النبوة عند ابن حزم

إبراهيم إسماعيل


يرى ابن حزم أن مجيء الرسل ممكن، فواجب، ثم ممتنع، فهو يقع في حدود الإمكان قبل أن يبعثهم الله تعالى، ولكنه ينتقل بعد بعثهم إلى الوجوب والضرورة، وبناء على الخبر الصادق الذي جاء به خاتم الرسل بأنه لا نبي بعده؛ يقع مجيء الرسل بعد ذلك في حد الامتناع.

وفي بداية تناوله لقضية النبوة يستعرض أبرز حجج منكريها التي وصلت إليه، وهي بطبيعة الحال حجج صادرة عن مؤمن بالإله منكر للنبوة، وأبرز حججهم أن إرسال الرسل إلى أقوام قد يكذبونهم من العبث الذي لا يليق بالحكيم، وما يقال عن أن غاية إرسال الرسل إخراج الناس من الضلال إلى الهدى كان الأولى منه اضطرار عقولهم إلى الإيمان وزرع الهداية فيها.

ويرى ابن حزم أن حججهم متهافتة، فإرسال الرسل لا يستلزم محو الكفر والتكذيب، وجمع البشر على طاعة الباري، وكما كذب قوم الرسل، فقد صدقهم أقوام، وكما يقر منكرو بعث الرسل أن وجود الجحود بمشيئة الله، فكذلك إرسال الرسل بمشيئة الله وهي من دلائله التي خلقها ليدل بها على توحيده، كما إن قولهم باضطرار العقول إلى الإيمان مردود، فإرادة الله اقتضت ألا تدع الخلق بعد خلقهم، فإرسال الرسل من مظاهر العناية الربانية بالخلق.

ويؤكد ابن حزم أن أفعال الباري ليست لعلة، بخلاف أفعال جميع الخلق وأنه لا يقال في شيء من أفعاله تعالى أنه فعل كذا لعلة، فليس لأحد أن يقول لم خلق الإنسان ناطقاً وحرم الحمار النطق، وهكذا إذا بعث تعالى الأنبياء ليس لأحد أن يقول لم بعثهم، أو لم بعث هذا الرجل ولم يبعث هذا الآخر، ولا لم بعثهم في هذا الزمان دون غيره من الأزمان، ولا لم بعثهم في هذا المكان دون غيره من الأمكنة، تعالى الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.

فالنبوة تقع في حد الإمكان وهي بعثة قوم قد خصهم الله تعالى بالفضيلة لا لعلة إلا أنه شاء ذلك فعلمهم العلم بدون تعلم ولا تنقل في مراتبه ولا طلب له.

ثم يتحدث ابن حزم عن ضرورة النبوة فالنبوة –وما يرافقها من وحي- هي من الضرورات المعرفية للبشرية لتستقيم حياتها، فالبشر محتاجون للشرائع التي يأتي بها الأنبياء، وحياة البشر لا تستقيم بلا نبوة، والإقرار بوجود الخالق؛ يقتضي الإقرار بالنبوة، ذلك أن بعثة الله للرسل هي بعض دلائله التي خلقها تعالى ليدل بها على المعرفة به تعالى وعلى توحيده.

 وعن ضرورة النبوة للبشرية يمثِّل ابن حزم لذلك بالعلوم والصناعات التي لا يمكن أن يهتدي أحد إليها بطبعه دون تعليم كالطب ومعرفة الطبائع والأمراض وسببها وتنوعها وعلاجها، فحتى تصل الإنسانية إلى معرفة ذلك تحتاج إلى تجارب تستغرق عشرات آلاف السنين، لأن ذلك يتطلب تجريباً واستقراءً لكل حالة وهذا يقطع دونه قواطع الموت والانشغال بشؤون الحياة والممات، ومثل ذلك الكثير من المعارف التي حصلت عليها البشرية، فلا سبيل إلى اختراع هذه المعارف وابتداء معرفتها بدون هداية، فهي لم تكن إلا بوحي من الله تعالى، ليخلص من ذلك إلى القول: أنه لابد من إنسان واحد فأكثر علَّمهم الله تعالى ابتداء كل هذا دون معلم عن طريق الوحي، وهذه وظيفة النبوة، وعليه فلا بد من نبي أو أنبياء بالضرورة . وهو هنا يؤكد أنه يتحدث عن بداية المعرفة وتشكيلها والهداية إليها، وليس تطويرها المتراكم.

وممن استفاد من حجة ابن حزم هذه لاحقا توما الأكويني، حيث أدخلها في علم الإلهيات عند المدرسيّين كما يقول آنخل بالنثيا -مؤلف تاريخ الفكر الأندلسي- وما ساقه ابن حزم عن ضرورة النبوة ومثَّل عليه بمعارف البشر العادية، فهو في أمور الدين الغيبية أشد ضرورة، وأكثر إلحاحاً، فالوحي هو مصدر المعرفة للدنيا ابتداءً، وللدين على الدوام.

وبما أن دعوى النبوة من الدعوات الجريئة، كان لا بدَّ لها من علامات تؤكد صدق مدعي النبوة، وقد أجمل ابن حزم براهين النبوة في أربع وهي:

1- اختراع الجوهر من العدم: كنبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم.

2- قلب الأعيان وإحالة الطبائع: كقلب العصا حية، وإحياء الموتى.

3- إحالة الأعراض التي لا تزول إلا بفساد حاملها: كسواد الزنجي فهذا لا يقدر عليه أحد دون الله.

4- إحالة الذاتيات: كمن سقى مريضاً ما يضر فيبرء.

 فمن أتى بأحد هذه البراهين، وجب الإيمان به والإقرار بنبوته، وهذه البراهين هي التي دعت اليهود للإقرار بنبوة موسى، وهي التي دعت النصارى للإقرار بنبوة موسى وعيسى، وبمثلها جاء محمد صلى الله عليه وسلم، فوجب عليهم الإقرار بنبوته كما أقروا بالنبوات قبله.

ويلاحظ هنا أن ابن حزم يولي اهتماماً خاصاً بالمعجزة، فهي دليل على صدق مدعي النبوة وما سيترتب عليها لاحقاً من الخبر الصادق الذي جاء به النبي، ويؤكد ابن حزم أن اليقين بتصديق النبي من خلال المعجزة لمن شاهدها، هو في ميزان العقل كذلك عند من لم يشاهدها، لأنها نقلت بالتواتر ممن استشعرها ببدايات العقول وبدايات معارف النفوس وأقر أنه لا سبيل إلى إنكارها، وقضية اشتراط معاينة المعجزة لمن لم يشاهدها لا معنى له، لأن ذلك يعني أنه لا يصدق المرء إلا ما وقع تحت بصره وهذا مرفوض معرفياً.

ومما يلفت النظر في تأكيد ابن حزم على أهمية المعجزات في دعاوى الأنبياء، أنها رؤية معاكسة للاتجاه الذي سلكه بعض المعاصرين من التقليل من قيمة المعجزات أو تأويلها، ولعل ذلك راجع لسياق الخطاب مع الغرب الليبرالي، والبحث عن استيعاب مكتسبات التقدم والحداثة في خطاب هؤلاء المعاصرين.

ومن الأمور التي يشير لها ابن حزم استحالة أن يأمر نبي اتباعه بعدم الإيمان بنبوة غيره، لأنه بذلك يبطل نبوته، ذلك أن سبب تصديقه والإيمان بنبوته هو ما جاء به من برهان (معجزة)، فلو أمر أتباعه بعدم تصديق من يأتي بذات البرهان (المعجزة) فهذا يعني أنه يدعو لعدم التصديق بالبرهان الذي جاء به هو أيضاً.

ومن الفرضيات التي يسوقها ابن حزم لو أن اليهود استشهدوا مثلاً بحديث «لا نبي بعدي» على أنه لا نبي بعد موسى عليه السلام، ويجيب على هذه الفرضية أن اليهود لم يدعوا ذلك لموسى عليه السلام، لكن النبي الخاتم قال ذلك ومن تمام التصديق بخبره بعد اكتمال براهين نبوته الإقرار بامتناع النبوة بعده، وعليه فلن يظهر برهان من براهين النبوة بعده بوجه من الوجوه، لكن براهين النبوة ظهرت بعد موسى عليه السلام، فوجب على اليهود كما أقروا بنبوة موسى بناء على البراهين التي جاء به أن يقروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه جاء بذات البراهين.

وحديث ابن حزم عن امتناع النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم يذكرني بكلام الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، إذ يقول: آية ختم النبوة صدقتها الأيام المتتابعة فها قد مضت أربعة عشر قرناً وما نزل من السماء وحي. وقد حاول الاستعمار الأوروبي أن يضع يده على مخبول في الهند وآخر في إيران ليصنع منهما أنبياء يكابر بهما نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهيهات هيهات فإن الأوروبيين أنفسهم احتقروا الرجل الذي صنعوه فما تبع أحدهم نبي الهند ولا نبي العجم، وبدأت اللعبة تنكشف ويفر عنها المستغفلون!

المعجزة والكرامة والسحر
العالم من جوهر وعرض، فالجواهر وتغييرها كما في النقاط الأربع السالفة، لا يمكن فعلها إلا بالمعجزة، وأما السحر فيمكنه إما تغيير الأعراض التي لا يفسد حاملها كتنفير الحيوان عن مكان ما فلا يقربه، أو التخييل بنمط من الخداع.

فالذي يأتي به الأنبياء عليهم السلام هو إحالة الذاتيات وهذه لا تثبت إلا لنبي، ولا يمكن لغير الأنبياء سواء كانوا سحرة أو فضلاء إحالة الذاتيات، بمعنى أن ابن حزم ينكر كرامات الأولياء، غير أنه يجيز أن تظهر المعجزة في غير شخص النبي تصديقاً له شريطة أن يكون ذلك في عصره وزمانه وليس بعد موته، كالجذع الذي ظهر فيه الحنين والذراع الذي ظهر فيه النطق والعصا التي ظهرت فيها الحياة وسواء كان الذي ظهرت فيه الآية صالحاً أو فاسقاً وذلك كنحو النور الذي ظهر في سوط الطفيل بن عمرو بن حممه الدوسي وبرهان ذلك أنه لم يظهر فيه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.

فابن حزم يجيز أن تظهر المعجزة في غير نبي لكن في عصره لتكون آية لذلك النبي لكنه لا يجيز ظهورها بعد موت النبي لتكون آية له أيضاً، لما في تلك الدعوى من الإشكال والتلبيس لا سيما أن الله تعالى أخبرنا بأنه قد بين علينا الرشد من الغي.

ويؤوِّل ابن حزم بعض الروايات ومنها قصة الثلاثة الذين حبسوا في الغار، وانفرجت الصخرة ثلثاً ثلثاً عندما ذكروا من أعمالهم بقوله: إن تكسير الصخرة ممكن في كل وقت ولكل أحد بلا إعجاز وما كان هكذا فجائز وقوعه بالدعاء وبغير الدعاء لكن وقع وفاقاً لتمنيه كمن دعا في موت عدوه أو تفريج همه أو بلوغ أمنيته في دنياه، ويسوق ابن حزم قصة حدثه بها حكم بن منذر بن سعيد أن أباه كان في جماعة في سفرة في صحراء فعطشوا وأيقنوا بالهلكة ونزلوا في ظل جبل ينتظرون الموت قال فأسند رأسه إلى حجر ناتئ فتأذى به فقلعه فاندفع الماء العذب من تحته فشربوا وتزودا، ويؤكد ابن حزم أن مثل هذا كثير لكنه ليس من جنس المعجزات.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد