اللغة العربية حتمية

أحمد القاري

الأستاذ أحمد القاري، باحث ورحالة مغربي، يقوم بجولات متعددة كل عام بين قارات العالم لرصد تفاعل الشعوب مع ثقافاتها ولغاتها الوطنية، ويقدم لنا في هذا المقال خلاصة تجربته بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية المعتمد من قبل الأمم المتحدة.

شهد اليوم العالمي للغة العربية، الموافق للثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر، تفاعلا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي، ونقاشا قويا حول وضع اللغة العربية والموقف منها وحالها تجاه اللغات الأخرى.

حتى الخارجية الفرنسية ساهمت في النقاش وأخبرتنا بمعلومة جديدة، وهي أن أكثر من 500 كلمة فرنسية أصلها عربي!

تغريدة الخارجية الفرنسية في الموضوع على حسابها العربي على تويتر تمت إعادة تغريدها مئات المرات. وحصلت على مئات الإعجابات ومئات الردود.

اليوم تدرك المؤسسات الغربية أهمية التواصل مع المتلقي العربي بلغته، ولذلك أصبحت تستثمر في هذا المجال، ويتنامى باستمرار حجم المحتوى العربي على الإنترنت، ويصل “مثقفون” عرب إلى إدراك متأخر بأن أفضل وسيلة للمساهمة في النقاش العام في العالم العربي تمر عبر استخدام العربية، وأن استخدام الإنجليزية أو الفرنسية لا يعطي أي ميزة أو أفضلية للكاتب العربي حين يوجه خطابه لمواطنيه وأبناء العالم العربي.

يحصل هذا لأن التواصل الاجتماعي مجال يسيطر عليه المجتمع والناس ولم تتمكن السلطات من ضبطه وتوجيهه حتى الآن. إنه مجال تظهر فيه قوة اللغة الأم، خاصة العربية التي تفتح فرصة لحوار يتجاوز الحدود الترابية لأكثر من عشرين بلدا، ويجعل النقاش العام عابرا للأقطار.

الدواعي العملية ستؤدي لمزيد من اعتماد العربية وسيلة تواصل أساسية في كل المحيط العربي، ووسيلة تفاهم مشترك في غرب أفريقيا، وبالنسبة لعشرات الملايين من المسلمين ممن يحسنون العربية ويحبونها.

تجارب ناجحة
مرة أخرى سيحقق المجتمع العربي إنجازا لا تساهم فيه المؤسسات الرسمية ودوائر الدول المساهمة المطلوبة، وإذا أرادت الحكومات العربية أن تعرف كيف تخدم اللغة فلتطلع على تجربة “الفرنسة” في إقليم كيبيك الكندي حيث سخرت كل الأدوات القانونية والموارد المالية والإدارية لتكون الفرنسية لغة التعليم والإدارة والتواصل في الإقليم، ولتصمد في وجه بحر الإنجليزية الذي يحيط بكيبيك، فهناك لا يحثون الشعب على تعلم الإنجليزية، بل يشجعونه على إهمال تعلمها!

في سائر بلدان الشرق والغرب تعد اللغة مسألة لا تقبل الحياد ولا الحسابات الاقتصادية، إنها مسألة هوية. هل يمكن المساومة على الهوية؟

في اليابان والصين وتايوان وهونغ كونغ يصرون على استخدام أنظمة كتاباتهم المعقدة ويترجمون كل كلمة علمية أو مصطلح جديد إلى مصطلح محلي.

حتى الماركات تأخذ أسماء محلية إذا أرادت أن تنجح، ولا أحد يعتبر استخدام اليابانيين لنسخة ويكيبيديا اليابانية بنسبة 94 في المائة من إجمالي استخدامهم لهذه الموسوعة العالمية حالة من الإنغلاق اللغوي!

وفي أيسلندا يدرسون الطب والهندسة والاقتصاد باللغة الأيسلندية، وهي لغة لا يتكلمها أكثر من 300 ألف شخص في العالم، ولا يشتكون أبدا من عبء الترجمة اليومي المطلوب لتظل لغتهم “مواكبة” لـ”التطور العلمي”. حين سألتهم من يقوم بهذا الجهد؟ أجابوا “إنها مهمة الجميع!”.

وفي سلوفاكيا تجد رفوف قسم التدبير في مكتبة تجارية كلها باللغة السلوفاكية، فكيف يمكن النهوض بالاقتصاد دون أن يتم ذلك باللغة المحلية؟

هذا شيء فهمته معظم دول العالم فخصصت له ميزانيات ضخمة للترجمة، وشرعت قوانين تحمي اللغة الوطنية من الإهمال والإقصاء وتحول دون شعور من لا يحسن لغة أجنبية بالغربة في وطنه، مثلما يحصل في بعض الأحياء “الراقية” من بلدان المشرق والمغرب العربيين.

اللغة الوطنية ضرورة
المعادلة بسيطة، لا اقتصاد ولا علوم ولا نهضة دون استخدام العربية في كل المجالات، طالب الاقتصاد في المغرب يحتار هل يبذل الجهد لضبط لغة التدريس الأجنبية أو لإتقان معادلات الإحصاء وقواعد المحاسبة، وكثيرا ما يتخرج باستخدام حيل تمكنه من اجتياز الامتحانات وهو ضعيف فيها جميعا، ولذلك تندر المؤلفات الاقتصادية المحلية، لكن التأليف بلغة أجنبية أمر لن يحسنه إلا آحاد من الناس.

وطالب الطب في القاهرة يتلقى الدرس بالإنجليزية، ويحاور المريض بالعربية، فيضيع في ثنايا ذلك كثير من المعاني وينخفض مستوى الخدمة.

سألت طلبة في أيسلندا: كيف تدرسون الطب بالأيسلندية؟ فأجاب أحدهم: أليست الخدمات الصحية ستقدم بالأيسلندية؟

ستعود بلداننا وشركاتنا وجامعاتنا للعربية مرغمة ولأسباب عملية، فطريق التفوق والجودة مرهون باستخدام اللغة أو اللغات الوطنية، فلم لا تفعل ذلك فورا وتوفر علينا سنوات ضائعة إضافية؟!

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد