لماذا يهتم الله تعالى بتصرفات الإنسان الحقيرة؟!

محمد الريس


يطرح الكثير من الشباب اليوم سؤالاً عن تضاؤل حجم الإنسان بالنسبة للكون، ويجدون بذلك صعوبة في استيعاب سبب اهتمام الله بتصرفات الإنسان الحقيرة.

يقولون إن الله “ترك” الكواكب والنجوم والحيوانات والنباتات والجبال والأنهار وأخذ “ينشغل” بتصرفات الإنسان الدقيقة ويحاسبهم عليها، فحرّم على الرجل النظر إلى المرأة وحرّم على المرأة كشف جزء من شعرها، وحرّم على كليهما أن يقولا كلاماً فاحشاً أو يكذبا كذبةً صغيرةً أو يغتابا أحداً، فلماذا كل هذا الانشغال بما لا قيمة له؟!

وللجواب على هذه التساؤلات سنلخص الرد في النقاط الآتية:

أولا: الله كرم الإنسان عندما خلقه بسجود الملائكة، ثم استخلفه على الأرض، فالإنسان يمتلك عقلاً ووعياً وإدراكاً، وسُخِّر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً، من ماءٍ وهواءٍ وشمسٍ وقمر، ونباتٍ وحيوان، فلذلك خاطب الله في كتابه الإنسان، وقد قال الشيخ الشعراوي في ذلك: “لقد جعل الله تعالى كل شيء مسخراً للإنسان، فمن الذي سخَّر للإنسان الشمس وهي أقوى منه وأكبر؟ ومن جعلها في خدمته وهي تستطيع أن تفني البشرية إذا غيّرت مسارها أو بُعدها عن الأرض؟ لقد جعل الله تعالى كل شيء من مخلوقاته مسخَّراً لما فوقه، فالجماد مسخّر لخدمة ما فوقه من نبات وحيوان وإنسان، والمسخِّر هو الله تعالى، فالشمس والقمر والأرض كلها مسخَّرة لخدمة النبات والحيوان والإنسان، فلا تستطيع الشمس مثلاً أن تقول: سوف لا أشرق غداً، ولا تستطيع الأرض أن تقول: لا أنبتُ الحبَّ. والنبات مسخَّر لما فوقه من الحيوانات والإنسان، فالحيوان يستطيع أن يأكل ما يشاء ويحطم ما يشاء ولا يستطيع النبات منعه، والنبات مسخَّر للإنسان فلا يستطيع منع الإنسان من تحطيمه وأكله لأنه مسخَّرٌ للإنسان، فلا يملك دفع الإنسان عنه. والحيوان هو أرقى من النبات، لأن الله تعالى منحه القدرة على الحركة والدفاع عن نفسه، ومع ذلك فإنه مسخَّر للإنسان، فإن فرساً أو بعيراً رغم قوتهما يقودهما طفل، والإنسان أرقى من كل ما سبق بعقله وفكره واختياره رغم صغره وضعفه، فإذا كان كل شيء مسخَّراً للإنسان فهل الإنسان غاية الحياة؟ أم أنه مسخَّرٌ لما فوقه وهو الخالق العظيم، ومسخَّر لعبادته كما أخبر الله تعالى بقوله: }وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]. [قبسات من خواطر الشيخ الشعراوي في التفسير والإعجاز: ص21-22].

ثانيا: الله خالقُ النفس البشرية والعالمُ بها والخبيرُ بما يصلحها وما يشقيها، حلل لنا الطيبات وحرّم علينا الخبائث، فما من عملٍ أحلَّه إلا وبه سعادتنا دنيوياً وأخروياً، وما من عملٍ حرّمه إلا وبه شقاؤنا دنيوياً وأخروياً، والاختبار العملي لما قلناه هو القاعدة التالية المنسوبة للفيلسوف كانط: “إذا أردت أن تعرف صفة من الصفات هل هي خير أم شر فعممها”، فخذ مثلاً الخمر وتصوّر أن جميع الناس يشربونه وجميعهم ذاهبٌ عقله وفاقدٌ وعيه وحسه، فيتكلم شاربها بما لا يفقه ويتصرف بما يشينه، فيعجز كل العجز عن إدارة أموره، ثم تصور مجتمعاً بأكمله قد صار هكذا حاله فهل يملكُ إلى النهضة من سبيل؟ وهل يأمن على مواطنيه ألا يقتل بعضهم بعضاً ويغتصب ذكورهم إناثهم وتسود فيهم السرقة والاعتداء وغير ذلك؟!

ثم خذ العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، فابنِ في مخيلتك أن الجميع يصل إليها بمنتهى السهولة، فيتحول الإنسان الواعي العاقل الراشد إلى حيوانٍ بثوب إنسان يمارس الجنس مع كل من تطوله يداه، وقارن هذه الصورة مع الحياة المستقرة الهانئة التي يوفرها الزواج، فيتحمّل كلا الزوجين الواجبات المناطة به، ويحصل على الحقوق المناطة بغيره، فيدرك ما له وما عليه، فلا علاقاتٍ كعلاقات الحظيرة، ولا أطفالٍ ينتهي بهم المطاف على قارعة الطريق، فمقارنة سريعة توصلك إلى الحق إذ كما قال المتنبي: “وبضدها تتبين الأشياء”.

وليزداد يقينك، عمم جميع الأحكام التي أنزلها الله من تحريم الخمر والزنى إلى الكذب والخداع وشهادة الزور وصولاً إلى الغيبة والنميمة، وعلى الناحية الأخرى من فرض الصلاة والزكاة والصيام إلى أن تعبد الله وحده فتدعوه وحده وتتوجه إليه وحده وتسبح بحمده وتتوكل عليه ولا تستعين إلا به. وإذا فاتتك الحكمة من أحد الأحكام وغاب عنك الغرض منه، فاسأل من تثق بعلمه ودينه ورجاحة عقله فعنده الجواب الشافي لك.

إذن كان أمر الله بنزول شريعةٍ مُفصِّلةٍ مُنظِّمة لجميع أحوال الإنسان في مقاله وفعاله، لأنه خليفة الله في الأرض أولاً، ولأن أقواله وأفعاله إما أن يتبعها نفعاً له ولأسرته ومجتمعه أو يتبعها ضراً لهم جميعاً وذلك في الحياة الدنيا، أما في الأخرة فلا ينفع ولا يضر إلا نفسه.

ثالثا: وخالق الكون بإحكامٍ وإتقان لم ينصرف إلى الإنسان وحده ويحصي أعماله، في حين ترك جميع مخلوقاته الأخرى دون تدبير، بل هو الذي لا يشغله شأن عن شأن، وهو الذي {يمسك السموات والأرض أن تزولا} [فاطر: 41]، ولكنّا وجدنا شمساً تشرق كل يوم، ووجدنا هواءً ومياهً وطعاماً، فظننا أنها موجودات بشكل تلقائي، ولم نبحث عمن أوجدها، والمسخِّر لها لنا، فكان عاقبة ذلك أن جحدنا هذه النعم.

“إن كل الأجناس في هذا الكون من جماد ونبات وحيوان وحتى أجهزة الإنسان تعمل بقدرة الله تعالى، قال تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعاً} [البقرة: 29]. فالنبات يؤدي مهمته في الحياة بكل دقة بقدرة الله تعالى، فالبذرة التي نضعها في الأرض ونضع عليها الماء تنبت بإذن الله، وكل نبات يمتص من الأرض ما يجعله صالحاً لمهمته من الأشكال والألوان والمذاق، كلها تأتي من أرض واحدة وماء واحد، لقد وضع الله تعالى في النبات خاصية الاختيار من مواد الأرض بما يلائم النبات ليتم انسجام النبات مع الكون ومهمته. وكذلك الحيوان ينسجم في مهمته مع الكون سواء ذلك الذي اختصه الله سبحانه لخدمة البشر، أم ذلك الذي لم يسخِّره ولم يخضعه لإرادة الإنسان كالمفترس منها، أما الإنسان ففيه أجزاء غير خاضعة لإرادته وهي منسجمة في مهمتها، تؤدي وظيفتها تلقائياً، فالتنفس يتم بإرادة الله تعالى والقلب ينبض بإرادة الله تعالى دون أن نحس به، إنها في هذا منسجمة مع الكون انسجاماً كاملاً.” [قبسات من خواطر الشيخ الشعراوي في التفسير والإعجاز: ص19-20].

وأخيراً فإن صغر الإنسان مقارنةً بالكون لا يلغي حقيقة أفضلية الإنسان على الجماد وإن عَظُم، والنبات وإن عَلا، والحيوان وإن عَبَد، وذلك إن أصلَح وأتقى، وأن جميع ما خلقه الله في الأرض مسخّرٌ للإنسان، فهو العاقل المفكّر الذي يقارن بين المتناقضات فيعلم ما يصلحه وما يشقيه، وذلك إذا كان منهج الله إمامه، أما إذا كان إلهه هواه، فحينها ينحدر ويهبط إلى ما دون البهيمة.

ومما يدركه كل عاقلٍ أن الأشياء لا تُقاس بأحجامها وإنما بقيمتها، فقطعة صغيرة نفيسة نادرة من الألماس قد تحدث حرباً بين قبيلتين وتردي قتلى وجرحى، ولكن صخرة حجرية مهما كبر حجمها فإنها لا يمكن أن تؤدي إلى مجرد عراكٍ بين طفلين.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد