ملحد يكبت إيمانه

حسام شاكر


أي رجفة هذه التي تسري في بدنك قبل إغماض عينيك على الوسادة؟ هل أرهبتك كلماتٌ سطّرتَها في منافحتك الأخيرة عن “الإلحاد”، الذي تزعم أنك به مؤمن؛ فخشيتَ معها غضبَ الله عليك؟

رفقا بنفسك، نَمْ هانئا، وأسلِم قلبك النابض لبارئه، فلن تعبث به صدفةٌ كالتي افترضْتَها في مقطعك الذي أحرز الإعجابات. ألم تَغْفُ في أمسِك ثم أفقتَ عليه يواصل خفقانه الدؤوب؛ كما فعل بلا هوادة منذ أن احتواك جَوْفُ أمِّك الدافئ؟ 

أرأيت؟! لم تكن صدفة أنت، بل انبثقتَ مثلي عن أم رؤوم، وأطلقتَ صيْحَتَكَ الأولى في دنيا البشر، واتخذتَ سبيلَك في الدهر عجبا، فمضيْتَ نحو الْتِقامِ صدرٍ حانٍ كأنك تعرفه من أمد بعيد. من علّمك أنتَ فنّ الالتقام قبل أن تُبصِر كيفيّته؟

نَم قريرَ العين، ولا تُنهِك عقلَك بتأويل اشتغاله المُعجِز، أو بإدراك روحٍ تحتويها أنت؛ ومعها ترقى عن أن تتقزّم في كتلة لحم ودم، هي المحسوس منك؛ أو مجرد جذع يمضي على ساقين صوب مرافعة جديدة تُشغِلكَ عن التفكّر. أنت برهانُ “التجاوز” الذي رفضتَ التسليمَ به في مرافعتك، فما يكون أمرُ روحك “المتجاوزة” لقميصها على وجه اليقين؟ وهل يقنَعُ عقلُك بأنه كتلة نخاعية محسوسة وحسب؟ سَلْه، إذن، ما يكون هو تحديدا، قبل انهماكك بتشغيله كي تترافع أنت بنفي خالقه، أم سيباشر عقلُك نفيَ ذاته لأنه لم يدركها خالصةً محددة على وجه اليقين أيضا؟

سَلْ قلبَك يا عزيزي إن أعياك عقلُك الذي زاد الفلاسفةَ من قبلك رهَقا لما حاولوا تحديد كنهه! وما يكون القلبُ هذا أساسا في حقيقته على وجه اليقين؟ أو سَلْ فؤادك، إن شِئت، عمّا ألجأك إلى الأعلى يوم أن تأرجحت بك المجنّحةُ بين طبقات الغمام، أو لمّا تقاذف الموجُ مركبَك الصغير، أو لحظةَ الارتطام المفاجئ على الطريق السريعة.. وقد استبدّ بك الهلع في حضرة مشاهد خاطفة تعاقبت على وَعيِك، مُختزِلةً حياتك التي كانت دون شاشة عرض.

أتذكُر لحظتَك المفصلية؟ لمّا انخلع قلبُك، وأطبق الجَزَعُ على صدرك، وتحشرجت الكلمات في جوفك، وارتقت عيناك صوب سماء تعلوك، ترقّبا لما سيبوح به الطبيب بمعطفه الذي بدا لك كفنا يوشك أن يحتويك، ثم جاءك ذو النظارة السميكة بابتسامة هدّأت من روعك ومنحتك أملا بحياة جديدة، بعد كشْفِه على ما حسبتَها أوراما تضخّمت في أحشائك، ثم إنك تهاوَنتَ وقتها مع لسانك المنطلِق بالحمد والتسبيح، وقد تحرّر لحظةً من كبتٍ مديد؛ أثقله عن أن يبوح بما احتبستَه أنت في أعماقك.

أتذكُرُ صباحا ربيعيا مشرقا، ضمَمْتَ فيه وليدَتك الأولى بين ذراعيك برفق، ولم يستَقِم في عينيك الدامعتيْن أنّ هذا الكائن الإنساني النابض بدفء هو محض صدفة شكّلته الطبيعة بذاتها؟ تفتحت الورود من حولك، وأمسكتَ بخيط يُفضي إلى سرّ كبير، ثم صرفتَ وجدانَك في المساء عن مراجعة التفكير في قوانين الطبيعة التي عنها تترافع، وكيف لها أن تكون بلا مقدِّمات مؤسِّسة لنتائجها ومسبِّبات مُوجِدة لأسبابها. وكيف للخلقِ أن ينتظم في الوجود، بالأحرى، بلا قوانين لانتظامه وسنن مركوزة فيه، فمن نظَمَها عبرَه وركَزها فيه إذن؟

أما التمثالُ البديع الدقيق فقد أخذ بك كلّ مأخذ، لمّا استوقفَك وسط الميدان السياحي، فأدركتَ عظمة صانعه من دقة تشكيله التي تشبه البشر، فلما فاجأتْكَ رمشةُ جفنيْه ورعشةُ كفّيْه عاجلتَهُ أنت بكبْح انشغالك بمن نحَتَه، وأسرعتَ بدسِّ يدك في جيبك لتَخرُجَ مرتجفةً بقطع المال، وألقيْتَ بالنقود إلى فتى بارع انتحل هيئة التمثال المعدني الذي أذهلك، ثم انصرفتَ ولم تعقِّب. ها أنتَ أفصحتَ وقتها عن إيمان في أعماقك بصنعة النسخة الجامدة المقلدة، في ما بقيتَ تجادل في صنعة الأصل النابض الذي جُعِلَت هي على منواله، فعقدتَ لسانك عن إبداء الإعجاب به.. لمّا تحرّك ونطق. أتؤمن بإلحادِك حقا؟!

ثم إِنّ صنعة الروبوت قد أبهرتك من بعدُ أيما إبهار، لمّا تسامَرتَ مع إنسانٍ آلي، برز لك بعينين واسعتين بمحاذاة قامتك المنتصبة، وبادرَك بالتحية. تودّدَ إليك المصنوعُ العجيب اللامع ليعرض خدماته عليك كما اختزنها فيه صانعوه تماما؛ بلا زيادة. وأدركتَ وقتها تهافُتَ منطقٍ جادلتَ به من قبل. ألم تسألهم في المعرض التقني عن البلد الذي أنتجه؟ والشركة التي ابتدعته؟ لعلك لم تلحظ وقتها أنّ الكائن الودود لا يجادلك في حقيقة خِلقته وصحّة نسبته، فما زلنا عاجزين عن تصنيع كائن أكثر تعقيدا، يناهز مرتبتنا، فيقوى على إنكار صنعته ونفْي وجود من ركّبه وبرمجَه.

وإن تحقّق هذا التطوير في زمن آتٍ فسيتجلى الابتكار الموعود بُرهانَ اقتدارٍ فذّ للصانعين والمطوِّرين، وقد تبتسم مختبرات التطوير من أعماقها إن رصدَتْ ثقافة الإنكار والنفي والتعالي تسري بين كائنات آلية متكاثرة من حولها. فكيف لا تكون خِلقة البشر دالّةً على عظمة خالقهم؟ أليسوا هم من يتألّهون في الأرض ولا يتواضعون لربهم، حتى تبارى بعضهم في مناجزة العلي القدير بنفي وجوده كليّةً أو التطلّع إلى التمرّد الساذج عليه؟ إنها مرافعاتنا المذهلة، نحن البشر، من منصّاتنا الغائرة في نقطة لا تُرى من عمق الفضاء، يُقال لها الأرض.

هي أرضٌ ينبسط فوقها سرّنا الكبير، الذي يمنحنا رشفةَ الشعور بأننا مركز كونٍ نعجز عن استجماع حقائقه الفسيحة وإدراك أبعاده المنطوية في حُجُب الغيب. نحسب أننا مركزه دون أن تقوى تصوّراتنا على تجاوز خبراتنا المتحققة حصرا مما جرّبناه وأبصرناه. وإن بقينا عاجزين عن معاينة هذه الفضاءات المجهولة، أو التلصّص على دقائق فحواها واستراق السمع إلى عوالمها والوقوف على قوانين تسييرها ونظُم تشغيلها؛ فكيف بنا نجادل في محاولة تصوّر خالقها ومدبِّرها جميعا؟ ومن بوسعه منا، أساسا، إدراك ذات الخالق إن عجَزنا عن تصوّر بعض المخلوق ابتداءً؟ وأي تعالٍ هذا الذي يتملّكنا، في محاولتنا لنحت إلهٍ تأسره خبراتنا الأرضية القاصرة؛ التي تعجز عن مفارقة أقفاصها الذهنية ابتداءً؟

يطوي الغيبُ عوالمَ منثنية في دواخلنا، وفي كائنات دقيقة من حولنا، ومن لم يعترف بعدُ بخِلقةِ بعوضة يطاردها فتتحايل عليه في رقاده لترتشف من دمه؛ فلا سبيل له للإقرار بما دونها من عوالم غير مرئية، وبما فوقها من أسرار المجرّات التي نسبح في ركن منها دون دراية بالوجهة.

هل أدركتَ -عزيزي- سرّ كلماتٍ أتمتمُ بها مبتسما.. كلما حدّثتني في منافحاتك الجريئة عن نفي الخِلقة والخالق؟! فإني ما أدركتُ أحدَهم يبرع مثلك في اعتصار عقله الملهَم، وحشد حججه الأخّاذة، وتركيب مقولاته المنمقة، وتشغيل لسانه المنطلق، وتنسيق عرضه المبهِر؛ إلا وأدركتُ في هذا كله عظمةَ هذه الصنعة البديعة العجيبة، التي هي نحن، بكل ما يعنيه أحدنا أن يكون إنسانا. ألا يحق لفؤادي أن يهتف في حضرتك المهيبة من أعماقه الغائرة، وأن ترضخ شفتايَ للحقيقة التي أراها ناطقةً فيك، فتباشر البوح الكبير: ..سبحانك، ما أعظمك، ما أبدع هذه الخِلقة، سبحانك يا الله.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد