فضاء

بين فَهْمِ إحاطةِ الله بالأحوال… وإحاطةِ العبدِ بها

إبراهيم إسماعيل

ينبغي أن تتأسس علاقة الإنسان بربه على الإدراك الدقيق بين الإحاطة الإلهية الكاملة، والمعرفة البشرية المحدودة التي لا تتجاوز ما أُذن لها به، فالقرآن الكريم يضع الإنسان أمام حقيقة كبرى: أن كل ما في الحياة، والمآلات، وتقلّبات الأحوال، جميعها واقعة ضمن مشيئة الله وتدبيره.

من هذا اليقين تنبثق عقيدة التوكل على الله والتفويض، والرضا بقضائه، وترك الجدال العقيم، والاشتغال بتزكية النفس في زمن الفتن، حيث يختلط الحق بالهوى، وتضطرب البوصلة الجماعية..

أول الأمر

قال تعالى في كتابه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255]. لقد حدَّد الله تعالى صلةَ العبد بربّه، وصلةَ الربّ بعبده، وجعلها علاقةً متجرّدةً من الزمان والمكان، وأكسبها رونقًا لا يستشعره إلا من آمن بالله وقدرته إيمانًا تامًّا. ومن لوازم الإيمان أن نؤمن بأن المشيئة لله وحده، وأن تمام الأمر بيده سبحانه؛ فهو الذي يُسخِّر الأمور ويُهيِّئها لما يعلم، وليس بالضرورة أن نعلم نحن عللها أو مآلاتها.

قسَّم الله تعالى في هذه الآية مآلاتِ الأزمان الثلاثة؛ فبدأ بالحديث عن الحاضر في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾، فأدَّب الله النفسَ المؤمنة -خاصةً- والبشريةَ عمومًا، بأنّه علّامٌ بخفايا أمورها، فبدأ بحاضرها الذي هو أقرب الأزمان إليها لمواقَعته هذا الزمن. ثم استطرد فقال: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، فشمل غيبهم الذي مضى. ثم قال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾، فذكر المستقبل، وأنه تعالى -جلّ جلاله وتقدَّست أسماؤه- جعل إحاطةَ الأمور وفهمَ خفاياها من اختصاصه، لكنه استثنى فقال: ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.

وكذلك قوله تعالى في موضعٍ آخر: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]؛ لتستقرّ الحقيقة في القلوب استقرارَ اليقين الراسخ.

وهنا يحسن القول: إن “هذه الحقيقة بطرفيها تساهم كذلك في تعريف المسلم بإلهه، وفي تحديد مقامه هو من إلهه” ف هم فلا يعلمون شيئًا إلا ما يأذن لهم الله أن يعلموه” [سيد قطب، في ظلال القرآن].

حدود المعرفة البشرية ومقام التفويض

يقرّب الله عزّ وجلّ الأمور ويُقلِّبها على نحو ما يرتضيه بحكمته، فإن نسب الإنسانُ العلمَ إلى نفسه خسر؛ لأنه بذلك يكون قد عارض كمال الإله وهباته له؛ فمعرفة الله كاملة شاملة لكل ظرفٍ وحال. وقد وهب الله تعالى الإنسانَ المعرفةَ منذ خلقه، ووعده أن يُريه آياته، ويُكسبه بعضًا من فائض أطراف علمه، ومع ذلك فُتِنَ الإنسان، وظهر الجبابرة الذين تحدَّوا الله تعالى، وحسبوا أن مجريات الأمور لهم وبهم، فكانوا كإبليس في موقفه يوم خُلق آدم.

وبالمفهوم الأدق لهذه الآية، فإن من ترك الجدالَ لله، وصان قلبه بالعقل والحِلم، أبدله الله به خيرًا؛ فجميعنا لا يفقه كلَّ صغيرٍ وكبير، وكلُّنا لم يبلغ مبلغَ أهل الله، والآخذين من علمه إلا القليل. لذا لا توجد أدنى ضرورة لأن تتجادل مع فلانٍ أو علّان؛ فالحقُّ أحقُّ أن يُتَّبع، ولا تعلو صرخاتُك بدافع “الحياد” أو الخوف على “الحق”.

والطامّة أن تدخل في جدالٍ مع من يُقدِّمون غشاوةَ التعصّب والحزبية على قول الحق، فيكون مآل الجدال: لا هم اقتنعوا، ولا قالوا كلمةً من الحق، فينافسون الجاهلين ولو كانوا أعلمَ الناس. وهم كُثر، والنماذج كثيرة لا عدّ لها.

فقه الابتلاء واختلال البوصلة الجماعية

في أمتنا اليوم -في ظل هذه السوانح العظام والمحن الجسام- فرق كثيرة تدافع عن حزبيتها، وكل فريق يرى ما يريد أن يرى، ويدافع عن فرضياته الضيّقة، فيقبل ما يشتهي، ولا يبقي سواها إلا ما يكون مادةً للمراء والجدال، والانتقاص من قدر الأمور.

فلا هؤلاء أصابوا الحقَّ، وإن صُوِّر إليهم أنهم أصابوه، ولا أولئك أرادوا الحقَّ، وإن كانوا يعلمونه.

والأصل أن نترك أصحاب “الفهلوة”، وأرباب الأفكار الذابلة أمام هذه الوقائع المفصلية، التي ينبغي أن تكون موطنَ اعتبارٍ وعظة؛ فاللبيب من اعتبر. لندرِك أن الدنيا لم تخلُ يومًا من التملّق.

تأمّل بيقين ما أقول لك: إن النزاع على الجزئيات في زمن صراع الكليّات سببٌ في تخاذل الأمة وضعفها؛ فاسألِ اللهَ الفهمَ والبصيرة ما حييت.

كن غريبًا، وامضِ في تقوى الله، ولا تُحمِّل نفسَك ما لا طاقةَ لك به، واصطبر، وفوِّض أمرك إلى الله، العليم بدواخل النفوس وسرائرها، الحكيم في أقداره وتدبيره.

قواعد العمل والإيمان في زمن الفتن

لعله من أهم القواعد التي ينبغي أن تؤمن بها قول الحبيب المصطفى: (أدّوا الذي عليكم، واسألوا اللهَ الذي لكم). فهذه الكلمات تُوضّح بشِقَّيها أن تأدية المسلم ما عليه تنفي عنه التقصير، وأن سؤاله اللهَ عزّ وجلّ الذي له سببٌ في أن يُعطيه الله من فضله، فيتغلّب عليه اتباعُ الحق، وحينها يثبت له إيمانه بمشيئة الله وتقاديره؛ فليس له إلا ما سعى، وأن عمله سوف يُرى.

قال ابن القيم رحمه الله: “في القلب شَعَثٌ لا يَلُمّه إلا الإقبال على الله” [مدارج السالكين]، ونستذكر في هذا الإطار قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا…﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: 204–207]. وقوله: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: 48].

إذا أردنا أن نُلبس هذا الكلام فقهَ الواقع، فإن إلهامَ الله وهدايتَه لأسباب النصر نصرٌ بحدّ ذاته. وأعظم قواعد الهداية -رغم بساطتها- قاعدة: “عليك نفسك فقوِّمها” فإن جرى تطبيقها على الفرد والجماعة، اجتمعوا على نتيجة واحدة: وضع الخطوة الأولى في طريق الهداية، ثم يأتي التمكين بتتابعٍ أسرع من الأول.

فاللهَ اللهَ في أنفسنا، ولنطلب ما نحن به أهل، ولنُراهن على تزكية قلوبنا قبل كل شيء، وعلى الله المعونةُ والمدد.

ثم لا تنسَ قاعدة: “النصر صبر ساعة” وتلك الساعة ــ في ضوء ما سبق ــ هي ساعة التزام بأمر الله بلا جدال، ولا تنافر، بل وعي بمقتضيات النصر ولوازمه، المتصلة اتصالًا مباشرًا بفهم حكمته تعالى، والوقوف عند دقائق علمه التي تعكسها الظروف، وأخذ العبرة منها، دون تنزيلٍ جائرٍ على الواقع.

علينا أن نؤمن بهذه القواعد إيمانًا كاملًا، مع بذل ما نستطيع في سبيل ما نسعى إليه؛ فالدنيا تُؤخذ غِلابًا، وهذا حالها.

رحم الله ابن زريق حين قال:

لَأَصْبِرَنَّ عَلَى دَهْرٍ لَا يُمَتِّعُنِي

بِهِ وَلَا بِيَ فِي حَالٍ يُمَتِّعُهُ

جعلنا الله من أهل تقواه، والعارفين به، وأعطانا من فائض علمه أن نرى الحقَّ حقًّا فنتّبعه، والباطلَ باطلًا فنجتنبه، وثبّت قلوبنا على طاعته ثباتًا وثيقًا لا يتزعزع.

شارك المقال