لباس المرأة الغربية.. بين انتزاع الحياء وغياب الحشمة

image_print

بعد شتاءٍ قارسٍ في شمالي ولاية نيويورك، خرجنا في أول يومٍ ربيعي إلى حديقة مجاورة لنتأمل خضرة الأرض وازدهار الأشجار. كان نهاراً مشمساً بديعاً، يملأ النفس إيماناً بوحدانية الخالق الذي حبى الوجود جمالاً وإتقاناً عظيمين. في تلك اللحظات لم يعدنا لواقع الدنيا الفانية سوى شيءٍ واحد، وهو صدمتنا بلباس مرتادي الحديقة الكاشف من حولنا. فبعد أن قضى الناس شهوراً طويلة في ملابس الشتاء خرجوا في ذاك اليوم بشيءٍ قليل من الأقمشة يستر جسدهم ليستغلوا الجو اللطيف ويستمتعوا بحرارة الشمس!

من الربيع في شمال نيويورك – 2015، بعدسة الكاتبة

كان ملفتاً لنا كعائلة حديثة العهد بالغربة رؤية الأريحية التي يتعامل بها الأمريكيون مع قلة سترهم لأجسادهم، خصوصاً مع مفاهيم الحياء والأدب التي تربينا عليها. تعجبت من لباس الفتيات تحديداً، إذ لا يكاد ما يلبسنه يستر ربع أجسادهن! فكيف وصلت البلاد الغربية إلى هذا النمط من تعرية النساء ونزع حيائهن؟ وإلى أين تمضي هذه الثقافة بالشعوب الغافلة؟

نظرة تاريخية
يحدثنا القرآن الكريم عن بداية الإنسان المستخلف في الأرض كشخص حيي يحب الستر، فها هما أبوينا آدم عليه السلام وحواء لما أكلا من الشجرة وانكشفت عوراتهما جعلا يرقعان من ورق التين ما يواري جسدهما حياءً رحمهما الله [1] {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ} [طه:121]. وحيث تشير الوثائق التاريخية إلى تنوع في لباس في المجتمعات الرومانية واليونانية، فإن لباس النساء الغالب فيها كان الثوب الطويل (الشملة/Stola) الذي يصل إلى القَدم، طويل الكمّ إلى الساعد أو الرسغ [2]، وهكذا استمر لباس المرأة الغربية على نفس النمط حتى نهاية العصور الوسطى، حيث يؤرخ الخبراء هناك نشأة “الموضة” في العالم (المفهوم الذي يعرف بقبول عدد كبير من الناس لنمط لباس معين لفترة وجيزة) [3].

وللثورتين الفرنسية والصناعية دور كبيرٌ في تحول لباس المرأة الغربية نحو ما هو عليه اليوم، تحديداً مع خروج المرأة من البيت وانطلاقة المصانع بأعدادٍ كبيرة [3]. بعد ذلك كانت انطلاقة الحركات النسوية مع أثرها المفصلي في تبديل وجهات نظر النساء حول لباسهن، حيث ربطت الحرية من النظام الأبوي بقلة الستر والتفلّت من مفاهيم المجتمع حول الحياء والعفة. فهذه الحركات وإن بدأت محقةً داعيةً لرفع الظلم عن النساء، إلا أنها أنتجت ردود فعل صارخة تجاه كل قيد وحد على سلوك المرأة التي أشعروها أن الظلم التاريخي يبرر لها كل فعل. وبذلك بات لباس المرأة أعقد من مجرد قماش يغطيها، إنه تعبيرٌ عن حقوقها وتحررها واعتزازها بنفسها أيضاً. ومن الجدير بالذكر أن عولمة الثقافة الغربية وانطلاقها لريادة الشعوب الأخرى يجعل خطر كل هذا منطبقاً على الشعوب المسلمة، ولعل حملة “إنه جسدي، إنها حقوقي” التي أطلقتها منظمة العفو الدولية والتي تدعو لتمكين الشباب والشابات من اتخاذ قرارتهم الخاصة بأجسادهم من أوضح الأمثلة على فرض النظرة العولمية للجسد على الثقافات الأخرى [4].

النسوية وازدواج المعايير
تراودني تساؤلاتٌ عدة وأنا أستعرض التاريخ العام لتطور لباس النساء الغربيات. كيف رضيت النسوية المنادية بتحرير المرأة ومساوتها بالرجل بجعل جسدها مستباحاً لكل ناظر بهذه الطريقة التي نراها اليوم؟ وكيف استخفها الرجال الشهوانيون مصممو الأزياء ومخترعو الموضات فاقتنعت بأن التعري يرمز للقوة ويدل على الحرية؟ بل كيف رضيت المناديات بحقوق المرأة لأنفسهن أن يكون لباس النساء أكثر كشفاً بكثير من لباس الرجال المخصص لنفس الغرض؟ فبنطال الرياضة القصير المخصص للإناث أقصر بكثير من ذاك المخصص للذكور، كذلك لا يخفى على أحد كون زي المرأة الغربية الرسمي متضمناً تنورةً قصيرةً ضيقةً تكشف ساقيها، بينما الزي الرسمي للرجال يتضمن بنطالاً طويلاً فضفاضاً. فهل غاب عن النسويات ذلك؟ أم أنهنَّ اقتنعن فعلاً أن الكشف رمز للقوة؟

سيكون رد النسويات غالباً أن الأمر عائد للاختيار الشخصي، فهذه الديمقراطية وعلى أساسها قامت الحكومات الغربية، كما كتبت النسوية تيري موراي في إصدار لجمعية Rationalist Association أن المرأة عندما تلبس الثياب الكاشفة إنما تفعل ذلك للتعبير السليم عن نفسها بكل عفوية جاعلةً ذاتها “كياناً جنسياً مستقلاً” [5].

وللرد على هذا أحب أن ألفت انتباه النسويات إلى غياب الحرية عن الطرف المقابل تماماً، فإن كان الأمر مجرد دفاع عن حرية المرأة كما تزعمن، فأين نضالكن من أجل حرية المنتقبة في اختيار لباسها؟ أليست امرأة كذلك ولها الحق في اختيار ما تغطي وما تكشف من جسدها؟ بل لماذا تهاجمنها وتدعين فهم دوافعها وأسبابها؟ لقد افترض الناطقون باسمكن أن النقاب رمز للقمع والقهر وتحدثوا بكل ثقة عن كون المنتقبة مجبرةً ومكبوتةً من قبل الذكور في حياتها والذين لا ينظرون لها إلا كمادة جنسية تحتاج التغطية [5،6].

كيف علمتن أن هذه دوافع المنتقبات فعلاً؟ وأين دفاعكن عن حق المرأة بالتعبير عن نفسها كما تشاء؟ وإن كان الأمر كمان تزعمن حماية للمرأة ممن يعاملها كمادة جنسية ألم يكن الأحرى بكم أن تطالبوا بمنع صناعة وبيع أحذية الكعب العالي ومستحضرات التجميل التي تفعل ذلك بالضبط؟ أمرٌ يستدعي التفكير فعلاً!

الإنسانوية وغياب الفطرة
  إن ما أراه عجيباً فعلاً في هذا الميدان هو ما وصلت إليه الشعوب الغربية من غياب شبه تام لقيمة الحشمة كخلقٍ أساسيٍّ ينشأ عليه الأطفال منذ نعومة أظفارهم، إذ أن إقصاء الدين عن الحياة جعل الإنسان مركزياً تماماً، فهو مصدر الأمر والنهي وما يرضيه يكون صحيحاً بكل تأكيد، ولو أودى ذلك  بقيم وفضائل عرفتها البشرية عبر تاريخها الطويل. يقول د. سلطان العميري أن العقل الغربي توجه مع حركة التنوير إلى تقديس العقل الإنساني والإعلاء من قدراته وجعله الميزان الذي يحكم من خلاله على كل شيء، واعتقد الغرب أن القدرة العقلية الإنسانية يمكنها أن تصل إلى الرشاد في كل الميادين الحياتية من غير توجيهٍ من أي مصدر آخر خارج الإنسانية ذاتها [7]. ولما كانت مصلحة الإنسان المادي في تحصيل أكبر قدرٍ ممكن من المتعة والراحة في الحياة الدنيا، تبدلت ثقافة اللباس لتتماشى مع هذه المصلحة. فالخُلق الذي كان من بقايا الدين لم يعد له مكانٌ في حياة هذه الأقوام البتة.

ولنقارن هذا بحياء أمنا عائشة رضي الله عنها ونقاء فطرتها وسلامتها، فقد روي أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرْلاً”، قلت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: “يا عائشة الأمر أشد من أن يُهمهم ذلك”. [متفق عليه]. وسبحان ربنا تبارك وتعالى المتفضل علينا بالتكريم والستر، القائل في كتابه الكريم: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف:26]. فمن فضل الله العظيم علينا تمكيننا من اللباس الساتر للعورات الذي ما فتئ الشيطان يغوي أتباعه بنبذه منذ الجاهلية حتى تمكن من المشركين وجعلهم يتعرون للطواف [8]. وها هو الشيطان اليوم يعيد الكرة ويستخف أتباعه في جاهلية ناطحات السحاب والأجهزة الذكية فيسلبهم أبسط نعم الله تبارك وتعالى عليهم، ويا أسفى على من يستورد تلك الثقافات بكل ما فيها.

وتبارك جلَّ وعلا حين قال في محكم تنزيله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكا} [طه:124]، فها هم الذين نبذوا الوحي يستمرون في الإعراض عن أبسط نعم باريهم عليهم، معظمين شهواتهم نحو تشوه فطري مغلف بالتقدم والتحرر!

ولا حول ولا قوة إلا بالله..

*تسنيم راجح


المصادر:

[1] الحافظ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.

[2] The Ancient Roman Costume and Fashion History, Costume Fashion History

 https://world4.eu/roman-costume-history/

[3]   Phyllis Tortora, Europe and America: History of Dress (400-1900 C.E.)  

 https://fashion-history.lovetoknow.com/fashion-history-eras/europe-america-history-dress-400-1900-c-e

[4] ملاك بنت ابراهيم الجهني، الحريم العلماني..الليبرالي!. قراءات ومقالات فكرية، مركز باحثات لدراسات المرأة، 1436هـ.

[5] Terri Murray, Why feminists should oppose the burqa, New Humanist, Rationalist Assiciation, June 2013

https://newhumanist.org.uk/articles/4199/why-feminists-should-oppose-the-burqa

[6] Mona Eltahawy, Ban The Burqa, The New York Times, July 2009

https://www.nytimes.com/2009/07/03/opinion/03iht-edeltahawy.html

[7] د.سلطان بن عبد الرحمن العميري، ظاهرة نقد الدين في الفكر الغربي الحديث، مركز تكوين.

[8] أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تفسير الطبري المسمى جامع البيان في تأويل القرآن.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد