المجتمع الاستهلاكي (2)

هادي صلاحات

 

بعد نجاح أساليب إدوارد بيرنيز، ومن ثم نشره لكتب خاله سيغموند فرويد، سطع نجم فرويد عند عموم الشعب الأمريكي، ومن بعده كانت ابنته أنّا فرويد التي تابعت مسيرة والدها.

كانت أنّا فرويد ترى وجوب “تأقلم” الأفراد مع المجتمع، وذلك لتزداد ثقة الشخص بنفسه وبالتالي شعوره براحة نفسية. ومن هنا بدأ سعي نحو التكيف مع المجتمع، بدلًا من محاولة تغييره وتصحيح مساره.

سيغموند فرويد مع ابنته أنّا

وبعد الاستعانة بالمحللين النفسيين لعلاج الجنود الذين عانوا من انهيارات عصبية جرّاء ما رأوه من أهوال الحرب العالمية الثانية، علا شأن التحليل النفسي في أمريكا، ليخلق ليس فقط المواطن النموذجي بل أيضًا المُستهلك النموذجي.

تابع المحلل النفسي إيرنست دكتر الجهود الرامية إلى فهم اللاوعي والتحكم فيه، فأقام مجموعات تركيز focus groups تتمحور حول المنتجات، فيما يشبه تلك المستخدمة في العلاج النفسي، لمراقبة ردود أفعال الأشخاص عند عرض الإعلانات عليهم، لفهم شخصية المستهلك ونظرته لذاته ودوافعه، وتوظيف ذلك كله في عمليات التسويق.

وحيث أن دكتر شاطر أنّا فرويد رؤيتها، فإنّ هدفه كان إنشاء “مجتمع مستقر” من خلال تعزيز الاستهلاك الذي يعطي الناس هوية مشتركة متسقة مع من حولهم، ويمنحهم الفرصة للتنفيس عن إحباطاتهم من خلال إنفاقهم على ملذاتهم، ومحاولتهم شراء المنتجات التي تعزز نظرتهم لذاتهم.

ومن هنا، ومع طغيان النزعة الاستهلاكية، وسيطرة الصورة التسويقية والإعلان، نشأت الفتشية (الوثنية) السلعية، وأصبحت السلع والاستهلاك هي طموح الإنسان، وهي التي تحدد قيمته!

ويظهر ذلك بشكل ملموس في المجتمع المعاصر، حيث يشعر الشخص بالدونية أمام غيره، لا لفوارق فكرية أو أخلاقية، بل لمجرد أنّ الأخير يركب سيارة فارهة أو حتى لمجرد امتلاكه هاتفًا ذكيًا أكثر تطورًا، بمعنى أنّ قيمة الإنسان أصبحت تتحدد بقيمة السلع التي يمتلكها ويستهلكها!

وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز النزعة الاستهلاكية، من خلال إتاحة الفرصة للجمهور بأن يُظهر بل ويتباهى بما يملك ويستهلك.

وفي ظل هذا المجتمع الاستهلاكي تتحول كل المفاهيم إلى أشياء مادية وسلع قابلة للترويج، فتحتكم لمتطلبات الإعلان وقوة الصورة؛ فالأخبار سلعة، ويتم الترويج لها من خلال الهوية البصرية الجذابة للقناة الإخبارية. والفكر سلعة، يتم الترويج لها من خلال أغلفة الكتب البراقة، وحتى الخطاب الديني بات سلعة، يتم الترويج لها من خلال شكل الداعية وأسلوبه.

وليس فقط القيم والأفكار هي التي مُسخت لسلع مادية، بل الإنسان نفسه -بالنسبة لهذه الشركات- بات مجرد مصدرٍ لزيادة الأرباح، وفي النهاية لم تعد للمضمون أهمية تذكر، بل ما يجذب المستهلك ويزيد عدد المشاهدات هو المهم!

التقادم الممنهج: هو استراتيجية تهدف لضمان أنّ الإصدار الحالي لمنتج معين سيصبح غير مفيد و”غير مواكب للعصر” خلال فترة زمنية معروفة، وقطاع الهواتف الذكية هو أوضح مثال على هذه الاستراتيجية.

وبالعودة إلى أنّا فرويد وإيرنست دكتر؛ فإنّ هجمة عنيفة بدأت استنكارًا لاستخدام قطاع الأعمال للتحليل النفسي بغية التحكم في الناس. فكان أحد أكثر الكتب مبيعًا “المُقنِعون الخفيّون” قد اتهم مؤلفه “فانس باكارد” المحللين النفسيين بمسخ الشعب الأمريكي إلى دمى عاطفية تتمثل وظيفتها الوحيدة في الحفاظ على خطوط الإنتاج الضخمة من خلال التلاعب برغبات الناس الكامنة في لاوعيهم، وذلك لخلق توق دائم لأي علامة تجارية أو موديل جديد. فيصبح الناس رغمًا عنهم جزءًا مما يسمى بعملية “التقادم الممنهج”.

في مقابلة مع الروائي والمسرحي أرثر ميلر زوج الممثلة مارلين مونرو السابق؛ والتي كان انتحارها بدايات ستينات القرن الماضي مسمارًا في نعش مدرسة فرويد، قال:
“إن انتقادي للتحليل النفسي هذه الأيام هو وجود تلك الفكرة المسبقة بأنّ المعاناة خطأ، أو علامة ضعف، أو حتى علامة مرض. بينما في الواقع، ربما تكون أكبر الحقائق التي نعرفها قد خرجت من معاناة الناس.
إن الغاية من المعاناة أن تزيد معارفنا وتُلهم حياتنا وتحركها، فتكون المشكلة في محاولة إلغائها ومحوها من على وجه الأرض، بل وفي محاولات علاج أنفسنا منها باستمرار وتجنبها، وتجنب كل شيء إلا ذلك الشعور الأحمق، والمسمى زورًا بالسعادة!
يبدو لي أن هناك الكثير من محاولات للسيطرة على الإنسان بدلًا من تحريره، وتأطيره بدلًا من تركه وشأنه، وأنها جزء من أيديولوجية هذا العصر المجنون بالسلطة”.

استمر الهجوم على يد الفيلسوف والناقد الاجتماعي “هربرت ماركوز”، والذي كان على دراية بالتحليل النفسي. وكان يرى أن هذا التطبيق “الصبياني” للتحليل النفسي لا يأخذ في الاعتبار على الإطلاق الهدر السياسي الحقيقي الممنهج لموارد التكنولوجيا والعملية الإنتاجية، حيث الإنتاج الهائل لمنتجات -هي في النهاية- متشابهة.

أضف لذلك أن الرفاهية برأيه تؤدي -سواءً بشكل واعٍ أو غير واعٍ- إلى وجود فُصامي. فهناك نزعة عدائية وتدميرية مهولة يمكن استثارتها ببساطة، وقد تراكمت نتيجة الرفاهية الفارغة.

هربرت ماركوز

وبالتالي رفض ماركوز فكرة حتمية السيطرة على الناس، حيث –حسب ماركوز- عواطف الناس ورغباتهم اللاواعية لم تكن شريرة أو عنيفة بالوراثة، بل أدى كبت هذه العواطف، للتأقلم مع المجتمع، إلى زيادة خطورتها. خصوصًا أن المجتمع كان فاسدًا. فيقول ماركوز إن فساد المجتمع تجب مواجهته وليس التكيّف معه.

وكان سبب انتقاد ماركوز الشديد لمدرسة فرويد، أنّها ساهمت في خلق عالم أصبحت فيه السلع وسيلة الناس الوحيدة للتعبير عن مشاعرهم وهوياتهم. فنتج الإنسان أحادي البعد: الإنسان الطيّع المقموع.

من هنا تصاعدت الاحتجاجات الطلابية في الجامعات على الأسلوب الذي تتبعه الشركات الأمريكية لتعزيز النزعة الاستهلاكية وغسل أدمغة الجمهور، في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة ترتكب الفظائع في فيتنام، وذلك نهاية ستينات القرن الماضي.

وقد جابهت الحكومة الأمريكية تلك الاحتجاجات بقمع عنيف أودى بحياة أربعة طلاب عُزّل. فما كان من هؤلاء الشباب المحتجين إلا أن ابتعدوا عن السياسة، للبدء بتغيير أنفسهم بغرض تغيير المجتمع في نهاية المطاف.

وفي المقال القادم سنبين الطريق التي سلكها هؤلاء الشباب في مواجهتهم لسيطرة الشركات وتدفق الإنتاج.


المصادر والمراجع:

صناعة الواقع، محمد علي، مركز تفكر للبحوث والدراسات، 2014.

قوة الصورة، أحمد دعدوش، ناشري للنشر الالكتروني، 2014.

The Century of the Self, Adam Curtis, BBC, 2002.

https://www.investopedia.com/terms/p/planned_obsolescence.asp

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد