نشوء النزعة الاستهلاكية (1)

هادي صلاحات

بعد نجاح الثورة الفرنسية، ظهر تأثير الجماهير جليًا، مما دعا علماء النفس لدراستها؛ وكان من أهم من جعل الجماهير موضوعًا لدراساته هو عالم النفس غوستاف لوبون، من خلال كتابه “سيكولوجية الجماهير”.

وقد نظر لوبون إلى الجمهور بأنهم قطيع لا يستطيع أن يستغني عن سيد، فالجماهير لا تستطيع أن تقود نفسها بل تنقاد خلف من يقودها، سواء كان هذا القائد إنسانًا، أم وسيلة إعلام توفر للجماهير عبارات جاهزة تعفيهم من التفكير.

وأحد أهم من شاطر لوبون نظرته للجماهير، هو عالم النفس مؤسس المدرسة التحليلية في علم النفس سيغموند فرويد، والذي استكمل دراسات لوبون من خلال دراسته للجماهير الدائمة، وليس فقط الجماهير الثورية “العارضة”.

إدوارد بيرنيز

إلا أن إدوارد بيرنيز -أحد مؤسسي علم العلاقات العامة وابن أخت فرويد- هو من أعطى لدراسات فرويد بُعدًا آخر. حيث يذكر بيرنيز في مستهل الفصل الرابع من كتابه “البروباغاندا” أن دوافع وعواطف الجموع تختلف عنها لدى الأفراد متفرقين، وبالتالي فإنّ فهم هذه الدوافع سيؤدي إلى التحكم بالجماهير والتلاعب بهم دون حتى أن يدركوا ذلك.

وبالفعل تمكن بيرنيز من التلاعب بعقول الجماهير وتغيير قيم المجتمع الأمريكي بأسره، وذلك بما يخدم الجهات المتنفذة اقتصاديًا وسياسيًا.

وأمثلة ذلك كثيرة، ومنها حين أخبر “جورج هيل” مدير مؤسسة التبغ الأمريكية بيرنيز أن مُصنّعي السجائر يفقدون ما يقارب نصف زبائنهم المحتملين لأن تدخين المرأة لم يكن مقبولاً في المجتمع الأمريكي حينها (عشرينيات القرن الماضي).

فقام بيرنيز باستغلال موكب عيد الفصح الذي يُقام سنويًا في نيويورك وما يصاحبه من تغطية إعلامية، وأوعز لمجموعة كبيرة من النساء بأن يقمن بإشعال السجائر، ومن ثم أخبر الصحافة بأن مجموعة من المُطالبات بحق المرأة في التصويت قمن بالاحتجاج من خلال إشعال “مشاعل الحرية”.

وبهذا ضمن بيرنيز ليس فقط تقبّل المجتمع لتدخين المرأة، بل تأييده لذلك أيضًا. ففي النهاية المرأة الحاملة لمشعل الحرية (تمثال الحرية) هي رمز نيويورك خاصة والولايات المتحدة الأمريكية عامة. وإلى الآن ما زالت توصف النساء المدخنات بأنّهن “متحررات”.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد لجأ مدير مؤسسة التبغ الأمريكية لبيرنيز مرة أخرى، وذلك حين لاحظ قلة إقبال النساء على سجائر “lucky strike” بسبب لون العلبة الأخضر المتعارض مع “الموضة” في حينه. كما أوضح له أنّ تغيير لون العلبة يعني خسارة ملايين الدولارات المنفقة على الحملات الإعلانية المرتبطة باللون الأخضر.

فما كان من بيرنيز إلا أن قام بتغيير “الموضة” برمتها؛ حيث طلب من إحدى نساء المجتمع المخملي إقامة حفلة مرتدية اللون الأخضر، كما وتواصل مع زبائنه وعملائه من دور أزياء فرنسية، فأصبح اللون الأخضر هو آخر صيحات الموضة.

مثال آخر على تلاعب بيرنيز بعادات المجتمع، كان عندما واجهت شركة “Beechnut Packing Co” انخفاضًا في مبيعات لحم الخنزير المقدد “bacon”، حيث وجد بيرنيز أنّ الشعب الأمريكي يتناول وجبة إفطار خفيفة.
لجأ إلى أحد الأطباء الذي وجد بدوره أنّ الإفطار يجب أن يكون غنيًا بالسعرات الحرارية، لاحتياج الجسم للطاقة لبقية اليوم.ومن ثم طلب الطبيب من 5000 طبيب آخر بأن يؤكدوا على ما توصل إليه، فوافق 4500 منهم على ذلك. وانتشر الخبر في الصحف بأنّ 4500 طبيبًا يحثون على تناول إفطار غني بالسعرات الحرارية “حفاظًا على صحة الشعب الأمريكي”.
وأضافت العديد من الصحف بأنه يجب تضمين لحم الخنزير المقدد والبيض ضمن وجبة الإفطار. والآن يعتبر طبق البيض واللحم المقدد ضمن وجبة الإفطار جزءًا من “الثقافة الأمريكية”.وهكذا تضافرت الأبحاث “العلمية” مع الآلة الإعلامية، ورسمت عادات المجتمع، فيما يخدم الامبراطوريات الاقتصادية.

هذا وكان بيرنيز أحد أوائل الذين استخدموا الممثلين والنجوم كإحدى أدوات التسويق، من خلال صورهم على أغلفة المجلات، وما يرتدونه في الأفلام. وقد دفع بيرنيز لكثير من المشاهير المال كي ينقلوا رسالة مفادها أنّك تشتري هذه الثياب ليس من منطلق الحاجة، بل لتُعبر عن نظرتك لذاتك، والذي أُطلق عليه “علم نفس الأزياء”.

كان الرئيس الأمريكي “كالفين كوليدج” رجلًا هادئًا قليل الكلام؛ فصورته الصحافة على أنه شخص ممل عبوس، فكان حل بيرنيز هو أن يفعل بالضبط ما فعله مع المنتجات، حيث أقنع 34 من أشهر نجوم السينما بزيارة البيت الأبيض. وفي اليوم التالي، تناولت كل الصحف الخبر في صفحاتها الأولى، وكيف استضاف الرئيس الممثلين بحفاوة وبهجة.

وهكذا أصبح التركيز ليس على جودة السلعة أو منفعتها الفعلية بل على القيمة المعنوية التي تعِد السلعة بإضافتها، وذلك فقط باقترانها بصورة المجتمع الراقي أو الممثل الوسيم أو النجمة الجذابة، فقد أدرك بيرنيز أنّه من الممكن حمل الناس على القيام بتصرفات لاعقلانية، فقط بربط المنتجات برغباتهم العاطفية ومشاعرهم.وبهذا نقل بيرنيز الجماهير من البحث عن “الحاجات” إلى السعي نحو “الرغبات”. وشكّل لديهم ما تسمى بالنزعة الاستهلاكية، وذلك بجعل الاستهلاك غاية بحد ذاته، فكانت النزعة الاستهلاكية إحدى الأدوات التي استخدمها بيرنيز للتلاعب بالجماهير.

الكثير من الإعلانات فيها استخفاف صارخ بعقل المشاهد، كربط إحدى أكثر السلع ضررًا على الصحة واللياقة، بأحد أكثر اللاعبين سرعة. وكأنّ هناك حالة من التأكد بأنّ اللاعقلانية تنتصر على العقلانية

وقد أدركت الشركات أهمية ذلك في مواجهة خطر “الإفراط في الإنتاج”، والمتمثل في اكتفاء الناس وتوقفهم عن الشراء والاستهلاك.

وحيث أن البنوك في تلك الفترة أصبحت بذاتها مؤسسات احتكارية قوية دخلت في عملية الإنتاج ونفذت إلى الصناعة؛ فقد صرّح “بول م. مازر” أحد الشركاء الرئيسيين في بنك “ليمان براذرز” (Lehman Brothers) بأنّه “يجب نقل أمريكا من ثقافة الاحتياجات إلى ثقافة الرغبات، فتكون هناك رغبة بشراء سلع جديدة رغم عدم تلف القديمة، ويجب تشكيل عقلية جديدة للرجل الأمريكي تطغى فيها رغباته على احتياجاته”.

وتحقق ذلك بشكل رسمي بتولي هربرت هوفر رئاسة الولايات المتحدة عام 1929، والذي صرّح بوضوح بأنّ الاستهلاك سيكون المحرك الرئيس للحياة الأمريكية.

وفي المقال القادم سنرى أثر النزعة الاستهلاكية حين تكون سمة من سمات المجتمع.


المصادر والمراجع

صناعة الواقع، محمد علي فرح، مركز تفكر للبحوث والدراسات، 2014.

قوة الصورة، أحمد دعدوش، ناشري للنشر الالكتروني، 2014.

Propaganda, Edward L. Bernays, Liveright Publishing Corporation, New York, 1928.

The Century of the Self, Adam Curtis, BBC, 2002.

http://www.prmuseum.org/video-and-audio/

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد