من ملامح الإعجاز القرآني: مظهر جلال الربوبية

محمد الريس


يترك القرآن الكريم أثراً في نفس المثقف والعامي، سواء الذي علم التفسير وفهم أبعاد آيِ القرآن أو الذي اقتصر فهمه على معاني بضع آياتٍ وغابَ عنه تفسير معظمها، وأبعد من ذلك ترى أن القرآن قد أحدث خشوعاً ورهبةً في قلوب الشيوخ والشبان والأطفال[1] فلا يقع كلامه على أسماعهم إلا وتراهم خاشعين متأملين، ثم يظهر لكَ هذا الإعجاز ظهوراً واضحاً جليَّاً عندما تعلم أن هناك من الغربيين[2] الذين لا يفقهون اللغة العربية ولا يجيدونها لم يكد يقع كلامُ الله على أسماعهم حتى يسيطر عليهم الخشوع وتنهال منهم الدموع.[3]

وتتساءل في نفسك لم؟ فيأتيك الجواب بعدَ شيءٍ من التأمل: لأنه كلام الله خالقُ النفس البشرية العالمُ بها وبأسرارها، العارف كيف يحدث فيها خشوعاً ورهبانيةً وكيف يجعلها تذل وتخضع، فلا تكاد تجد كلاماً يرجعها إليه إلا وتقبلُ عليه إقبالاً لا إدبار بعده، وذلك إن لم يخالطها كبرٌ يُطغي أو هوىً يُعمي، وهذا الإقبالُ عينه تجده عند المسلمين الجدد الذين لم يجدوا لحياتهم معنىً إلا عندما اعتنقوا الإسلام وأقبلوا على القرآن، فهم لا يغبطون المسلمين العرب على شيء كما يغبطونهم على كون لغتهم هي لغة القرآن الكريم.

إنه كلام الله النازل من السماء، العارفُ طريقه إلى القلب، وحق له ذلك إذ لم يتلوث بطينية البشر.

ولعل الشيخ سعيد البوطي هو أول من تطرق لهذا الإعجاز بهذا اللفظ في كتابه من روائع القرآن، وإن كان الشيخ محمد الغزالي قد تطرق له معنىً في كتابه نظرات في القرآن عندما أدرجه تحت الإعجاز البياني.

يقول البوطي إذا أردت لمس هذ الإعجاز حقيقةً فانظر إلى الآيات التي يتكلم فيها الله عزّ وجلّ عن ذاته آمراً أو ناهياً أو مخبراً، فإذا تأملت فيها، رأيتها تتسم بجلال الربوبية وصفات الألوهية، ولم تجد فيها أي معنى من المعاني البشرية والصفات الإنسانية. إليك بعضها:

{فَورَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا، ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا، ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا، وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها، كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا} [مريم: 68 – 72].
{إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ، لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي، وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي، إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى، فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى} [طه: 14 – 17].

أمّا إنّ الطبع لغلّاب، وليقم أي فرعون من الفراعنة المتألهين أو المتجبرين، ثم ليجرب أن ينطق بمثل هذا الكلام الذي يتنزل من عرش الربوبية ويغمر النفس بالرهبة والجلال، فإن لسانه سيدور في فمه على غير هدى، وإذا تكلم فسيأتي بكلام يكشف بعضه بعضا فيه محاولة التمثيل وليست فيه صنعته إذ هو مما لا يسلس القياد فيه لتصنّع ولا لتمثيل.

وانظر، فقد صوّر الله لنا بمحكم بيانه المعجز ألوهية فرعون الزائفة، وكلامه الذي حاول أن يبثّ فيه دعوى ألوهيته وربوبيته، وصوّر لنا من خلال ذلك كيف أن كلامه جاء تكذيبا لطموحه وربوبيته الزائفة. وذلك عندما قال عنه:

{وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ} [القصص: 38]. [من روائع القرآن: ص157-159].

إنه يدعي أنه رب ولا إله غيره ثم يبحث عن الأسباب والوسائل التي تمكنه من الصعود إلى السماء!

أيُّ إلهٍ هذا الذي يعجز عن الوصول إلى نتيجةٍ ما دون الأخذ بأسبابها؟!

ثم يقول “لعلّي” فهو يرجو! وطالما يرجو فإنه غير مستيقنٍ من قدرته على تحقيق ما يريد!

أيخرج من رب هكذا كلام؟ أم يكون إله بهذا الحال الذي يستجلب الشفقة والتعاطف؟

إنها الطبيعة البشرية التي تحول بين العبد ودعواه الكاذبة، وتظهر حقيقته وتكشف خباياه مهما ألبس نفسه من أثواب الكبرياء والتجبر والألوهية.

وأختم بما حدث مع الوليد عندما التقى بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام، فالحقُّ ما شهدت به الأعداءُ: روي أن الوليد بن المغيرة -وهو من زعماء الكفر في مكة- جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، واستمع إلى ما يتلو من هذا القرآن فلما أنصت وتدبر، كأنما رق له قلبه، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه وقال له:

يا عم، إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوك إياه، فإنك أتيت محمداً وملت إلى دينه…!

قال الوليد مستنكراً عرض المال عليه: لقد علمت قريش أني من أكثرها مالاً.

قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك، فيعلمون أنك مكذب له وكاره.

قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم مني بالشعر، ولا برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن.

والله ما يشبه الذي يقوله محمد شيئاً من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمنير أعلاه، مشرق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته.

وغضب أبو جهل لهذه الشهادة، وعاد مُلحَّاً على الوليد: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه؟

فقال الوليد: دعني أفكر.

وفكر الوليد، ثم أراد أن يُسكتَ صوت الحق الخافت الذي يخرج من نفسه هامساً في أذنه أن ذلك كلام الله خالقك، فقال: هذا سحر.

وفي هذا الحوار نزل قوله عز وجل: {كلا إنه كان لآياتنا عنيدا، سأرهقه صعودا، إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر، سأصليه سقر} [المدثر: 17-26].

_____________________________________________________

[1] https://www.youtube.com/watch?v=eKq_Xk62gIE

[2] https://www.youtube.com/watch?v=yM7AHoao61I

[3] https://www.youtube.com/watch?v=0VEj85Nuj8E

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد