أحمد أسامة
لم يكن سؤال وجود الله في جوهره سؤالًا ميتافيزيقيًا مجردًا، بقدر ما كان سؤالًا أخلاقيًا عميقًا يتعلّق بمعنى الخير والشر، وبمصدر الإلزام القيمي الذي يشعر به الإنسان في أعماقه. فالإنسان، عبر الثقافات والعصور، لم يتعامل مع الأخلاق بوصفها أذواقًا نسبية أو اتفاقات اجتماعية عابرة، بل بوصفها حقائق مُلزمة، يشعر تجاهها بالواجب، ويُحاسب نفسه والآخرين على أساسها، حتى في غياب الرقيب الخارجي أو المنفعة المباشرة. هذا الإحساس الداخلي بـ”ينبغي” و”لا ينبغي” يطرح سؤالًا لا يمكن تجاوزه: من أين جاءت هذه السلطة الأخلاقية التي تتجاوز الفرد والمجتمع معًا؟
تنطلق الحُجّة الأخلاقية على وجود الله من هذا المعطى الإنساني البسيط والعميق في آنٍ واحد: وجود قيم أخلاقية موضوعية تُدرَك بالعقل والضمير، وتُمارَس بوصفها ملزمة لا اختيارية. فإذا كانت هذه القيم تتجاوز الأهواء الفردية، ولا تُختزل في الأعراف المتغيرة، ولا تُفسَّر تفسيرًا كافيًا بالانتقاء البيولوجي أو المنفعة الاجتماعية وحدها، فإن السؤال المنطقي يصبح: هل يمكن أن تقوم الأخلاق الموضوعية دون مرجعية متجاوزة للإنسان؟ أم أن وجود قانون أخلاقي كوني يفترض وجود مشرِّع أخلاقي أعلى؟
لقد عبّر الفيلسوف إيمانويل كانط عن هذا المعنى حين رأى أن القانون الأخلاقي الداخلي يقود العقل إلى الإقرار بوجود إله بوصفه ضرورة عقلية لضمان معنى الواجب والعدالة النهائية، وإدراك البشر المشترك للخير والشر لا يمكن تفسيره بوصفه وهمًا أو نتاجًا ماديًا صرفًا، بل دليلًا على “قانون أخلاقي” مغروس في طبيعة الإنسان، يشير بدلالته إلى مصدر متعالٍ عنه.
حديث عن الحجة الأخلاقية
لا تزعم الحُجّة الأخلاقية أن الإيمان بالله يُختزل في الأخلاق، ولا أن السلوك القويم حكر على المؤمنين، بل تؤكد أن تفسير وجود الأخلاق ذاتها يظل ناقصًا دون الإقرار بمرجعية متجاوزة تمنحها معناها الإلزامي والموضوعي. فبدون الله، تغدو القيم الأخلاقية تفضيلات شخصية أو أعرافًا اجتماعية قابلة للتبديل، ويفقد مفهوما الخير والشر معناهما الحقيقي حين يتعارضان مع القوة أو المصلحة.
من هنا، لا تقدّم الحُجّة الأخلاقية برهانًا تجريبيًا على وجود الله، بل تفتح أفقًا عقليًا عميقًا لفهم العلاقة بين الضمير الإنساني والوجود الإلهي، وتضع القارئ أمام مفارقة حاسمة: إمّا أن تكون الأخلاق وهمًا نافعًا بلا أساس موضوعي، أو أن تكون أثرًا من آثار حقيقة أسمى، يتجلّى حضورها في أعماق الإنسان قبل أن تتجلّى في نصوص الوحي.
إن الإيمان بوجود حقائق أخلاقية موضوعية ليس مجرد تفضيل فلسفي، بل هو التزام ضروري لكل من يرغب أن يكون واقعيًا متسقًا في نظرته للعالم. إنكار موضوعية الأخلاق أشبه بقطع الفرع الذي تقوم عليه كلٌّ من العلوم والعقل.
كيف نفهم الحجة الأخلاقية للإيمان بالله؟
تأمّل التسلسل الفكري الآتي:
- إننا نملك حسًّا أخلاقيًا عالميًا
عبر الثقافات والتاريخ، نلاحظ حدسًا أخلاقيًا متسقًا وشبه عالمي. نشعر بشعور عميق وفوري بأن العدالة خير، واللطف فضيلة، وأن أفعالًا مثل تعذيب البريء أو ارتكاب الاغتصاب شرور متأصلة. هذا الحدس أساسي في التجربة الإنسانية بقدر أساسية إدراكنا الحسي للعالم المادي.
- تفسير الحدس لا ينفي موضوعيته
يجادل بعض الطبيعيين بأن علم الأحياء التطوري وعلم الاجتماع قادران على تفسير سبب امتلاكنا لهذه الحدوس الأخلاقية (لأنها تعزز البقاء والتعاون)، وبالتالي فهي مجرد “أوهام نافعة”، لكن هذا خطأ جوهري، لأن تفسير آلية الإدراك لا يبطل واقعية ما يُدرَك، وعلى سبيل المشاكلة لنقل: إن الضغوط التطورية شكّلت قشرتنا البصرية، ومع ذلك لا نستنتج أن الشمس والأشجار أوهام.
- “الأدلة” على الواقع المادي تقوم على الأساس نفسه الذي تقوم عليه الأخلاق
إذا طلبت دليلاً موضوعيًا على وجود الشمس، فستشير إلى ضوئها أو حرارتها أو صورها عبر التلسكوب. لكن كل هذه الأدلة تعود في النهاية إلى أمر واحد: التجربة الحسية البشرية المشتركة والمتسقة وشبه العالمية. وإن أنكر أحد وجود الشمس، فإننا نعدّه واهمًا، والمنطق نفسه ينطبق على الأخلاق. فإذا قال شخص: “تعذيب الأطفال من أجل المتعة أمر أخلاقي”، نعلم أنه إمّا يكذب، أو فاسد إلى درجة عميقة، أو أنه “أعمى أخلاقيًا” بالمعنى نفسه الذي يجعل منكر الشمس أو مؤمن الأرض المسطحة أعمى بصريًا أو غير عقلاني. في كلا الحالين، يقوم التبرير على موثوقية ملكة إنسانية عامة: الحسّ بالنسبة للعالم المادي، والحدس الأخلاقي بالنسبة للعالم القيمي.
- الشكّ غير المتسق عند الطبيعي
يحاول الطبيعي غالبًا كسر هذا التوازي بالاحتكام إلى مناهج العلم: القابلية للتكذيب، والتحقق المستقل، والنجاح التقني. لكن هذا استدلال دائري، فكيف نعرف أن تحققنا المستقل موثوق؟ عبر تجاربنا الحسية المشتركة. وكيف نعرف أن مبادئنا العقلية (كعدم التناقض) صحيحة؟ عبر حدوسنا العقلية المشتركة.
ومن هنا فإنه لا يمكنك الاحتكام إلى التحقق العلمي أو قابلية التكذيب لكسر هذا التوازي، لأن ذلك سيكون دائريًا، فمفهوم التحقق نفسه يفترض الثقة بحواسنا لملاحظة البيانات، وبعقولنا لمعالجتها، ومفهوم التكذيب يفترض الثقة بحواسنا لإدراك الدليل الناقض، وبعقولنا للتعرف على التناقض. وبعبارة أخرى، أنت تحاول استخدام نتاجات العقل والحس (أي المنهج العلمي) لإثبات موثوقية العقل والحس نفسيهما. وهذا استدلال دائري. إن المشروع العلمي بأسره قائم على أساس قبل-علمي، وهو أن حدوسنا العقلية والحسية موثوقة عمومًا.
فإذا أنكرت معرفتنا الأخلاقية الداخلية وعددتها وهمًا تطوريًا، لزمك أن تطبّق الشكّ نفسه على تجاربنا الحسية وحدوسنا العقلية الداخلية، فهي أيضًا نتاج العملية التطورية ذاتها. الوثوق بمجموعة من الملكات ونبذ أخرى هو ازدواجية معيارية غير مبررة.
- الأخلاق شرط للتقدّم العلمي والتقني
الأخلاق مهمة للعلم بقدر أهمية المنهج العلمي ذاته. فالعلم يقوم على الثقة والتعاون بين العلماء. من دون التزامات أخلاقية مثل الصدق والنزاهة والاحترام المتبادل، سينهار التعاون العلمي. هذا يبيّن أن الحقيقة الأخلاقية ليست مجرد تجريد فلسفي، بل هي أساس عملي للتقدم والاكتشاف الإنساني.
- أمامنا إذن خيار متماسك:
قبول الواقعية، بأن تكون واقعيًا علميًا وأخلاقيًا في آن واحد، وأن تثق بأن ملكاتنا المتطورة على حسب زعم القائلين بالتطور -الحسية والعقلية والأخلاقية- موثوقة عمومًا في اكتشاف حقائقها الموضوعية: العالم المادي والقانون الأخلاقي والقانون المنطقي.
أو رفض الواقعية: فيسقط الإنسان في شكّ متسق لكنه هدام. فإذا كانت عقولنا مجرد آلات بقاء تنتج “خيالات نافعة”، فلا أساس لثقتك بنظرية التطور أو الفيزياء أو أي حجة عقلية، بما في ذلك حجتك نفسها.
وبناء على ذلك نقول: أن تكون واقعيًا وتنكر موضوعية الأخلاق موقف غير مستقر وغير متسق فلسفيًا، فالعقلانية التي تبرر إيماننا بالعالم الخارجي، إذا طُبقت باستقامة، تبرر أيضًا إيماننا بالخير والشر الموضوعيين.
كيف نعالج الاختلافات الثقافية؟
رغم أن الحقائق الأخلاقية الجوهرية (كعدم قتل البريء، وعدم السرقة، وعدم خيانة الأمانة) شبه عالمية، فإن الاختلافات تنشأ غالبًا من سوء تطبيق الحقائق، وبالضرورة يجب القول: إن وجود تنوع ثقافي لا ينفي الموضوعية الأخلاقية.
فعلى سبيل المثال، كان الناس يعتقدون قديمًا أن الأرض مسطحة. فهل يعني ذلك أن شكل الأرض أمر نسبي؟ بالطبع لا، لأنهم كانوا مخطئين ببساطة، والأمر نفسه يمكن أن ينطبق على العبودية. لقد كانت مألوفة في المجتمعات القديمة، لكن ذلك لا يعني أن الناس اعتبروها حقًا مقبولة. إن الجهود العقلية الملتوية التي بذلوها لتبرير منشئها في السياق الغربي -كالقول إن العبيد أقل إنسانية أو ملعونون من الله- تكشف عن وعي أخلاقي داخلي بأنها خطأ، لكنهم سعوا لتبريرها تهدئةً لضمائرهم.
يمكنك أن تقول ببساطة إن أولئك كانوا مخطئين، وأنكروا الحقيقة بدوافع أخرى، مثل المنافع الاقتصادية. وكما أن وجود من يؤمن بالأرض المسطحة اليوم لا يجعل شكل الأرض أمرًا نسبيًا، بل يجعل استدلالهم غير عقلاني.
قد يعترض البعض قائلين: يمكننا دحض منكر الأرض الكروية عبر قياسات موضوعية وتحقق مستقل. لكن هذا استدلال دائري؛ فجميع القياسات والتحققات تعود في النهاية إلى التجربة الحسية البشرية المشتركة التي نفترض موثوقيتها ابتداءً.
وإذا قال منكِر: “أنا أرى الأرض مسطحة بتلسكوبي”، فإننا نرفض دعواه لا لامتلاكنا “برهانًا مطلقًا”، بل لأن ملاحظته استثناء متطرف يخالف التجربة الحسية المتسقة العامة لملايين البشر، والمنطق نفسه ينطبق على الأخلاق. فإذا قال أحد: “لا أرى بأسًا في الاغتصاب”، فإننا نرفض ذلك لا بوصفه مجرد “رأي مختلف”، بل لأنه إدراك أخلاقي شاذّ يتناقض مع الحدس العالمي المتسق للبشرية كلها.
مآل الحجة الأخلاقية في تعريفنا بالله
لنأخذ هذا المثال في هذا السياق “لماذا يُعَدّ الاغتصاب خطأ؟”
الجواب الطبيعي الذي يقبل موضوعية الأخلاق/ الضمير والعقل: أن الاغتصاب خطأ لأنه يسبب الأذى والصدمة وانهيار النسيج الاجتماعي، والافتراض الخفي يفترض المبدأ التالي: “إيقاع الضرر غير المبرَّر خطأ أخلاقي” لكن في إطار الطبيعانية، من أين جاء هذا المبدأ؟ فالتطور والفيزياء والكيمياء لا تقول: “إيقاع الضرر غير المبرر خطأ” بل تصف فقط ما يحدث عند وقوع الضرر، ولا تقول لا ينبغي أن يقع الضرر غير المبرر.
من دون وجود نظام أخلاقي وقصدية وراء الوجود (كيان واعي يحدد ما ينبغي وما لا ينبغي أن يحدث)، ينحصر هذا المبدأ في مجرد تفضيل: “نحن لا نحب الضرر”، أو “المجتمعات تعمل بشكل أفضل من دونه، أما مع وجود الله، فالإجابة مختلفة: الاغتصاب جريمة لأن الإنسان يملك قيمة وكرامة متأصلة، منحها الله له، والاعتداء عليه هو انتهاك وإجرام في حق شريعة الله الأخلاقية
وخلاصة القول في هذا السياق: إذا كانت الأخلاق الموضوعية حقيقية، فلا بد من وجود مشرّع أخلاقي متعالٍ، وهذا المشرّع الأخلاقي هو ما نعنيه بلفظ “الله” فمن دون “الله”، لا يمكن للضمير والعقل إلا أن يدورا في حلقة مفرغة تعود في النهاية إلى مشاعر بشرية ذاتية أو إلى منفعة اجتماعية، يمكنهما وصف سبب كره الناس لبعض الأفعال أو معاقبتهم لها، لكنهما لا يستطيعان أن يبرهنا على أن تلك الأفعال خاطئة موضوعيًا وحقيقيًا، وليس كما زعم كانط أنه يمكن الإيمان بالأخلاق الموضوعية بدون الله.
