كورونا والصحة النفسية.. الوباء يبرز آثار غياب الدين عن المجتمعات

image_print

في صبيحة يوم  الأحد السادس والعشرين من شهر أبريل الفائت استفاقت عائلة الطبيبة لورنا برين، رئيسة قسم الطوارئ في مشفى بنيويورك، على فاجعة انتحار ابنتهم الطبيبة المرموقة عن 49 عاماً.

لورنا كانت تعالج المرضى في أكثر الولايات الأمريكية تأثراً بوباء كورونا، حيث وصل عدد الحالات فيها إلى أكثر من 300 ألف حالة في 4 مايو 2020، حسب قناة CNN – وكما يقول والد الطبيبة فإن عملها أودى بحياتها [1].

لورنا ليست الضحية الوحيدة للضغط النفسي المترافق مع وباء كورونا رغم أن حالتها قد تكون الأكثر وضوحاً حتى الآن، فبحسب دراسة حديثة  في مدينة ووهان الصينية فإن واحدا من كل خمسة طلاب بالمدارس يظهر أعراضاُ اكتئابية بسبب إجراءات الحجر الصحي [2].

كما أظهرت دراسة منفصلة في ووهان الصينية أن حوالي نصف العمال في القطاع الصحي يعانون من القلق أو الاكتئاب جراء المرض [3].

إضافة إلى ذلك أعرب مسؤولون في مركز التحكم بالأوبئة في الولايات المتحدة الأمريكية (CDC) عن قلقهم بشأن تزايد حالات الاكتئاب والانتحار جراء العزلة الاجتماعية والقلق والخوف من العدوى [4]، كما توقع أطباء نفسيون في رابطة الأطباء الأمريكيين(AMA)  تزايداً حاداً في حالات القلق، الاكتئاب، إدمان المخدرات، الوحدة، العنف المنزلي وإساءة معاملة الأطفال تزامناً مع الوباء [5].

أما في بريطانيا فقد أصدرت هيئة الصحة العقلية إرشادات عامة للمواطنين للتعامل مع الضغط النفسي والاقتصادي في ظل الوباء ترقباُ للأسوأ [6].

 كل ذلك يجري تزامناً مع وباء عضوي لا يؤثر على العمليات الدماغية، لكن العوامل الكثيرة التي سببها الوباء تتدخل في صياغة أسباب هذا الضغط النفسي ومنها كالخوف من المرض، العزلة الاجتماعية، تدني الوضع الاقتصادي، القلق من المستقبل، إغلاق المرافق الترفيهية كالمولات والمقاهي، إغلاق عيادات الطب النفسي، وغيرها.

وليقيني أن ما منّ الله به علينا من دين هو الشريعة الكاملة التي لم تُغفل من جوانب النفس شيئاً، بدأت بتوصيل النقاط بين مشاهداتي في الغرب، الدراسات العلمية و تعامل الإسلام مع كل ذلك لتضح الصورة الكاملة ويكون لنا فيها عبرة.

القلق من المستقبل ومشاعر عدم الاستقرار والخوف تحديداُ هي أمور لاحظتها بوضوح بين كثير من زميلاتي ومعلميّ في الجامعة. فالوباء الحاليّ أمرٌ مفاجئٌ وغير متوقع لمعظم الأمريكيين الذين اعتادوا الشعور بالسيطرة على حياتهم وأهدافهم وتربَّوا على أنهم يملكون تحقيق غاياتهم إن عملوا بجد ونظموا أوقاتهم بالدقة الكافية.

هذه المفاهيم السائدة في المجتمعات الغربية، رغم أنها تولد انتاجيَّة مادية سريعة، إلا أنها تخلِّف هشاشة نفسية وانكساراً أمام الأزمات التي قد تقلب الموازين وتشعر الإنسان بضعفه. فهؤلاء صُدموا بمحدوديتهم وقلة حيلتهم أمام فيروس لم تتمكن شبكات الأنباء من التنبؤ بخطورته. فجأةً تأخَّر الاقتصاد ونفذ مخزون المحال التجارية من المعقمات والكمامات وغيرها وخسر الكثيرون وظائفهم وأُجبروا على نمط حياة جديد لم يكن في الحسبان. كلُّ هذا أدّى بالناس إلى شعورٍ عارمٍ بالصدمة.

فاجأتني في بداية الأمر ردة فعل زميلاتي غير المسلمات تجاه الوباء، تحديداً ما كنّ يصفنه بعدم التأكد (uncertainty) من المستقبل وما قد يجلبه وكونهنّ على حافة الانهيار إن فُتِح الموضوع أمامهنّ. كنت أقارن ذلك بعقلية الإيمان المطمئنة التي منّ الله بها علينا والتي تُشعر الإنسان أنّه أضعف من أن يملك غده، وكان لسان حالي يقول: ومتى كنّا متأكدين من المستقبل أصلاً؟ شعرت حينها بقيمة المرونة التي يوطنها الإيمان في النفس.

العقيدة الإسلامية تربّي في المؤمن الاعتماد على خالقه تبارك وتعالى وتؤصل فيه حقيقة كونه عبداً لله ينبغي أن يتوكل عليه ويسلم له أمره، فمنه وحده المدد والقوة. تتجلى هذه المعاني بوضوحٍ جليّ في أذكار المسلم اليوميّة التي علّمنا نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم. فإذا أصبح المسلم أو أمسى يقول “حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم”. فيذكر نفسه بأن اعتماده على الله الذي يملك قدره وحده وهو يكفيه في كل أمر من أمور الدنيا والآخرة [7]. وإذا خرج من منزله قال “بسم الله توكلت على الله ولاحول ولا قوّة إلا بالله” مفوضاً أمره لمولاه سبحانه [7] معترفاً بحقيقة عبوديته له فهو المتحكم في كل الخلق مالك الملك. ولنتأمّل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم لما أخذ بمنكبيّ ابن عمر رضي الله عنهما وقال له: “كن في الدنيا كأنك غريب ، أو عابر سبيل”، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: “إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك.” (رواه البخاري)

فالحال الطبيعي أننا لا نملك ضمانات عن المستقبل ونعلم أنّنا لله وإليه راجعون في أي وقت يختاره سبحانه. وقد روي عن الصحابية أمّ سليم رضي الله عنها لما قبض ولدها وأرادت أن تنبئ زوجها بذلك قولها له: أرأيت لو أن قومًا أعارُوا عاريتَهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، أَلَهُم أنْ يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسِب ابنك. (رواه البخاري)

وهذا لا يعني أن التدين الحقّ والتوكل يدعوان لترك الأخذ بالأسباب أوأنهما يبعثان روح الانهزام في الإنسان، بل على العكس، فالنبي صلّى الله عليه وسلم خرج من مكّة إلى المدينة عند الهجرة مستتراً بالليل متخفياً مع صاحبه رضي الله عنه متوجهين جنوباً نحو غار ثور مع أن وجهتمهما كانت يثرب في الشمال. هذا وهو النبي الكريم الذي عصمه الله من الناس، ليعلّمنا أن المسلم يخطط ويأخذ بالأسباب ومن ثم يتوكل على الله الذي يدبر الأمر كيف يشاء.

وقد قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: لو عرف الناس ماهية التوكل لعلموا أنه ليس بينه وبين الأسباب تضاد. ذلك أن التوكل اعتماد القلب على الوكيل وحده، وذلك لا يناقض حركة البدن في التعلق بالأسباب ولا ادخار المال. فقد قال تعالى: “ولا تؤتوا السّفهاء أموالكمُ الَّتي جعل الله لكم قياماً” أي قواماً لأبدانكم. والذي أمر بالتوكل أمر بأخذ الحذر فقال: “خذوا حِذركم” وقال: “وأعدُّوا لهم ما استطعتم من قوة”. فالتوكل لا ينتفي الاحتراز [8]. والحقيقة أنني لم أكن أستشعر نعمة التوكل إلى أن رأيت من يفقدها وشعرت بمقدار الضياع الذي يصيبه إن اختلت القوانين التي ألِفها في الكون. فلله الحمد والمنّة سبحانه.

 من الجدير بالذكر هنا أن كون هذه المعاني جزءاً مهماً من عقيدة الإسلام لا يستوجب ضرورةً أن يستحضرها جميع المنتسبين للدين الإسلاميّ في حال البلاء، فالبُعد عن القرآن وهدي النبيّ عليه الصلاة والسلام ينسي المرء حقيقة وجوده، وفقره وضعفه. وهذا شائعٌ خصوصاً بين من يقيمون في الغرب -كما أشار د. عبد الرحمن ذاكر الهاشمي في أحد دروسه- إذ من السهل عليهم نسبة النتائج للأسباب الدنيوية وحدها وقد يغفلون عن قيمة الاعتماد على الله سبحانه وتفويض الأمر إليه، فمثلا إن قالت شركة أمازون إن الطرد سيصل في اليوم الفلاني، فهو حتماَ سيصل! ويغيب عن الذهن بسهولة استحضار معية الله؛ خصوصاً مع نمط الحياة السريع الصاخب. لذلك كان الذكر والتواصي بالحق والصبرمن الضرورات الأساسية في حياة المسلم.

الأمر الآخر الذي وجدته سبباً للأزمات النفسية في ظل الوباء هو بروز الأسئلة الوجودية لم تعد المُلهيات كافية لإسكاتها، ومن أهم هذه الاسئلة مشكلة وجود الشر وتحديداً الأوبئة في العالم.

الإنسان في الغرب قبل أزمة كورونا توهّم أنّ الشر لن يصل إليه لأنه في موضع قوّة وعلم بالنسبة لغيره، فهو في بلاد متقدمة عسكرياً، غنيّةٍ ماديّاً وتملك كافة أشكال الترفيه والمتعة، ومن هنا كان بروز وباءٍ لا يقدر الناس على احتوائه سبباً في شعورهم بالتهديد، وبالتالي اضطرت النفوس مواجهة مشكلة الشر. بدأت التساؤلات حول أصل الشر وسببه وغير ذلك، وبينما قابلت نسبة كبيرة من الناس هذا الاشكال بالهروب إلى وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات الأفلام أو الألعاب الالكترونية، وجد آخرون أنفسهم مجبرين على مواجهة الواقع، فكان التعب النفسي. فالجهل يولد الخوف وهذا يتزايد مع الوقت إن لم يجد الإنسان مايشبع به تساؤلاته.

وجدت هذا بشكل واضح في مقالات تتحدث عن العاملين في القطاع الصحي وكيف صدمتهم قسوة الوباء والموت وشعروا بقلة حيلتهم غير الاعتيادية أمام ذلك مما أدى بهم إلى الشعور بالعجز والإحباط الشديدين [1].

لا أنكر هنا صعوبة التعامل مع وباء عالمي مثل فيروس كورونا المستجد ولا أقلل من قيمة ما يفعله من يعمل في القطاع الصحي، بل نحتسبهم في سبيل الله إن كانوا من أهل الإيمان، ولكن كل ذلك ينبغي أن يُعتبر في ضوء قوله تبارك وتعالى {ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصّابرين}، فالله أخبرنا أنه لابد أن يبتلي عباده بالمحن ليتبين الصادق من الكاذب والصابر من الجازع وهذه سنته تعالى في عباده لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان ولم يحصل معها محنة لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر [9].

فالمؤمن لا يتفاجأ بالمحن لأن الله أخبره أنها قادمةٌ لا محالة وأنها لخيرٍ حتى وإن كان ظاهرها شراً، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال -وهو الذي لا ينطق عن الهوى: “عجباً لأمر المؤمن إن أمره كلّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له” (رواه مسلم).

فسبحان من منحنا أكبر نعمة وتفضل علينا بما لا يسعنا شكره إذ قذف في قلوبنا الإيمان، وله الحمد أن أرانا واقع من يعيش بلا هدي القرآن إذا امتحن أو أصيب كيف يكون. فكلّ زخرف الحضارة الغربية لا يساوي شيئاً مقابل لحظة طمأنينة في النفس لقضاء الله تبارك وتعالى وقدره. نسأله أن يهدينا ويهدي بنا، ويجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

تسنيم راجح
أخصائية بالتغذية العلاجية في سانت لويس وعضو في أكاديمية التغذية الأمريكية


المصادر

1- https://www.washingtonpost.com/nation/2020/04/28/nyc-doctor-lorna-breen-coronavirus/

NYC emergency doctor dies by suicide, underscoring a secondary danger of the pandemic, Washington Post

2- https://jamanetwork.com/journals/jamapediatrics/fullarticle/2765196

Mental Health Status Among Children in Home Confinement During the Coronavirus Disease 2019 Outbreak in Hubei Province, China, Journal of The American Medical Association

3- https://jamanetwork.com/journals/jamanetworkopen/fullarticle/2763229

Factors Associated With Mental Health Outcomes Among Health Care Workers Exposed to Coronavirus Disease 2019, Journal of The American Medical Association

4- https://www.cdc.gov/coronavirus/2019-ncov/daily-life-coping/managing-stress-anxiety.html Coronavirus Disease 2019 (COVID-19), Stress and Coping, CDC

5- https://jamanetwork.com/journals/jamainternalmedicine/fullarticle/2764404

The Mental Health Consequences of COVID-19 and Physical Distancing. The Need for Prevention and Early Intervention, Journal of The American Medical Association

6- https://mentalhealth-uk.org/help-and-information/covid-19-and-your-mental-health/

Managing your mental health during the coronavirus outbreak, Mental Health UK

7- شرح حصن المسلم .سعيد بن علي بن وهف القحطاني.

8- تلبيس إبليس. الإمام ابن الجوزي

9- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي

 

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد