تحديات وعقبات في وجه الإعلام الإسلامي

image_print

في عالمٍ غدا قريةً صغيرة لا بدّ من الوقوف على أساليب التأثير وبرمجة وعي الجماهير وضبطها، وهنا تظهر وسائل الإعلام والاتصال الحديثة ضمن آليات التوجيه والسيطرة، فقد غدا الإعلام سلطةً حقيقيّة ذات آثار المجتمع والحياة وقوةً ناعمة تتنافس في استثمارها وتطويرها أمم الأرض كلها لتحقيق مصالحها وفرض رؤيتها على الشعوب، وفي هذا المعترك الجديد تتبادر إلى الذهن أسئلة عن موقع المسلمين من هذه من هذه الخريطة وعن التحديات والعقبات التي تواجه هذا الإعلام وسبل التغلب عليها، وعن سبل التقدم والنهوض به وفق معطيات الواقع ومتطلبات العصر خصوصًا أن الإسلام دين عالمي يعتمد التبليغ والإعلام ركنًا أصيلًا في دعوته.

يعاني الإعلام الإسلامي اليوم في جانبيه النظري والعملي من إشكالات تشوب بعض عناصره تؤدي إلى انحرافه في بعض الأحيان عن القيام بدوره الحقيقي المنشود خاصةً في ظلِّ ما تعيشه المجتمعات اليوم من تحديات، فالموجود من إعلام يتحدث باسم الإسلام أو يحاول أن يلتزم بقيم الإسلام ويقوم بالوظيفة الإعلامية الإسلامية هو في حقيقة الأمر إعلامٌ يحتاج إلى إصلاح في مؤسساته وترشيد في رسالته وتأهيل لهيئاته من خلال إعداد الإعلاميين القادرين على القيام بدورهم الإعلامي، ويتطلب ذلك إعدادهم فكريًّا ولغويًّا وثقافيًّا وتخصصيًّا وفنيًّا وخلقيًّا إلى جانب السعي لتجاوز الإشكالات العديدة التي تحيط بهذا المجال.

إشكالات وعقبات

من أهم التحديات التي تواجه الإعلام الإسلامي أن وعي المسلمين المؤثرين بأهمية ودور الإعلام جاء متأخّرًا إلى حد ما، ولم يواكب التطور التقني والمهني للطوفان الإعلامي المعاصر، بل إن بدايات ما يوصف بأنه “إعلام إسلامي” لم تواكبها دراسات نظرية تأصيلية ولا برامج تدريبية عملية، وغلب عليها الطابع الشخصي، وقلة المنتجين والمقدّمين والمعديّن المتخصّصين في هذا المجال، فكان الاعتماد في كثير من الأحيان على أشخاص لا خبرة إعلامية كبيرة لهم، وقد ظهر ذلك على مستوى نقص الكوادر الإعلامية والخطة الشمولية التي تستوعب كل متطلبات المجتمع الإعلامية، واقتصرت البدايات الأولى على الإعلام الوعظي والتربوي كأشبه ما يكون بخطب الجمعة ودروس المساجد مع الفارق في وسيلة الاتصال الجماهيري كالفضائيات والإنترنت. أما الإعلام الهادف الشمولي المنضبط بمقاصد الإسلام ومبادئه فمازال يسير بخطوات متعثرة خاصة في المجال الترفيهي.

إلى جانب هذه العقبات التأسيسية ظهرت العديد من الإشكالات والتحديات التي تواجه الإعلام الإسلامي كالقيود التي تضعها الأنظمة الحاكمة، وعقبات التمويل واقتصاره في غالب الأحيان على المؤسسات الخيرية، وغياب الخطط والاستراتيجيات المتكاملة التي تتبناها مجموعات مهنية متعددة المهام تطرح بدورها الجهود الفردية والرؤى الأحادية، كما يواجه الإعلام الإسلامي ندرة في البحوث والدراسات المتعلقة بحيثياته، ومشكلة في التنسيق بين العلماء والدعاة وبين رجال التربية والمثقفين ليأتي مشروع الإعلام الإسلامي متكاملًا في موضوعه يلبي احتياجات ورغبات كل الشرائح المستهدفة دينيًّا وتربويًّا وتثقيفيًّا وترفيهيًّا، وأن تُصاغ الرسائل الإعلامية في قوالب فنية متنوعة ومشوقة وجذابة بدلا من أن تصب في أنماط جامدة ومكررة تفتقر إلى الجاذبية والتشويق، مع ضرورة مراعاة الضوابط الشرعية والاجتماعية العامة وعدم تجاوزها.

ومن أبرز التحديات التي واجهها الإعلام الإسلامي إشكالية التصنيف والانطباعات الأوَّليَّة، وهي إشكالية يكون غالبها قريب الصلة من التعامل مع المصطلح، فيقف الانطباع السابق حول الصحيفة أو القناة أو الموقع وتصنيفه في الدائرة الإسلامية عقبةً أمام تلقي المحتوى وتوقعات الجمهور منه؛ وهذا أسهم في انصراف قطاع كبير من الجمهور بسبب تلك الانطباعات والتصنيفات السابقة.

إشكالات التمويل والجمهور

تعدّ إشكالات التمويل من الإشكالات الكبيرة في هذا المجال، وهنا تضطر القناة أو المؤسسة الإعلامية ذات الخطاب الإسلامي أمام خيارين:

الأول: يتمثل في الحصول على التمويل من مصادر مالية لها شروطها ورؤاها المسبقة مثل الدول والهيئات الكبرى والقوى العالمية، وهو خيار يضمن الاستقرار المالي والفني والتقني للمؤسسة، لكنه يجعل المحتوى مرهونًا بتصورات وتوجهات المموِّل؛ فيحرفه قليلًا أو كثيرًا عن الأهداف التي يمكن أن يرسمها القائمون على الوسيلة الإعلامية، وهذا يؤثر بصورة كبيرة على استقلالية المؤسسة.

الثاني: الاستقلالية والاعتماد على التمويل الذاتي من جيوب المؤمنين بالفكرة والمقتنعين بالرسالة، وهو خيار وإن نجح في تحقيق الاستقلالية بجدارة إلا أنه يضع كلًّا من المحتوى والمؤسسة في حرج مهني بالغ، فتعجز عن الوفاء بالالتزامات المالية للتطوير ومواكبة التنافسية في عالم لا يرحم الضعفاء والصغار.

إلى جانب ذلك فقد كان من المشكلات الواضحة في تنظيم هذا الإعلام وتأسيسه عدم تحديد طبيعة الجمهور المستهدف، أهو ذلك الجمهور الذي يؤمن بفكرة ورأي أو مذهب معيّن أم أن الجمهور هو عموم الأمة بمختلف تنوعاته، وهذا يصنع خطابًا مزدوجًا داخل المؤسسة نفسها فيُظهر تناقضاتٍ على صفحاتها وعبر شاشاتها، فلا هي بالتي حافظت على جمهورها الذي التزم بفكرة معينة ولا هي وصلت إلى عموم الجمهور، فتغدو كمن راوح مكانه عند منتصف الطريق فلم يبلغ ولم يتوقف.[1]

إن عرض سلبيات الإعلام الإسلامي وإشكالياته لا يعني إخفاقه في أداء المهمة الموكلة إليه، فقد أثبت وجوده في الساحة الإعلامية بقوة لكنه يعاني من عثرات كبيرة، وهو في النهاية جهد بشري فيه خير كثير، ووجود الخلل في مؤسساته لا يعني أنه مستسلم لها، فهو في سعي دائم نحو التخلص منها وتطوير أدائه، ولا ننسى أن الوقت عامل مهم في ذلك.

طريق النهوض بالإعلام

في سياق البحث عن تطوير الإعلام الإسلامي لا بد أن نعمل على إيجاده وجودًا فعليًّا وفاعلًا معًا، فالإعلام الإسلامي اليوم -للأسف- منفعل لا فاعل، ولا يتصدى لما يحاك للأمة من قبل أعدائها بالقدر الكافي الوافي، و”إن من الأدبيات المتفق عليها أن المسلمين اليوم -وفي هذه الانعطافة من تاريخهم- يواجهون غزوًا واحتلالًا ثقافيًّا وفكريًّا وحضاريًّا واقتصاديًّا بشِعًا شمل كل جوانب حياتهم؛ لذا فإن مهمة الإعلام الإسلامي تتجاوز التثقيف والتوعية وفتح القنوات المعرفية أمام أجيال المسلمين إلى التحفز ووضع الخطط المناسبة في التصدي للغزو الفكري والثقافي والأخلاقي الذي يداهم الأمة الإسلامية، وسط شيوع وسائل الإعلام العابرة للقارات التي تؤثر في المجتمعات وتنقل أفكار وفلسفات وأخلاقيات شعوب العالم إلى كل مكان” [2]

إن الفكرة السليمة والأسلوب المناسب والوسيلة الجديدة عوامل ثلاثة أجمع خبراء الإعلام على أنها تمثل أركان المعادلة الصحيحة لصناعة إعلام هادف قادر على اجتذاب الناس وتغيير الوعي، وينبغي التعامل مع هذه الأركان بصفتها كلًّا لا أجزاء متناثرة، فالفكرة لا تنفصل عن الأسلوب، والوسيلة لا بد لها أن تتماشى مع الفكرة، والغاية لا تبرر الوسيلة.[3]

ولتحقيق ذلك لا بد من تعاضد مبادئ أربعة في الإعلام بكل أجهزته وتقنياته ووسائله وأساليبه للمحافظة عليها بعينها، وخلاصتها: الحرص على الحقائق المدعمة بالأرقام والإحصائيات، و التجرد من الذاتية والتحلّي بالموضوعية في عرض الحقائق، والصدق والأمانة في جمع البيانات من مصادرها الأصلية، والتعبير الصادق عن الجمهور الذي يوجه إليه الإعلام.

إن أي إعلام لا ينطلق من هذه المبادئ فإنه يفقد اسم الإعلام الذي يخدم الحق وينشد الحقيقة[4]، وأحقُّ من يجب عليه التحلي بهذه المبادئ المهنية هو الإعلام الإسلامي؛ وذلك لسمو رسالته وعالميتها وعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه.

ثمة مبادئ كثيرة يجب أن يتصف بها الإعلام الإسلامي للتأثير الصحيح، لعل أهمها إيجادُ مرجعيةٍ موحدة للأحكام الشرعية يرجع إليها كلُّ من يريد أن يتعرف على الأحكام في نبعها الصافي؛ والاعتراف بأن الإنسان الذي نخاطبه إعلاميًّا يختلف كل الاختلاف عن الإنسان الذي نزلت عليه الدعوة، وهو ما يقتضي أن يكون لدى القائمين على الأداة الإعلامية ملكة الجمع بين الإسلام في أصالته وبين الواقع في معاصرته، وأن نضع نصب أعيننا دور الإعلام الديني في إدارة عجلة الإصلاح بإثارة الحوافز الدينية، ودور الدين في عملية الإصلاح المجتمعي اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، ودور الإعلام الإسلامي في فض الاشتباك بين الدين والسياسة والتأكيد على أن الدين لا يمثل عقبة أمام التقدّم.

نريد إعلامًا إسلاميًّا يقوم على قاعدة الحلال والحرام وأن الأصل في الأشياء الإباحة، تلك حقيقة لا يجب أن تغيب عن ذهن الإعلامي المسلم وهو يضطلع برسالته التي أوكل بها، إعلامًا لا يبدأ من نقطة الصفر، بل يبني على ما سبقه من تجارب ليمثل الدعوة الإسلامية في وجهها المشرق معتمدًا على مصادره الخاصة به ليحرر الإعلام الحالي ويخلصه من التبعية والتسييس.[5]

بناء المتخصصين

ثمة ضرورة ملحّة لإعداد كوادر بشرية تتقن العمل الإعلاميّ إلى جانب التمكّن في العلم الشرعي بصفة مستمرة، وهذا بطبيعة الحال من أوليات العمل الإعلامي على النطاق الدولي، ولا شك أن العالم الإسلامي يمتلك من الخبرات والقدرات ما يكفي لذلك إذا أحسن الاختيار ووضعت الشروط الموضوعية له، ولكن لا بد أن يكون إعداد الكوادر.

صحيح أن إعداد الكوادر مرتبط بإنشاء بنوك المعلومات ومراكز البحوث والدراسات وما شابه ذلك من معطيات الحضارة الحديثة حتى يستطيع الإعلام الإسلامي أن يواجه التحدي ويواكب العصر[6]، إلا أن هذا يجب ألّا يمنع الراغبين بتطوير أدواتهم الإنتاجية والإعلامية بشكل فردي، بل إن العصر يسهّل ذلك، فإن كان العمل الجماعيّ على نطاق واسع أشبه بالمستحيل، فلا بأس بالعمل ضمن خلايا صغيرة ومواقع وقنوات متعددة في عالم الفضاء الافتراضي للإسهام في بناء الوعي السليم وتحقيق خطوات النهضة.

إنَّ مسيرة الإعلام الإسلامي محفوفة بالمخاطر وأمامها عقبات كثيرة، إلا أن سمو الهدف يخفف السعي وإن مشى الإنسان في طريق مؤلم وشاق مليء بالمخاطر، فبجهود الصالحين وعمل المخلصين من أبناء الأمَّة وملازمة الرقي والإبداع وصناعة الأفكار الجميلة والرائعة يتحسن الحال ويصلح الوضع، وترتقي المنظومات الإعلاميَّة الإسلامية بكينونتها الفكريَّة[7]، بإذن الله وفضله.


[1]  ينظر: عادل الأنصاري: الإعلام الإسلامي إشكاليات الواقع والمصطلح، https://mugtama.com/hot-files/item/64836-2017-12-09-07-31-32.html

[2] ينظر: خالد سعد النجار: الإعلام الإسلامي بين الواقع والمأمول، على الرابط الآتي:  http://articles.islamweb.net/media/index.php?page=article&lang=A&id=204601

[3]  ينظر: إسلام فرحات: التشريعات والمال أهم أزمات العالم الإسلامي، على الرابط الآتي:  https://islamonline.net/17152

[4] ينظر: فايزة الصاعدي: أهداف التربية الإسلامية، ص: 33.

[5]  ينظر: محمد عمارة: الإعلام الإسلامي والتحديات المستقبلية، ص: 115- 118.

[6] ينظر: مفيد أحمد السالم: الإعلام الإسلامي، ص: 138.

[7] ينظر: علي عبد الفتاح كنعان: إدارة المؤسسات الإعلامية، رقم 24، بعنوان “الإعلام الإسلامي مشكلات في خط المواجهة”

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد