1ش 2

مشكلة الشر.. بين تناولها التاريخي والفكري والإلحادي

الحسني ياسين

تُعدّ إشكالية الشر من أقدم وأعمق المشاكل الفلسفية واللاهوتية التي شغلت العقل البشري، كونها تقدّم تساؤلات جوهرية حول وجود الله وصفاته، وعلاقة الإنسان بالكون، وطبيعة الخير والشر.

هذه الإشكالية، التي تُعرف بـ “معضلة الشر”، تُثار غالبًا في سياق وجود إله كامل القدرة، وعليم، وخيّر، في عالم مليء بالمعاناة والألم، ويقدّم السؤال عادةً من خلال القول: كيف يمكن التوفيق بين وجود إله كامل القدرة، وعليم، وخيّر، وبين وجود الشر؟ وقد شكّل هذا التساؤل أرضية خصبة لظهور أطروحات مختلفة في الفلسفة والإلحاد وعلم الكلام تجاه وجود الإله وعلاقته بالوجود.

كيف تمّ تناول المسألة تاريخيًا؟

تناولت الفلسفة وعلم الكلام هذه الإشكالية من زوايا متعددة، فالفيلسوف اليوناني أبيقور كان أول من صاغ معضلة الشهيرة التي تُعدّ نقطة انطلاق للنقاش، حيث طرح سؤالًا بسيطًا وعميقًا: ​هل الله يريد أن يمنع الشر ولكنه غير قادر؟ ويريد أن يخلص من هذا السؤال إلى القول بأن الله -حاشاه- ضعيف لعدم منعه الشر!.

أما السؤال التالي، فهو: هل الله قادر على منع الشر ولكنه لا يريد منعه؟ ويريد أن يخلص من خلال هذا السؤال إلى القول: إن الله يتقصد فعل الشر عبثًا.

فإن لم يكن لا هذا ولا ذاك، فمن أين يأتي الشر إذن؟

في الفكر الإسلامي، انقسمت المدارس الكلامية في مقاربتها للمشكلة، فالمعتزلة -على سبيل المثال- يرى بعضهم أن الله لا يخلق الشر، وأنه نتيجة لأفعال الإنسان، وأن الله يحاسبه على ذلك، ويؤمنون بأن الله يُكلف الإنسان بما هو في استطاعته. في المقابل، يرى الأشاعرة أن الله هو خالق كل شيء، بما في ذلك الشر، وأن الإنسان مسؤول عن كسبه فقط، وذلك في تأكيد منهم على قدرة الله المطلقة.

​أما الفلاسفة مثل ابن سينا ومن رد عليه مثل ابن تيمية، فقد قدموا مقاربات مختلفة، حيث يرى ابن سينا أن الشر ليس وجودًا أصيلًا، وأنه عدم، أو نقص في الوجود، إذ ليس له كيان مستقل، بل هو نتيجة طبيعية لنقصان المادة وابتعادها عن الكمال الإلهي، بينما يرى ابن تيمية أن وجود الشر جزء من حكمة الله، وأن الخير المطلق لا يمكن أن يوجد إلا بوجود الشر.

ما الذي يمكن البناء عليه؟

​إلى جانب المقاربات الكلامية، هناك رؤى فلسفية أخرى تجاوزت هذا الإطار. ففكرة أن الشر جزء لا يتجزأ من “بنية الكون” وأن الشريعة الإسلامية “ابتدائية”، تُقدم منظورًا يرى أن الصعوبات والمحن (الابتلاء) هي جزء من طبيعة الوجود الإنساني، وأنها ضرورية لتجربة الحياة. من هذا المنطلق، يمكن فهم الشر كـ “بنية معرفية إبستيمولوجية”، أي أنه وسيلة لفهم الحقائق الوجودية، واختبار القيم الأخلاقية.

​كما أنَّ اللغة العربية نفسها تحمل دلالات عميقة لمفهوم الشر، فكلمة “شر” غالبًا ما ترتبط بالنقص والعيب، وتناقض الخير الذي يمثل الكمال والتمام. كما أن وجود الشر في القرآن الكريم ليس عشوائيًا، بل له تطبيقات محددة توضح علاقته بالابتلاء والاختبار الإلهي.

​وفي الفلسفة الحديثة والمعاصرة، شكّك نيتشه في ثنائية الخير والشر التقليدية، ورأى أنها مجرد قيم أخلاقية وضعها الإنسان. فبالنسبة له، لا يوجد خير مطلق ولا شر مطلق، بل هناك إرادة القوة التي توجه الإنسان. هذه الرؤية تتناقض مع فكرة الشر كدليل على وجود الله، التي يطرحها بعض اللاهوتيين، حيث يرى هؤلاء أن وجود الخير والشر يبرهن على وجود خالق يضع المعايير الأخلاقية.

​في العصر الحديث، تُوظّف إشكالية الشر بشكل أساسي في سياق الحجج الإلحادية، حيث يرى الملحدون أن وجود الشر الطبيعي (كالزلازل والأمراض) والشر الأخلاقي (كالحروب والظلم) يتناقض مع وجود إله خيّر وقادر. هذه الحجة، التي تُعرف بـ”حجة الشر”، تُعتبر من أقوى الحجج التي يطرحها الإلحاد المعاصر، حيث يربط الملحدون الشر باللاهوت مباشرة، ويرون أن الأديان المحرّفة ساهمت في انتشار الشر، من خلال فكرة الفداء أو التبرير لأعمال العنف باسم الدين.

​في المقابل، يرى بعض الفلاسفة المسلمين أن وجود الشر هو جزء من الحكمة الإلهية، وأن الإنسان لا يدرك الحكمة الكاملة من وراء ذلك، فهذا العالم الذي نعيش فيه، على الرغم مما فيه من شر، هو أفضل العوالم الممكنة -بحسب ما يراه أبو حامد الغزالي-، وعليه فإن وجود الشر ضروري لتحقيق الخير الأكبر، فلو لم يكن هناك شر، لما كان للخير معنى، ولما ظهرت قيمة صفات أكبر وأعظم كالصبر والرحمة والإحسان.

بين صفات وصفات

يوضح الدكتور سامي العامري في كتابه “مشكلة الشر ووجود الله” أن الإشكال ينشأ عندما يتم حصر النظر في صفات الله تعالى، ورغم أن صفات الله تعالى كثيرة، فلماذا يقتصر الفلاسفة ومستشكلو الشر على صفات (القدرة والعلم والرحمة) ويغفلون الصفات الأخرى الكمالية له سبحانه، مثل الحكمة والعدل والقهر والتدبير. فالله تعالى مالك الملك المتصرف في خلقه بحكمة بالغة لا تُحيطها العقول البشرية المحدودة. فهو الذي يرزق ويُعطي، ويَمْنع ويُبتلي، ويُمرض ويشفي، ويختبر عباده بالخير والشر، والغنى والفقر، والصحة والمرض، تحقيقاً للغاية من خلقهم، وهي العبادة والابتلاء.

إن وجود الشر في الدنيا هو جزء من اختبار الإنسان وامتحان لفطرة الخير والعدل فيه، وتمحيص لصدق إيمانه وصبره. وهو وسيلة لتمييز الخبيث من الطيب، والصادق من المنافق. وهذا العالم الافتراضي الخالي من الشر والابتلاء هو عالم وهمي لا معنى فيه للاختيار الحر للإنسان، ولا معنى للثواب والعقاب في الآخرة، ولا فرصة للمؤمن لإظهار صبره وجهاده ضد ​تظل إشكالية الشر مشكلة معقدة ومتشعبة، لا يمكن حلها في إطار واحد.

تتطلب إيضاحات العلماء لاستشكال الشر مقاربة شاملة، تجمع بين الفلسفة وعلم الكلام وعلم النفس والاجتماع، فمن خلال فهمنا للابتلاء، ودور الشريعة، وطبيعة الكون، يمكننا أن نقترب من إدراك الحكمة الإلهية من وراء وجود الشر.

إن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية مواجهة هذه الإشكالية، ليس فقط على المستوى الفكري، بل على المستوى الوجودي والعملي، لتقليص الفجوة بين ما نراه من شر، وما نؤمن به من عدل ورحمة إلهية، وعليه فإنه يمكن القول -في الختام- إن مصطلح الشر صار مصطلحا فضفاضا يخفي وراءه إشكالات نفسية أكثر من كونها قضية فلسفية يراد لها البحث والتمحيص.

مصادر للاستزادة

من زاوية أخرى | الحلقة 10 | مشكلة الشر وسؤال أين الله؟!

سامي عامري.. مشكلة الشر ووجود الله

لا يوجد شر! نحو برهانٍ عكسي | بودكاست طواسين

شارك المقال