ماذا تقول الأحافير الحية عن نظرية التطور؟

فداء ياسر الجندي


تخرج الدكتور كارل ويرنر من كلية الطب قبل أن يكمل الثالثة والعشرين من عمره، فقد ظهرت علامت نبوغه وتفوقه على أقرانه منذ أيام شبابه، وكان تخرجه المبكر إيذاناً بحياة مهنية ناجحة في مجال الطب الذي يحلم به كل شاب، ولكن حواراً قصيراً دار بينه وبين زميل له في الجامعة قلب حياته رأساً على عقب، وهاكم طرفاً من الحوار كما يرويه الدكتور كارل نفسه:

كارل ويرنر

الزميل: ما رأيك بنظرية التطور؟
كارل: أنا أؤمن بها.
الزميل: وما تقول في مشكلة الفجوات التي يعاني منها سجل الأحافير؟ ألا يشكك ذلك في النظرية؟
كارل: لم أسمع أن هناك مشاكل في سجل الأحافير.
الزميل: كيف يمكن أن تبدأ الحياة على الأرض إذا كان من المستحيل تشكل البروتين بشكل تلقائي طبيعي؟
ويعلق الدكتور كارل على السؤال الأخير فيقول: أدركت ههنا أن أمامي سؤالاً من صلب اختصاصي وليس عندي جواب له، فنظرية االتطور تنص أن الخلية الحية الأولى تشكلت بشكل طبيعي تلقائي، في حين أن البروتين لا يمكن أن يتشكل بشكل تلقائي أو طبيعي بسبب تعقيده الشديد الذي درسته في كلية الطب، فكيف نشأت الحياة إذن؟
ويتابع الدكتور كارل: وقبل أن أجيب عن سؤال زميلي الأخير، تحداني قائلاً: “أتحداك أن تثبت نظرية التطور” فأجبته على الفور: “هذا جنون، لقد تم إثباتها”.

ورغم إجابة كارل القطعية، المبنية على ما شاع في زمانه، غير أن أسئلة زميلة كانت بمثابة طلقات تنبيه تركت في نفسه وتفكيره أثرا كبيراً، وانتهى الحوار وهو يقول لنفسه: “حقاً، كيف تكون هذه النظرية صحيحة إذا لم تتمكن من حل هذه الإشكالات الأساسية؟”

كانت هذه الأسئلة نقطة تحول في حياة الدكتور كارل وارنر، وقد دفعه التفكير فيها، وهو النابغة الباحث عن الحقيقة، إلى أن يمضي ثلاثين سنة بعد ذاك الحوار في البحث عن إجابات شافية لتلك الأسئلة، بدأها بالقراءة النهمة لكل فروع العلم المتعلقة بنظرية التطور، الأحياء والفيزياء والكيمياء الحيوية والجينات والوراثة والأحافير والتاريخ الطبيعي، ولكن ثمانية عشر عاما من القراءة والمطالعة لم تشبع نهمه، ولم تشف شغفه العلمي، وأراد أن يصل إلى الحقيقة رأي العين، وأن يلمسها بحواسه كلها، فقرر أن يقوم برحلة حول العالم، استغرقت اثنتي عشرة سنة من عمره، ليصل بنفسه إلى الحقائق القاطعة المتعلقة بهذه النظرية، وهكذا فقد استغرق بحثه عن الحقيقة ثلاثة عقود، ووضع ما وصل إليه من حقائق ساطعة قاطعة في سلسلة من الكتب والأفلام الوثائقية.

أهداف الرحلة ومنهجها
قبل أن يبدأ رحلته، كان عليه أن يضع أهدافاً محددة، وخطة واضحة المعالم، ويحدد بالضبط عن ماذا يبحث، وأين وكيف؟ وقد شرح ذلك فقال: تقول نظرية التطور إن الأحياء من حيوان ونبات تتغير مع مرور الزمن، وتتحول إلى أنواع جديدة مختلفة تماماً عن أصولها  الأولى القديمة، ويتم ذلك بواسطة الطفرات العشوائية، وتقول لنا النظرية أيضاً إن هذه الأنواع المتغيرة عبر ملايين السنين، وبسبب صراع البقاء، والاصطفاء الطبيعي، تتعرض أسلافها التي لم تتعرض للطفرات ولم تتغير إلى الانقراض، ولكن لو نظرنا إلى الموضوع بشكل معاكس نستطيع أن نتنبأ بأن نظرية التطور لو كانت غير صحيحة، فإن الأحياء والنباتات لن تتغير مع الزمن، وسنجد على الأرض الكثير من الأحياء التي كانت تعيش قبل ملايين السنين، موجودة اليوم على الأرض دون أن تتغير، لأنها لم تتعرض لآليات التطور، فما علينا لنثبت عدم صحة النظرية إلا أن نثبت وجود أحافير قديمة لأحياء ما زالت تعيش بيننا اليوم، وهذا ما قرر الدكتور كارل ويرنر أن يكتشفه بنفسه وعل الطبيعة.

وهكذا شرع الدكتور كارل ويرنر في رحلة  علمية طويلة، طاف خلالها على معظم مواقع الأحافير في العالم، وهي تلك التي عثر العلماء فيها على أحافير المخلوقات القديمة المتحجرة، ليوثق بالتصوير ماتحتويه من أحافير، وزار كذلك جميع متاحف التاريخ الطبيعي الشهيرة في العالم، وأجرى عشرات المقابلات مع كبار علماء الجيولوجيا والأحافير والتطور، ووثقها كلها بالتصوير المرئي، ليصل فيها إلى إجابات شافية عن حقيقة التطور، وكان من أهم أهدافه أن يثبت وجود أحافير لكائنات عاشت قبل عشرات الملايين من السنين، وما زالت تعيش حتى اليوم، ليكون ذلك أحد الأدلة القاطعة على بطلان نظرية التطور، وحتى يكون بحثه مركزاً وقابلاً للتنفيذ، ركز بحثه  على الطبقات التي تحتوي أحافير الديناصورات، فقام بالتنقيب في تلك الطبقات عما حوته من كائنات مع الديناصورات، فوصل إلى نتائج مذهلة.

وخلاصة تلك النتائج أنه في عصر الديناصورات كانت تعيش آلاف الكائنات التي لم تنقرض حتى اليوم، أي التي لم يطرأ عليها أي تطور خلال هذه الملايين من السنين، علماً أن حقبة وجود الديناصورات على الأرض تشمل ثلاثة عصور جيولوجية، يسميها العلماء عصر الترياسيك، وعصر الجوراسيك، وعصر الكريتاسيوس، ويبدأ العصر الترياسي قبل 245 مليون سنة، وينتهي قبل 208 مليون سنة، ليبدأ عصر الجوراسيك الذي ينتهي قبل 144 مليون سنة، هي بداية عصر الكريتاسيوس، وهذاالأخير ينتهي قبل 65 مليون سنة، أي إن العصور الثلاثة التي ظهرت فيها الديناصورات على سطح الأرض تغطي مسافة زمنية مقدارها 180 مليون سنة.
وجدير بالذكر، أن زوجة الدكتور ويرنر رافقته في رحلته، وكانت كاميرتها هي من صورت ووثقت كل ما وصل إليه من من نتائج.

تخطي العقبات
لم تكن رحلة الدكتور ويرنر سهلة ميسرة، فهو كان كالسابح عكس التيار، تيار يعتبر أن نظرية التطور حقيقة مسلم بها، وعليه أن يثبت العكس، ومشكلته كانت أن المعلومات التي يبحث عنها كانت في مواقع التنقيب عن الأحافير، وفي متاحف التاريخ الطبيعي، وقد كان في بداية بحثه يسأل العلماء والمنقبين في مواقع الحفريات: “هل عثرتم في طبقات الديناصورات على أحافير لمخلوقات معاصرة موجودة في زماننا؟”، فكان المسؤولون عن مواقع الحفريات يرفضون الإجابة عن هذا السؤال، بل إن بعضهم رفض إجراء المقابلة مع الدكتور ويرنر عندما اطلع على الأسئلة، ولكن أمرا حدث بالمصادفة أثناء حوار مع أحد العلماء وهو الدكتور ويليم كليمنس من جامعة كاليفورنيا، جعل الدكتور ويرنر يغير من طريقته في طرح الأسئلة.

كان الدكتور كليمنس أحد المعارضين لنظرية تقول إن الديناصورات قد انقرضت بسبب اصطدام كويكب ضخم أو نيزك بالأرض أدى تغيرات مناخية وكوارث طبيعية نتج عنها انقراض الديناصورات، وكان مما قاله أثناء حواره مع الدكتور ورينر: “كيف يمكن لنيزك أن يؤدي لانقراض الديناصورات من على سطح الأرض ولا يؤدي لانقراض ما سواها من الفراشات والضفادع والنحل وزواحف السلمندر التي كانت تعيش أيام الديناصورات؟”.
كان لهذا الكلام رنين خاص في سمع الدكتور ويرنر، ضفادع وفراشات وسلمندر في عصر الديناصورات! كانت هذه المرة الأولى التي يقول له أحد العلماء إن هناك كائنات من هذا النوع كانت موجودة في تلك الحقب، ومنذ ذلك الحوار قرر أن يغير صيغة السؤال حتى يحظى بالإجابات، فأصبح السؤال: “يقول بعض العلماء ومنهم الدكتور كليمنس مثلاً، إن الظروف المناخية الناتجة عن اصطدام  النيازك بالأرض لم تكن هي السبب الذي أدى لانقراض الديناصورات، فقد كانت هناك كائنات أخرى موجودة آنذاك ومعرضة لهذه الظروف ولكنها لم تنقرض، مثل الفراشات والضفادع، فهل عثرتم في موقع الحفر الذي تعملون فيه على أحافير لمثل هذه الكائنات، التي تبدو شبيهة بالكائنات المعاصرة؟”.

وقد أدى هذا التغيير في صيغة السؤال إلى نتائج مختلفة تماماً، وذلك لأنه يستند على قول عالم، ولأنه لا يوحي بأن السائل يشكك في نظرية التطور، وذلك لأن السؤال هنا عن أحافير لكائنات تبدو شبيهة بالكائنات المعاصرة، وليس عن أحافير لكائنات معاصرة.

العقبة التالية التي واجهت الدكتور ويرنر هي مشكلة أسماء الكائنات التي يعثر العلماء على أحافيرها، وسبب ذلك أن العلماء عندما يبحثون عن الأحافير في طبقات الديناصورات لم يكونوا يتوقعون إطلاقاً أن يجدوا أحافير لمخلوقات تعيش حتى يومنا هذا، لذلك فقد كانوا يعطون الكائنات التي يجدون أحافيرها أسماء علمية جديدة، وهذه الأسماء كانت كثيراً ما تختلف من موقع حفر لآخر، ومن متحف لآخر، ومن عالم لآخر، وفي أحيان كثيرة يأتي عالم فيدرس أحفورة جعلوها من نوع معين، فيرى أنها من نوع آخر، فيغير اسمها، لذلك وجد الدكتور ويرنر أنه لا يستطيع أن يثق بالأسماء التي وضعها العلماء للأحافير، فيقول “بما أن الصورة تساوي الآلاف من الكلمات، فإني اعتمدت في كتابي على الصور المرئية، لا على الأسماء الموضوعة، وأترك للقارئ أن يحكم بعد أن يرى صور الأحافير والقديمة، وصور الكائنات الجديدة؟ هل هذه الصور دليل على التطور أم دليل على بطلانه” [كتاب التجربة الكبرى، ص 28].



النتائج
وضع الدكتور وارنر خلاصة بحثه هذا في الجزء الثاني من سلسلة كتبه التي أصدرها بعد مطالعات وقراءات ورحلات وأبحاث استمرت ثلاثة عقود، وكان عنوان هذا الجزء: “الأحافير الحية” Living Fossils  وقد اتبع في عمله التوثيقي منهجاً علمياً فريداً اعتمد فيه على الصور فقط، فوضع في كتابه هذا صوراً موثقة لأكثر من ثمانين أحفورة لمخلوقات من مملكة الحيوان، وأكثر من ثلاثين أحفورة من مملكة النبات، ووثق عمله بطريقة غاية في الدقة والمنهجية والموضوعية، فكتب أسفل صورة كل أحفورة، الاسم الذي وضعه العلماء للكائن الذي يمثلها، واسم الكائن الذي يتطابق معها والذي يعيش اليوم على سطح الأرض، والطبقة الديناصورية التي وجد فيها الأحفورة، واسم الديناصور الذي كان يعيش في تلك الحقبة، وصورة أحفورة ذلك الديناصور، وأخيراً وضع بجانب الأحفورة صورة الكائن الحي الذي يعيش اليوم، والذي يطابق تماماً تلك الأحفورة، مما يثبت أن الكائن الذي تمثله الأحفورة لم يتطور منذ عصر الديناصورات وحتى يومنا هذا.

والمدهش في نتائج بحث الدكتور ويرنر، أن الأحافير التي وجدها في عصر الديناصورات شديدة التنوع، وتغطي معظم فصائل الأحياء والنبات المعروفة التي تعيش اليوم، ابتداء باللافقاريات وانتهاء بالثديات، وهاكم ملخص لأهم الأحافير الحية التي وجدها في عصور الديناصورات:
من الحيوانات البحرية: نجم البحر والإسفنج والمرجان والسلطعون والروبيان واللوبستر وجراد البحر والمحار وغيرها، بالإضافة إلى العديد من أنواع الأسماك.
ومن البرمائيات: السلمندر والضفدع والتمساح.
ومن الزواحف: أنواع من السحالي والأفاعي والسلاحف.
ومن الطيور: الببغاء والبشروش (فلامينغو) والبوم والبطريق والغاق (طائر مائي) والقطرس.
ومن الثديات: القنفذ وآكل النمل والسمور (القندس) والخلد، وأنواع أخرى من الثديات، وهناك أحافير كثيرة مكتشفة حديثاً لثديات ما تزال تحت البحث.
ومن النبات: العديد من أنواع الطحالب وأنواع السرخسيات، والعديد من أنواع الورود والأزهار، مثل زهر الخشخاش والزنبق واللوتس، ومن الأشجار شجرة الساسفراس، وشجرة الحور، وشجرة الجحليق، وشجرة البلوط، وغيرها.

أمام كل هذه الحقائق الملموسة، والأحافير الحية، يخلص الدكتور ويرنر إلى أن معظم فصائل المخلوقات التي كانت موجودة في عصور الديناصورات، لم يطرأ عليها تغيرات تدل على أنها تعرضت للتطور الداروني، والذي حدث أن بعضها قد انقرض، بينما استمر البعض الآخر في الوجود والتناسل حتى يومنا هذا، دون تغيرات ملموسة عليها، وهذا بلا جدال يتنافي مع نظرية التطور، لأن بقاء المخلوقات كل هذه الملايين من السنين، دون أن تتأثر ببيئتها، ودون أن يطرأ عليها أي طفرات، ودون أن تعمل بها آليات التطور الداروني، أمر لا تستطيع نظرية التطور تبريره إطلاقاً، وهي التي  تزعم أنه خلال تلك السنين نفسها، تحولت لعض الكائنات تحولاً جذرياً، فأصبحت السمكة زرافة، والضفدع تمساحا، والدب حوتاً، وغير ذلك مما يزعمون.

إن الأحافير الحية التي أثبت الدكتور ويرنر وجودها بالأدلة القاطعة، وبأعداد ضخمة، هي أحد المسامير الأخيرة التي دقها العلم الحديث في نعش نظرية دارون.



التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد