عندما يتطرّف اللُّطف

بعد أن طغت الثقافة الليبرالية العلمانية وصار الناس يحتكمون إلى قيم الحداثة والمدنية ويحاكمون الدّين وفقاً لمبادئها صار من الطبيعي أن نسمع كلَّ يوم صيحاتٍ في شتى مجالات العلم والفكر والحياة تنادي بأفكار جديدة وتطلع بفُهومٍ مبتكرة لم يكن لمن قبلنا قدرة على الوصول إليها وأنّى لهم وهم المحتكمون لشرع الله والمنقادون لثقافةٍ يحكمها الإله؟!!

واستدراكاً على ما سبق لا يُفهم من كلامنا أنّا نقدّس القديم ونستنكر الحديث فمعيارنا في أي حكم هو ما يقودنا إليه العقل السليم المستنير بالوحي والمسترشد بالتجارب والمتّكل على أصول المنطق الصحيح.

وليس المجال التربوي ببعيدٍ عن تلك الفُهوم المبتدعة بل لعلّه أكثر مجال قال فيه من لا يعرف وهرف فيه مقدّماً تجاربه وظنونه وتخميناته أو متعته. ولست ها هنا من المختصين ولا أدّعي، لكنّ مسألةً استطارت فيها التربية الحديثة تطرّفاً في اللطف المقابل للعنف الممنوع عن الأطفال؛ إذ وصلت إلى عقيدة الإيمان بالله ففصّلتها على مقاس الطفل كما يدّعون استحثّت في عقلي الناقد أسئلةً شتّى أضعها بين أيديكم لعلها تجد صدى في قلوب مؤمنة بالله وعقول غيورة على دينه.

الله محبة
يرى أبناء الاتجاه الحديث في التربية أن القيمة العليا التي ينبغي أن تزرع في قلب الطفل تجاه الله هي “الحب” فأن يحب الله الطفل متوسلاً بنعمائه التي طالما غمرنا بها وبرحمته التي تشملنا وبفضله الذي يسعنا يعني أن يتعلق قلبه بالله فيمضي في الحياة على سبيل الله.. ولا نماري في صحة هذا الكلام جزئياً؛ لكنّ تحول هذه الفكرة إلى معيارٍ مقدس تحتكم إليه كلُّ فكرة أخرى تُقدّم للطفل عن الله؛ إذ صار كثيرٌ من التربويين ينصحون بتغييب فكرة النار عن الطفل كي لا يخاف وينفر من الإله (الكيوت) الذي يريدون صنعه لأطفالهم إذ لا يمكن للإله المحبوب أن يعذب أحدا في النار بل لديه جنة تسع المخلوقات جميعاً! هذا التحوّل هو الدافع إلى هذه المقاربة التي تريد انتقاد الفكرة التي وصلت بأصحابها إلى القول بعدم تحفيظ الطفل أياً من آيات الله التي تصف عذابه أو ناره.

تناقضاتٌ صادمة:
تقدم هذه الفكرة سلسلة تناقضات قد تنفر الطفل من الله بدل أن تحببه إليه وذلك من خلال أنها:

* ترسم في ذهن الطفل صورة الإله (الكيوت) فإذا كبر أو اطلع بطريقة أو بأخرى على فكرة النار والعقاب والحساب وقع في صدمة أهم دعائمها تردد الأم وخوفها من اطلاع طفلها على هذه الحقيقة التي تجعله ينفر مما تخجل أمه ربما من إظهاره له!

* تقدم للطفل صورة الإله الضعيف إذ إننا لا نعيش في عالم تسوده العدالة ويحكمه السلام بل نعيش في عالم يسوده الظلم ويحكمه الطغيان، وبدل أن نقنع الطفل بالعدالة الإلهية التي تقتص من الظالم في الآخرة، إذا هي لم تفعل ذلك في الدنيا، فإن علينا كما يقول اللطف المتطرف أن نقدم له تلك الصورة الناقصة عن الله؛ فهو الذي خلق هذا الشر المستطير وترك كل هذا الظلم يطغى، ثم لم يقدم ميزانه كفة الحساب والعقاب لتستوي قيمة العدالة في الكون تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

كيف يمكن أن نخفي حقيقة العدالة الإلهية عن طفل لا يجد أبرد على قلبه من لجوئه إلى جبار السموات والأرض كي يقتص ممن هدم دياره وشرد أهله وقتل أباه أو أمه أو كل عائلته؟ كيف نخبئ حقيقة القدرة الإلهية عن طفل لا يجد أقوى من سهام المظلوم يرسلها دعوات على من سرق سعادته وشتت شمل نفسه؟! كيف يمكن للطفل أن يحب إلهاً لا يقيم العدالة ويعطي كل ذي حق حقه؟!

* تغفل هذه النظرة أهمية الخوف من الله الذي يمثّل رادعاً قوياً للنفس الإنسانية عن ارتكاب المعاصي ولولاه لوقع ابن آدم في بحر لجيٍّ من الخطايا.. ولأجل إخفاء هذه العقيدة يعمد أصحاب هذه الفكرة إلى كتم آيات العذاب ظناً منهم أنهم بذلك يجمّلون صورة الله في عيون أطفالهم، وينسى هؤلاء أن أجيالاً من الرعيل الأول كانوا يُستحفظون القرآن الكريم كاملاً بترغيبه وترهيبه، وكثيرٌ منهم يُتمُّ ذلك في السابعة أو الثامنة من عمره فلا تزداد قلوبهم المؤمنة إلا إيماناً، ولا تزداد نفوسهم المصدّقة إلا تعظيماً، فهل الهدف غرس العقيدة أو تضييعها؟

 كما يغفلون عن أن ميزان الترغيب والترهيب في القرآن الكريم دقيق يأخذ النفس الإنسانية بالتربية السليمة حتى تبلغ التسليم الذي بلغه الأنبياء الذين لم يكتفوا بالحب بل كانوا كما قال سبحانه: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [سورة الأنبياء: 90].

ويربكني أن أفكر أننا قد نربي جيلاً كاملاً بدون عقيدة الخوف من الله فنُصدم بقلوبٍ متمرّدة لا تعظّم الإله ولا تخشاه، وتتطرّف في اللطف ميوعةً أو في الضلال استهتاراً.

أجل، ليس من الصحيح ترهيب الطفل من الله وتخويفه من الاحتراق بالنار على كل صغيرة وكبيرة، لكنّ إلغاء هذه العقيدة وكتم آياتها في المقابل ليس صحيحاً، بل إنّه لا يليق في تعريف الطفل على جبار السموات والأرض.

فليعرف أبناءنا الله يحبّونه كما أحبّهم واختارهم مسلمين، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، ولنغرس في قلوبهم الرغبة والرهبة فلا يميلوا إلى أي طرف حائرين، وليرَ أبناؤنا في عيوننا تعظيم الله ومحبته، وفي سلوكنا الخوف من الله وتجنب محارمه، فيكسبوا هذه العقيدة الصحيحة التي جاء بها الأنبياء جميعاً؛ ملّة أبينا إبراهيم هوسمّانا مسلمين.