مارتن لوثر الإسلام

حسام شاكر


مَن سيكون “مارتن لوثر الإسلام” يا ترى؟ هو سؤال تنشغل به خطابات توحي بأنّ “لوثرية الإسلام” حتمية تاريخية قادمة لا محالة. تبلغ الحماسة ببعضهم حد تحديد اسم ذلك المسلم الموعود، الذي سيخوض معركة الإصلاح الديني وسيربحها أيضاً، فيجعلون ممن يستوقفهم أو يروق لهم من “الناقدين” أو “الإصلاحيين” المسلمين؛ حامل لقب لوثري محتملاً، على طريقة الألماني مارتن لوثر، الذي يقع هذه الأيام الاحتفال بانطلاق إصلاحاته قبل نصف ألفية.

لوثرية الإسلام
تشي مقولة “لوثرية الإسلام” بنزعة مركزية أوروبية فاقعة، فهي تتخذ من التجربة التاريخية الأوروبية نموذجاً للسياق الإسلامي الذي يقع تجريده من توقّع القدرة الذاتية على التجديد المتلاحق، وفق حتمية لوثرية لا فكاك منها تقريباً في تلك الخطابات، دون أن يوحي القوم باعتراضات على هذا المنحى التعسفي.

وفيرة هي العناوين الصحفية والتعليقات الإعلامية والمقالات والكتب في أوروبا التي استشرفت الآتي ومنحت ذاتها حق اقتراح اسم هذا الذي سيحظى بلقب “مارتن لوثر الإسلام”. تزايَد التلويح بهذا الوصف في مواقف وتعليقات وأعمال أوروبية متكاثرة منذ منعطف الحادي عشر من (سبتمبر/أيلول) 2001، عندما تفاقم النظر إلى الدين الإسلامي في أوساط أوروبية وغربية على أنه خطر وتهديد، أو مشكلة بشكل أو بآخر. لم تتواضع بعض الوجوه المسلمة التي تم خلع اللقب عليها من أحدهم في أوروبا، بل طارت به وتحدّثت به بفخر على الملأ، واعتبرته شهادة استحقاق وجدارة من “أوروبا والغرب”. ومن المفهوم أن يمنح البريق اللوثري حافزاً لعدد أوفر ممن يخوضون “مراجعات تجديدية” و”مقاربات إصلاحية” ضمن النطاقات المسلمة. وإن استبعد أولئك مسألة “المهدي المنتظر” فإنهم بمقولة “مارتن لوثر الإسلام” يضعون “المهدوية” في عباءة “اللوثرية” تقريباً.

من القسط القول إنّ السمات الإنسانية العامة حاضرة في التجربة اللوثرية، فهي تتجلى مثلاً بميلاد الأفكار الإصلاحية وكيفيات استقبالها ومقاومتها وتفاعلاتها ومآلاتها وعواقب تطبيقاتها المتعددة. لكنّ ذلك على قيمته المُلهِمة وعظاته الوفيرة لا يقضي بإغفال أنّ “اللوثرية” هي تجربة أوروبية أساساً، بل ألمانية ابتداء على وجه التحديد، وأنها ابنة العصر الوسيط المتأخر والتجربة الكنسية، وأنّ مقاربتها الدينية موجهة ضد السلطة الاستغلالية في الأساس متمثلة بكهنوت روما، فهي من هذا الوجه ثورة ضد سلطة مهيمنة وليست مجرد مراجعات دينية في الأروقة أو تنظير على المنابر. وإن تجاهلت نزعة البحث عن “مارتن لوثر الإسلام” هذه الحقيقة فإنها تقود بالتالي إلى استنتاجات مضللة للغاية بالمنظور المنهجي.

فالإسلام لا يقوم على نظام كهنوتي في الأصل، وإن لم تغب عن واقع المسلمين حالات سلطوية غير مرئية تحاكي الكهنوت وقد تباشر تنصيبه رسمياً تحت ستار مقولات مثل ولاية الفقيه أو ولاية الأمر، أو بالمبالغة في تعظيم العلماء والشطط في النزعة المشيخية، علاوة على سطوة تقاليد وتأويلات غير سوية على النص الديني المرجعي.

يبدو واضحاً أنّ كهنوت روما في زمن لوثر وفي السياق الألماني بوضوح، استعمل سلطة الحكم وهيْمن عليها، بينما يشهد واقع العالم الإسلامي اليوم علاقة معاكسة تقريباً في كثير من أرجائه المركزية، فسلطة النظام تستعمل الدين بطرق فظة ولو من وراء ستار، ولا تتوانى عن التحكم الشامل بالمرجعيات العلمية والمشيخية وبمواقع الفتوى والإرشاد وباحتواء الفضاء الديني ورموزه عموماً. ويُضاف إلى ذلك تضافر قدرات التحكم الأوروبية والأمريكية بالوجهة الدينية في العالم الإسلامي، كما يتجلى بوضوح منذ عهد بوش الابن وحتى عهد ترامب علاوة على الجهود الأوروبية المتعددة في هذا السياق. والحديث في هذا الصدد يدور حول “حرب أفكار” تتسارع عواصفها وتتلاطم أمواجها تحت مقولات مثل “مكافحة الإرهاب والتطرف” و”تجديد الخطاب الديني” و”المراجعات”، و”تصحيح الفهم”، وإن لم تشمل جميع ما يأتي تحت هذه العناوين بالطبع.

وللتقمص اللوثري مفارقاته التي تبلغ مبلغها لدى حالمين بانتزاع لقب “مارتن لوثر الإسلام” في عاجل الأمر أو آجله، إذ يرتمي بعضهم في أحضان سلطات مهيمنة ويأكلون على موائد الاستبداد المتخمة ويظهرون على شاشاته الملونة، دون الكف عن إطلاق مقولات إصلاح الدين وتجديده “بشجاعة” وخوض المراجعات “الجريئة” بلا تردد. ثم يتضعضع هؤلاء ويظهرون للعيان في منتهى الجبن والخوار والمداهنة إزاء سلطة النظام؛ الذي يمضي في اكتساح المجال الديني على طريقة لا تبتعد في روحها عن نهج البابا ليو وطغمة الاستبداد الديني التي تصدى لها لوثر قبل خمسمائة سنة.

سطوة المركزية الأوروبية
لا يُبصِر الباحثون في أوروبا عن “مارتن لوثر الإسلام” مخزون التجديد الكامن في هذا الدين، ولا يطيب لهم الاعتراف بحقيقة تحرّر النص الإسلامي المرجعي من الهياكل السلطوية؛ وإن تَضافَر حوله تحريفُ الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

عكف لوثر على تمكين الجمهور من قراءة النص عبر الترجمة عن لغة الكنيسة الرسمية، لكنّ المسلمين المتجاوزين في الأصل للوسيط الكهنوتي تحرروا ابتداء من هذا العائق إلى درجة يستسهل بها بعضهم الإقدام على التأويل وحتى الفتوى بلا ضوابط منهجية، وهي حالة يَصعُب تصوّرها حتى في البروتستانتية التي بعثها لوثر.

وما يجري في أوروبا منذ مطلع القرن الحادي والعشرين مع الملف الديني الإسلامي يسير في الواقع باتجاه محاولة إنتاج حالة من التقنين والمأسسة والهيكلة، التي تسعى لتجاوز ما تُعتَبر “مشكلة” عدم وجود كنيسة في الإسلام. وتتصاعد الشكاوى في الأقاليم الأوروبية من أنّ مواقع الإمامة والخطابة والإرشاد الديني الإسلامي منعتقة من ضوابط واشتراطات يفرضها الانخراط في السلك الديني الرسمي كما عليه الحال في الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية ومعظم البروتستانتية. فما الذي ستقدمه التجربة اللوثرية في هذا السياق الإسلامي المنعتق أساساً من البابوية والكهنوتية والتراتبية اللاهوتية؟

وإن منح لوثر جمهوره ألوان الحياة وروح السعادة وفتح باب الزواج للمنخرطين في السلك الديني؛ فما بوسعه أن يمنح المسلمين من هذا المتحقق لديهم ابتداء؟ إنه غيض من فيض التساؤلات التي يجدر إثارتها إزاء مقولة “لوثرية الإسلام” التي تجنح إلى إسقاط الماضي الكنسي الأوروبي على المستقبل الإسلامي، وقد يُفهَم ضمناً من بعض الخطابات أنّ التجربة الغربية بلغت بالتاريخ نهايته وأنها مستغنية اليوم عن المقاربات الإصلاحية الجوهرية، رغم الاختلالات الجسيمة التي تنتصب في حقول شتى في واقع التطبيق البشري المتمحور حول التجارب الأوروبية – الغربية.

وإذ يخلب البريق اللوثري الأنظار؛ فإنّ منحى التقمص لا تستوقفه تساؤلات مشروعة؛ مثلاً عن ضراوة المخاضات التي ستترافق مع “اللوثرية الإسلامية” إياها، وهل يُرجى لهذا الإصلاح أن يُنعش نهضة مجتمعية واقتصادية وسياسية تحاكي تجربة أوروبا الاستعمارية وتزاحمها في التوسع الاقتصادي والصناعي والإنتاجي والسياسي والاستراتيجي ضمن عالم الحاضر والمستقبل؟ أم أنّ غاية المطلوب لدى بعضهم لا تتعدى تفكيك الإسلام ببريق الشعار اللوثري وإخضاعه لقراءات أوروبية يقع إسقاطها عليه دون أن يقوى على المنافسة في عالم متنوع؟ وهل يأمل القوم حقاً من مقولة “اللوثرية الإسلامية” أن يُتاح التوسع في نشر المصاحف الشريفة حول العالم بألسن الأمم جميعاً لتناهز “الكتاب المقدس” الذي هو أوسع الكتب طباعة ونشراً وتوزيعاً بفضل اللوثرية أساساً؟

السياقات اللوثرية ومآلاتها
يبقى الانشداد إلى تجربة مارتن لوثر (1483 – 1546) مفهوماً، خاصة في الذكرى مرور خمسمائة سنة على عريضته التي غيّرت وجه أوروبا وتركت تفاعلاتها وتأثيراتها وبصماتها حاضرة في العالم. تقول الرواية إنّ اللاهوتي الألماني الشاب عمد يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 1517 إلى تثبيت وثيقة من 95 بنداً بالمطرقة على باب كنيسة القصر في فيتنبرغ الألمانية، فأوجعت طرقاته روما الرازحة تحت غطرسة البابا ليو، الذي أعماه الجشع المادي عن تعاليم المسيح عليه السلام.

لكنّ فهم الرواج الذي تحقق لحركة الإصلاح هذه لن يتحقق دون إدراك سياقاتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولا يصح النظر إلى شجاعة لوثر بمعزل عن حفاوة الجمهور المحلي بأفكاره المركزة التي صبّها في عريضته ورسائله.

قاد لوثر ثورة عارمة بقوة الأفكار التي لامست حاجات قائمة أساساً في مجتمعات أوروبا التي أخضعها الاتجار البشع بالدين، وأثقلتها الطقوس الجوفاء، واستغرقت في التبرّك شبه الوثني بعظام القديسين على حساب روح الإيمان والتعاليم. ظهر لوثر في مجتمعات شاحبة تستعذب الفقر والفاقة والحرمان وتدفع بعصارة قوتها إلى كهنوت روما المنشغلة بمراكمة الثروة وتشييد البنيان الشكلية من بيع صكوك الغفران ونشر ثقافة التعاويذ.

سدّد لوثر ضربات موجعة للكنيسة، حتى خلال محاكمته المشهودة التي خرج منها منتصراً، وأنجز نقلة جوهرية بتحرير الوعي الديني من ربقة الكنيسة إلى نص “الكتاب المقدس” مباشرة، رغم أنّ ترجمته الخاطفة للنص ليس بوسعها أن تبرأ من التحيزات التي هي سلطة ضمنية، وإن حرَم الكهنوتَ الكاثوليكي بذلك احتكار سلطة تأويله. أقدم لوثر على خطوة جسورة لتمكين الجماهير من فهم “النص المقدس” بأن أنجز ترجمة “العهدين القديم والجديد” من اليونانية إلى الألمانية، وتجنّدت المطبعة المبتكرة آنذاك في خندق لوثر وأسعفته في الذيوع الجماهيري.

تقوم النزعة اللوثرية لدى بعضهم على تقمّص أجوف لتجربة مارتن لوثر، مع منظور سطحي لها غالباً يتجاهل سياقاتها وملابساتها ويغفل عن أوجه قصورها المحتملة أيضاً

تحدّى لوثر الكنيسة وجها لوجه، لكنه أتاح للدين فرصة البقاء ضمن حضور متجدد مؤهل للعبور إلى العصر الحديث والتعايش مع الحداثة أو حتى تهيئة الأجواء لبعض شروطها، مثل الحرية والديمقراطية ومقولة الامتثال للضمير التي ألحّ عليها، علاوة على تأثيراته المتعددة في الكاثوليكية ذاتها وإن لم يقع الاعتراف بها.

لم يكن ذلك إصلاحاً في النطاق اللاهوتي وحده، بل هي بالأحرى ثورة مجتمعية واقتصادية وسياسية تحققت لأوروبا التي انعطفت إلى زمن جديد بفعل جملة من العوامل والمتغيرات التي لم تقتصر على اللوثرية. وقد اتسع تأثير هذه الحركة الإصلاحية حتى تجاوز أتباع كنائسها المتعددة اليوم نصف مليار إنسان، لكنّ انتشارها العالمي لم يأتِ فقط بقوة الأفكار والتعاليم بل تحقق عبر تفاعلات الواقع وملابساته، بما فيها التوسع الاستعماري مثلاً. ومن الإنصاف القول إنّ مارتن لوثر قدح شرارة الإصلاح تلك، لكنّ الافتتان بتجربته يصرف النظر عادة عن ثغراتها ومآلاتها التي لم تكن وردية تماماً، ويجوز الافتراض بأنه إصلاح لم يكتمل إذ بقي وفياً للإطار العام للتقليد الكنسي في كثير من سماته.

دشّن لوثر مسيرته الإصلاحية بتعليق عريضته الشهيرة المشتملة على 95 نقطة موجزة، ولو جاءت في زماننا لما تردد في إطلاقها عبر حزمة تغريدات في “تويتر”، وستحظى على الأرجح بوفرة من الإعجابات وإعادة التغريد أسوة بشغف الجماهير حول كنيسة فيتنبرغ بالبنود الثورية التي علّقها.

لكنّ عريضة لوثر ينبغي عليها اليوم قبل أن تقارع سلطة الكهنوت أن تقود حركة إصلاح في منظومة الحداثة التي وقع تحنيط قيمها ومقولاتها واستغلال قدراتها المتراكمة بأساليب ذات وقع مدمر على الإنسان والعالم. سيكون على مارتن خوض نضال جديد للتبرؤ من مسالك وتقاليد وممارسات تذرعت بالبروتستانتية أيضاً خلال ضلوعها في التمدد الاستعماري والمشروع الصهيوني والتفرقة العنصرية والحمى النازية والجشع الرأسمالي وصور متعددة من الشرور، التي لا تنفي الوجوه الإيجابية التي دفعت بها أيضاً وإن لم تكن مكتملة.

تقوم النزعة اللوثرية لدى بعضهم على تقمّص أجوف لتجربة مارتن لوثر، مع منظور سطحي لها غالباً يتجاهل سياقاتها وملابساتها ويغفل عن أوجه قصورها المحتملة أيضاً. إنها نزعة تستدرج أصحابها إلى الوقوع في قبضة المحاكاة الرمزية لتجربة تنتمي في الواقع إلى ذيول العصر الأوروبي الوسيط، وإن ظلت دروسها وعظاتها شاخصة للمتأملين حتى اليوم، ضمن رصيد التجارب البشرية التي ما زالت تتراكم وتتفاعل.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد