ماذا لو طبقنا قاعدة: “كفى بالمرء كذباً”؟

محمد الريس


إن بيوتاً كانت تلفها الطمأنينة والمودة من كل جانب أضحت خاويةً من أهلها، إذ مزقتها كلمة ألقاها عابر سبيل لم يلق لها بالاً، وتلك الصداقة التي استمرت أعواماً وعقود حتى صار أصحابها روحاً واحدة في جسدين قد أنهاها أحمقٌ لا يكاد يصل الكلام إلى أذنه حتى يجريه على لسانه أينما حل وارتحل.

بل إذا أردت أن تدرك كارثة الكلام بغير علمٍ أو تحقق، فما عليك إلا أن تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أصبحت بؤرةً لنشر الأكاذيب حتى أصبح المتابع (الفطن) لها يكذّب كل شيء متبعاً قاعدة “هذا الكلام خاطئ.. حتى تثبت صحته”، حيث راج على هذه المواقع اختلاق القصص وحبكها بطريقةٍ يستحيل تكذيبها حتى إذا صدقها الناس وذرفوا لها الدموع وأخذت موقعها في قلبهم ونشروها في كل موقع ونثروها في كل مجلس وأصبحت مدار حديثهم وغاية وعظهم، جاء أحدهم فبين لهم أنها خلاف الواقع وأنها لا تمت إلى الحقيقة بصلة، فحينها يكون كأنما هز ثوابتهم ومد يده إلى عقائدهم!

وأدت هذه الإشاعات والأكاذيب والقصص المختلقة إلى محاولة بناء جدارٍ في وجهها يمنعها أن تكمل طريقها فتصل إلى المغفلين الذين ينثرونها يميناً وشمالاً، فكانت الحملات التي تهدف إلى التحقق من الأخبار لئلا ينخدع الناس ويصرفوا مشاعرهم فيما لا حقيقة له.

ومنها مشروع “فتبينوا” الذي رصد لحدث نيوزيلندا الإرهابي وحده 16 خرافة شائعة، ما بين أطفال نيوزيلندا يتعلمون الصلاة، واعتناق 350 نيوزيلندي للإسلام، واستقبال مسجد النور لأضعاف المصلين، ورسم القوات الجوية النيوزلندية للفظ الجلالة، وصورة أول شهيدة وصورة أخرى لمصحف ملطخ بالدماء، وغير ذلك من شائعات كانت بشاعة هذا الحادث والحقائق الواردة عنه في غنى تماماً عنها، بل إن نشر مثل هذه الأخبار ثم بيان زيفها من شأنه أن يجعل الناس تكذّب كل ما يرد من معلومات عن هذا الحادث صادقةً كانت أم كاذبة.

ولكي تدرك ضخامة الخرافات المنتشرة وتنوعها وتشعبها، فما عليك إلا أن تلقي نظرةً على التصنيفات الموجودة في أحد مواقع التصدي للخرافات، فستجد -فتبينوا مثالاً- أن الخرافات لا تقتصر على العلمية أو الدينية وإنما تتعداهما إلى الاجتماعية والطبية والتاريخية والفيزيائية بل وحتى الرياضية!

وتظهر خطورة ذلك عياناً في الأحاديث الموضوعة والمكذوبة التي ما زال البعض يتناقلها إلى اليوم، والتي لم تكن لتصل إلينا لو أن كل مسلم أخذ على عاتقه التحقق والتأكد من الحديث قبل نشره، وألا يجعل أذنه وعاءً لكل ما يتناقله الناس صدقوا به أم كذبوا.

وإذا أردت أن تعايش خطورة ذلك، فما عليك إلا أن تقرأ قصة أم المؤمنين عائشة في حادثة الإفك، وكيف تحولت حياتها من النعيم المقيم إلى الجحيم الخالص، فإليك إياها:

كان “يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول كيف تيكم؟ ثم ينصرف فذاك الذي يريبني، ولا أشعر حتى خرجت بعد ما نقهت فخرجت معي أم مسطح… فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلاً شهد بدراً! قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي ودخل عليَّ رسول الله ﷺ تعني سلم ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن استيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله ﷺ فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هوّني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها، قالت: فقلت: سبحان الله ولقد تحدث الناس بهذا!… قالت: فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنوم، ولا يرقأ لي دمع، يظنان أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي… دخل علينا رسول الله ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهراً لا يُوحى إليه في شأني، قالت فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس، ثم قال: “أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه”، قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي، حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله ﷺ فيما قال، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ، قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، قالت: فقلت -وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن-: إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم، وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني، والله ما أجد لكم مثلاً إلا قول أبي يوسف: {فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون}… فوالله ما رام رسول الله ﷺ ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شاتٍ من ثقل القول الذي ينزل عليه، قالت فلما سُري عن رسول الله ﷺ  سُري عنه وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها: يا عائشة أما الله -عز وجل- فقد برأك، فقالت أمي: قومي إليه قالت فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله -عز وجل- وأنزل الله {إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم…)}” [رواه البخاري].

وهذه عائشة رضي الله عنها قد برأها الله مما قالوا، فعادت السعادة والطمأنينة إلى حياتها، ولكن كيف تعود السعادة إلى بيوت وقع أناسٌ بأهلها فمزقوها وأبدلوها طلاقاً وفرقةً بعد قربٍ ولقاء، فلمحاربة ذلك كله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كفى بالمرء كذباً أن يحدّث بكل ما سَمِع”.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد