زيني محمد لامين
كرة القدم رياضة من الرياضات التي توضَع ضمن حقائب التّسلية والتّرويح عن النفس والفرجة الماتعة سيّما لعشاقها، لاعتبارات عدة منها عنصر التّنافس الواجد بالأساس على عشبها الأخضر، والماكينة العالمية القادرة ماديًّا ومعنويا التي تقف وراء رواجها والتي بالضرورة من سلالتها هذه الأنظمة الريعية المشكلة في عالمنا العربي، منها الفراغ النفسي الطَّبعي الذي يولد به الإنسان، كذلك حب التسلية الجبلي، ثم إنّها تجلب قدرًا من الترفيه والنشوة لكلا طرفيها ” الملاعب” والمشاهد “المشجّع” سواء من خلال الشاشات أو بشكل مباشر من داخل مبانيها المهندسة ببراعة معمارية تشدّ الانتباه حدّ الإبهار.
الكرة من رياضات هذا العالم العديدة، تعود ملكية اختراعها إلى الغرب بخاصة الإنجليز الذين يعود لهم الفضل في تزويد هذا العالم المرفّه بما يخدم رفاهيته أكثر فأكثر، بما يُزوِّد بنكه الترفيهي، وهذا الأخير “الترفيه” جزء أصيل في الإنسان بشكل عام، ولا يمكن أصلا مناقشته من باب الحجر، أو القمع وكما أسلفنا “كرة القدم” تتموضع ضمن الترفيه وبالتالي يمكننا أن نسأل ما الإشكال في موضوع الكرة وهي ضمن ما لا يمكن حجره ولا قمعه؟ أين الإشكال فيمن يسعى خلف كرة القدم من أجل الفرجة الماتعة، ولحظة الفانتازيا التي تصنعها كرة القدم لجماهيرها؟ ما الإشكال في هذه الرياضة الأوسع شعبيًّا وجماهيريًا؟ أين الخلل في متابعة مجريات كرة القدم أول بأول؟ ما علاقة رياضة تنظر إليها شريحة عريضة من الناس على أنها مجرد تسلية لا أكثر ولا أقل بموضوع التفاهة؟
مقدمات أولية
قبل أن يصول حديثنا داخل إشكالات التسلية بكرة القدم ننبّه إلى مفارقة مذهلة لدى ما يطلق عليه اصطلاحا عالم ثالث، أو على الأرجح وطننا العربي ومن ثمة على ما يظهر عليه من هستيريا بهذه اللعبة إلا أنه منذ التأسيس لكرة القدم لم يتوّج أي فريق عربي بكأس العالم، أما على مستوى تقييم الأداء الاحترافي للاعبين فلا مجال للمقارنة بين لاعبي الدول المتقدمة خاصة أوروبا وبين لاعبي وطننا العربي، لذا لا غرابة في الاهتمام بالكرة الأوربية دون سواها، ولو نظرت بمنظار الأخلاق ستجد كفة ميزان الأخلاق تميل لصالح ذات الدول، وعليه سترى ثقافة التجمهر والاحتشاد من احترام، وتنظيم، وتنوع بشري، ولباقة، روح رياضية ناصعة بين الأفرقة المتنافسة والجماهير المناصرة.
في المقابل فإن “شطّنا العربي” -حتى وقت قريب- ما تزال بعض بلداننا فيه غير قادرة على أن تحافظ على سلامة زمن المباراة المخصص لها، نتيجة الشغب والشغب المقابل والعنف المتقاسم بين الجماهير المشجعة. مفارقة ضمنيّا، وظاهريا تنعت حجم إنسان وآخر واقع وآخر، تدق جرس الخصوصية لمن يمكن أن يعي تخبر أيضا أن كماليات ما بعد الحضارة تتطلب وعي متّقد.
إشكاليات التسلية بكرة القدم
عندما تتحول كرة القدم من مادة للتسلية إلى خطر إدمان يهدّد فاعلية الإنسان ويسرق أثمن ما يملك (الوقت).. لعله لا مشكل لدى أي إنسان يعيش بطبيعته مع التسلية، فكل إنسان له كامل الحق في أن يفرح ويترفّه، ويتسلّى كما يشاء، إلا أن المهم ألّا ينتج عن ذلك أذى له أو لغيره، ومن مسألة الأذية هذه للذات وللغير نسأل ألا يمكن أن يتأذى الذي يجري خلف كرة القدم من منطلق كونها تسليةً؟
نجيب ونقول بالطبع قد يتأذى أشد الأذى؛ لأننا نعتقد أن من يَسلب منك وقتك بلا مقابل نفعي دنيوي، أو أخروي كمن يُعجّل عليك بقرار الخسران قبل أوانه، فرياضة القدم عندما تتحول من ممارسة جسدية إلى جلوس أمام مختلف الشاشات بكامل الوقت، فإنها تصبح خطرًا حقيقيًّا يهدد أي متلبس لدور مشاهد أو مشجع، وعندما ترمق شابا ليلا نهارا يُقلب بين الشاشات الرياضية الوفرة تحت غطاء التسلية هنا يمكنك أن تناقش معنى التسلية وتخاطب معنى الإدمان، أي الإدمان الذي لا يجني منه صاحبه سوى معلومات لا تكاد تكون ذات قيمة، وقد نشتط في حق التفاهة إن وصفناها بذلك، فهي معلومات تتعلق بممارسي هذه الرياضة وهواياتهم، ومهاراتهم، وإنجازاتهم، وتنقلاتهم بين الأندية، وأجورهم ، وقصورهم، وحياتهم الاجتماعية والشخصية ناهيك عن صفات شعرهم، وهندامهم إلخ.
كم من شاب بيننا لا يبارح شاشات الرياضة داخل البيت، وفي المقهى، وفي الشارع، وفي النادي وفي صالة الحلاقة، وربما في أي مكان يسند فيه ظهره.
ماذا يسمى هذا يا ترى؟ أليس هو الإدمان بجبروته؟ وماذا بعد هذه الصور المؤسفة التي نادرا ما يسلم منها شباب أمة بين الأمم أحوج ما يكون إلى عنصر الفتوة الشباب؟
أما الذي استثمره “الآخر” فهو الوقت حيث سطّر الحضارة المبهرة، ومن ضاع وقته في توافه الأمور، فهو المتسمّر أمام الشاشات، من استغلّ وقته فيما لا ينفع تكوينه، ونهضة مجتمعه.
بكل تأكيد فإنه لا إشكال في ممارسة كرة القدم رياضة وهواية، بل ندعو إليها كنشاط يصنع الصحة والعافية، أما مشكلتنا فهي مع تحويلها من تسلية عابرة إلى جلوس دائم على الشاشات الساعات الطويلة.
إشكالية إطلاق الترفيه
بالتساوق مع ما سلف نستمر بالتأكيد أنه لا إشكال في عنصر التسلية، لكن الإشكال بالإضافة إلى الجلوس أمام الشاشات، إطلاق الترفيه بحيث نصل لثقافة لا تعترف بالحدود الزمانية والمكانية للترفيه، أي الترفيه مطلق في كل حين ومكانٍ، في أربع وعشرين ساعة، وكأنها هديّة مجانية للفرجة فحسب، لا شيء يمكن أن يعكر مزاجها ولو كانت أحلك وأمر الظروف.
خذ مثالا ما يحدث في فلسطين من إبادة بحق شعبها من نازية العصر، فالمترفّه بإطلاق الترفيه، لا يعنيه ما يحصل هناك، لأنه قد سخّر باله ووجدانه طوعا لكرة القدم، ومن ثمة فليحترق العالم، فالأهمية لديه هو متابعة لحظة الفانتازيا التي تصنعها مَشاهد كرة القدم.
هنا يتجلّى مدى ما يمكن أن يتسبّب به الترفيه، كيف يمكن أن يبدد الإنسانية بداخلنا، زأن يكبل الإنسان ويحوله إلى اللاإنسان، هذه من الإشكاليات الحقيقة النّاجمة عن إدمان الشاشات الرياضية التي تتطلب من المدمن أن يتفطن إلى حاله فيستدعي على عجل إسعاف الوعي ليبرأ رشده الإنساني.
سؤال الخصوصية
لا يخفى على أحد منبت كرة القدم، فقد نشأت في بلاد بيننا وبينها مسافات بعيدة وطويلة حقيقةً لا مجازًا، ولا يخفى كذلك كيف عبَرتْ هذه الدول وكيف صنعت حضارة لا نظير لها من حيث مجد الإنسان، وقدرته الرّهيبة.
الحكمة ضالة المؤمن، وما يترتب عليه هو البحث عنها، لكن هل حققنا ذلك فعلا؟ لقد قامت أوروبا بالعقول لا بالأقدام، لأن الأقدام خطوة تالية ضمن مرحلة الرفاه، وهي اليوم صانعة لحضارة ما، ويجوز لها أن تستمتع وتترفه فيها، وأن تبدع المسلّيات، فتلك ثمرة حتمية لما بعد النهوض، إلا أننا اليوم أبعد ما يكون عن الرفاه، بل تعنينا الحكمة، لكننا عبرنا إلى خطوة الأقدام دون الوقوف لدى العقول، حتى وصلنا إلى درجة الهوس بها!
كرة القدم ونظرية المؤامرة
تجعل شاشة كرة القدم من مدمنها إنسانا ضحل العقل، هش الفكر، أما الثقافة فلا تعليق -كما يقال-، يتعمّق في حبكتها إلى أن يعانق السطحية والتهريج.
خذ على سبيل المثال لا الحصر هذه الواقعة لتعرف مدى عمق القاع الذي ينزل إليه مدمن الساحرة المستديرة!. في يوم من أيام هذه الحرب الطاحنة لغزة كنت في صالون حلاقة، وأنظارنا مصوبة تجاه أخبار شاشة الجزيرة، نتابع بحزن شديد الدرجة خبر استشهاد أنس الشريف، وإذ دخل علينا أحدهم، فطلب من صاحب المحلّ أن يغير المحطة، فسألناهُ بوجع وقهر الكارثة: لِمَ؟.
فقال: هذه قناة كاذبة، والمسألة لا تتعدّى كونها مسرحية، والخبر عار عن الصحة في كل حيثياته.
طبعا فإن صديقنا هذا من مدمني الساحرة المستديرة -وليس كل مدمن لها مثله بكل تأكيد- لكني من أثر الصدمة سألته مع أنني عادة لا أنطق في هكذا أجواء دائما ما تطبعها الفوضى العامة، خاصة إن تعلّق الحديث بما يماثل السياسية، لكن صوت الجهل الناعق أجبرني على كسر العادة: وما الصحيح بالنسبة لك؟
ردّ: هذا الصحفي على قيد الحياة لم يقتل، حتى اسمه مجهول لدى الناس!
وماذا عن هذا الدمار والخراب الماثل؟ لا أساس له.
هنا تصببّ العجب عرقا ثم أردف ضلالات عديدة يتلوها القسم بأن كل ما يحدث مجرد مؤامرة كبرى!
استفحلت الصّدمة، ثم قاطع حديثنا بأن ألح على تغيير المحطة وأن يشاهد ما استجدّ في الساحرة المستديرة، وكأن مدمن شاشات الساحرة، ميت واقعا، ومنفيّ خارج دياره وأمته!
هذا نموذج مما قد نبتلى به نتيجة إدمان شاشة المستديرة، طغيان السطحية والتفاهة ولخبطة بيّنة على مستوى ترتيب الملفات، ومنه نلاحظ أنّ كرة القدم ليست معبرا للتفاهة والسذاجة فقطـ، بل زد على ذلك أنها تربة خصبة لنبات نظرية المؤامرة والأخيرة لا تستحوذ إلا على هيّني العقول محدودي الفكر موتى الثقافة، والشاشة الرياضة فضاء لتحقيق ذلك.
