن ورود هذه الأسئلة الكبرى مع إجاباتها بين دفتي القرآن ليس إلا دلالة قطعية على صحة الرسالة.

أحد هذه الأسئلة الكبرى التي طرحها القرآن جاء على لسان الملائكة حين أعلنوا استغرابهم وحيرتهم من خلق الله عز وجل لآدم: “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟”، فيجيبهم الله عز وجل بأنه يعلم ما لا يعلمون، ثم يعلم آدم أسماء الأشياء كلها ويعرضهم على الملائكة ليفشلوا في هذا الامتحان البسيط، فينبئهم آدم بأسماء الأشياء التي علمه إياها ربه، فيقول لهم الله : ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون؟ ينتهي عجب الملائكة هنا وتنتهي القصة!

هكذا! بهذه البساطة! لطالما تساءلت وأنا أقرأ هذه الآيات عن سبب انتهاء القصة بهذه الطريقة، عن العلة التي تجعل معرفة آدم لأسماء الأشياء أمرا يمنع الفساد في الأرض، بل ويحقق عكس ذلك، العمران والبناء والتحسين!

لطالما مررت على هذه الآية أخفي في سري سؤالا صغيرا، كيف تكون هذه الحجة كافية لإسكات الملائكة، لإقناعهم بأن خلق آدم كان شيئا مختلفا سيحدث في ملكوت الله فرقا كبيرا، الأسماء! وما علاقة الأسماء؟ وما الروعة في أن أعرف مثلا اسم التفاحة والجدار والسماء والنملة! هل هذا أمر صعب حقا؟ هل هذا الأمر جدير بأن يكون الحجة التي تنهي حيرة الملائكة واستغرابهم؟

ولكي نجيب على هذا السؤال دعونا أولا نعمل مخيلاتنا قليلا لنتخيل عالما لا نطلق فيه أسماء على الأشياء ، تماما كما تعيش الكائنات غير العاقلة على هذه الأرض، أو ربما كما تعيش الملائكة! تخيلوا أننا نرى هذا الكون المعقد حولنا دون أن نكون قادرين على تسمية أي شيء فيه مهما كان صغيرا أو كبيرا ابتداء بحبة الرمل وانتهاء بالشمس! ألن يجعل ذلك تفاعلنا مع هذه الحياة تفاعلا آنيا تماما كتفاعل الحيوانات مع محيطها. فالسنجاب الموجود أمامنا الآن، نراه يقفز بين الأشجار، نرى لونه وفروه الناعم وعيونه الزئبقية، نعايش هذه التجربة بكل عمقها الممكن وتأثيرها على حواسنا، وبعد ثوان يختفي السنجاب الذي ليس له اسم، ويختفي معه كل شيء متعلق بهذه التجربة، كل ما التقطته الحواس أو شعرت به الجوارح. لن يخلف هذا الحدث في ذواكرنا إلا طيفا لا اسم له. إنها تجربة انتهت في ثوان، لن نستطيع نخبر بها أحدا، لأننا سنضطر في كل مرة نريد ذكر السنجاب فيها إلى الكثير من الشرح الذي لن يكون مجديا طالما أننا لا نملك حتى اسما لأي تفصيل نريد أن نقوله! سنكون وسيكون كل من حولنا كائنات متفاعلة بشكل آني مع كل شيء، تسيطر علينا الدهشة أمام كل جديد، تتحكم بنا الطبيعة دون أن نقدر على تطويعها طالما أننا لا نراكم أي خبرة ذات أهمية في عقولنا وطالما أننا لا نستطيع تطوير ذلك وتبادله مع الآخرين. ستكون حياتنا بدائية للغاية!

لكننا في عالم يوجد فيه اسم لكل شيء ستعني التفاحة لنا بمجرد قراءة اسمها أو نطقه أو سماعه ثمرة فاكهة كروية ذات لون أحمر أو أخضر أو أصفر لشجرة تزهر في الربيع زهرا أبيض وتطرح في الخريف الثمار، ولهذه الثمار طعم حلو أحيانا وحامض أحيانا أخرى ، يمكن أن تقضمها الأسنان فتصدر صوتا مميزا ويتطاير عصيرها على الوجه، فيها بذور مرة ومنها تصنع عصائر ومربيات. وهذا ما يعرفه أي شخص عادي، ولكن اذكر  كلمة “تفاحة” أمام عالم نباتات مثلا وسترى أن هذه الكلمة الصغيرة ستستدعي في ذهنه معلومات قد تملأ عدة صفحات عن شكل زهرة التفاح وعدد بتلاتها وعدة الأخبية التي تقبع فيها البذور في الثمرة وطريقة التكاثر والتركيب الكيميائي لقشرة التفاحة وطول سلاسل الكربون المشكلة لسكاكرها ووو إلخ من المعلومات المفصلة.

كان كافيا جدا أن نقول تفاحة لكي يفهم من هذا الاسم كل ذلك، كل هذا الكم الهائل من المعلومات الذي نستطيع تضخيمه قدر ما نريد  ثم نقله كله دفعة واحدة إلى أي شخص في العالم بمجرد لفظ “اسم” التفاحة!

تظنون المثال بسيطا، طيب فلنأخذ مثالا آخر. إن ذكر اسم LIGO  قد لا يعني غالبا لأي قارئ منا أي معنى، مجرد أحرف مصطفة بشكل عشوائي لها نغمة معينة عند نطقها، لكن جرب أن تذكر هذا الاسم أمام أي عالم او باحث فيزياء وسيخطر في باله فورا أن هذا الاسم هو في الحقيقة اختصار لعبارة Laser Interferometer Gravitational-Wave Observatory المرصد الضخم المؤلف من بنائين توأم ضخمين أحدهما واقع في ستانفورد والآخر في ليفينغستون بالولايات المتحدة الأمريكية، وكل منهما يتألف من ذراعين بطول 4000 متر على شكل أنابيب مفرغة من الهواء معزولة عن الوسط الخارجي بماصات للاهتزازات يمر فيها ليزر من أصفى أشعة الليزر في العالم لينعكس على مرآة عملاقة في نهاية الذراعين، حيث سمح هذا المرصد عام 2015 لأول مرة في تاريخ البشرية بالتقاط الأمواج الثقالية -التي تحدث عنها أينشتاين في نظريته عن النسبية- بنسبة انحراف في موجة الليزر بمقدار 10 مرفوعا للقوة 22 السالبة.

أرأيتم كيف استطاع الإنسان اختصار مفهوم ضخم لجهاز غاية في التعقيد بكلمة واحدة فقط، بمجرد اسم من أربعة أحرف؟ هل يا ترى كان اخترع شيء كهذا سيكون ممكنا لو لم يكن الإنسان مسبقا يعرف أشياء الليزر والمرايا والموجات الثقالية وكل ما يمت إلى مكونات هذا الجهاز بصلة؟ هل يمكن أن يقدر أي عالم مهما اختلفت جنسيته على أن يساهم في إنجاز كهذا لو لم يكن متفقا مع كل من يعمل معه على هذه الأسماء التي تخفي خلف بساطتها مفاهيما معقدة؟

أعتقد أن هذا الأمر صار واضحا الآن بما فيه الكفاية، فلولا قدرتنا على إطلاق أسماء على الأشياء منذ فجر الإنسانية الأول لما تمكنا من تبادل خبراتنا الانسانية وتطويرها عبر كل العصور والسنوات وبين كل الحضارات والشعوب ولما حصل هذا التراكم المعرفي الهائل الذي مكننا من الوصول إلى لما وصلنا إليه من تطور!

نحن البشر لدينا القدرة على حجز أشياء ملموسة ومفاهيم معقدة وظواهر طبيعية بأسماء بسيطة قدر الإمكان، لكنها تنطوي رغم بساطتها على كل ما يمت إلى مسمياتها من خواص وتفرعات بصلة، وذلك ابتداء بالذرة وما دونها وانتهاء بالمجرات شاسعة البعد.

وليست الأمور الملموسة والظواهر الطبيعية فقط هي الخاضعة لقدرتنا على التسمية والاصطلاح، بل تتجاوز قدرتنا ذلك إلى إطلاق الأسماء حتى المشاعر والانفعالات والمفاهيم الفكرية المجردة، تلك التي لا ندرك كنهها تحديدا لكنها تملك لدى كل البشر دلالة واحدة متفق عليها تمكنهم من استخدامها في إثراء هذا التراكم المعرفي الإنساني.

إن اسما كالحزن مثلا لا نفهم بالضبط جوهره لكننا نعرف تماما كيف يجعلنا نشعر، وبذلك نستطيع مشاركته مع الآخرين والتعاطف معهم لدى إحساسهم به. كذلك لو قلنا “التفهم” أو “الذكاء” أو “الاقتصاد” سيختلف الأمر قليلا لو بدأنا باستخدام مصطلحات  كالإبستمولوجيا والميتافيزيقا!

والأمر مماثل في حالة التفاحة وليغو LIGO، فمن السهل إذن التعرف على كلمة تفاحة وما تشير إليه على أرض الواقع، لكن من الصعب ان يذكر أمامنا اسم مرصد LIGO  مثلا دون أن نبدي جهلنا الواضح بدلالة هذا الاسم، لذا لا تعد عملية التعلم في حقيقتها إلا إضافة المزيد من الأسماء الى ذخيرتنا اللغوية، لا كأحرف وأصوات فقط، بل كمفاهيم معقدة وحقائق تراكمية يستغرق أساتذة الجامعات وقتا طويلا لشرحها لطلابهم، كما يستغرق العلماء والباحثون واللغويون الكثير من الوقت ليختاروها أو يضيفوها إلى معاجم اللغات لتدل على الأشياء أو المفاهيم الجديدة التي توصل إليها البشر، وكل ما تفعله البشرية منذ بدء الخليقة حتى الآن هو إطلاق المزيد من الأسماء على المزيد من الأشياء، ومع كل اسم جديد يزداد يقين الملائكة بحكمة الله سبحانه وتعالى من خلق الإنسان وتتكشف إجابة هذا السؤال الكبير، فالإنسان مخلوق قادر على الإعمار، يستطيع التعلم والتعليم وتطوير الخبرات لتطويع الطبيعة، مخلوق ستكون مهمته مذ حمل الأمانة بناء هذه الأرض، وقد بدأت مهمته تلك مذ خلق الله سبحانه وتعالى سيدنا آدم ثم علمه الأسماء!

تتبدى هنا روعة الإجابة على هذا السؤال في النص القرآني، إجابة فلسفية غاية في العمق والإقناع ما كان ليتأتى لرجل أمي أن يتوصل إليها من تلقاء نفسه في هذه الصحراء المعزولة عن كل حضارات العالم المتطورة آنذاك! عن كل تراثه المعرفي وجدالاته الفلسفية وسفسطته! فسبحان الله الذي أنزل القرآن بالحق وخلق آدم أبو الإنسانية ثم علمه الأسماء كلها! سبحانه لا إله إلا هو!

التعليقات

تعليقات