الصلاة وسيلة تغيير

إيمان محمد

 

كنا نناقش يومها سُبل التّغيير، وكأننا نبرم بين بعضنا اتفاقاً عاماً نلزم أنفسنا به كتعهد طوال العام، على أن يكون هذا التعهد يحمل الأثر الواضح في الحياة، أي على أرض الواقع، وكان ما طرحته تلك الفتاة يبدو عادياً لوهلة، إلا أنه كان حقيقة مميزاً وعميقاً إلى أبعد حد ممكن.

ففي الحين الذي أعلنت إحداهن الرغبة في زيادة حصّتها العلمية، وقررت أخرى الاهتمام برعاية أسرة يتيمة، وتحدثت ثالثة عن التبرع بنقود للفقراء والمساكين، قالت هي بأنها تريد أن تركز على أمر واحد فقط لا غير، وهو أن تجعل صلاتها أفضل.

قد يتراءى لنا جميعاً أنه عملٌ عادي، له أثر شخصي وخاص بها، ولكن فهمها لأبعاد الصلاة وتأثيرها في الحياة كان المحور والأساس.

بداية لقد انطلقت الفتاة من فهمها الصادق لقوله تعالى: “إن الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم” [الرعد:11]. فكان تغيير ما بالنفس هو المحور والانطلاقة لكل شيء، وقد ربطت تغيير ما بالنفس بالصلاة وقد فهمت تماماً أن التغيير يحتاج قوة، والقوة لا يمكن أن تستمد إلا بالصلة المتينة بالله سبحانه وتعالى، وهذا ما تفعله الصلاة.

لم تكن إشارتها لتحسين الصلاة مرتبطة بالأمور الظاهرة كالحركات والسكنات وحسب، بل تعداه إلى تأثير الصلاة في الحياة، وقد استحضرت سريعاً  آية وعتها وفهمت من خلالها أيضاً دور الصلاة في التغيير، قال تعالى: “اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ” ]العنكبوت: 45[.

كيف للصلاة أن تنهى عن الفواحش إن لم تصدق هذه الصّلة، فتعمل في النفس عمل التطهير من الذنوب، وتعمل أيضاً عمل الوقاية من ارتكابها، فيكون الارتباط الوثيق للمسلم بالله، وهو يتمعن الإنسان في النداء، ويسارع إليه كمحتاج باحثٍ عن من يسمعه فيلبيه، وهو مؤمن بأنه لن يخيبه، ويتوضأ لا ليتجدد خمس مرات في اليوم نظافة وحسب، بل ليستشعر في قلبه ذلك الطهر، وتساقط ذنوبه مع كل قطرة ماء تتساقط على جسده مطهّرة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟”، قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: “فذلك مثل الصلوات الخمس؛ يمحو الله بهن الخطايا”؛ متفق عليه.

تفكير جديد
قالتها في تلك اللحظة ودفعتنا لأن نعيد التفكير في المسألة من جديد.

كيف للصلاة حقاً أن تحفظنا، وتغيّرنا لنغير ما حولنا، كيف لها أن تستعيد الإنسان من الفجوة الحاصلة بينه وبين واقعه، فتبنيه البناء الصحيح. إن الإشكالية الكبرى التي وقع فيها المسلمون في صلاتهم كونهم  لا يصلّون الصلاة التي أمر الله بها عباده المؤمنين، هم يصلون وحسب، وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن صلاتهم هذه صحيحة.

قال تعالى: “قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ” [المؤمنون:1-2[، والخشوع ليس بالضرورة ذرف للدموع أو البكاء، بل هو تدبر متواصل ومستمر للقرآن، وتفاعل حقيقي مع الله في علاقة تربط المسلم به تعالى، كما تربطه بالمجتمع وبالكون ككل.

الصلاة التي تتصل فعلاً بالله، والتي تغيّر القلب، وتحيي العقل والروح، فينعكس ذلك كله على الأفعال، على الحياة والسلوك، فالذين لا تتصل قلوبهم بالصلاة لا يمكن أن تشكل صلواتهم رادعاً لهم عن الخطأ، وفقط أولئك الذين تعلموا من كل تفصيل في الصلاة عبرة ودرساً يجعلهم أفضل، هم الذين طبقوا الإسلام بأفضل وسيلة ممكنة.

من جعلوا فترة ما بين التكبيرة والتسليمتين مفتاحاً للتغيير، واستجابوا لنداء الله حين قال في كتابه العزيز: “إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي” ]طه: 14[. فكانت الصلاة إحياء الروح باستمرار ذكر الله، وحضور الإيمان في قلب الإنسان المؤمن.

ولعل شيئاً ما في داخل كل منا يميل بإصرار للاتّصال بالله تعالى بطريقة أو بأخرى، حاجة قوية تدفعنا لنجمع الدعاء وهو خطابنا له، والقرآن وهو خطابه لنا في عبادة واحدة.

حركات وسكنات تمثّل كل منها دعوة إلى حياة الاستقامة، وتربية عليها، تناغم كامل كلّي يأخذ المسلم إلى عالم آخر في أيّ بقعة من العالم كان، وفي أيّ ظرف أو حال، فهي الأمن والسكن، والملجأ والراحة، والكهف الذي نلبث فيه قليلاً ثم ننطلق عبره إلى العالم بروح مختلفة.

يلخص ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لبلال رضي الله عنه: “أرحنا بها يا بلال”، وكأنما فيها طلب الراحة المطلقة من ضجيج الحياة وما يتحمله صاحب الرسالة فيها من كدّ وتعب وعناء.

هي راحة منذ سماع التكبيرة الأولى للأذان، وحتى الوضوء فالتكبير للصلاة، فأداء للصلاة على تمامها حتى التسليمتين.

راحة بتوزيع أوقاتها على الليل والنهار لتكون الحارس الأهم الذي يحصّن المسلم من الوقوع في المهالك، ولذلك كان الحث مستمراً على الاهتمام بها وعدم التفريط فيها.
قال ﺗﻌﺎﻟﻰ: “فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا” [النساء: 103]، ﻭقال تعالى: “حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى” [البقرة: 238]، وكفى للصلاة أهمية أنها كانت آخر ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته المسلمين حين قال: “ﺍﻟﺼﻼﺓ ﺍﻟﺼﻼﺓ، ﻭﻣﺎ ﻣﻠﻜﺖ ﺃﻳﻤﺎﻧﻜﻢ”. حديث صحيح، غير أن الأمة حين غُيّبت أخذت ظاهر الوصية في صلاة شكلية، وتناست الجوهر فغاب الأثر، وحين تستعيد صلاتها ستعود لتحيي الموات بإذن الله.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد