جهاد النفس في رمضان

الهادي حافظ


أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك!

للباحثين عن جهاز كشف يمَكنهم أن يتعرفوا على أي نوع من النفوس ينطوون؛ أهي: الأمّارة بالسوء، أم اللوامة، أم المطمئنة؟ فما عليهم إلا أن يراقبوا أعمالهم في رمضان!

ففي كتاب لحجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله يحدد أعداء الإنسان الداخليين بالنفس، والشيطان، والهوى والدنيا. فالهوى والدنيا وسيلتان تستعملان حسب إغواء قائدي ركب رحلة الشر، وهما النفس والشيطان لعنه الله.

والشيطان -كفانا الله شره- ربما يضعف عمله بفعل التصفيد في شهر الخير -رمضان- لتتسلم النفس زمام رحلة الإرداء بالبشر، فيكون حال الناس في رمضان مرآة لنفوسهم!

مما يعزز ذلك ويؤيده -شيئا ما- ما يذكر من أحوال السلف في رمضان وكيف كانوا يتركون المباح للواجب، وخلاف الأولى للمندوب.. فيركضون في حقل فعل الخيرات ليعيش الجميع على مدار الشهر الفضيل في باحة من الخير: فمنهم سابق بالخيرات..وما ذاك إلا لصلاح نفوسهم.

بخلافي أنا وأمثالي فإننا للأسف ربما تساوى عندنا أَوَلى شهر الخير شطره إلينا أم ولى مدبرا عنا! فتجد الواحد منا بالكاد لا يفرق بين رمضان وغيره، فقد تراه ناشرا صورة لعارية على صفحته الذي لا يعلم متى تطوى، فتبقى الصورة حسابا جاريا من الذنوب بعده لاقدر الله، وقد تراه يتكلم في العلماء بما شاء غير آبه بحرمة عِلم ولازمان، وربما تساببنا السباب تلو السباب، وتجادلنا من أجل تزكية نفوسنا، {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء}.

ناسين أو متناسين قول الحبيب صلى الله عليه وسلم “فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم مرتين”.

أما مواعيد “العمة الفيفا” مقدسة، فإنها لم ولن تفقدنا حيث أمرتنا! وحتى لو جاء وقت المباراة متزامنا مع وقت عروج ملائكة الرحمن الذين سيسألون عنا: كيف تركتم عبادي؟ فيكون الجواب: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون، فيفوتنا للأسف قطار تلك البشارة!

نعم يفوتنا للأسف قطار التشريف ذلك: وهم يصلون.. لأننا كنا حينها في المقاهي، وحسبك به من حرمان والعياذ بالله!

كل ذلك لتسليمنا العنان لأنفسنا الأمارة بالسوء، فعن النفس يخبرنا ابن القيم رحمه الله تعالى حين يقول: سبحان الله؛ في النفس كبر إبليس، وحسد قابيل، وعتو عاد، وطغيان ثمود، وجرأة نمرود، واستطالة فرعون، وبغي قارون، وقحة هامان.

ومع ذلك أظل وأمثالي نصالحها ونهادنها بدل أن نناصحها، وكأنا ما قرأنا يوما إخبار الحسن البصري وقوله: إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه، ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قدماً ما يعاتب نفسه.

ثم نهيم نحن ونهيم في غفلة شديدة على حد تعبير أحد أعلام السلف رحمه الله وكأني به -يعنيني-وأمثالي: وما أحسب أحداً يفرغ لعيب الناس إلا عن غفلة غفلها عن نفسه، ولو اهتم بنفسه ما تفرغ لعيب أحد ولا لذمه.

فنرجو رغم كل ذلك أن لا نكون قد وصلنا إلى درجة أن يتتلمذ علينا إبليس لعنه الله! على حد تعبير الحسن البصري رحمه الله الذي قيل أنه رأى إبليس لعنه الله في المنام فقال له: كيفك مع عباد الله؟ فرد عليه ابليس لعنه الله: كنت أُعلم الناس الشر، فصرت أتعلم منهم!

فالبدار البدار، لنبادر عسانا نتدارك أنفسنا ولنحذر أن يمضي رمضان قبل أن نتعلم منه ونلحق بركب تلامذته، ولنحذر كذلك أكثر أن نكون ممن تتلمذ عليهم إبليس عليه لعنة الله.

وما المرءُ إلا حيث يجعل نفسهُ * ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل

ونحذر من أعوان إبليس من الإنس الذين يقومون بالدور على أكمل وجه، حين لم يتركوا باب لهو ولا غواية إلا طرقوه، لإشغال الناس في هذا الشهر الفضيل: مسلسلات، برامج، سهرات، إثارة..
كل ذلك يبذل في الغالي والنفيس، لأجل هدف واحد: تضييع فرصة العتق من النار في رمضان على عوام المسلمين.

وصدق مولانا الكريم: {يريد الله أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما}.

التعليقات

تعليقات