حركة العصر الجديد

د. فوز كردي

 

تعد حركة العصر الجديد امتدادا حديثا لمذاهب الباطنية (الغنوصية) التي تغلغلت في العديد من الأديان والفلسفات الشرقية من الهندوسية والبوذية والطاوية والأفلاطونية الجديدة، وكذلك في الطوائف الباطنية التي ظهرت من داخل الأديان السماوية مثل القبالاه اليهودية والغنوصية المسيحية والتصوف الفلسفي والإسماعيلية الإسلامية.

ولئن كانت جذور فكر الحركة تعود إلى تلك الجذور البعيدة، إلا أن نشأتها باعتبارها حركة معاصرة تعود إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي عندما تبنى عدد من مفكري الغرب الفكر الباطني للتمرد على الدين النصراني، ومحاولة لتفسير طبيعة الإنسان والخلاص بطريقة أخرى تركز على “الغنوص والحكمة” كنموذج للخلاص الفردي بدلا من انتظار مخلص كوني مبعوث من مصدر خارجي (المسيح حسب اعتقادهم).

أنشأ هؤلاء المفكرون أربع حركات دينية متزامنة تبنت الأصول الفلسفية الباطنية وأسهمت فيما بعد بنشوء حركة العصر الجديد ، وفيما يلي تعريف بهذه الحركات:

1- حركة “الفلسفة المتعالية” Transcendentalism: وتُعد أول حركة فكرية في أمريكا الشمالية تتأثر بالديانات الشرقية وتعتمد على ترجمات الكتب الهندوسية المقدسة، وتقوم على أربع أفكار أساسية هي: أن العلاقة بين الإله والإنسان والكون هي علاقة وحدة الوجود، وأن المعرفة الحدسية الداخلية التي تأتي من خارج نطاق الفكر والحواس عن طريق (العرفان الغنوصي) مقدسة لكونها فيض من العقل المقدس، وأن للإنسان قدرات كامنة غير محدودة تمكنه من التعامل مع العالم الغيبي، وأن التناغم مع الطبيعة هو طريقة الحياة الفضلى. ويعد “رالف إمرسون” المتوفى عام 1803م الشخصية القيادية لهذه الحركة التي وصلت ذروة انتشارها في أربعينيات القرن التاسع عشر.

2- حركة “الفكر الجديد” New Thought: ظهرت على يد فينياس كويمبي المتوفى عام 1866، وهي امتداد لفلسفة فرانز مزمر الطبيب الألماني النمساوي الذي اشتهر بالعلاج الروحي الجماعي وفق ما أسماه التنويم المغناطيسي، معتقدا بوجود طاقة حيوية تتسبب بالشفاء والسعادة، فمزج فينياس هذه الفكرة مع الفلسفة المثالية التي تعتبر العقل أصل الحقيقة.

3- حركة الأرواحية Spiritualism: في القرن الثامن عشر الميلادي اهتم عالم الجيولوجيا السويدي إيمانويل سويدنبرغ بالتعامل مع الأرواح –بحسب الاعتقاد الباطني- وحاول تفسير الغيبيات كالموت والجنة والنار تفسيرًا يجمع بين الدين والعلم حسب ادعائه، محاولا تفسير الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى تفسيرا باطنيا، حيث اعتقد أن الجنة والنار حالات وعي ذهنية يمكن الوصول إليها من خلال “السفر خارج الجسد” وحالات “التأمل الروحاني”، وانتشرت من خلاله جلسات استحضار الأرواح.

4- جمعية الحكمة الإلهية “الثيوصوفيا” Theosophy: أسستها في نيويورك سيدة من أصل روسي تدعى هلينا بلافاتسكي (توفيت عام 1891م)، وقالت إنها تهدف إلى اكتشاف القوانين التي تحكم الكون والقوى الكامنة في الإنسان، والدعوة إلى الأخوة الكونية بتناغم الإنسان مع الكون، ودراسة الأديان والفلسفة والعلوم دراسة مقارنة.

“اتحاد العصر الجديد” كان يعقد اجتماعات لمناقشة القضايا السياسية خلال السبعينات

واعتبرت أن “دين الحكمة” أو “الفلسفة الباطنية” هو أصل كل الأديان، وأن الإسلام واليهودية والنصرانية لم تكن سوى تحريفات لهذا الدين من قبل الأنبياء والحكماء الذين أرادوا تبسيط الحكمة للعامة، فأعلنت أنها تريد تدريب الناس على الوصول إلى العرفان (الغنوص) بأنفسهم، وزعمت أنها أخرجت إلى العلن أسرار المذاهب الباطنية التي كانت ممنوعة على العوام، وهي ليست سوى تعاليم القبالاه السحرية.

وقد مهدت هذه الحركات الباطنية الأربعة بمعتقداتها وممارساتها ومطبوعاتها لظهور حركة العصر الجديد “New Age Movement” في ستينيات القرن العشرين، وكانت البداية في معهد “إيسالن” بأمريكا الشمالية المختص بالفكر الباطني، والذي أجرى أكثر من عشرة آلاف دراسة للفرضيات في القدرات الكامنة خلال الأربعين سنة الماضية، استنادا إلى المبادئ الباطنية.

ومن أهم أسباب إقبال الغربيين على الطوائف الروحانية الشرقية أنها قدمت لهم روحانيات خالية من أي التزامات أخلاقية أو شرعية، فبعد تخليهم عن الدين النصراني لم تعد لديهم رغبة في التقيد بالضوابط الأخلاقية التي تردع شهواتهم، إضافة إلى رغبة كثير من الغربيين في التلاعب بالوعي دون تعاطي العقاقير بعد ثبوت أضرار المخدرات، إذ دلت الإحصاءات على أن 96,4٪ من أتباع الطوائف الروحانية الشرقية سبق لهم استخدام المخدرات قبل انضمامهم إليها. [The New Age: The History of a Movement, Drury, Nevill].

 

أهم المبادئ والمعتقدات
من خلال ملاحظة برامج الحركة وفحص أدبياتها نجد أن الوصول إلى الإشراق والعرفان الباطني هو غايتها، أما الطريق المؤدي إلى ذلك فيعتمد على ثلاث أفكار رئيسة، هي:

1- الكل واحد (وحدة الوجود)، فكل شيء هو الإله والإله هو كل شيء، على اختلاف تصوراتهم عن الإله وحقيقته وأسمائه، والتي تتراوح بين المطلق والكلي والوعي الكلي والعقل الكلي والطاو والقوة العظمى وغيرها، وهذا يعني أن كل ما هو موجود إنما هو انطباع لذلك الكلي وتجلٍ له فليس في الوجود شيء غيره، وهي فكرة مأخوذة من فلسفات شرقية عدة مثل الطاوية والهندوسية والبوذية وعدة طوائف غنوصية، ثم تبناها بعض أقطاب التصوف الفلسفي مع أنها تتناقض جوهريا مع الإسلام.

2- الإنسان هو الإله أو جزء من الإله (تأليه الإنسان)، وهذه الفكرة نتيجة للفكرة السابقة، فعندما يتوحد الإنسان مع “المطلق” يتأله الإنسان نفسه.

3- الإنسان لا يموت وإنما يستمر في الحياة من خلال التقمص والتناسخ، أي بانتقال الروح بعد الموت من جسد بشري إلى كائن أعلى للتنعم أو أدنى للتعذّب، وذلك بدلا من دخول الجنة أو النار، ويستمر التناسخ حتى تتطهّر النفس فتنعتق من تكرار المولد. وتعود هذه الفكرة إلى الطاويين وقدماء الفراعنة واليونانيِّن والفرس قبل أن يستوردها فلاسفة الهند ثم بعض المتصوفة والباطنيين الدروز.

4- الإنسان يخلق واقعه الخاص وقيمه ومعتقداته ويحقق مراده خلال حالات الوعي المغيرة التي يدخل فيها، وهو بذلك لا يحتاج إلى الوحي للإجابة على الأسئلة الكبرى التي يقدمها الدين، كما أن الإنسان هو الذي يخلق بزعمهم محيط حياته ويتحكم بمستقبله وصحته وسعادته عن طريق قوة عقله الباطن.

وبالعودة إلى ما ذكرناه عن رؤية بلافاتسكي للأديان السماوية، فإن حركة العصر الجديد تؤمن أيضا بوحدة الأديان، لأن الباطنيين يرون أن جوهر دين الحكمة هو ما ينص عليه المنقول الباطني في جميع الأديان، فيزعمون أن الغيبيات من قبيل الإله (المعبود في الأديان السماوية) والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر هي أمور لا تتعدى كونها تصورات ذهنية بحتة قد تفيد من يعتقد بها، إلا أنه ليس لها في الواقع حقيقة ثابتة، بل ذكرها الأنبياء ليسهل فهمها من قبل العامة، وهم يزعمون أنهم بدؤوا بنشر الحقيقة التي ظلت مخفية عن العامة طيلة قرون وكانت خاصة بالنخبة، ما يزيد من تشوق عامة الناس للاستماع إلى مروّجي هذه الحركة.

في العصر الجديد تصبح جميع الأديان متساوية وتؤدي إلى نتيجة واحدة لأنها تُجرد من عقائدها الأصلية

تعتمد جمعيات العصر الجديد على الأساليب المتبعة في كل الحركات السرية من حيث التدرج الهرمي في طريق المعرفة، بحيث لا يرتقي العضو إلا بعد استيعابه لقدر ما من المعلومات السرية، وإثبات اقتناعه بها وتقبّله لتصديق ما سيأتي بعدها. لذا فهي تعلن في الظاهر أن الغيبيات ليس سوى تصورات ذهنية خرافية، كي يجنح جميع المؤمنين بهذه الحركات إلى الإلحاد واللادينية، لكن العضو الذي يترقى إلى أعلى المراتب تُكشف له في النهاية حقيقة الإيمان بالشياطين وعبادة إبليس نفسه.

فيلم “لوسي” الذي أنتجته هوليود عام 2014 يقوم على فكرة عدم استخدامنا لأكثر من عُشر طاقتنا العقلية

وتستمد حركة العصر الجديد بعض أفكارها أيضا من العقائد الهرمسية Hermticum، وهي اعتقادات مسجلة في كتابات ورسائل مشكوك في مصادرها تعود إلى القرنين الثاني والثالث بعد الميلاد، وفيها تلفيق بين الفلسفات الأورفية والفيثاغورية والأفلاطونية والرواقية والفيزياء الأرسطية والتنجيم الكلداني، وتكوّن في مجموعها معرفة خاصة يزعمون أنها وصلتهم عن وحي إشراقي، وهي تقر بوجود إله لا يمكن وصفه ولا معرفته، ويصفونه أحيانا بأنه الكون نفسه أو الإنسان، كما يرون أن النفوس الإنسانية هي أرواح هبطت من الأفلاك السماوية ويمكنها التحرر والعودة إلى هناك عبر قوة المعرفة (الغنوص). ونجد أن الكثير من تطبيقات حركة العصر الجديد تعتمد منهج الهرمسية دون أن تذكرها بصراحة، مثل بعض برامج الماكروبيوتيك والهونا والفونغ شوي.

ونظرا لاعتقادهم بتعظيم الذات الإنسانية وتأليهها، فإن الكثير من برامجهم التدريبية وكتبهم تدور حول القدرات الخارقة المزعومة للإنسان، وقد يستندون في ذلك إلى معلومات غير مؤكدة علميا، مثل القول بأن 90% من قدرات العقل البشري لا يتم استخدامها مدى الحياة، ومع ذلك فإن خطابهم التحفيزي يستقطب اهتمام الكثير من الناس عبر إقناعهم بوجود قدرات كامنة تنتظر الاكتشاف والتفعيل.

يظهر تأثير الصوفية اليهودية الباطنية (القبالاه) في جميع الحركات الباطنية الحديثة، فالقبالاه تبني أساس فلسفتها على تأليه الإنسان باعتبار أنه فاض عن الإله ويمكنه الاتحاد به، فالإنسان إذن يمتلك قدرات كامنة خارقة تحتاج إلى من يبحث عنها وينميها ويطلقها من القمقم.
كما يزعم القبّاليون أن أسرار “الحكمة” التي نُقلت إليهم بالسر عن الأنبياء هي الحقيقة الوحيدة لجوهر العالم، وأن ظاهر الوحي المذكور في التوراة ليس سوى غطاء للحقيقة الكامنة في باطنه.

 

في هذا الكتاب الذي يسوّقه معهد إيسالن على موقعه يشرح قصة انطلاقته واستمراره على مدى أكثر من خمسة عقود في ظل تراجع إيمان الأمريكيين بالأديان

طرق النشر والتطبيق
بدأت حركة العصر الجديد بالظهور في الغرب وتشكلت بما يتناسب مع متطلبات الناس هناك، فتم تصميم برامجها بعناية وربطها بمجالات الحياة المختلفة كالصحة والرياضة وتطوير الذات والعلاج وهندسة الديكور وتصميم المنازل وغيرها؛ لتوافق احتياجات معظم الناس بما يحقق الانتشار، وسرعان ما انتشرت في أنحاء أمريكا ثم وصلت إلى بريطانيا وبقية أوربا، وفي بداية القرن الميلادي الحالي تغلغلت في البلاد الإسلامية تحت ستار الطب البديل والتدريب المعتمد بنظام المستويات المتعددة.

ولا يزال معهد إيسالن (المذكور سابقا) يطور أبحاثه، ويغيّر إطار أفكاره بما يوافق متطلبات الناس، حيث يعيد اليوم دمج الفكر الإلحادي مع عقائد الحلول والاتحاد بدلا من الإلحاد المحض لتناسب اعتقاد الناس المؤمنين بوجود إله، كما يتبنى المعهد أبحاثا في المؤثرات الغيبية ضمن ممارسات الأديان الشرقية ووثنيات القبائل البدائية في أستراليا وغيرها، حيث تُنشر النتائج على أنها أبحاث علمية، حتى أصبح أتباع الحركة يعتقدون بأن الممارسات الخرافية والسحرية تتمتع بصبغة العلم التجريبي الرصين، ومع أن العلماء والجامعات ترفض هذه الأبحاث إلا أن الاتجاه العام في الغرب بدأ بتقبل الروحانيات والاعتراف بتأثيرها ووجودها ومحاولة فهمها علميا، وتساهم عولمة وسائل الإعلام وسهولة الولوج إلى شبكة الإنترنت في نشر تلك الأفكار.

ويمكن القول إن انتشار معتقدات حركة العصر الجديد يعود إلى غناها بالروحانيات الغامضة التي جاءت لتروي الجفاف الروحي عند أصحاب الأديان المحرفة والملحدين في الغرب، ولا سيما في فترة الستينيات من القرن العشرين التي شهدت تضخم الرأسمالية المتسارع والمفاجئ على حساب العقل والروح، وتسارع وتيرة الاستهلاك إلى درجة إفراغ الإنسانية من قيمها الروحية، فضلا عن انهيار القيم الأخلاقية وشيوع العدمية والفلسفة الوجودية بعد ما رآه العالم من دمار في الحربين العالميتين وإبان الحرب الأمريكية على فييتنام وكوريا الشمالية، فانتشرت في الوقت نفسه موضة “الهيبيز” مع ما لازمها مع انحلال أخلاقي غير مسبوق. وبما أن روحانيات العصر الجديد لم تكن تلزم الشباب الغربي بأي عبادات دينية أو مناقشة أي عقائد يريدون الاقتناع بها فضلا عن أن تلزمهم بضوابط أخلاقية تحد من شهواتهم، فقد كانت الخيار الأنسب لكل من يبحث عما يملأ به فراغه الروحي.

ومع انتشار الفوضى وسقوط العديد من المجتمعات المسلمة في الحروب والعنف في السنوات الأخيرة، بدأت بعض برامج حركة العصر الجديد بإعادة انتشارها مجددا في أوساط الشباب، حيث يقدمها أصحابها تحت مسميات متنوعة من البرامج التدريبية، والتي تختلط بنسب مختلفة مع أمور أخرى مثل تنمية المهارات وفنون الإدارة والعلاجات البديلة، ونجد لها أثرا واضحا في دورات البرمجة اللغوية العصبية والتفكير الإيجابي والعلاج بخط الزمن، وفي جلسات التنفس التحوّلي والتأمل الارتقائي والاسترخاء وشحن الطاقة وقانون الجذب.

يرصد الباحث السويسري باتريك هايني في كتابه “إسلام السوق” مظاهر محاولة أسلمة مفاهيم العصر الجديد تحت مسميات جديدة، وعبر مداخل التنمية البشرية وإدارة الأعمال وعلم النفس، ويرى أن من أهم خصائص هذه الظاهرة الانفتاح على العالم على حساب الهوية، وشيوع النزعة الفرادنية وسيولة المبادئ، والتخلي عن المبادئ الكبرى التي كانت تشغل الحركات الإسلامية مثل إحياء الخلافة والحاكمية.

 

البرامج التدريبية
فيما يلي تعريف موجز بأشهر عناوين البرامج التدريبية والاستشفائية التي تغلغلت فيها أفكار حركة العصر الجديد وبطرق خفية قد لا ينتبه لها معظم الناس، بما فيهم المؤمنون بالأديان السماوية:

1- الطاقة: وهي مسمى واحد يشمل مفاهيم متعددة في الفلسفات الشرقية القديمة، مثل كي ki وتشي chi-Qi وطاو Tao وماكرو Macro وبرانا Prana ومانا Mana، أما في برامج العصر الجديد فأصبحت تحمل أسماء إضافية مثل “قوة الحياة” و”الطاقة الكونية”، وهي مجرد فكرة فلسفية لا علاقة لها بالطاقة الفيزيائية التي يتم قياس آثارها بالعلم التجريبي، فالمؤمنون بها يعتقدون أنها قوة عظمى تقابل الاعتقاد بالإله عند أتباع الديانات السماوية.

وهي أول ما ينبغي أن يؤمن المتدرب به، وبأهميته وقوته، ويمارس كيفية الشعور به، واستمداده، وفعل ما يساعد على تدفقه في جسده، واتحاده به، ويتجنب ما يبعده عنه.

الين واليانغ

وتشتمل جميع البرامج المقدمة باسم الطاقة على نسب متفاوتة من أصول الفلسفة الباطنية، حيث يتم في بعضها شرح الغنوصية الشرقية على أنها حقائق كونية تفسر أصل الكون ونشأته وانقسامه لثنائيات عظيمة يسمونها (ين/يانغ)، وأنها مؤثرة في كل جوانب الحياة، ثم تُصاغ الدورات التدريبية في العلاقات الاجتماعية والإدارة والعلاج الجسدي والنفسي على أساس التوازن بين الين واليانغ.

ويظهر أثر هذه الفلسفات أيضا في نظرية “الأجسام السبعة”، والتي يتم خلالها إقناع المتدربين بوجود سبعة أجسام لكل الكائنات، ومنها الإنسان. أولها الجسم البدني، وأهمها الأثيري الذي تنفذ من خلاله الطاقة الكونية للأجسام الأخرى وتمنحها السعادة والصحة، كما يتم التدريب من خلال الدورات المختصة بهذه النظرية على تقوية “الحاسة السادسة” لاكتساب قدرات خارقة في التأثير والعلم، وغير ذلك من الممارسات التي تتقاطع مع السحر والمقتبسة من القبالاه اليهودية.

رسم من مطلع القرن التاسع عشر لتوزع الشاكرات على الجسد

وتقدم برامج الطاقة التدريبية تمارين تزعم أنها تفتح منافذ الطاقة (الشاكرات) Chakras في أجساد المتدربين، بهدف الحصول على كميات أكبر من طاقة قوة الحياة، أو الاتحاد بها، ومن ذلك التدرب على تمارين وترانيم ووضعيات خاصة هي في حقيقتها عبادات وطقوس وثنية وشيطانية، بالرغم من أنها تُقدم في إطار منفصل عن الدين دون أن ينتبه كثير من الناس، وكثيرا ما تتقاطع مع تدريبات اليوغا.

ومن الملاحظ أن تقديم هذه الفلسفة باسم “الطاقة” الذي يشتبه بالمصطلح العلمي المعروف في العلوم الطبيعية جعل المتدربين يعتقدون أنها علم لا ديناً وثنياً، كما أن الكثير من الناس ينجذبون إليها لأنهم يرون في الشرق الآسيوي تقدماً بمجالات الصحة والطب البديل.

2- التنفس التحولي والعميق Transformational Breathing: هو برنامج تدريبي أو علاجي يهدف إلى تجميع “طاقة البرانا الكونية” واستشعار تدفقها في الجسم، للدخول في حالة من الاسترخاء العميق والنشوة، ويعد أحد طرق التنويم للدخول في حالات الوعي المغيّرة وإطلاق قدرات “اللاوعي”، عبر التواصل مع “العقل الكلي” أو “اللاوعي الجمعي”.

ويعتبر المدربون هذه الحالة بداية التغيير والانطلاق والفتح، وهي تقابل ما يُعرف عند البوذيين والهندوس باسم “النرفانا”، وعند المتصوفة بـ”الفناء”، بينما يسميها بعض المروجين المعاصرين من المسلمين بحالة “الخشوع”.

3- التأمل الارتقائي والتجاوزي Trancsendental Meditation: يعود أصل هذا البرنامج إلى مذهب مهاريشي ماهيش (انظر مقال الهندوسية والبوذية)، ويهدف إلى الاسترخاء الكامل والدخول في حالة من اللاوعي والنشوة “النرفانا”، وفق طرق محددة من تركيز النظر في الأشكال والرموز وترديد الترانيم أو الاستماع إليها، إلى جانب الالتزام بتعليمات محددة في الطعام واللباس والكلام.

باندلر

4- البرمجة اللغوية العصبية Neuro Linguistic Programming: وضع أسس هذا الفن الباحثان الأمريكيان جون غريندر وريتشارد باندلر، وبدعم وتنظير من غريغوري بيتسون (توفي عام 1980م) أحد أبرز الباحثين في معهد إيسالن والذي عاش على المبادئ البوذية في أمريكا، كما اعتمد المؤسسان على ثلاثة من المتأثرين بالباطنية، وهم ميلتون إريكسون (توفي عام 1980م) الذي تميز في التدريب على تقنيات الخروج من العقل إلى “حالات الوعي المغيرة” تطبيقاً مباشراً لبوذية زن، وفرتز بيرلز (توفي عام 1970م) أحد الباحثين في معهد إيسالن المهتمين بفلسفة “وحدة الوجود”، وفرجينيا ساتير (توفيت عام 1988م) المعالجة التي عملت بمعهد إيسالن وأسست أحد أكبر مراكز حركة العصر الجديد في أمريكا ويدعى مركز آفانتا.

وتتضمن البرامج التدريبية لهذا الفن خليطا من العلوم والفلسفات الهادفة لإعادة صياغة صورة الواقع في الذهن بحيث تنعكس على تصرّفاته، وهي برامج انتقائية تجمع نظرياتها من علم النفس السلوكي والمعرفي وفنون الإدارة وغيرها؛ لذلك تشمل بعض التمارين النفسية أو العلاجية الصحيحة، غير أنها تحتوي كذلك على فرضيات غير مثبتة ونظريات مرفوضة علمياً بينما تُقدم على أنها حقائق علمية. كما تكمن خطورتها في تسريب بعض مفاهيم الفلسفة الباطنية، وإقناع المتدربين بالإمكانات غير المحدودة التي يمكن تحصيلها عن طريق العقل الباطن “اللاوعي”، وتدريبهم على الدخول في حالة اللاوعي لإحداث التغيير الإيجابي في النفس دون قيود العقل.

5- الماكروبيوتيك Macrobiotics: هو فلسفة باطنية تقدم في شكل برامج للتثقيف الصحي والعلاج البديل، وتُشرح فيها بشكل صريح فلسفة الحياة بالاعتماد على الإيمان بالطاقة الكونية، وضرورة إعادة نظم الحياة والمأكل والملبس والرياضة وتصميم المنزل بما يوصل إلى التناغم مع الطاقة الكونية والوصول للسمو الروحي والشفاء الجسدي.

يصف هنري تينك في مجلة لوموند [العدد مارس/آذار 2000] حركة العصر الجديد بأنها أفكار ضبابية تخلط مخلفات الروحية الباطنية القديمة مع الطرق الحديثة في التركيز والاسترخاء وشحن طاقة الإنسان، وتضعها جميعا في إطار وثني معاصر، مع إبقاء فكرة الإله غامضة وفتح الباب لتقبّل وجود كائنات غيبية غير مرئية مثل الأرواح والأشباح والكائنات الفضائية. ونضيف على هذه القائمة الشياطين من عالم الجن.

وتركز المستويات الأولى من برامجها على الغذاء عبر مفاهيم الطاقة الكونية وثنائية الين واليانغ، وما يتعلق بذلك من اعتماد خصائص غيبية للأطعمة مثل ربط الخواص الروحانية المزعومة للنبات بروحانيات مماثلة للكواكب، وهي أفكار كانت تُعرف قبل قرون بأنها داخلة في باب السحر لكنها تُقدم اليوم على أنها علم. ثم تترقى برامج الماكروبيوتيك التدريبية ليتعمق المتدرب في الفلسفة الباطنية بشمولها ويمارس تطبيقاتها في كل مجالات حياته، بهدف استجلاب الطاقة الكونية لتحقيق الصحة والسعادة.

 

 

أهم المراجع

– Historical Dictionary of New Age Movements ,Michael York.

– New Age encyclopedia, Belinda Whitworth.

– The New Age: The History of a Movement, Drury, Nevill.

-Christian Responses to the New Age Movement, John A. Saliba.

– Taoism: Growth of a Religion, Isabelle Robinet.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد