النزعة الفردية ومحاولة التحرر (3)

هادي صلاحات

 

بعد أن قرر عامة الشباب الغربي في أواخر الستينيات الابتعاد عن السياسة، والبدء بتغيير النفس كمقدمة لتغيير المجتمع، وجدوا الملاذ في أفكار المحلل النفسي النمساوي فيلهلم رايش المناهضة لمدرسة سيغموند فرويد، والتي تقول بوجوب التعبير عن المشاعر بدل كبتها وتحطيم القيود التي وضعها المجتمع.

رايش

كان رايش أحد أتباع مدرسة فرويد، لكن بدأ الصدام بينهما عندما رأى رايش أن الطبيعة البشرية خيّرة في أصلها، وأن العنف ناتج عن منع الدافع الأصلي من التعبير عن نفسه، وأن هذا الدافع كان الرغبة والطاقة الجنسية (libido). وبالتالي فإن إطلاق العنان للرغبة الجنسية سيمنح البشر الازدهار، لذا دعا إلى الحرية الجنسية.

وفي المقابل كان فرويد يرى أن البشر حيوانات شرسة تقودها غرائزها البدائية، وكانت ابنته أنّا ترى أن الغريزة الجنسية خطر يجب ضبطه.

بدأ الصدام بين رايش ومدرسة فرويد في ثلاثينيات القرن العشرين، فاستطاعت أنّا –التي كانت بأوج نفوذها- أن تطرد رايش من الرابطة الدولية للتحليل النفسي، وتدمر حياته المهنية، فهاجر إلى الولايات المتحدة، وبلغ هوسه بالطاقة الجنسية حد الجنون، حتى باع جهازًا ادعى أنه يستخدم الطاقة الجنسية لعلاج السرطان، مما أدى لسجنه وإتلاف كتبه، ثم انتهت حياته عام 1957 بعد سجنه بعام.

في هذا الكتاب الذي يسوّقه معهد إيسالن على موقعه يشرح قصة انطلاقته واستمراره على مدى أكثر من خمسة عقود في ظل تراجع إيمان الأمريكيين بالأديان

وحتى بعد وفاة رايش، كانت مجموعة صغيرة من المعالجين النفسيين تطور تقنيات تستند إلى أفكار رايش وتسمح للأفراد بتحرير أنفسهم من الضوابط التي يزرعها المجتمع في عقولهم. وأسسوا على أحد شواطئ كاليفورنيا مركزا يُدعى معهد “إيسالن” (Esalen Institute).

ويعد معهد إيسالن مهد حركة العصر الجديد، وهي امتداد حديث للمذاهب الباطنية التي تغلغلت في العديد من الأديان والفلسفات الشرقية كالهندوسية والبوذية، وتغلغلت في الديانات السماوية كذلك. ومن أهم معتقداتها:

• الكل واحد (وحدة الوجود)، فكل شيء هو الإله والإله هو كل شيء، وهذا يعني أن كل ما هو موجود إنما هو انطباع لذلك الكلي وتجلٍ له فليس في الوجود شيء غيره، وهي فكرة مأخوذة من فلسفات شرقية.

• الإنسان هو الإله أو جزء من الإله (تأليه الإنسان)، وهذه الفكرة نتيجة للفكرة السابقة، فعندما يتوحد الإنسان مع “المطلق” يتأله الإنسان نفسه.

• الإنسان لا يموت وإنما يستمر في الحياة من خلال التقمص والتناسخ، أي بانتقال الروح بعد الموت من جسد بشري إلى كائن أعلى للتنعم أو أدنى للتعذّب.

• الإنسان يخلق واقعه الخاص وقيمه ومعتقداته ويحقق مراده خلال حالات الوعي المغيرة التي يدخل فيها، وهو بذلك لا يحتاج إلى الوحي للإجابة على الأسئلة الكبرى التي يقدمها الدين، كما أنّ الإنسان هو الذي يخلق بزعمهم محيط حياته ويتحكم بمستقبله وصحته وسعادته عن طريق قوة عقله الباطن.

• الغيبيات من قبيل الإله والملائكة واليوم الآخر، هي أمور لا تتعدى كونها تصورات ذهنية بحتة قد تفيد من يعتقد بها، إلا أنه ليس لها في الواقع حقيقة ثابتة.

وقد أعاد معهد إيسالن دمج الفكر الإلحادي مع عقائد الحلول والاتحاد بدلّا من الإلحاد المحض لتناسب اعتقاد الناس المؤمنين بوجود إله. فيتم اليوم الترويج لهذه المعتقدات من خلال بعض دورات “التنمية البشرية” و”اليوغا” و”قانون الجذب”.

صورة لمبنى معهد إيسالن من موقعه الرسمي

كان المعهد يحتضن لقاءات جماعية لدفع الأفراد للتعبير علنًا ​​عما يختلج في صدورهم، بحجة أن الإنسان يحصل على الاستقلالية والحرية من خلال التعبير عن “نفسه الداخلية” الحقيقية، ومن ثم يُخلق الإنسان المستقل الجديد المتحرر من أي تكييف اجتماعي.

كانت هذه الأفكار جذابة للشباب الرافضين للمجتمع الاستهلاكي المادي، حيث بات بإمكانهم استخدام هذه التقنيات لاكتشاف ذواتهم وإطلاق العنان لأنفسهم، والتحرر من قيود المجتمع للإطاحة بالنظام القديم. وهكذا كان الإقبال على المعهد كبيرًا حتى أصبح مركزا لحركة تسعى إلى تمكين النزعة الفردية، وهي “حركة الإمكانات البشرية” Human Potential Movement – HPM.

وتحت إشراف معهد إيسالن، استهدفت حركة الإمكانات البشرية عدة فئات؛ منها فئة الراهبات، فقد رأت الحركة أن هذه الفئة بحاجة إلى التحرر. وأُجريت التجربة على راهبات دير القلب الطاهر (Convent of The Immaculate Heart) أحد أكبر المعاهد الدينية في أمريكا، حيث قَبِل الدير بخوض التجربة ليظهر بمظهر عصري.

تم إخبار الراهبات بأنّهن خيّرات بطبيعتهن، وأن عليهن إطلاق العنان لأنفسهن وأن يكنّ على سجيتهن، ويعشن بشخصيتهن الحقيقية، فلا داعي لأداء دور الراهبة!

وهكذا عمل معهد إيسالن على إطلاق و”تحرير” الغريزة الجنسية لدى الراهبات، وهي الغريزة الأكثر تقييدًا في الكنيسة. فكانت نتيجة هذا “التحرر” أنه خلال عام تخلت أكثر من 300 راهبة عن الحياة الدينية، فأغلق الدير أبوابه، ولم تبق فيه سوى مجموعة صغيرة من “الراهبات” السحاقيات!

إيرهارد

تسارعَ انتشار النزعة الفردية التحررية وانتقلت لبعد جديد بظهور “فيرنر إيرهارد”، حيث ابتكر ما أسماه ندوة إيرهارد للتدريب (Erhard Seminar Training – EST)، والتي تستمد الكثير من أساليبها من حركة الإمكانات البشرية. وإذا كانت تلك الحركة تزعم تحرير الإنسان من خلال الكشف عن نواة النفس الإنسانية وجوهرها الخيّر بالفطرة، فإنّ إيرهارد رأى أن هذا الجوهر هو قيد بحد ذاته.

تقوم فلسفة إيرهارد على أنّه وبالغوص عميقًا داخل النفس وإزالة كافة الطبقات التي تغلف نواتها، فإن المتبقي هو “لا شيء”، فالهدف هو إدراك خواء النفس في جوهرها وانعدام معناها!

وزعم ايرهارد أنّ هذا يعطي الفرد حرية عظيمة تمكنه من أن ينشئ نفسه من جديد وأن يصبح كما يريد أن يكون، وذلك بإزالة كل القوانين والقواعد التي تحكم الفرد، فلا يوجد أي اعتبار للمجتمع، والفرد وحده هو المهم، وسعادته هي الأولوية القصوى، ولا دور للحكومة أو المجتمع في ذلك.

ونتيجة لنجاح ورواج ندوات ايرهارد؛ أصبح الشباب الراديكاليون في أواخر ستينيات القرن العشرين، والذين أرادوا اكتشاف ذواتهم لتغيير المجتمع والحكومات، أصبحوا في غضون سنوات مجموعة من الشباب الحفاة العراة المنشغلين بممارسة الجنس وتناول المخدرات والمسكرات “الهيبيز”.

وهكذا نشأ شكل جديد للجمهور يسعى للتحرر من كل الضوابط بحجة اكتشاف الذات وإطلاق العنان لها، وهذا شكّل أزمة للشركات الأمريكية، حيث لم يعد المستهلك يتصرف كما هو متوقع منه.

وفي المقال القادم سنرى كيف تعاملت الشركات مع هذا الشكل الجديد للجمهور.


المصادر والمراجع:

The Century of the Self, Adam Curtis, BBC, 2002.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد