هل فُرض الحجاب لتمييز الحرة عن الأمَة فقط؟

أحمد دعدوش


نص القرآن الكريم على وجوب تغطية المرأة لجسدها بالخمار والجلباب في سورتي النور والأحزاب، واستنبط كثير من الفقهاء والمفسرين من الثانية حكما بعدم وجوب التغطية على الأمَة (المملوكة)، ثم جاء بعض المعاصرين ليزعم أن انتفاء وجود الرق اليوم يسقط الحكم عن الحرائر.

سنناقش في هذا المقال الحكم نفسه، ثم نرد على المزاعم السابقة التي تسعى لإسقاط وجوب الخمار والجلباب، أو ما يسمى اليوم بالحجاب.

تقول الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59].

ومع أن الآية لا تشير صراحة إلى التمييز بين الحرائر والإماء، لكن اتفاق الكثير من الصحابة على هذا التفسير دفع معظم الفقهاء إلى تبنيه، حيث نُقل عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يمنع الإماء من التقنع (أي تغطية الرأس بالجلباب أو الخمار) ويطالبهن بعدم التشبه بالحرائر، وصحح هذه الأحاديث البيهقي والألباني.

إلا أن هذا التمييز يجب أن ينضبط بتوضيحات يغفل عنها الكثيرون، وسنوضحه في النقاط الأربع الآتية:

أولا: الهدف من التمييز هو حماية الحرائر من الأذى، قال السعدي في تفسيره [ص 672]: “{ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ} دل على وجود أذية إن لم يحتجبن، وذلك لأنهن إذا لم يحتجبن ربما ظُن أنهن غير عفيفات فيتعرض لهن من في قلبه مرض فيؤذيهن، وربما استهين بهن وظن أنهن إماء فتهاون بهن من يريد الشر”.

لكن هذا لا يعني أن التعرض للإماء جائز ومرخص فيه، إذ يقول محمد الأمين الشنقيطي “وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ تَعَرُّضَ الْفُسَّاقِ لِلْإِمَاءِ جَائِزٌ بل هُوَ حَرَامٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُتَعَرِّضِينَ لَهُنَّ مِنَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَض… وَفِي الْجُمْلَةِ فَلَا إِشْكَالَ فِي أَمْرِ الْحَرَائِرِ بِمُخَالَفَةِ زِيِّ الْإِمَاءِ لِيَهَابَهُنَّ الْفُسَّاقُ، وَدَفْعُ ضَرَرِ الْفُسَّاقِ عَنِ الْإِمَاءِ لَازِمٌ، وَلَهُ أَسْبَابٌ أُخَرَ لَيْسَ مِنْهَا إِدْنَاءُ الْجَلَابِيبِ” [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، 6/245].

ثانيا: التفريق بين الحرة والأمة في اللباس ليس أمرا مجمعا عليه، ولم يثبت في التفريق بينهما دليل صحيح صريح، فقال كثير من العلماء إن عورة الأمة كعورة الحرة، وإن علة الحجاب هي منع الفتنة وليس الحرية (نقيض الرق)، فقال ابن قدامة في المغني: “وسوّى بعض أصحابنا بين الحرة والأمة لقوله تعالى {ولا يبدين زينتهن} الآية، ولأن العلة في تحريم النظر الخوف من الفتنة، والفتنة المخوفة تستوي فيها الحرة والأمة، فإن الحرية حكم لا يؤثر في الأمر الطبيعي، وقد ذكرنا ما يدل على التخصيص ويوجب الفرق بينهما وإن لم يفترقا فيما ذكر افترقا في الحرمة وفي مشقة الستر؛ لكن إن كانت الأمة جميلة يخاف الفتنة بها حرم النظر إليها، قال أحمد بن حنبل في الأمة إذا كانت جميلة: تنتقب ولا ينظر إلى المملوكة”.

ورأى آخرون أن علة الحجاب كون المرأة أنثى بالغة، وأن التمييز بين الحرة والأمة هو حكمة من الحِكم وليس العلة، وحِكم فرض الحجاب كثيرة، ومنها أن ذلك أطهر لقلوب النساء والرجال، كما قالت الآية {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ{ [الأحزاب:53]، ومنها أيضا تطهير المجتمع المسلم عن أسباب الرذيلة، فإذا انتفت بعض الحِكم لا يزول الحُكم كما اتفق الفقهاء، فالحُكم الفقهي لا يدور مع الحكمة بل يدور مع العلة وجودا وعدما.

وجاء في كتاب “النوادر والزيادات” للقيرواني نقلا عن أشهب: “وكره مالك خروج الأمة متجردة، قال: وتُضْرب على ذلك”.

كما قال النووي في [منهاج الطالبين، ص 204] “وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْأَمَةَ كَالْحُرَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَم”، وأضاف شارح الكتاب الهيتمي في “تحفة المحتاج”: “لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْأُنُوثَةِ، وَخَوْفِ الْفِتْنَةِ؛ بَلْ كَثِيرٌ مِنْ الْإِمَاءِ يَفُوقُ أَكْثَرَ الْحَرَائِرِ جَمَالًا؛ فَخَوْفُهَا فِيهِنَّ أَعْظَم”.

وكان ابن حزم يعارض بشدة التمييز بين الحرة والأمة، فقال في كتابه المحلى: “وأما الفرق بين الحرة والأمة فدين الله تعالى واحد، والخلقة والطبيعة واحدة، فكل ذلك في الحرائر والإماء سواء حتى يأتي نص في الفرق بينهما”.
ثم قال: “وقد ذهب بعض من وهل (أي غفل) فى قول الله تعالى: {يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} إلى أنه إنما أمر الله تعالى بذلك لأن الفساق كانوا يتعرضون للنساء للفسق فأمر الحرائر بأن يلبسن الجلابيب ليعرف الفساق أنهن حرائر فلا يتعرضوهن، ونحن نبرأ من هذا التفسير الفاسد الذى هو إما زلة عالم أو وهلة فاضل عاقل أو إفتراء كاذب فاسق، لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين وهذه مصيبة الأبد، وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمَة، وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة، ولا فرق. وأن تعرض الحرة في التحريم كتعرض الأمة ولا فرق. ولهذا وشبهه: وجب ألا يُقبل قول أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بأن يسنده إليه عليه السلام”.

ووافقه بذلك الشيخ الألباني فقال في كتابه حجاب المرأة المسلمة: “ولا يخفى ما في ذلك من فتح باب الفساد، مع مخالفة عمومات النصوص التي توجب على النساء إطلاق التستر، وعلى الرجال غض البصر”.

ورأى الألباني أن تمييز الحرائر عن الإماء لا دليل عليه من كتاب أو سنة ومخالف لعموم قوله تعالى {ونساء المؤمنين} [الأحزاب: 59]، فقد قال الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام فى شأن النساء: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الَّلاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ} [الأحزاب: 50] ثم قال تعالى: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا} [الأحزاب: 52]، فثبت دخول الإماء والحرائر فى لفظ النساء كما في قوله تعالى: {ونساء المؤمنين}.

وهذا ما سبق أن قال به أبو حيان الأندلسي في تفسيره [البحر المحيط، 7/ 250]: “والظاهر أن قوله: {وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} يشمل الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن، بخلاف الحرائر؛ فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح”.

وقال الألباني أيضا إن الحجاب يعم كل النساء لعموم قول النبى صلى الله عليه وسلم: “إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا.. وأشار إلى وجهه وكفيه” [رواه أبوداود وهو حسن لغيره].

واستدل القائلون بهذا الرأي بقول ابن جريج: “قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَتُصَلِّى الْمَرْأَةُ فِى دُرَّاعَةٍ ؟! قَالَ: نَعَمْ، أُخْبِرْتُ أَنَّ الْإِمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَبَعْدَهُ كُنَّ لَا يُصَلِّينَ حَتَّى تَجْعَلَ إِحْدَاهُنَّ إِزَارَهَا عَلَى رَأْسِهَا مُتَقَنِّعَةً أَوْ خِمَارًا أَوْ خِرْقَةً يُغَيَّبُ فِيهَا رَأْسُهَا” [مصنف عبد الرزاق]، أي أن رأسها عورة.

لذا رأى أصحاب هذا الرأي أن الفعل الذي فعله الفاروق رضي الله عنه ليس بالنص الملزم، وأنه ضرورة وقتية لحالة معينة [كتاب حجاب المرأة المسلمة، ص 90-94].

ثالثا: شكل التمييز ليس متفقا عليه بين العلماء الذين أقروا به، فالبعض تساهل وجعل عورة الأمَة كعورة الرجل، والبعض تشدد وجعل الأمر متعلقا بكشف وجهها فقط، والبعض قال إن ما يباح كشفه للأمة هو ما ينكشف عادة أثناء الخدمة، مثل رأسها ورقبتها وذراعيها.

رابعا: حتى القائلين بالتفريق بين الحرة والأمة استنادا إلى فعل عمر رضي الله عنه، فقد أجمعوا على عدم إطلاق تجرّد الأمة من الحجاب دون ضوابط.

ففرّق بعضهم بين الأمَة البَرْزَة (التي تبرز كثيراً كالرجل لجلب الماء مثلا أو لممارسة أعمال أخرى تتطلبها الخدمة)، وبين الأمة الخَفْرَة (التي لا تخرج من البيت كثيرا).

كما فرَّق ابن قيم الجوزية بين إماء الاستخدام والابتذال، وبين إماء التسرّي (ملك اليمين)، وأبدى تعجبه ممن يرى أصلا في التمييز بين الحرة والأمة مبررا للنظر إلى الإماء الجميلات، وأوضح أن عدم حجب الأمة ليس للتمتع بالنظر إليها -كما أساء البعض الفهم- بل للتخفيف عنها وتسهيل عملها، فقال في كتابه [إعلام الموقعين، 2/46]: “وأما تحريم النظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة، وإباحته إلى الأمَة البارعة الجمال فكذب على الشارع، فأين حرّم الله هذا وأباح هذا؟ والله سبحانه إنما قال: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم}. لم يطلق الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب، وإنما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب، وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك، لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال، وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن فأين أباح الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في الأسواق والطرقات ومجامع الناس وأذن للرجال في التمتع بالنظر إليهن؟ فهذا غلط محض على الشريعة”.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية [مجموع الفتاوى، 15/372]: “ثبت في الصحيح أن {النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل بصفية قال أصحابه: إن أرخى عليها الحجاب فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يضرب عليها الحجاب فهي مما ملكت يمينه، فضرب عليها الحجاب}، وإنما ضرب الحجاب على النساء لئلا ترى وجوههن وأيديهن. والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء، كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز”، ثم قال: “وكذلك الأمة إذا كان يُخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي من جلبابها وتحتجب، ووجب غض البصر عنها ومنها. وليس في الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء ولا ترك احتجابهن وإبداء زينتهن، ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمر الحرائر، والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر، ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام، بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء، واستثنى القرآن من النساء الحرائر القواعد فلم يجعل عليهن احتجاباً، واستثنى بعض الرجال وهم غير أولي الإربة، فلم يمنع من إبداء الزينة الخفية لهم لعدم الشهوة في هؤلاء وهؤلاء، فأن يستثنى بعض الإماء أولى وأحرى، وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك احتجابها وإبداء زينتها. وكما أن المحارم أبناء أزواجهن ونحوه ممن فيه شهوة وشغف لم يجز إبداء الزينة الخفية له، فالخطاب خرج عاماً على العادة، فما خرج عن العادة خرج به عن نظائره، فإذا كان في ظهور الأمة والنظر إليها فتنةٌ وجب المنع من ذلك، كما لو كانت في غير ذلك”.

ونستنتج من كلام ابن تيمية أن عدم احتجاب الإماء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان من باب القياس على القواعد من النساء، لأن الشائع في ما قبل الإسلام أن الرقيق كانوا يُجلبون  من أفريقيا للخدمة والعمل، ولم تكن الإماء محل فتنة، ولكن بعد الفتوحات ودخول النساء الأسيرات في الرق تغير الحال عما كان عليه في عصر الفاروق، ولم تعد بعض الإماء للخدمة ممن لا يكترث لهن الرجال، فيقول ابن تيمية “وأما الإماء التركيَّات الحِسان الوجوه، فهذا لا يمكن أبداً أن يَكنَّ كالإماء في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ويجب عليها أن تستر كل بدنها عن النَّظر” [الشرح الممتع،2/157-158 ].

خلاصة
نستنتج مما سبق أن التمييز بين الحرة والأمة ليس علة أصلا للحجاب، بل هو إحدى الحكم المتعلقة به، بل هو موضع خلاف أصلا، وقد أوضحنا في مقال “لماذا فُرض الحجاب؟” علة وحِكم فرض الحجاب، فالآية التي ورد فيها فرض الخمار (الحجاب بلغة اليوم) لا تشير إلى أي تمييز، ولا تجعل من عدم تعرض النساء للأذى حكمة ولا علة، وهي التي يقول فيها ربنا جل وعلا: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ…} [النور: 30].

إذن فانتهاء عصر الرق لا يعني انتهاء فرض الحجاب، وانتفاء احتمالية الأذى لا يؤدي إلى سقوطه أيضا كما يحاجج البعض اليوم. والله أعلم.

التعليقات

تعليقات