فتور العبادات بعد شهر الصيام.. دعوة لشد الهمم في كل الشهور

image_print

بين حزن الفراق وفرحة العيد ودَّعنا منذ أيامٍ قليلة شهر الخير والبركة والصيام والقيام، شهر رمضان الذي منَّ الله به علينا ليمنحنا فرصة الاقبال على بابه وتجديد صلتنا به تبارك وتعالى. رمضان الشهر المبارك الذي تصفد فيه الشياطين وتفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار. وكم من مذنب فينا ومخطئ انتهز تلك الأيام والليالي ليجتهد لآخرته ويقدم لنفسه راجياً عفو مولاه الكريم، فلما بلغ العيد استشعر الفرح برحمة ربه، وحقَّ له {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]. وها نحن أولاء الآن أمام اختبار العودة لروتين الحياة المعتادة، فهل نحافظ على مكاسب الشهر الفضيل بعد أن تركتنا روحانياته؟ أم نرجع إلى نقطة البداية ونكون كمن عبد أياماً معدودات لا ربَّ كل الأزمنة والأوقات جلَّ وعلا؟

مراجعة للنفس بعد رمضان

لو أن شريكين دخلا تجارة ضخمة وضعا فيها كل أموالهما، أليس من الطبيعي لهما أن يحددا مواعيد للمحاسبة المكشوفة وتقييم الربح والخسارة كل مدة؟ ألا نتوقع منهما دقةً عالية في محاسبة بعضهما خوفاً من أي خطأ أو تفريط؟ فإن كان التجار يحرصون على مراقبة معاملاتهم وهم جلَّ ما يخشون خسارته مالٌ قليل في ميزان الله، فكيف بنا ونحن نتاجر بأنفسنا ونعرضها لاحتمال شقاء أبدي لا قدر الله؟ فكلنا في بيع وشراء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها” [رواه مسلم].

وقد قال الإمام الغزالي رحمه الله: إن رأس مال العبد في دينه الفرائض وربحه النوافل والفضائل وخسرانه المعاصي. وموسم هذه التجارة جملة النهار وشريكه نفسه فليحاسبها على الفرائض أولاً ثم النوافل وليستقصي حالها أمام المعاصي. وكما أنه يفتش في حساب الدنيا عن الحبة والقيراط فيحفظ مداخل الزيادة والنقصان حتى لا يغبن في شيء منها فينبغي أن يتقي غبينة النفس ومكرها في كل ساعة من النهار [1]. قال تبارك وتعالى: {يا أَيٌّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلتَنظُر نَفسٌ مَّا قَدَّمَت لِغَدٍ, وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ} [الحشر:18]، أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وانظروا ماذا ادّخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم [2].

ولما كان رمضان موسماً للاجتهاد في العبادة؛ كان حرياً بنا أن نختلي بأنفسنا بعده فنقيم ما قدمناه وبأي حال خرجنا منه لنكون على بينة وبصيرة من أنفسنا ولا نقع في فخ الفتور بعد الشهر الكريم. وقد قسم ابن القيم رحمه الله محاسبة النفس بعد العمل إلى ثلاثة أنواع: أحدها محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي، وثانيها المحاسبة على كل عمل كان تركه خيراً من فعله، وثالثها المحاسبة على أمر مباح أو معتاد، لِمَ فعله؟ وهل أراد به وجه الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحاً، أو أراد به الدنيا وعاجلها؟ فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به [3].

وأرى والله أعلم أننا بعد رمضان بحاجة لاستحضار أنواع المحاسبة الثلاث السابقة. فلنسأل أنفسنا إن كنا أدينا الصيام على الوجه الذي يرضي الله تعالى عنا. هل أمسكنا جوارحنا عما لا يرضي الله؟ هل كان صيامنا حجة لنسرف في الطعام والشراب ونثقل أجسادنا بما لا ينفعها؟ هل أدينا صلواتنا بخشوعها وآدابها؟

ومن ثم لنتفكر في ترتيب أولوياتنا في رمضان، هل أعطينا كل ذي حق حقه؟ أم انشغلنا عن أصحاب الحقوق علينا من ولد أو زوج أو والدين بحجة أن الصيام أرهقنا؟

أما في نوع المراجعة الثالث فلنتفكر في مفهوم العادات والعبادات لنعلم إن كان عملنا لله أم اتباعاً للعرف المعتاد. هل صمنا لله حقاً أم لأن الصيام جزءٌ من روتين عائلتنا السنوي؟ هل صلينا التراويح ابتغاء مرضاته سبحانه أم لأن الناس حولنا صلوا والروحانيات الرمضانية كانت لطيفة فصلينا؟ هل ابتغينا من السحور اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم أم أنه تقليدٌ أعاد ذكريات من الطفولة فحسب؟

هل تتحول عباداتنا إلى عادات؟

إن المكاشفة السابقة تفتح أمام النفس باباً من التفكر في كثير من العبادات المفروضة والتي صارت تؤدى بدون تفكر أو تدبر..

فلما فصل الناس علاقتهم بربهم عن بقية جوانب حياتهم تحولت كثير من عباداتهم إلى عادات اجتماعية أو ثقافية، بينما المسلمون الأولون عرفوا معنى العبادة فكانوا عباداً لله حقاً وكان وصف العبودية جلياً في حياتهم وجميع أعمالهم، بل كانت عاداتهم عبادات..إذ كانوا لا يتحركون ولا يسكنون إلا ويستشعرون رضا الله حتى أصبح ذاك الشعور محور تحركهم [4].

وموضوع تحول العبادات إلى عادات طويل وذو مسببات متعددة لن أفصلها في هذا الموضع، لكنني أورده لأنه من أهم أسباب الفتور العبادي بعد رمضان، وقد يكون مما يغفل المرء عنه. فقد يستشعر المسلم فراغاً أو بعداً مفاجئاً عن درب الإيمان بعد انقضاء رمضان وانصراف الناس عن المساجد والجماعات ولا يدري ما السبب، وقد يجد نفسه فجأة لا يندفع لقيام الليل كما كان في التراويح، وقد يكون السبب أنه إنما أتى بالطاعات في رمضان للتقليد والتماشي مع الجو المحيط الذي دفعه للصوم والصلاة وربما إنهاء ختمة أو أكثر من القرآن، بينما قلبه لم يستشعر حقيقة القرب من الله ولم يختلِ بمولاه في دعاء ولا قيام. وهذه حالٌ منتشرة شائعة في كثير من المسلمين الذين لم يتربوا إلا على ظاهر العبادات دون فهم لبها ومقاصدها، فاعتادوا التعامل مع العبادات المفروضة كقائمة من المهام اليومية التي ننهيها لنستريح منها ثم نفرغ للحياة الدنيوية، فلا الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولا الصوم يهذب النفس ولا تلاوة القرآن تولد الخشية والرجاء.

ومما يزيد الوضع سوءاً اليوم التفريغ الممنهج للعبادات والشعائر من معناها بواسطة وسائل الإعلام العلمانية، فرمضان لديهم موسمٌ لشراء الفوانيس والملابس التقليدية وتحضير وصفات الطعام المبتكرة والإبداع في تزيين البيوت وتجميلها، هذا عدا عن استغلال الشهر لتسويق المنكرات وجعله موسماً للمسلسلات والبرامج الهزلية، فكيف لمن فتح لهذه المدخلات باباً إلى نفسه أن يستثمر رمضان أو أن يتغير بالعبادة فيه؟

استراحة المحارب؟

قد يقول قائل هنا: جميل، لكن كل ما سبق لا ينطبق علي. لقد اجتهدت لله فعلاً في رمضان، وتوجهت له مجاهداً نفسي وشهواتي، لكنني الآن آخذ استراحة المحارب بعد أن قطعت شوطاً متعباً في التقرب إلى الله.

وللرد على ذلك أقول: تقبل الله منا ومنكم صالح العمل والطاعات، وله الحمد أن وفقنا لما عملنا، وسبحانه ما أعلمه بنفوسنا فهو الذي جعل لنا عيداً بعد شهر الصيام لنفرح ونحتفل بما عملنا ونروح عن أنفسنا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: “للصائم فرحتان، فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه” [رواه مسلم]. فالفرح في العيد عبادة في ذاته، لكننا مع الفرح نستشعر منة الله علينا أن وفقنا لطاعته فهو الغني ونحن الفقراء إليه، فلا يتسلل إلينا وسواس من الشيطان أن نمن على أنفسنا بما قدمناه ونضيّع لأجله أياماً وليالي في بعدٍ عن الله سبحانه، فكم ممن أحبط عمله باتباعه بالمعاصي. فالترويح مقبول إن لم يضيع ما بناه المسلم قبله، والحياة كلها مضمار للعمل والطاعة في كل أيامها وشهورها. وسبحان القائل: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99].

ويروى عن الحسن البصري قوله “ياابن آدم إنما أنت أيام كلما ذهب يومٌ ذهب بعضك”.

جنةٌ بديعة وإعصار فيه نار

قال تبارك وتعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: 266].

في الآية مثلٌ واضح جليٌ يصوره تبارك وتعالى، فهذا رجل له جنة بديعة فيها من خير الشجر والثم، ثم لما صار كبيراً ضعيفاً في أمس الحاجة لماله أتى جنته إعصار محرق أفناها، وله وأطفال ضعفاء لا يقدرون على إعانته. يقول ابن عباس: إن الآية ضربت مثلا للعمل، يبدأ المرء فيعمل عملا صالحًا، فيكون مثلاً للجنة التي من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار، له فيها من كل الثمرات، ثم يسيء في آخر عمره، فيتمادى على الإساءة حتى يموت على ذلك، فيكون الإعصار الذي فيه النار التي أحرقت الجنة مثلا لإساءته التي مات وهو عليها. فالجنة التي هي عيشُه وعيش ولده احترقت، فلم يستطع أن يدفع عنها من أجل كبره، ولم يستطع ذريته أن يدفعوا عن جنتهم من أجل صغرهم. وكذلك لا يستطيع أن يدفع عن نفسه من عذاب الله شيئًاً  لأن باب التوبة يغلق بالموت [5]. ولا احد يدري متى ساعته أو أي يوم يكون آخر أيامه، نسأل الله حسن الختام.

ولقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندعو الله أن يثبت قلوبنا على دينه [رواه الترمذي بإسناد حسن]، فنحن لا نملك أن نؤجل الطاعات أو الإنابة إلى الله لأن الهداية بيده سبحانه، فلا نعلم إن أعرضنا عنها اليوم أن الله سيمن علينا بها غداً، فهو تبارك وتعالى القائل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24]. فالله جلّ وعلا أملك لقلوب عباده منهم, وهو يحول بينهم وبينها إذا شاء, حتى لا يقدر ذو قلب أن يُدرك به شيئًا من إيمان أو كفر, أو أن يَعِي به شيئًا, أو أن يفهم، إلا بإذنه ومشيئته [5].

نسأل الله تعالى أن يمنّ علينا بهدايته فيمن هدى، وأن يثبت قلوبنا على طاعته إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

والحمدلله رب العالمين.

تسنيم راجح
أخصائية بالتغذية العلاجية في سانت لويس وعضو في أكاديمية التغذية الأمريكية


المصادر:

[1] أبو حامد الغزالي. إحياء علوم الدين

[2] ابن كثير. تفسير القرآن العظيم

[3] ابن قيم الجوزية. إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان

[4] د. محمد أبو الفتح البيانوني. تحول العبادات إلى عادات وأثره في حياة المسلمين

[5] تفسير الطبري

 

 

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد