بلاغة الحوار في قصة إبراهيم عليه السلام

image_print

تتعانق الكلمات في قصيدة وتجلس بود في قطعة نثرية وتصطف بتجهم في رسالة أكاديمية، وتتسامى وتتخاصم، وما بين أسمال الزور وكساء الحق تظهر عوراتها أو تسدد لحاجاتها، فإن ارتقت مرتقى الرأي الحكيم والحوار السديد، سبقت حد الظباة، وأسنة الرماح، فبالكلمة انتصر ابن عباس رضي الله عنه على فئة الحرورية التي إن قوتلت استبسلت، ففصاحة العربي وقوة حجته ورجاحة عقله لا بد أن تستقي من نبع عظيم: {قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ}[1].

القرآن الكريم الذي تصغر أمامه كل الكلمات وتتماهى في حضرته جميع الحوارات، الفصاحة والصرامة، اللين والشدة، القول الذي يعقبه الفعل، وللرافعي إحساس عظيم بمكنونات كتاب كريم حيث قال واصفاً القرآن الكريم: “ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، تذكر الدنيا فمنها عمادها ونظامها، وتصف الآخرة فمنها جنتها وضرامها”[2].

فما بين الوصف اللغوي، والبنية المتناسقة تتجلى الحوارات القرآنية التي اختصت بالبلاغة والوضوح، وسلامة السبك ودقة التعبير، وعمق الفكرة، وحلاوة الإقناع لمن كان له لب حكيم، حيث أن الباطل يزهو وهو صغير، والحق يعلو وهو كبير، ومابين هذا وذاك تكون الحكمة والعقل الرشيد، ومن أوتي الرشد فقد أوتي الخير الكثير: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل}[3].

خليل الله وأبو الأنبياء عليه السلام، الذي أمسك جمرة فؤاده واطمأن أنها على هدى ولم يبالِ بعدها بشيء! {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هذه التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}[4]، إثارة الشك وطرح التساؤل وبيان الاستنكار، منهج النبي الكريم في قلب ميزان الكافرين على ذواتهم المختبأة تحت ظل تمثال! وفيء حجارة! بأسُ الروح الخاوية وجلدُ الباطل الواهي! وانطفاء البصيرة وتحسس آثار من سبق حتى ولو كانوا يمضون إلى الهاوية، لجأ سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى استنزاف الحجة وربط المنطق بواقع الحال واستفزاز صحوة القلوب، وصوت العقول.

وللإمام ابن كثير تفسير واضح وتأويل جميل، فيقول في معنى الآية الكريمة “إن الرشد الذي أوتي لسيدنا إبراهيم تمثل جلياً بالإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله عز وجل، حيث أنهم اعتكفوا لعبادتها واجتمعوا على حجارة لا تضر ولا تنفع”[5].

{قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ}[6]، الحجة السقيمة، التي تلعب على أوتار الزمن بلا تعب، كلما آن لها أن تموت لبى نداءها طائفة من ضعاف العقول فنصروها بقولهم هكذا كان آباؤنا وأجدادنا فاعلين، يعز عليهم كسر صنم الاعتياد، بفأس الحقيقة وساعد الإيمان، عبودية الطين للحجارة أي خواء هذا! بل أي عبادة تلك؟

{قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}، يقول الإمام السعدي رحمه في تفسير الآية الكريمة “من المعلوم أن فعل أحد من الخلق سوى الرسل، ليس بحجة، ولا تجوز به القدوة، خصوصاً في أصل الدين، وتوحيد رب العالمين، ولهذا قال لهم إبراهيم مضللاً الجميع، أي ضلال بين واضح وأي ضلال أبلغ من ضلالهم في الشرك وترك التوحيد وللتوضيح اللفظي أن ليس ما قلتم يصلح للتمسك به وقد اشتركتم مع من سبقكم في الضلال البين”[7].

 {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ}[8]، هكذا قال قوم إبراهيم -لما دعاهم إلى التوحيد- فهم يدركون أن الدين الحق لا يجتمع مع اللعب والباطل؛ وهذا ما يريده بعض المنهزمين أن تعيش الأمة بدين ملفق يجمع أنواعًا من اللعب والباطل مع شيء من الحق، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ}[9]، الحق أبلج والباطل لجلج، وهيهات أن يصبغوا حقنا بباطلهم وأن يدنسوا توحيدنا بشركهم، أراد قوم إبراهيم المفاصلة، فإما توكيد لدعوة الإيمان أو عودة لأهل الأوثان، ولم يعلموا بأن تلك المفاصلة لن تنجب سوى النصر.

{قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمٰوٰتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلٰى ذٰلِكُم مِّنَ الشّٰهِدِينَ}[10]، العقيدة التي انتصر لها سعد ففداه النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم “ارم سعد، فداك أبي وأمي”، التوحيد الذي ذاق حلاوته عمر بصدق الولاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم “الآن يا عمر”، الإسلام الذي أحبته سمية فنالت لقبا ناضل دونه الرجال، هذه الومضات تعلمنا أن خالق السماوات والأرض يهب الإيمان لقلوب حية، لأفئدة تنبض بعزة التوحيد والإسلام، ألقى خليل الله بحقيقة التوحيد أمام أعين المشركين وشهد لهم بذلك، فهل تعشى الأبصار ؟

{وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنٰمَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذٰذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)}[11]، بفأس الحق وساعد الإيمان، بهمة أمة، حُطمت الأصنام واساقطت حجارة الضلال، وتهاوى الباطل في ضعف، وبقي الفأس رمز الحرية من براثن الطغاة، أيقونة المؤمن القوي، الذي اهتدى فآمن فغيّر الفأس الذي ما كان لولا {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}[12].

أبقى خليل الله برهان حجته، كي يعلم من في قلبه حبة خردل من نور أن لا إله إلا الله، وأن لا حول ولا قوة بحجارة لا تدفع عن نفسها ولا عن أمثالها نفعا أوأذى.

{قَالُوا مَن فَعَلَ هٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ الظّٰلِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبْرٰهِيمُ (60)}[13]، يقول الإمام السعدي في تفسير الآيات “فحين رأوا ما حل بأصنامهم من الإهانة والخزي {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ْ} فرموا إبراهيم بالظلم الذي هم أولى به حيث كسرها ولم يدروا أن تكسيره لها من أفضل مناقبه ومن عدله وتوحيده، وإنما الظالم من اتخذها آلهة، وقد رأى ما يفعل بها )[14]، الفتى بعين قومه كان أمة كاملة، المقياس هُنَا أهمية الفرد وإمكانية تغييره لمعادلة الواقع وتبديل المعطيات المحسوسة بإدراك المرء ضرورة إحداث التغيير، بدءاً من هدم طواغيت الذات التي جُعلت أرباباً تُعبد من دون الله بالباطل، فمن غلب هوى نفسه وأمسك جمرة فؤاده يقلبها في كفه كيفما شاء، جُعلت الدنيا أمامه يُغالبها فيغلبُها، فتطوعُ له سيداً عليها قد كفر بأصنامها فأمسى حُراً يُمسك فأس حقه بيمناه، وفسيلة مجده بيسراه، لتطيح أوثان العبودية على وقع هُتاف فردٍ أصبح أُمَّة، وأما من عبدَ وركع وسجد لوحش ذاته الذي اقتات على بقية إنسانيته المتمثلة بحريته ونال من بصيص روحه الذي بهت وخفت فاختفى لأن النور لا يليق بالعبيد، هذا العبد لن تسوؤه عبوديته فهومن ينصب صنماً ويزينه لنفسه ومن ثم يبدأ بعبادته.

{قالوا ءَأَنتَ فَعَلْتَ هٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يٰٓإِبْرٰهِيمُ}[15]، أراد القوم التيقن والتثبت من الأمر، فسألوا النبي الكريم، وهنا كانت حلاوة الإجابة وبرهان الحق إذ قال: {بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ}[16].

المؤمن القوي الذي جمع الحجة والعمل، وضحى بروحه، في سبيل أن يهتدوا، أن يعلموا أن لا إله إلا الله، ما أثمن هذا الكلمات التي تراق على جنباتها الدماء الزكية التي تعبق إيمانا وتنفح توحيداً، أقام الحجة الواضحة، وألقى بالبرهان الجلي ولكنها تعمى القلوب التي في الصدور.

{قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوٓا ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فٰعِلِينَ}[17]، ما كل مجادل يبحث عن الحق أويقبله، فإن إبراهيم أقام لقومه أقوى الحجج والبراهين على بطلان أصنامهم، ومع ذلك اتفقوا عناداً “حرقوه وانصروا آلهتكم”.

{قُلْنَا يٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلٰمًا عَلٰىٓ إِبْرٰهِيمَ}[18]، النداء الإلهي، الذي ربت على روح إبراهيم، حتى النار بشدتها وقسوة ملامحها غدت برداً عليه وسلاماً على روحه المنهكة من مقارعة أهل الباطل والجدال، الطمأنينة التي تنساب من ثنايا الآية الكريمة تجعل كل الخيبات والشتات في محراب المناجاة تضيء منها بواعث الاهتداء، يقول المفكر الشهيد سيد قطب “أنتم الأعلون اعتقادا وتصورا للحياة وأنتم الأعلون ارتباطا وصلة بالعلي الأعلى، وأنتم الأعلون منهجا وهدفا وغاية، وأنتم الأعلون قدوة ومكانا ونصرا”[19].

إن حقيقة التوحيد تكمن في كونه درب لا يعبّد إلا بالتضحيات، ففي كل مرة تغرقنا البلايا، وتتصرم من حولنا حبال الخلق السرابية، لن ينتشلنا سوى حبل الحق الممتد للسماء، لنعلم ونوقن أن الله يعلو ولا يعلى عليه.

* لبابة عبد الناصر حليمة


الهوامش

[1] سورة غافر الآية 28

[2] تاريخ آداب العرب الصفحة 281

[3] سورة الأنبياء الآية 51

[4] سورة الأنبياء الآية 52

[5] تفسير ابن كثير الصفحة 326

[6] سورة الأنبياء الاية 53

[7] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان الصفحة 326

[8] سورة الأنبياء الاية 55

[9] سورة يونس الاية 32

[10] سورة الأنبياء الاية 56

[11] سورة الأنبياء الاية 57 والاية 58

[12] سورة النحل الاية 121

[13] سورة الأنبياء الاية 59 والاية 60

[14] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للامام السعدي الصفحة 327

[15] سورة الأنبياء الاية 62

[16] سورة الأنبياء الاية 63

[17] سورة الأنبياء الاية 68

[18] سورة الأنبياء الاية 69

[19] ظلال القرآن للأستاذ الشهيد سيد قطب في تفسير آية  ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون)

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد