آية وليد شمعة / غزة
الحرب -في جوهرها- ليست حدثًا عابرًا؛ إنّها واقعة وجوديّة تفرض على الإنسان تجربةً قسريّة يُعاد فيها اختبار كينونته، فهي مرآة تكشف قدرة الفرد على الصمود، وقدرة الحقيقة على النجاة وسط الرُّكام.
ومع تجدّد الحروب والابتلاءات في غزة، يتعمّق السؤال الفلسفي: هل تُعيد الحرب تشكيل الإنسان في كلّ مرّة، أم أنّها تكشف عمّا كان كامِنًا فيه أصلًا؟ وهل المِحن المتتابعة قَدَرٌ يراد به تحطيم الروح، أم صياغةٌ خفيّةٌ للوعي؟
هذه الأسئلة لا تقتصر على التأمّل النظريّ، بل تمسّ تجربةً حيّة تتشكّل من فقدٍ يوميّ، ومن مواجهةٍ متكرّرة مع الهشاشة والمعنى.
فالحرب تتحدى الوجود بحد ذاته، فكل فقد، وكل انفجار، وكل لحظة خوف، تصبح انعكاسًا يكشف عن الذات الأعمق، والفرد في هذه الحالة ليس مجرد كائن مجبر على النجاة، بل نقطة وعي ومراقبة، حيث يتلاشى الوهم والزيف، ويظهر جوهر الحقيقة.
الحرب كاختبارٍ وجوديّ
في مواجهة الحرب تتفتّت طبقات الأمان المألوفة، ويجد الإنسان نفسه وحيدًا أمام ذاته. الرُّكام الذي يحيط بالمكان لا يمسّ الجدران فحسب، بل يمسّ كينونة الفرد؛ فيُجبِره على سؤال وجوده: من أنا في واقعٍ انهارت فيه الأبنية والأنفس من حولي؟
ماذا بقي لي أتعلّق به بعدما فقدتُ أماكن وأشخاصًا شكّلوا حياتي؟
هنا يولد الوعي، لا بوصفه معرفةً سطحيّة، بل إدراكًا عميقًا بالذات وبمكانها في عالمٍ لا يرحم. يظهر الفراغ بدايةً: فراغٌ يربِك ويُرهِق، لكنّه يفتح فضاءً لولادةٍ داخليّة. في هذا الصمت المُطبِق تتجلّى الحقيقة: ما كان يلمع في الخارج زائف، وما بدا ثابتًا هشّ، وعند هذه العتبة يدرك الإنسان قيمة الحياة الحقيقيّة، ويتعلّم الإصغاء إلى ما تبقّى له من معانٍ تتخطّى ظاهر الأشياء.
تُعيد الحرب تشكيل الإحساس بالزمن، فبدل أن يكون خطًّا ممتدًّا إلى مستقبلٍ بعيد، يتجزّأ إلى لحظاتٍ متقطّعة، قد تكون كلّ واحدةٍ منها الأخيرة، وينصرف الوعي إلى الحاضر فيُعاش بحدّةٍ استثنائيّة: كلُّ نفس، وكلُّ لقاء، وكلُّ كلمة، تغدو أثمن ممّا كانت عليه في زمن السِّلم.
هذا التقلّص الزمنيّ ليس مُجرّد أثرٍ نفسيّ، بل إعادة ترتيبٍ للسلّم القيميّ: ما يُؤجَّل عادةً إلى الغد، يصير مطلبًا آنيًّا، وما كان ثانويًّا يصبح أصلًا لا غنى عنه، وهكذا تتحوّل البسائط -ككوب ماءٍ آمنٍ، أو مأوى ساعةٍ واحدة- إلى معيارٍ للنعمة، ويتقدّم معنى الحياة المشتركة على نزعات الفردانيّة والتمركز حول الذات.
لا تقف الحرب عند اختبار الفرد؛ إنّها تمتدّ إلى الجماعة فتُنتِج ذاكرةً جمعيّة تشكّل نوعًا من “وعيٍ مشترك” يتجاوز الأفراد، وما يتراكم من قصص الفقد والصمود لا يُمحى بانتهاء المعركة، بل يتحوّل إلى ميراثٍ معنويّ تنتقل دلالاته من جيلٍ إلى جيل.
إنّ تدوين الحكايات، واستعادة أسماء الشهداء والمفقودين، وإحصاء البيوت المهدّمة، ليست محض إجراءاتٍ توثيقيّة فحسب، بل آليّاتٌ لصيانة الوعي من التلاشي، ولأنّ الذاكرة عرضةٌ للتسييس والانتقاء، يصبح وعي الجماعة مسؤولًا عن إنصاف الضحايا، وعن حفظ التجربة من التبسيط أو الاستغلال، وعن تحويل الألم إلى معنى، والمعنى إلى مقاومةٍ أخلاقيّة.
ولادة الوعي من رحمِ الفقد
الولادة هنا ليست بيولوجيّة، بل روحيّة وفكريّة، فحين يُنتَزَع من الإنسان ما اعتاد عليه، يكتشف أنّ العالم ليس كما تخيّل، وأنّ الأمن ليس مضمونًا، وعندها يولد وعيٌ جديدٌ يُدرك محدوديّة الحياة وهشاشة الأمان وضرورة الصمود الداخليّ.
يصبح الألم دليلًا فلسفيًّا يجرّد العالم من زخارفه ليكشف قيمة كلّ لحظةٍ وكلّ صلةٍ إنسانيّةٍ وكلّ نفسٍ يتنفّسه المرء بحرّيّة، وفي قلب التجربة تُصبح الروابط الاجتماعية خيط النجاة الوحيد؛ فالأسرة والجماعة اللّتان قد تبدوان في زمن الرخاء إطارين تقليديّين، تغدوان فجأةً شرطًا وجوديًّا للبقاء، وهنا يتكشّف بُعدٌ آخر للوعي: أنّ الإنسان لا يستطيع العيش بمعزلٍ عن الآخرين، وأنّ الحبّ والتعاطف والالتزام المتبادل ليست فضائل أخلاقيّة فحسب، بل شروطٌ للمعنى والاستمرار.
تُبرز الحرب قيمة الكرامة الإنسانيّة بوصفها آخر ما يبقى حين يُسلب البيت والممتلكات والمكانة الاجتماعيّة، حيث إنّ الكرامة بهذا المعنى لا تُقاس بما يملكه الفرد أو بما يُنسَب إليه، بل بقدرته على مقاومة الانهيار النفسيّ والتمسّك بإنسانيّته رغم محاولات السحق، فتتبدّى الكرامة حصنًا داخليًّا لا تقدر الحرب على هدمه، ومصدرًا لإعادة بناء الذات بعيدًا عن الاستلاب والانتقام الأعمى. ومن هنا يتّضح أنّ صون الكرامة ليس شعارًا تجميليًّا، بل ممارسةٌ يوميّة تتجلّى في اختيار اللغة التي نصف بها آلامنا، وفي كيفيّة مدّ اليد للآخر، وفي الحرص على عدالةٍ لا تنزلق إلى ظلمٍ جديد.
بين الانكسار وإعادة التكوين
من منظورٍ فلسفيّ إسلاميّ، لا يُنظر إلى الابتلاء باعتباره عقوبةً مجرّدة، بل فرصةً لصقل الروح وإظهار جوهرها، وفي هذا الإطار يغدو الألم امتحانًا للصبر والبحث عن المعنى والتمسّك بالرّجاء. قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَالِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ} [البقرة: 155].
تمنح هذه الرؤية المأساةَ أفقًا آخر: فالفقد ليس مجرّد خسارةٍ مادّيّة، بل إمكانٌ لاكتشاف ما يتجاوز الدنيا ويستقرّ في الوجدان. ومن ثمّ، فالحرب ليست دمارًا للأجساد والبُنى فحسب، بل مختبرٌ وجوديٌّ قاسٍ: إمّا أن يخرج الإنسان منه مُحطّمًا فاقدًا لمعناه، أو يُبعث من جديد حاملًا وعيًا أعمق بالحياة والكرامة، أو يبعث من جديد حاملًا وعيًا أعمق بالحياة والكرامة، إنها لحظة يجتمع فيها ضعف الإنسان الأقصى وقوته الأعمق في آن واحدـ والمفارقة هنا أن الإنسان وسط الخراب يُكتشف ككائن.
يُخطئ الوعي حين يستسلم لثنائيّةٍ مريحةٍ بين ضحيّةٍ عاجزةٍ وجلّادٍ مطلق، لأنّ ذلك يُفضي إلى تثبيت الذات في موقع الانكسار أو الانفعال الدائم، فالوعي المتولّد من الألم لا ينكر الغضب، لكنّه يروّضه كي لا يُعيد إنتاج خرابٍ جديد.
إن الغضب طاقةٌ قادرةٌ على الحماية والدفع، غير أنّها حين لا تُدار أخلاقيًّا تتحوّل إلى قوّةٍ عمياء، ومن هنا ينهض السؤال: كيف نُفعّل طاقة الغضب في بناءٍ يَصون الإنسان، لا في هدمٍ يُضاعف كلفة الألم؟ الجواب العمليّ يبدأ من تفاصيل الحياة اليوميّة: في لغةٍ لا تُحقّر المختلف، وفي تضامنٍ لا يُقايِض، وفي مؤسّساتٍ محليّةٍ تُصلح الذاكرة بدل أن تُقَونِن الكراهية.
ما بعد الحرب: صيانةُ الوعي واستدامته
ماذا سيحدث حين تتوقّف الحرب؟ هل سيبقى الوعي الجديد حاضرًا أم يذوب تدريجيًّا مع عودة الروتين؟ يلوذ بعض الناس بوهم “الحياة الطبيعيّة” كأنّ شيئًا لم يحدث، بينما يظلّ آخرون يحملون الوعي الجديد جرحًا وزينةً معًا: جرحًا لأنّه يذكّرهم بالفقد، وزينةً لأنّه يعيد تشكيلهم أرواحًا أكثر صفاءً وعمقًا.
لصيانة هذا الوعي، لا بدّ من استراتيجياتٍ عمليّة: أوّلها تحويل الخبرات الفرديّة إلى معرفةٍ عامّة عبر القول المنضبط والتوثيق، وثانيها إسناد المبادرات الأهليّة التي تلملم آثار الحرب على الأطفال والنساء وكبار السنّ، وثالثها بناء مساحاتٍ للتأمّل والتعبير تحمي الذاكرة من الابتلاع في سوق الاستعراض، وبذلك يغدو “الطبيعيّ” الجديد أكثر حضورًا، لا عودةً صمّاء دون معنىً.
لا يقتصر البناء على الجدران؛ فالعمران الأخلاقيّ يسبق الإسمنت والحديد، ومدينةُ ما بعد الحرب لا تُقاس بارتفاع أبراجها، بل بقدرتها على استعادة الرحمة والثقة بين سكّانها، كما أنّ المدرسة والجامعة والمسجد والحيّ ليست مرافق محايدة، بل مؤسّساتٌ ترعى اللغة التي نصف بها ذواتنا والآخرين، ونبني بها قيمنا وأرواحنا وعقولنا، فإذا صَحَّ هذا النَّسْجُ الأخلاقيّ، أمكن للعمران أن يحمل معنىً يتخطّى الضرورة إلى الكرامة والكمال الإنساني.
خاتمة: الإنسانُ المُضادّ للخراب
المفارقة أنّ الإنسان وسط الخراب يُكتشَف ككائنٍ مُضادٍّ للخراب؛ فبينما تنهار الجدران ويُسحَق العمران، يستمرّ داخله البناء. كلّ وحدةٍ تصبح مادّةً للتأمّل، وكلّ حزنٍ يتحوّل مدخلًا إلى معرفةٍ أعمق بالحياة. كأنّ الحرب تقول: لن تَملِكَ السيطرة على الخارج، لكنّك قادرٌ على إعادة صياغة الداخل.
ومن رحم الحرب يولد إنسانٌ جديدٌ أكثر وعيًا بهشاشته، وأشدّ إدراكًا لقيمته، وهذا الوعي المتولّد من الفقد لا يُشترى، ولا يُتعلَّم في الكتب؛ إنّه يُصاغ في لحظة مواجهةٍ مع الموت والعدم.
وسط الرُّكام يُتأَكَّد أنّ الولادة الجديدة ليست هبةً مجانيّة، بل كلفةٌ باهظة يدفعها الإنسان ليبلغ صميم إنسانيّته الحقيقيّة. والوعي الذي يخرج به الناجون ليس خاتمة المطاف، بل بدايةُ عهدٍ طويلٍ من صيانة الذات والذاكرة والمعنى، حتى لا تُهدر التجربة بين النسيان والاعتياد.
