طائفة البهرة.. التأويلات الباطنية للقرآن (3 من 3)

د. سامي عطا حسن


ذهبت الإسماعيلية ومنهم البهرة، إلى أن لكل شيء ظاهر محسوس تأويلا باطنيا لا يعرفه إلا الراسخون في العلم، وهم الأئمة الذي يودعون هذا العلم الباطن السري لدى كبار الدعاة بقدر مخصوص، بل قالوا إن التأويل الباطن من عند الله، خص به علي بن أبي طالب، فكما أن الرسول صلى الله عليه وسلم خُص بالتنزيل، فكذلك علي كرم الله وجهه خص بالتأويل، واستدلوا على ذلك بقصة نبي الله موسى عليه السلام مع العبد الصالح المذكورة في سورة الكهف، وكيف أن موسى وهو نبي مرسل من أولي العزم، لم يمنحه الله علم الباطن، بينما منح هذا العلم إلى الرجل الصالح وهو ليس بنبي.

وبالرغم من قولهم إن التأويل من عند الله، نراهم مرة أخرى يقولون إن التأويل من خصائص حجة الإمام أو داعي دعاته، ومع ذلك نجد تأويلاتهم تختلف باختلاف شخصية الداعي الذي إليه التأويل، وباختلاف موطنه وزمن وجوده.

فإذا قرأنا تأويلات الداعي منصور اليمن قبل ظهور الدولة الفاطمية بالمغرب، نجد أنها تميل إلى الغلو، ولا تختلف في مضمونها عن تأويلات الفرق الغالية المندثرة، وتأويلات دعاة فارس تختلف عن تأويلات الدعاة الذين كانوا بالقرب من الأئمة بالمغرب، ففيها التأليه الصريح للأئمة، وفيها طرح الفرائض الدينية، فتأويل الصلاة عندهم هو الاتجاه القلبي للإمام، وتأويل الصوم هو عدم إفشاء أسرار الدعوة، وتأويل الحج هو زيارة الإمام. وهكذا ينتهي بهم التأويل في فارس إلى طرح كل أركان الدين، بخلاف ما كان عليه الأمر في المغرب إذ لم يصرحوا بهذه الآراء إلا في كتبهم السرية.

فمثلا قال الداعي بالمغرب في تأويل قوله تعالى: {والفجر وليال عشر والشفع والوتر} إن الفجر هو على بن أبي طالب، وكل إمام بعده. والشفع والوتر هما الحسن والحسين. ولكن الداعي في مصر أول هذه الآية بأن الفجر هو المهدي المنتظر، أي قائم الأئمة وخاتمهم، لأنه يظهر بعد انتشار الضلال، كما أن الفجر يأتي بعد شدة الظلام.

ونقول إن هذه التأويلات فاسدة، لأنها مخالفة لمنطق اللغة، وضوابط التفسير التي أجمع عليها ثقات العلماء والمفسرين، ولا يوافق عليها النقل الصحيح، ولا العقل الصريح، فهؤلاء اعتقدوا أشياء في أذهانهم، وآمنوا بمذاهب وأفكار معينة، وأرادوا إخضاع آيات القرآن لها لتدل على مزاعمهم.

ونظرة إلى تفسير “مزاج التسنيم” لمفسر البهرة السليمانية ضياء الدين إسماعيل بن هبة الله تجد أنه أوَّل العقائد والأسماء والصفات والعبادات وقصص القرآن، فأخذ يقول ما لا يُفهم، أو لا يفهمُ ما يقول.

قال ضياء الدين إسماعيل بن هبة الله الإسماعيلي في تأويل قوله تعالى {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} [سورة الحج: آية 78]: (فأقيموا الصلاة): أي الدعوة إلى الميم (محمد صلى الله عليه وسلم )، (وآتوا الزكاة): سلموا لأمر الفاطر (أي: فاطمة)، (واعتصموا بالله): يعني العين (أي علي)، (هو مولاكم): ولي أمركم في السابق واللاحق، (فنعم المولى): يعني بتدبيره لكم، (ونعم النصير): يعني باحتجابه بكم وإلهامه لكم وإقداركم على ما تريدون في تدبير الخلق.[1]

وقال الداعي إدريس عماد الدين في تأويل قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع}: يعني إذا نودي للصلاة، وهي الدعوة إلى علي، (من يوم الجمعة) أي من محمد الجامع للشرائع، (فاسعوا إلى ذكر الله) أي أطيعوا محمدا في علي، والنص عليه، (وذروا البيع) أي ذروا البيعة لغيره[2].

ولو تتبعنا تأويلات بقية الدعاة للصلاة، لوجدناهم يتلاعبون بآيات القرآن الكريم حسب أهوائهم وأغراضهم، ويتعارضون ويتناقضون في تأويل الشيء الواحد، مع زعمهم المستمر بأن تأويلاتهم مأخوذة عن إمامهم المعصوم.

والله سبحانه حينما أوجب التكاليف على المكلفين لم يستثن منهم الأنبياء، مع أنهم أعلى الخلق درجة، ولو تدبرنا آيات القرآن الكريم لوجدنا أنه كلما ازداد الإنسان قربا من الله سبحانه زيدت عليه التكاليف.

إن الالتزام بالتكاليف هو سبب الكمال، والتخلي عنها هو سبب النقص، وقد بين الله سبحانه في كثير من آيات القرآن أن أصحاب النار وأهلها يوم القيامة هم الذين قد أعفوا أنفسهم من التكاليف، قال تعالى {ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نك من المصلين} [المدثر: 42]، فهذه التأويلات فاسدة لما ينتج عنها من نتائج فاسدة، لأنهم بتأويلاتهم رفعوا التكاليف وتركوا الفرائض والسنن، وهذا وحده كفيل بالحكم على تاويلاتهم بأنها خارجة عن المنهج الإسلامي، ومخالفة لإجماع المسلمين.


الهوامش

[1] – ضياء الدين السليماني: تفسير مزاج التسنيم، ص 260.

[2] – الداعي إدريس عماد الدين: زهر المعاني، ص 15. والآية رقم (9) في سورة الجمعة.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد