المعمدانية.. الكنيسة التي تعتبر بابا الكاثوليك دجالا!

أحمد الحمصي


ربما يفاجأ معظم المسلمين إذا عرفوا أن الكثير من الكنائس المسيحية يكفّر بعضها بعضاً، وأن التاريخ المسيحي شهد حروباً عنيفة أيضا بين أتباع الكنائس المختلفة، بدءا بما يسمى “الانشقاق الكبير” الذي أسفر عن كنيسة كاثوليكية وأخرى أرثوذكسية عام 1054م، ثم انشقاق البروتستانت عن الكاثوليك في القرن السادس عشر، ووصولا إلى انشقاقات لا تحصى عن البروتستانتية نفسها، والتي لم يكتف بعضها بتكفير الكاثوليك، حيث ترى الكنيسة المعمدانية أن بابا الكاثوليك هو عدو المسيح (الدجال) نفسه.

جون سميث

تعود بداية المعمدانية إلى عام 1609 عندما نظمها جون سميث في إنكلترا، وكانت البداية برفضها معمودية الأطفال لعدم أهليتهم، فقالت إنه لا بد من تمتع المسيحي بحرية الاعتقاد عندما يصبح بالغا وأن يتعمد بالتغطيس الكامل.

نادت المعمدانية أيضا بفصل الكنيسة عن الدولة، واستقلال الكنائس المحلية، وتفسير الكتاب المقدّس تفسيرًا حرفيًّا، وأنكر بعضهم لاهوت المسيح، وتمسك بعضهم الآخر بمذهب وحدة الوجود.

ومن اللافت أنهم يعتبرون نشأتهم تعود إلى العهد الجديد من الكتاب المقدس، وذلك بعدما ترجم “وليم تندال” الكتاب المقدس من اللاتينية إلى اللغة الإنكليزية ونشرها عام 1526 في إنكلترا، فظهرت بذلك الكنائس الإصلاحية البروتستانتية، ومنها المعمدانية، عندما اكتشف العوام وصغار الكهنة تناقضات الكاثوليكية وخفايا وأخطاء الكتاب المقدس التي كان يخفيها كبار رجال الفاتيكان عن الناس.

يرفض المعمدانيون الكثير من مظاهر التبعية لرجال الدين، ويعتبرون دفع العشور أمرا إلهيا، وأن الأسرار المقدسة بدعة لم يثبتها الإنجيل، ويرفضون الاعتراف للكاهن والصلاة للقدّيسين.

أما بابا الفاتيكان فيعتبرونه عدوا، إذ تقول وثيقة “إقرار الإيمان المعمداني” في الفصل السادس والعشرين: “لا يمكن أن يكون بابا روما بأي شكل هو رأس الكنيسة، وإنما هو عدو المسيح، وإنسان الخطيئة، وابن الهلاك الذي يمجد نفسه في الكنيسة بمواجهة المسيح”.

ويقول القس المعمداني وديع ميخائيل في كتابة “سلطان الكنيسة.. أين”: “لا توجد خلافة للرسل. يقول الأسقف رايل فقد كان لهم (للرسل) موهبة إعلان الإنجيل بدون أخطاء، وبدقة معصومة إلى الحد الذي لم يأت أحد بعدهم ليعمل ما عملوه، في هذا الصدد وبكل الدقة لا يوجد شيء اسمه الخلافة الرسولية” [ص27].

الفاتيكان

يهاجم المعمدانيون أيضا الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الذي أسس المسيحية في شكلها الحالي، فيقول ج.م كارول في كتابه تاريخ الكنيسة المعمدانية “تحت قيادة الامبراطور قسطنطين جاءت فترة مهادنة وتودد بغرض الزواج، إذ سعت الإمبراطورية الرومانية في شخص إمبراطورها قسطنطين إلى الاقتران بالمسيحية أو قالت وقتئذ قولها أعطونا من قوتكم الروحية ونحن نعطيكم من قوتنا الدنيوية.. وفي سنة 313م وجه نداء إلى جميع الكنائس المسيحية أو ممثليها يجتمعون معًا، وحضر المجمع كثير من الكنائس وتم الاتحاد وتكونت حكومة الكهنة، وبتكوين هذه السلطة الكهنوتية أنزل المسيح عن العرش بصفته رئيسًا للكنائس وتوج الإمبراطور قسطنطين كرأس للكنيسة” [تاريخ الكنيسة المعمدانية، ترجمة هارفي لبيب ميخائيل، ص 44].

ويقول أيضا “إن الكنيسة الزانية التي أقرنت بالحكومة سنة 313م في أيام الإمبراطور قسطنطين الأكبر أصبحت الآن رأس البيت، وهي الآن تملي السياسة على حكومة البلاد” [ص 73].

ومن عقائد هذه الطائفة إنكار حدوث المعجزات على أيدي القديسين، ويقولون إن المعجزات انتهت بانتهاء عصر الرسل وأي معجزات تحدث اليوم فمصدرها هو الشيطان.

انتشرت المعمدانية في القارة الأميركية الجديدة عندما هرب الكثير من البروتستانت من إنجلترا إلى العالم الجديد في القرن السابع عشر، ثم تأسست عدة كنائس معمدانية في إيطاليا وألمانيا وإسبانيا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

تعد هذه الكنيسة اليوم صاحبة نفوذ قوي في أميركا، فهي تملك دور نشر ومؤسسات تربوية وإعلامية ومستشفيات وملاجئ للأيتام ودورا للعجزة، ولها نشاط تبشيري عالمي.

ومع أن هذه الطائفة المنشقة حملت أفكارا ثورية وإصلاحية، فقد تفرقت أيضا أحزابا ومذاهب عدة، وصارت هناك كنائس معمدانية كثيرة ومتعددة، بل ومتناحرة أحيانا.

ومنذ ثمانينات القرن العشرين، هناك جهود كبيرة تبذل لإجراء حوار بين المعمدانية والفاتيكان، وفي 2007 أجرى البابا بيندكت السادس عشر سلسلة لقاءات مع زعماء المعمدانية، كما صرح رئيس الجمعية العالمية المعمدانية جون أبتون عند استقالة البابا في 2013 بأنه يقدر الحفاوة التي وجدوها في الفاتيكان. وهذا يعني أن البابا لم يعد في رأيهم -المعلن على الأقل- بمثابة الدجال!

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد