لماذا نعود إلى الله في لحظاتنا الحرجة؟

إيمان محمد

 

في أحلك اللحظات التي مررت بها خلال سنوات الثورة السورية التي مضت، وفي التجارب القاسية التي عايشتها أو شهدتها ومازلت، كانت تلفتني مسألة كبيرة، تدفعني للتساؤل والتأمل والتفكير، ما الذي يدفع الإنسان لذلك الاتصال العميق بالله؟ ولماذا في أشد اللحظات الحرجة يسأله، مهما كان بعيداً عنه في حياته العادية؟ ولماذا يعود إليه عندما يصبح وحيداً في زنزانة منفردة، أو جريحاً في مشفى ميداني، أو منزوياً على سريره ينتحب بعد أن فقد عزيزاً؟ ما ماهية الاتصال بالله؟ ولماذا يُعبد؟ هل الأمر تابع لملء فراغ نفسي؟ أو طمأنة عقل عجز عن إجابات لتساؤلاته فقبل بالتسليم بفكرة وجود إله؟

والحقيقة الأولى في هذا الأمر أن الله تعالى جل جلاله غني عن العالمين، لا تنفعه عبادة خلقه له، كما أنه لا يضره تركهم عبادته. قال تعالى: “يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد” [فاطر: 15].

فهو الغني عن سائر الخلائق، وهو العظيم الرحيم، حين يأمرهم بعبادته فلأنه يريد لهم الخير والصلاح، فالعباد في حاجة دائمة لله لا تنقطع، فكل عبادة يقدمها الإنسان فثمرتها عائدة إليه، وتصبّ في صالح دنياه وآخرته، وترفعه عند الله، وتثقل ميزانه. قال تعالى في كتابه الكريم: “ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم” [النمل: 20].

والعبادة لله تابعة لطبيعة مهمة الإنسان على الأرض، والغاية من خلق الإنسان، وعاقبة ذلك كله في الدنيا والآخرة.

ليست العبادة فقط لجلب طمأنينة النفس وسكينة الروح، فالإنسان بفطرته دائماً ما يشعر بالحاجة لله، كما أن شعوراً بالخواء والضياع ينتابه في حال فكر أن الكون يمكن أن ينشأ من دونه. قال تعالى: “حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين”. [يونس: 22].

وفي هذا نماذج نلمسها في واقعنا لكثير ممن قضوا حياتهم في معاص ولهو وغياب شبه كامل عن حقيقة عبوديتهم، نجدهم في لحظات الشدة والكرب يعودون فطرياً لله ويلتجئون إليه بالدعاء والرجاء ليخلصهم مما ابتلوا به، وحتى إن كانت تلك ردود فعل وقتية تزول بزوال الأسباب، إلا أنها دلالات واضحة عن حقيقة النفس البشرية ونزوعها للفطرة السليمة في اللحظات العصيبة، فتسلم نفسها لله، وتعود إليه وكأنما تعترف أن لا مخلص لها إلا هو.

أما المؤمن ففي لحظات الشدة يتذوق حلاوة لم يذقها سواه، وقد حدثني أحد الإخوة الذين ذاقوا تجربة الاعتقال عن سعادة وجدها في منفردته، فقال:

“قد تعجبين من كلامي لكنني أصدقكِ القول، لقد كانت السويعات التي قضيتها في تلك المنفردة، وقد انقطعت أسباب الرجاء إلا بالله، وأظلمت الدنيا حولي، وضاقت، كانت أسعد لحظات قضيتها في حياتي، فقد فُتح لي باب الدعاء، وبدأت ألهج لله تقرباً وحباً ورجاء، وشعرت بقرب لم أشعر به طوال حياتي، وبسكينة عجيبة وأنس بالله كبير، لقد خرجت حينما فرّج الله عني وكأنما ولدت من جديد”.

عبادة الله كرامة وتكريم
أما وقد شهدنا في عصرنا هذا كل أنواع الظلم، ورأينا بأعيننا كيف يذل العبد للعبد، وكيف تُمتهن كرامته، وكيف تغيب إنسانيته، ليكون سلعة بلا أدنى قيمة، بل كيف تذل الشعوب تحت سوط الاستعباد، وكيف تتلاشى الإنسانية تحت جور القهر والظلم، لابد أن نفكر في الأسباب التي تدفع الإنسان لاستعباد أخيه الإنسان، والأسباب التي تدفع المستعبد لقبول الاستعباد، سنجد الإجابة واضحة، فكلما تعمق معنى الحرية والكرامة في نفس الإنسان ازدادت مقاومته للذل والقهر، ولنا أن نتذكر قول الصحابي ربعي بن عامر لرستم قائد جيش الفرس معبراً عن الإسلام في كلمات موجزة: “نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”.

فتلك هي رسالة الإسلام الحقيقية وجوهر دعوته، تخليص الناس من العبودية للبشر، ودعوتهم لعبادة رب البشر وخالقهم جل جلاله، وفي هذا قمة السمو والرفعة والكرامة، فعباد العباد أذلاء إلى يوم الدين، لأنهم محكومون بالأهواء البشرية، أما عباد الله فهم محكومون بعدالته وعظمته ورحمته.

التعليقات

تعليقات