الإلحاد بين القديم والجديد

image_print

كانت العقائد الدينية المنزّلة السليمة – وحتى المحرّفة- ذات دلالة واضحة وكافية على وجود بارئ للكون والإنسان، إلّا أنّ انغماس النّفوس الضعيفة في الترويج للباطل يحثّ الناس على التشبّث بروح التّمرد على الدين، مما يزيد حجم مخالفة البشرية لنداء فطرتها، ويسهم في ازدياد الإعراض عن آيات الله في كونه وجحده خالقًا بارئًا، مما يفسّر جزءًا من ظهور الملاحدة في كل عصر ينادون بأفكارهم الشّاذة والترويج لآرائهم المناقضة للمنطق، وممانعة الحقّ بإنكار وجود الله عزّ وجل والعمى عن رؤية آياته.

لقد أنزل الله عزّ وجل آياته تدعو إلى الحق، وسخّر رجالاً في كلّ عصر يحملون لواء الدفاع عن دينه، ويصدّون أفكار المتمرّدين على رسالات الأنبياء بالحكمة والموعظة الحسنة، منعًا لانتشار تُرّهاتهم بين الناس، وإيقافًا لتسرّب ضلالاتهم فتعمل على إفساد إيمانهم.

الإلحاد بين الصعود والخفوت
إذا أردنا أن نعود إلى أصل نشأة الإلحاد في البشرية، فإننا نجد أنّ المشكلات التي يواجهها الإنسان على مرّ العصور لطالما كانت تأخذ طابعاً أخلاقياً ينمّ عن وجود خلل عقدي في النفس البشرية، والإلحاد مشكلة عقدية من أعظم المشكلات التي واجهها العالم قديماً، ومازال يواجهها في العصر الحديث، وهو السبب الرئيس لجميع المشكلات الأخرى والاضطرابات التي تواجه العالم، ولم يستطع التقدّم الحضاري أن يجد حلاًّ نهائيا لهذه المشكلة، وقد كان للإسلام دور عظيم في معالجتها، فقد اعترف القرآن الكريم بوجود الدهريين وأمر المسلمين بحوارهم والردّ على شبهاتهم ، وسجّل صوراً من جدلهم فقال: {وقالوا ما هي إلاّ حياتنا الدنيا نموتُ ونحيا وما يهلكنا إلاّ الدّهرُ ومالهم بذلك من علمٍ إن هم إلا يظنّون* وإذا تتلى عليهم آياتنا بيّنات ما كان حجّتهم إلاّ أن قالوا ائتوا بآياتنا إن كنتم صادقين}[ الجاثية: 24-25].

وقد سبقت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أفكار وفلسفات إلحادية، تَمثّلها من افترى التناقض بين الدين والفلسفة والعلم والعقل، وتطوّرت الأفكار الإلحادية مع الزمن إلى أن تبلورت بشكل مختلف تماماً عن حالها الأول، حيث أنشئت منظمات ومؤسّسات وجمعيات ومنتديات تجمع مفكّري الإلحادي تحت  مسمّى مذاهب وتيارات، وتبنّت الإلحاد دول عظمى –كالاتحاد السوفييتي المنحلّ- حرمت رعاياها من اقتناء أيّ كتاب مقدّس، وعدّت كل من اقتناها مجرماً يعاقَب قانونًا، مما جعل الملحدين يأخذون نفساً في كل مصرٍ وقطر، ويحاربون الدين باسم العلم ومن ورائهم دولٌ ومؤسسات ترعى حقوقهم.

شعار الاتحاد السوفييتي متبني الإلحاد

وها نحن نرى اليوم أن ملفّ الإلحاد لم يطوَ كاملاً، بل يلاحَظ أن حضوره يتصاعد وأن انتشاره يزداد منذ ركوب رجالاته وداعميه ثورة التكنولوجيا الرقمية وانتشار شبكات التواصل واستغلالهم أزمات البشرية وكوارث العالم للدعوة إليه وتشويه مبدأ التديّن والإيمان بالغيب تحت غطاء العقلانية.

دعاوى قاصرة حول الإلحاد
تواجه المجتمعات تحدّي انتشار ظاهرة الإلحاد اليوم، ويعود سبب كبير لهذه الظاهرة إلى غياب اهتمام أكثر المفكرين والعلماء عن إدراك أغلب المستجدات حيال هذا الملف؛ بل إن كثيراً منهم لا يكاد يخرج تصوّره عن واقع الإلحاد اليوم عن أحد تصورين:

الأول منهما يتلخص في القول: إن الإلحاد ما هو إلا مشهد استثنائي في البشرية وشذوذ نفسي، وأنه قلّما نجد ملحداً في مجموع الجنس البشري، فهم –برأيهم- قلة ضئيلة لا تكاد تذكر نسبتهم إلى مجموع البشر، وقد يسانَد هذا القول ببعض المقولات التراثية؛ كمقولة الإمام الشهرستاني: “أما تعطيل العالم عن الصانع العليم القادر الحكيم فلست أراها مقالة، ولا عرفت عليها صاحب مقالة، إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدّهرية”.

أما التّصور الثاني: فيقول إنّ الإلحاد ما هو إلا حالة اقترنت في العهد القريب بالحالة الشيوعية، ففي الوقت الذي تمددّت فيه الظاهرة الشيوعية تمددت فيه الظاهرة الإلحادية، وحين تقلصت الشيوعية تقلّص الإلحاد، وبالتالي يستغرب أصحاب هذا الوصف الاهتمام بملف الإلحاد في هذا الوقت الذي انحسرت فيه ظاهرة الشيوعية منذ سنوات.

وللإنصاف فإنّ الدول التي تحللت من قبضة الشيوعية شهدت عودة كبيرة للتدين وترك الإلحاد، ولكن دولًا أخرى شهدت تمدُّدًا وتصاعدًا في ظاهرة الإلحاد، وهذه الموجة تستدعي رصدها وتسليط الضوء عليها للحدّ من انتشارها، كما أن هذا التصور لا يمكن قبوله بشكلٍ مطلق إذا ما نظرنا إلى الإلحاد ببعدها التاريخي، إذ إنه موجود قبل وجود الشيوعية في الواقع وبعدها.

الإلحاد في الغرب قديماً وحديثاً
لقد كان الإلحاد عند الغرب ناتجاً عن سيطرة الفكر المادّي، ومع إقرارنا بأنّه لا تعارض بين الكشوفات العلمية وقضية الوجود الإلهي، إلا أن الإلحاد استقطب قطاعاً عريضاً من الفلاسفة والمفكّرين الغربيّين وشرائح من الجماهير منذ الجاهليّة اليونانيّة إلى العصر الذي نعيش فيه، ويعيد دارسو الفلسفة القديمة ظاهرة الإلحاد إلى الفيلسوف اليوناني ديموقريطس (460 -370 ق م) الذي أعاد تولد العوالم وموتها إلى الضرورة والصيرورة، دون أن تحتاج إلى خلق الإله لها، ولعلنا نجد أهميته بوصف كارل ماركس (1818-1883م) له، فهو أوّل عقل موسوعي بين اليونانيّين –بتعبيره-، أما لينين (1870-1924م): فيرى أنّه ألمع دعاة المادّيّة في العالم القديم.

كارل ماركس متبني الإلحاد

كارل ماركس

 لقد صار –الإلحاد- مع تطوّر الحضارة الغربيّة مذهباً فلسفيّاً، وبلغ ذروته مع الماركسيّة بمادّيتها الجدليّة والتاريخيّة التي هيمنت على أحزاب وحكومات ومجتمعات مثّلت أكبر ظواهر الإلحاد في التّاريخ الإنساني، إلى أن جاء سقوطها المدوّي أوائل العقد الأخير من القرن العشرين.

ولا يُنكر بحال من الأحوال بأنّ ولادة الإلحاد في الغرب كانت أقدم من الكنيسة، إلا أنه انتشر بشكل واضح وعلني بعد أن وضعت الكنيسة قيودها على عقول الشعب، وأحكمت علهم الضغوطات الدينية، ففي منتصف القرن الثامن عشر وحتى بداية القرن التاسع عشر أصبح الإلحاد منهجاً وفلسفة يُبشّر بها على أيدي فلاسفة مختلفين بدؤوا بتحليل الظواهر العلمية والنفسية والاجتماعية بطريقة جديدة لا دور للخالق في هذه الظواهر.

ومع القرن العشرين انتشرت الفلسفات الوضعية التي يعدّ أوجست كونت (ت:1857م) المؤسّس الأول لها، فهي تتعامل مع الظواهر والوقائع المادية فقط وتتبنى شعار (ما لا يمكن رصده، لا وجود له) رافضة كل تفكير في الغيبيات وعلى رأسها الإله.

إلحاد متنامٍ بين الواقع والأسباب
لا بد من الإشارة إلى أنّ كثيرًا ممن ألحد من شباب العرب وشيبها في العقود الأخيرة لم يكن عن نتاج بحث وطول نقد وتفكير، وإنما انجرارًا مع التيّار أو ضياعًا مؤكّدًا لمن لا أساس علمي له أمام الشبهات الملقاة عليه، فالإلحاد المتصاعد لدى كثير من شباب العرب اليوم بعيد كلّ البعد عن دعاوى العقل والبحث، لأنه لم ينبع منهما بكل بساطة، وإنما كان مرآة لتقليد الغرب وانكسارًا أمام الشبهات.

عودة على وصف الإلحاد بأنه قليل وأهله “شرذمة” كما ورد في كلام الإمام الشهرستاني، إلا أنه لا يمكن القبول بهذا الوصف عن الإلحاد في المرحلة التاريخية القديمة له، إذ إن الواقع العقدي الذي نشهده اليوم مختلف تماماً عن واقع هذه المقولة، فانتشار الإلحاد في العالمَين الغربي والعربي واتساع خارطته يشي بأن أهله يزدادون وأنشطتهم تتصاعد وتأثيرهم ينمو في الواقع، فبحسب كتاب حقائق العالم الصادر عن CIA فإن نسبة معتنقي الإلحاد تجاوز 2،01%من مجموع الجنس البشري، ويمثل اللادينيون 9،66% وذلك بحسب إحصائية صدرت عام 2010م، هذا وفي الوقت الذي يمثّل فيه اليهود 0،22% فقط من مجموع البشر.

أما بالنسبة للعالم العربي فقد كانت نتائج الإحصائيات مخيفة بحسب ما أعلن معهد غالوب الدولي عام 2012م، بعد أن أجرى استطلاعًا في عدد من الدول العربية شمل ألوفًا من مختلف شرائح الشباب في هذه المجتمعات، أوضح أن نسبة الملحدين قاربت 6%من سكان المملكة العربية السعودية لتكون بذلك أول بلد عربي يتجاوز الإلحاد فيه نسبة 5% مقابل 75%من المتدينين و19% ممن يرون أنفسهم غير متدينين.

وبطبيعة الحال فإنّ هذه الأرقام تقفز سريعاً وبشكل كبير في أيامنا الحالية في عصر الانفتاح الالكتروني وتبادل الأخبار والعلوم والأفكار بسرعة لم يكن العقل الإنساني يتخيلها. إلا أن هذه الأرقام تؤكد بدورها أن ثمّة تغيراً كبيراً في طبيعة التوزيع الديموغرافي للملاحدة اليوم، وأن الإلحاد لم يعد تلك الحالة الشاذة في المشهد العقدي.

إن من أبرز الأسباب التي ساعدت في انتشار الإلحاد في تلك الفترة هي الظروف السياسية والاجتماعية، التي أودت بالشباب إلى إنكار وجود مدبر لهذا الكون، أو منشئ له، والمتهم هو الإسلام كما يدعي الفكر الإلحادي العربي، وعلى رأسهم من اتبع ايديولوجيات غربية إلى حد الماركسية، أو القلّة منهم التي قلدت الفئة الوجودية.

إنّ الإلحاد موجود بين البشر وليس بغريب عنهم؛ فهو ظاهرة قديمة متجددة تنمو تتطور بواقع الحال، ويجب أن نقرّ بوجودها إلا أنها حالةٌ غير شرعيّة لروح البشرية، وشذوذ عن الفطرة السليمة، ونشاز في تناغم الإنسان مع مطالب الروح، ولا بدّ من بذل الجهد في البحث عن أسباب هذه الظاهرة ووضع الحلول المناسبة لمكافحتها.


المصادر والمراجع:

  • الله والإلحاد، القس الدكتور أمير ثروت، النشر p t w ، مطبعة سان مارك.
  • الإلحاد في الغرب، رمسيس عوض، سينا للنشر، القاهرة، الانتشار العربي، بيروت ط1،1997م
  • الإلحاد مشكلة نفسيّة، عمرو شريف،ط1 نيوبوك للنشر والتوزيع، القاهرة، 1437ه/2016م
  • نظرات في الفكر الإلحادي الحديث، مشير عون.
  • الإلحاد في العصر الحاضر وموقف العقيدة الإسلامية منه، عبد العزيز المحمدي.
  • الملل والنحل، الشهرستاني، ت: محمد الكيلاني.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد